Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

المرابطون

الكاتب

أ.د/ حسن علي حسن

المرابطون

بدأت حركة المرابطين كدعوةٍ دينيةٍ إصلاحيةٍ في الصحراء الكبرى على يد الفقيه عبد الله بن ياسين، لتكون بعد ذلك دولةً قويةً بقيادة يوسف بن تاشفين، الذي وحّد المغرب والأندلس بعد انتصاره في معركة الزلاقة، ورغم ازدهارها الحضاريّ والعلميّ، إلا أنها سقطت بسبب ضعف قادتها وظهور حركة الموحدين التي أنهت حكمهم.

تأسيس حركة المرابطين

شهد المغرب الأقصى في النصف الأول من القرن الخامس الهجري، الحادي عشر الميلادي، حركة دينية هي حركة المرابطين التي انبثقت في الصحراء جنوبي المغرب الأقصى وغيرت من وجه الحياة في شتى صورها، سياسيةً كانت أم إداريةً أم اقتصاديةً أم اجتماعيةً، وامتد تأثير حركة المرابطين إلى الأندلس حيث خضعت لسلطة المرابطين.

وقد نمت وازدهرت دعوة المرابطين في ديار المُلَثَّمين أبناء صنهاجة بفضل الفقيه المالكي عبد الله بن ياسين الذي وَفَدَ على المنطقة فاصطحبه زعيم قبيلة جدالة يحيى بن إبراهيم الجدالي عقب عودته من الحج ومروره بالقيروان، وشاهد يحيى الجدالي الحركة العلمية ومجالس العلم في القيروان، وقارن بين هذه النهضة العلمية وحياة الجهل والظلام التي تفشت بين عشيرته ومواطنيه من جدالة، ومن ثَمَّ أحسَّ يحيى بحاجة مواطنيه إلى فقيه يعلمهم أحكام الإسلام الصحيح، وبعد عدة محاولات نجح يحيى الجدالي في اصطحاب الفقيه عبد الله بن ياسين الخردلي إلى مضارب جدالة.

وعبد الله بن ياسين أصلًا من أبناء الصحراء من قبيلة جزولة إحدى بطون جدالة، ومسقط رأسه قرية تسمى (تماما تاوت) في طريق صحراء غانة من غرب إفريقيا [البكري: المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب، ص١٦٥].

فرحت قبيلة جدالة بمجيء الفقيه ابن ياسين، إلا أن فترة الترحيب لم تستمر طويلًا وذلك حين بدأ ابن ياسين تغيير العادات التي أَلِفُوها، من الانهماك في الملذات وجهلهم بأحكام الدين، وذلك حين فرض عليهم تعاليم الإسلام التي تخالف ما درجوا عليه، ومن هنا نشأت الجفوة والإعراض عن ابن ياسين وخاصة في صفوف الزعماء والنبلاء الذين هاجموا ابن ياسين وهدموا داره فاضطر ابن ياسين إلى الرحيل عن مضارب جدالة إلى جزيرة منعزلة بحوض السنغال وصحبه بعض مريديه وعلى رأسهم يحيى الجدالي.

وفي هذه الجزيرة المنعزلة التي اتخذها رباطًا له ولأتباعه كان الدور الإيجابي في تأسيس الدعوة ونشرها، وإعداد مريديه إعدادًا دينيًا صارمًا، وأقبل عليه أبناء الصحراء للانخراط في رباطه حتى إذا كثر أتباعه وصاروا منفذين لأوامره أطلق عليهم لقب "مرابطين".

واختلف المؤرخون في سبب هذه التسمية؛ فابن أبي دينار يُعَلِّل ذلك بسبب ملازمتهم للرباط الذي بناه [المؤنس، ص١٠٢]. ومنهم من أرجع هذه التسمية إلى شدة صبرهم وحسن بلائهم في المعارك [الحلل الموشية، ص١٠].

ثم انتقل ابن ياسين بأتباعه من الدور النظري لدعوته إلى دور التطبيق والتنفيذ حين أعلن عن ضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك في النداء الذي وجهه إلى رؤسائهم: (يا معشر المرابطين إنكم جمع كثير وأنتم وجوه قبائلكم ورؤساء عشائركم وقد أصلحكم الله تعالى وهداكم إلى صراط مستقيم، فوجب عليكم أن تشكروا نعمته عليكم وتأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر وتجاهدوا في سبيل الله حق جهاده).

