شهد المغرب الأقصى تقسيمًا إداريًا
لأقاليمه منذ أن تأسست على أرضه دولة المرابطين، وتولى إدارة هذه الأقاليم
ولاة من قبل السلطة الحاكمة في العاصمة مراكش، وقد شملت ولايات المغرب
الأقصى ست ولايات عدا العاصمة مراكش وما يتبعها من قرى.
وقد تمتع ولاة الأقاليم بسلطات واسعة،
إذ كان من حقهم التصرف في عزل وتعيين من دونهم من الولاة المحليين والقيام بتحركات
عسكرية داخل مناطق نفوذهم.
كما اتخذ يوسف بن تاشفين الدواوين
سنة ٤٦٤هـ/ ١٠٧١م، ومن هذه الدواوين ديوان الرسائل أو الإنشاء ويرأسه موظف كبير
يعرف بالكاتب، وبجانب ديوان الرسائل عدة دواوين مالية منها: ديوان الغنائم ونفقات
الجند، وديوان الضرائب، وديوان الجباية، وديوان مراقبة الدخل والخرج، والهدف من
هذه الدواوين هو مساعدة السلطة الحاكمة في ضبط أمور البلاد.
وفي الجانب الاقتصادي وضع المرابطون نظامًا ماليًا،
ذلك النظام الذي تضَمَّن إدارة مالية وسياسة مالية خاصة بالمصادر التي تُجبى منها
الأموال وموازنة ذلك بالنفقات التي كانت تشمل أوجه الإنفاق المختلفة مع إصدار
عملات نقدية تنتظم بها المعاملات بين السكان، كل ذلك كان له أثر كبير في دفع عجلة
الاقتصاد بالبلاد.
ففي مجال الزراعة: تقدمت البلاد في عهد المرابطين
وزاد الإنتاج الزراعي، وشهدت البلاد وفرة في المحصولات، ومما ساعد على ذلك النواحي
الطبيعية التي تمتعت بها المنطقة، يضاف إلى ذلك القوى البشرية والتي اتخذت فلاحة
الأرض مهنة لها، وأخيرًا اهتمام المرابطين بقيام زراعة ناجحة في البلاد،
وقد تنوعت المحاصيل من قمح وشعير وذرة وقطن وقصب السكر والزيتون وغير ذلك من
الحاصلات.
وفي مجال الصناعة: ازدهرت كثير من الصناعات في ظل دولة المرابطين
نتيجة استقرار الأوضاع في البلاد، ووفرة المواد الخام والأيدي العاملة، ومن هذه
الصناعات صناعة السفن والزجاج والنسيج وأدوات النحاس وغير ذلك.
وفي مجال التجارة: شاركت التجارة الداخلية والخارجية في
دفع عجلة الاقتصاد بالبلاد إذ شهدت الأسواق التجارية المنتشرة في مختلف المدن المغربية
حركةً تجاريةً ونشاطًا في البيع والشراء، مع اهتمام ولاة الأمر بتشجيع التجارة،
وتوفير سُبل الإقامة والانتقال بين المدن المغربية المختلفة، وظهرت عدة
مراكز تجارية منها (مراكش) العاصمة ومدينة (فاس) ومدينة (داي)
وغيرها من المدن المغربية.
وقد تنوعت صادرات المغرب الأقصى
ومنها القطن والقمح والزيتون والزيت وغير ذلك، وفي نفس الوقت كانت تستورد الذهب
والزئبق وبعض أنواع النسيج وغير ذلك.
وفي مجال البناء والتعمير: شهدت البلاد في عهد المرابطين
حركةً كبيرةً في البناء، وفي مقدمة ذلك بناء المدن والمنشآت العسكرية من حصون
وقلاع وأسوار، ثم المنشآت العامة التي انتشرت في أنحاء البلاد كالمساجد والمدارس
والمستشفيات والحمامات، والفنادق، والقناطر وغير ذلك.
ومن أبرز المدن التي أنشئت مدينة مراكش
التي أنشأها الأمير يوسف بن
تاشفين نظرًا لازدحام العاصمة الأولى مدينة (أغمات) بقبائل المرابطين
وحاجتهم إلى عاصمة جديدة.
وكان تاريخ البناء سنة ٤٥٤هـ/ ١٠٦٢م.
وأما اسمها (مراكش) فهو اسم
لعبدٍ أسود كان يقيم في المنطقة ويقطع الطريق على المارة واشتهر اسمه هنالك.
ومما يتصل بحياة المرابطين
الاجتماعية اتخاذهم اللثام على وجوههم حتى صاروا يعرفون بقبائل المُلَثَّمين،
أما طريقتهم في اتخاذ اللِّثَام فقد وصفها البكري بقوله: وجميع قبائل
الصحراء يلتزمون النقاب وهو فوق اللثَام حتى لا يبدو منه إلا محاجر عينيه ولا
يفارقون ذلك في حالة من الأحوال ولا يُمَيِّز رجلٌ منهم وليه ولا حميمه إلا إذا تَنَقَّب،
وكذلك في المعارك إذا قُتِل منهم القتيل وزال قناعة لم يُعلم من هو حتى يُعاد
القناع، وصار لهم ألزم من جلودهم [المغرب في ذكر
بلاد إفريقية والمغرب، ص ٧٠].
واختلف المؤرخون في تعليل اتخاذهم
اللثام؛ فبعضهم ينسب ذلك إلى ظروف الطقس من تطرف في الحر والبرد، وبعضهم يُعَلِّل
ذلك بحادثةٍ وقعت لنساء المرابطين أثناء هجوم العدو على مضاربهم في غيبة
رجالهم فتلثموا وقاتلوا وانتصروا، وقد استحسن الرجال اللثام ليخدعوا به العدو ومن
ثمَّ أصبح اللثام لهم عادة.
وقال آخرون: إن قبائل صنهاجة
تعتقد أن الفَم عورة تستحق الستر ومن هنا اتخذوا اللثام.
والرأي الراجح هو الأول الذي يرجع
اتخاذ اللثام بسبب ظروف الطقس من تطرف في الحر والبرد.