وقد بين لهم ابن ياسين ووضَّح كيفية تبليغ الدعوة: (اخرجوا على بركة الله وأنذروا قومكم وخوفوهم عقاب الله وأبلغوهم حجته، فإن تابوا ورجعوا إلى الحق وأقلعوا عما هم عليه فخلوا سبيلهم، وإن أبوا من ذلك وتمادوا في غيهم ولجّوا في طغيانهم استعنَّا بالله تعالى عليهم وجاهدناهم حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين).

انطلقت جموع المرابطين نحو قبائل الصحراء تنشر المبادئ الإسلامية الصحيحة بين صفوف البربر، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.

وتركّزَ نشاطُ المرابطين في البداية بين شعب صنهاجة الذي ضم عدة قبائل، وكانت أعدادهم كثيرة، مما دفع ابن خلدون إلى القول: (لا يكاد قُطر من أقطاره يخلو من بطونهم في جبل أو بسيط حتى لقد زعم كثير من الناس أنهم الثلث من أول البربر) [العبر، ج٦، ص١٥٢].

القبائل المؤسسة لدولة المرابطين

ويهمنا هنا الإشارة إلى التعريف بالقبائل المؤسسة لدولة المرابطين، ويأتي في مقدمتها: قبيلة لَمْتُونَة وهي إحدى قبائل صنهاجة والتي كانت تتمتع بمكانة مرموقة بين القبائل الأخرى إذ كانت لها الزعامة والسيطرة على غيرها من القبائل.

وأما مواطنهم فتمتد من وادي نون على المحيط الأطلسي حتى رأس بوجادور الحالية، وإلى الشرق من وادي نون تقع مدينة (أزكى) وهي حصن لمتونة ومعقلها، ويبدو أن هذه القبيلة توغلت في الصحراء شرقًا حتى تدرك الطريق الموصل بين غانة وسجلماسة.

وكان أبناء القبيلة يشتغلون بالرعي، ورأس مالهم الأغنام، ويعيشون على لحوم وألبان الأغنام التي يرعونها [المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب، ص١٦٤].

وقد دخلت قبيلة لمتونة في طاعة المرابطين، ومن ثم عمد ابن ياسين إلى نقل زعامة الدعوة من قبيلة جدالة إلى لمتونة حتى تتمكن الدعوة الناشئة من تثبيت أقدامها، وظلت هذه الزعامة موجودة في لمتونة متمثلة في أسرة يوسف بن تاشفين وأبنائه حتى انتهت دولة المرابطين، واحتل أبناء لمتونة أرفع المناصب، إذ حرص أمراء المسلمين من بني تاشفين على أن يولوا مناصب الدولة من أبناء القبائل المؤسسة وعلى رأسها قبيلة لمتونة، وشاركوا في الحياة الاجتماعية بالبلاد وصاروا يزاولون أنواعًا مختلفة من النشاط سواء أكان زراعيًا أم صناعيًا وتجاريًا، يضاف إلى ذلك انخراطهم في الحياة العسكرية وقيامهم بعبء كبير في النشاط العسكري الذي قام به المرابطون سواء أكان بالمغرب أم الأندلس.

والقبيلة الثانية المؤسسة لدولة المرابطين هي قبيلة جدالة، إحدى قبائل صنهاجة، وأبناؤها ينتجعون المراعي ويقيمون بالصحراء، وكانت مضاربهم تمتد حتى مصب نهر السنغال متخذة مدينة (أوليل) مركزًا لها، وقد تحملت قبيلة جدالة عبء الدعوة المرابطية في مراحلها الأولى بعد مجئ ابن ياسين بصحبة زعيم جدالة، يحيى بن إبراهيم الجدالي.

وكانت جدالة تتمتع بمركز ممتاز بين القبائل المؤسسة لدولة المرابطين واحتل أبناؤها مراكز هامة في الدولة فضلًا عن اشتراكهم في الكفاح المسلح للمرابطين.

والقبيلة الثالثة المؤسسة لدولة المرابطين، هي قبيلة مسوفة، وكانت مضاربها تمتد في منطقة قاحلة مجدبة تقع بين سجلماسة في الشمال وأودغشت في الجنوب.

وهم يشتغلون بالرعي واعتمادهم في معيشتهم على لحوم الأغنام وألبانها، فضلًا عن سيطرتها على التجارة المارة بين أودغشت في الجنوب وسجلماسه في الشمال، وقد شغل بعض أبنائها بعض المراكز الهامة في الدولة.

والقبيلة الرابعة المؤسسة لدولة المرابطين هي قبيلة لمطة، وهي إحدى القبائل الصنهاجية وتعيش في المنطقة الممتدة من جبال درنة حتى وادي نول القريب من المحيط الأطلسي.

وهذه القبائل الأربع كانت عماد قوة المرابطين في زحفهم من جنوب الصحراء وانطلاقهم إلى الشمال في المغرب الأقصى حيث استطاع ولاة الأمر من المرابطين صهر القبائل الوافدة مع غيرها من القبائل المقيمة بالمغرب الأقصى في ظل مجتمع المرابطين.

النشاط السياسي والعسكري لدولة المرابطين

بعد وفاة الأمير يحيى بن إبراهيم الجدالي في سنة ٤٤٧هـ/١٠٥٥م، نقل ابن ياسين السلطة العسكرية من قبيلة جدالة إلى قبيلة لمتونة وذلك حين اختار يحيى بن عمر اللمتوني قائدًا لجند المرابطين نظرًا لتمتع قبيلة لمتونة بمكانة مرموقة في مجتمع المُلَثَّمِين وسيطرتها على طرق التجارة الداخلية مما أكسبها ثروة وغنى، وقد تتابع أبناء لمتونة في السلطة حتى نهاية حكم المرابطين.

وتلبيةً لاستغاثة فقهاء درعة وسجلماسة بابن ياسين وقواته لإنقاذ البلاد من الفساد والظلم المنتشر بينهم، استجاب المرابطون لهذا النداء سنة ٤٤٧هـ/ ١٠٥٥م، وذلك تمشيًا مع مبادئهم، وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكانت البداية لانطلاق المرابطين نحو المناطق الشمالية واستيلائهم على العديد من المدن في المغرب الأقصى.

ثم تولَّى قيادة المرابطين سنة ٤٤٨هـ/ ١٠٥٦م، أبو بكر بن عمر بعد استشهاد أخيه الأمير يحيى بن عمر في الشمال، وقد اتجه إلى استكمال غزو بقية القبائل وفيها قبائل برغواطة.

وخلال المعارك أصيب الداعية عبد الله بن ياسين بجراح خطيرة أدت إلى وفاته سنة ٤٤٩هـ/١٠٥٧م، وواصل الأمير اللمتوني نشاطه العسكري في المناطق الشمالية بعد أن اتخذ مدينة أغمات عاصمة له، إلا أن ثورة نشبت في الجنوب اضطرته إلى ترك ابن عمه يوسف بن تاشفين في قيادة جند الشمال وعاد إلى الصحراء ببعض الجنود.

وهنا يظهر على مسرح الأحداث الأمير يوسف بن تاشفين المؤسس الحقيقي لدولة المرابطين، وقد أشار إلى نسبه ابن أبي زرع بقوله: (هو أمير المسلمين يوسف بن تاشفين بن إبراهيم بن تركوت بن وارنقطين بن منصور بن مصالة بن أمية بن واتملي بن تليت الحميري الصنهاجي اللمتوني من ولد عبد شمس بن وائل بن حمير، وأمه حرة لمتونية بنت عم أبيه، واسمها فاطمة [ابن أبي زرع: الأنيس، ج٢، ص٣٥].

وقد تجمعت في هذا القائد المرابطي صفات الزعامة والقيادة من نجدة وشجاعة وحزم ومهابة، مما جعل قلوب المرابطين تلتف حوله، وما إن حلّت سنة ٤٦٧هـ/١٠٧٤م، حتى كان يوسف بن تاشفين قد أحكم قبضته على المغرب الأقصى ومكن لسلطانه السياسي في البلاد.

ومن الأعمال البارزة للأمير يوسف بن تاشفين انطلاقه إلى الأندلس لإنقاذها من هجمات الفرنج المتواصلة، واستغاثة أهل الأندلس وأمرائها بالمرابطين لإنقاذهم، وقد لبَّى الأمير المرابطي نداء الاستغاثة وانطلق بقواته في حركة جهاد كبيرة لإغاثة المسلمين في الأندلس وإنقاذهم، وكانت معركة الزلاقة الكبيرة سنة ٤٧٩هـ/ ١٠٨٦م ضد الأذفونش وجنوده من الفرنج - كانت معركة رهيبة انتصر فيها المرابطون، وترتب على هذا النصر عدة نتائج أبرزها:

تعرف الأمير يوسف بن تاشفين على حالة التفكك والضعف الذي يعيشه أمراء الطوائف بالأندلس، فضلًا عن هجمات الفرنج المتكررة على مدن الأندلس وما تُحدثه من خراب ودمار، ومن ثم اضطر الأمير يوسف بن تاشفين إلى العودة إلى الأندلس في عدة حملات حتى تم الاستيلاء عليها، وبذلك صارت تابعة لسلطة المرابطين.

وفي سنة ٥٠٠هـ/١١٠٦م، توفي أمير المسلمين يوسف بن تاشفين بعد أن عهد إلى ابنه وولي عهده علي بن يوسف بالحكم ووصّاه بعدّة وصايا، منها: الحرص على العلاقات الطيبة بينه وبين قبائل المصامدة، والمحافظة على المعاهدة المعقودة بين المرابطين وبين بني هود في الأندلس، والمعاملة الطيبة لسكان قرطبة.

اقتفى الأمير علي بن يوسف سياسة أبيه، وأشارت المصادر إلى تمتعه بكثير من الخصال الطيبة، فقد كان حسن السيرة، نزيه النفس، بعيدًا عن الظلم، [المعجب: ص١٧٦] وبجانب ذلك استعان بالفقهاء والعلماء في تسيير دفة الحكم في البلاد.

شرع الأمير علي بن يوسف في استكمال الجهود الحربية التي بدأها والده في ميدان الأندلس وذلك لصد هجمات الفرنج المتكررة؛ لذلك نراه يعبُر بنفسه قائدًا لجيوش المرابطين إلى الأندلس أربع مرات، وهذا الجهاد أكسبه حب رعيته، فضلًا عن رضا الخلافة العباسية في المشرق ومباركتها لنشاطه العسكري.

سقوط دولة المرابطين

غير أن الدولة المرابطية لم تنعم بالاستقرار طويلًا حيث ظهر على مسرح الأحداث في المغرب داعية ديني هو محمد بن تومرت الذي استطاع بما أوتي من علمٍ وذكاءٍ أن يغيّر أوضاع البلاد، ويدخل في صراع جدلي وحربي مع المرابطين، ذلك الصراع الذي انتهى بسقوط دولة المرابطين سنة ٥٤١هـ/ ١١٤٦م على يد عبد المؤمن بن علي خليفة المهدي بن تومرت.

توفي الأمير علي بن يوسف بن تاشفين سنة ٥٣٧هـ/ ١١٤٢م، وتولَّى ابنه تاشفين بن علي الحكم من بعده حيث دخل الصراع بين المرابطين والموحدين مرحلته الأخيرة وانتهى المطاف بالأمير تاشفين في وهران حيث قتل سنة ٥٣٩هـ/١١٤٤م، وكان آخر أمراء المرابطين إسحاق بن علي بن تاشفين الذي عجز بما لديه من قوات عن الدفاع عن عاصمة المرابطين مراكش التي سقطت في يد الموحدين سنة ٥٤١هـ/ ١١٤٦م.

وفي إشارة سريعة لعوامل سقوط هذا الصرح الكبير وهو دولة المرابطين يأتي في مقدمة هذه العوامل ضعف القيادة العليا للبلاد منذ تولى علي بن يوسف الحكم، فقد انصرف إلى العبادة وترك شئون البلاد في يد أمراء المرابطين، كذلك تخاذُلُ جُندُ المرابطين وتخلّيهم عن روح التقشف والجهاد التي تربوا في مهادها، فضلًا عن كثرة المعارك في الأندلس مما أضعف البنية العسكرية للمرابطين، وأخيرًا ظهور ابن تومرت ونجاحه في استقطاب كثير من القبائل لدعوته، وجهود عبد المؤمن العسكرية، كل ذلك أدَّى إلى سقوط دولة المرابطين وقيام دولة الموحدين على أنقاضها.

المظاهر الحضارية لدولة المرابطين

شهد المغرب الأقصى تقسيمًا إداريًا لأقاليمه منذ أن تأسست على أرضه دولة المرابطين، وتولى إدارة هذه الأقاليم ولاة من قبل السلطة الحاكمة في العاصمة مراكش، وقد شملت ولايات المغرب الأقصى ست ولايات عدا العاصمة مراكش وما يتبعها من قرى.

وقد تمتع ولاة الأقاليم بسلطات واسعة، إذ كان من حقهم التصرف في عزل وتعيين من دونهم من الولاة المحليين والقيام بتحركات عسكرية داخل مناطق نفوذهم.

كما اتخذ يوسف بن تاشفين الدواوين سنة ٤٦٤هـ/ ١٠٧١م، ومن هذه الدواوين ديوان الرسائل أو الإنشاء ويرأسه موظف كبير يعرف بالكاتب، وبجانب ديوان الرسائل عدة دواوين مالية منها: ديوان الغنائم ونفقات الجند، وديوان الضرائب، وديوان الجباية، وديوان مراقبة الدخل والخرج، والهدف من هذه الدواوين هو مساعدة السلطة الحاكمة في ضبط أمور البلاد.

وفي الجانب الاقتصادي وضع المرابطون نظامًا ماليًا، ذلك النظام الذي تضَمَّن إدارة مالية وسياسة مالية خاصة بالمصادر التي تُجبى منها الأموال وموازنة ذلك بالنفقات التي كانت تشمل أوجه الإنفاق المختلفة مع إصدار عملات نقدية تنتظم بها المعاملات بين السكان، كل ذلك كان له أثر كبير في دفع عجلة الاقتصاد بالبلاد.

ففي مجال الزراعة: تقدمت البلاد في عهد المرابطين وزاد الإنتاج الزراعي، وشهدت البلاد وفرة في المحصولات، ومما ساعد على ذلك النواحي الطبيعية التي تمتعت بها المنطقة، يضاف إلى ذلك القوى البشرية والتي اتخذت فلاحة الأرض مهنة لها، وأخيرًا اهتمام المرابطين بقيام زراعة ناجحة في البلاد، وقد تنوعت المحاصيل من قمح وشعير وذرة وقطن وقصب السكر والزيتون وغير ذلك من الحاصلات.

وفي مجال الصناعة: ازدهرت كثير من الصناعات في ظل دولة المرابطين نتيجة استقرار الأوضاع في البلاد، ووفرة المواد الخام والأيدي العاملة، ومن هذه الصناعات صناعة السفن والزجاج والنسيج وأدوات النحاس وغير ذلك.

وفي مجال التجارة: شاركت التجارة الداخلية والخارجية في دفع عجلة الاقتصاد بالبلاد إذ شهدت الأسواق التجارية المنتشرة في مختلف المدن المغربية حركةً تجاريةً ونشاطًا في البيع والشراء، مع اهتمام ولاة الأمر بتشجيع التجارة، وتوفير سُبل الإقامة والانتقال بين المدن المغربية المختلفة، وظهرت عدة مراكز تجارية منها (مراكش) العاصمة ومدينة (فاس) ومدينة (داي) وغيرها من المدن المغربية.

وقد تنوعت صادرات المغرب الأقصى ومنها القطن والقمح والزيتون والزيت وغير ذلك، وفي نفس الوقت كانت تستورد الذهب والزئبق وبعض أنواع النسيج وغير ذلك.

وفي مجال البناء والتعمير: شهدت البلاد في عهد المرابطين حركةً كبيرةً في البناء، وفي مقدمة ذلك بناء المدن والمنشآت العسكرية من حصون وقلاع وأسوار، ثم المنشآت العامة التي انتشرت في أنحاء البلاد كالمساجد والمدارس والمستشفيات والحمامات، والفنادق، والقناطر وغير ذلك.

ومن أبرز المدن التي أنشئت مدينة مراكش التي أنشأها الأمير يوسف بن تاشفين نظرًا لازدحام العاصمة الأولى مدينة (أغمات) بقبائل المرابطين وحاجتهم إلى عاصمة جديدة.

وكان تاريخ البناء سنة ٤٥٤هـ/ ١٠٦٢م.

وأما اسمها (مراكش) فهو اسم لعبدٍ أسود كان يقيم في المنطقة ويقطع الطريق على المارة واشتهر اسمه هنالك.

ومما يتصل بحياة المرابطين الاجتماعية اتخاذهم اللثام على وجوههم حتى صاروا يعرفون بقبائل المُلَثَّمين، أما طريقتهم في اتخاذ اللِّثَام فقد وصفها البكري بقوله: وجميع قبائل الصحراء يلتزمون النقاب وهو فوق اللثَام حتى لا يبدو منه إلا محاجر عينيه ولا يفارقون ذلك في حالة من الأحوال ولا يُمَيِّز رجلٌ منهم وليه ولا حميمه إلا إذا تَنَقَّب، وكذلك في المعارك إذا قُتِل منهم القتيل وزال قناعة لم يُعلم من هو حتى يُعاد القناع، وصار لهم ألزم من جلودهم [المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب، ص ٧٠].

واختلف المؤرخون في تعليل اتخاذهم اللثام؛ فبعضهم ينسب ذلك إلى ظروف الطقس من تطرف في الحر والبرد، وبعضهم يُعَلِّل ذلك بحادثةٍ وقعت لنساء المرابطين أثناء هجوم العدو على مضاربهم في غيبة رجالهم فتلثموا وقاتلوا وانتصروا، وقد استحسن الرجال اللثام ليخدعوا به العدو ومن ثمَّ أصبح اللثام لهم عادة.

وقال آخرون: إن قبائل صنهاجة تعتقد أن الفَم عورة تستحق الستر ومن هنا اتخذوا اللثام.

والرأي الراجح هو الأول الذي يرجع اتخاذ اللثام بسبب ظروف الطقس من تطرف في الحر والبرد.

الحياة الفكرية لدولة المرابطين

عاشت دولة المرابطين في ظل نهضةٍ فكريةٍ كبيرةٍ، إذ ساهمت مجموعةٌ من العوامل في ازدهارها، منها استقرار الأوضاع في البلاد وخضوع القبائل لحكومة مركزية واحدة سيطرت على أنحاء البلاد سواء في المغرب أو الأندلس مع تشجيع ولاة الأمر للعلم والعلماء، إذ خضع ولاة الأمر لسلطة الفقهاء، يضاف إلى ذلك خضوع الأندلس للمرابطين وانتقال كثير من علماء الأندلس إلى مراكش حاضرة المرابطين مما كان له الأثر الكبير في تطور الحياة الفكرية وازدهارها.

وقد شهدت البلاد دعوة إصلاحية، وهي الدعوة المرابطية التي استمدت تعاليمها وأحكامها من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونادى بها عبد الله بن ياسين بين قبائل المُلَثَّمين حين وفد مع زعيم قبيلة جدالة، يحيى بن إبراهيم الجدالي، إلى قبائل الصحراء في جنوب المغرب الأقصى، وذلك ليخرجهم من ظلمات الجهل إلى نور الإيمان والمعرفة، وكانت الدعوة قائمة على كتاب الله وسنة رسوله  صلى الله عليه وسلم متخذةً مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غايةً والجهاد المسلح وسيلةً، مستمدة أحكامها - في الفروع - من مذهب الإمام مالك، وكان انطلاق المرابطين من جنوب الصحراء إلى المغرب الأقصى تحقيقًا لهذه الغاية وهي القضاء على المنكر الذي انتشر في المدن المغربية.

وتمتع العلماء بمنزلة طيبة في ظل المرابطين نظرًا لتشجيع ولاة الأمر لهم والاحتفاء بهم حتى أن المراكشي يقول عن الأمير علي بن يوسف بن تاشفين: واشتد إيثاره لأهل الفقه والدين [المعجب: ص ١٧١]، وظهر بشكل واضح تأثير فقهاء المالكية على الأوضاع السياسية وغيرها في البلاد، وصارت الفُتيا والأحكام مستمدة من مذهب الإمام مالك حتى نهاية الدولة، ولا يلتفت إلى غيرها من الأحكام.

كذلك وجه المرابطون اهتمامهم إلى نشر الإسلام الصحيح، ونجحوا في القضاء على إمارة برغواطة التي كانت تعيش في سهول تامسنا بالمغرب الأقصى ويعتنق أبناؤها المبادئ الفاسدة المخالفة للإسلام وأحكامه حيث ادعى إمامهم صالح بن طريف النبوة، وشرّع لهم تعاليم جديدة بل وألَّف لهم قرآنا؛ لذا أخذ المرابطون على عاتقهم القضاء على هذه الانحرافات والضلالات ونشر الإسلام الصحيح.

ومن ناحية أخرى، فقد كان للروح الدينية التي سادت المنطقة منذ قيام دولة المرابطين مع اهتمام ولاة الأمر بالدين ورجاله الأثر الكبير في ازدهار العلوم الدينية من تفسير وحديث وفقه وقراءات، إذ وفد على العاصمة مراكش وغيرها من مدن المغرب الأقصى علماء الدين الأندلسيون حيث أسهموا في دفع حركة التأليف في البلاد وشاركهم في ذلك أبناء المغرب مما نتج عنه الكثير من المؤلفات الدينية.


مصادر ومراجع للاستزادة:

  • ابن الأثير: أبو الحسن علي (ت: ٦٣٠هـ): الكامل في التاريخ، مطبعة الاستقامة.
  • الإدريسي: محمد بن عبد العزيز (ت: ٦٤٩هـ): وصف المغرب والأندلس، دي غويه ليدن، سنة ١٨٦٦ م.
  • الباجي: محمد الباجي المسعودي: الخلاصة النقية في أمراء إفريقية، تونس١٢٨٣هـ.
  • البكري: أبو عبد الله بن عبد العزيز: المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب، دي سلاسي، باريس١٩١١ م.
  • د. حسن أحمد محمود: قيام دولة المرابطين، النهضة، سنة ١٩٥٧م.
  • د. حسن علي حسن: الحضارة الإسلامية في المغرب والأندلس عصر المرابطين والموحدين، الخانجي، سنة١٩٨٠م.
  • ابن أبي زرع أبو الحسين (ت: ٧٦٦هـ): الأنيس المغرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس، تحقيق محمد الهاشمي، الرباط ١٩٣٦ م.

الخلاصة

نشأت دولة المرابطين في الصحراء الكبرى على يد الداعية عبد الله بن ياسين، الذي أسس دعوة دينية إصلاحية بين قبائل صنهاجة، وبعد وفاة ابن ياسين تولى القيادة يوسف بن تاشفين، الذي استكمل الفتوحات ووحّد المغرب الأقصى، ثم عبر إلى الأندلس، ووحّدها بعد انتصاره الحاسم في معركة الزلاقة، وقد اتسعت الدولة وتطورت حضاريًا وعلميًا، وشهدت ازدهارًا في مجالات متعددة مثل الزراعة والصناعة والتجارة والبناء، وأولت اهتمامًا خاصًا للعلماء والفقه المالكي، ولكن ضعف قادتها بعد ذلك وابتعادهم عن روح التقشف والجهاد التي قامت عليها الدولة، أدى إلى سقوطها على يد حركة الموحدين التي أسسها محمد بن تومرت، لتنتهي دولة المرابطين بعد قرابة مئة عامٍ من إنشائها.

موضوعات ذات صلة

هم سلالة أمازيغية من قبائل مصمودة أسسوا دولة إسلامية قوية في المغرب والأندلس.

آخر ما تبقى من دولة المسلمين في الأندلس.

هم المسلمون الذين بقوا في الأندلس بعد سقوط الحكم الإسلامي.

موضوعات مختارة