وبناءً على ما سبق، يمكن تجميع تلك المحاور التي دارت
فيها صورة النزاع أو الصراع الشعوبي مع الرؤية العربية والإسلامية في الآتي:
بدا واضحًا في محاولات الفُرس؛ لصبغ المجتمع
العربي بالصبغة الفارسية فيما يخص مظاهر الحياة الاجتماعية، وللحقيقة فلا يمكن إنكار
ما كان يحمله الفرس من مظاهر حضارية اجتماعية متنوعة، وهنا سنرى الإسلام،
والحضارة الإسلامية قد تقبلت المعطيات الفارسية في النواحي الاجتماعية، ما دامت لا
تتعارض مع متطلبات، وقيم ديننا الإسلامي الحنيف، وذلك مثل الطعام والشراب
والملابس، وبعض نظم الحكم، والإدارة، والتأنق في فنون الحياة... إلخ، أما ما كان
متعارضًا مع قيم ومبادئ هذا الدين، فإن المجتمع الإسلامي رفضه، وأصبح مظهرًا من
مظاهر الصراع، ومن ذلك على سبيل المثال النَسب وأهمية النَسب، حيث حرص الإسلام
على الأنساب ومعرفتها، حتى كان الصديق ممن يُشار له بالبنان في هذا الأمر،
ولم يُنكر عليه النبي -صلى الله عليه وسلم -هذا الأمر.
وقد اهتمت العرب بمعرفة أنساب خيولها، مما يؤكد على
أهمية النسب في الحياة الاجتماعية، في الوقت الذي لا تعرف الفُرس فيه موضوع
الأنساب، وإنما كانت تنسب الناس إلى أقاليمها فيقال: الكرماني، والخُراساني..
إلخ [فاروق عمر: دكتور: الفكر العربي في مواجهة الشُّعُوبِيَّة،
ص ١٣. سلسلة الموسوعة التاريخية الميسرة، بغداد ط ١، ١٩٨٨م].
أما بالنسبة للعائلة، فقد كان للعائلة عند الإسلام مكانة
مرموقة مميزة، إن لم تكن مقدسة، بخلاف ما كان معروفًا عند الفرس، حيث كان الزواج
بالمحارم من الأمور الطبيعية في دياناتهم، وكذلك شيوعية أو إباحية النساء، التي
كانت أصلًا من أصول الخُرّميّة، هذا بخلاف حركات أخرى فارسية لم تشجع أصلًا
على الزواج، والارتباط، وفضلت الرهبنة، وهي مرفوضة في ديننا الإسلامي
الحنيف.
أما فيما يخص المحور الاجتماعي إلى ذلك الخلاف الذي حدث
على موضوع الشّعب والقبائل في قوله تعالى:
{يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ
وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ
ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ} [الحجرات: ١٣].
وذهب الطبري للقول: بأن الشعب أكبر من القبيلة من
حيث العدد، وعلى ذلك تكون اليمانية، والقيسية... إلخ وهي الشعب الرئيسية
التي انحدر منها العرب بمثابة الشعوب، أما تميم وبكر وشيبان، فهي قبائل
تنقسم بدورها إلى أفخاذ وبطون [فاروق
عمر: نفس المرجع، ص ٢٣]، وهذا يخالف توجه الفرس الذين اعتبروا
الشعوب هم الذين لا يرجعون بأصولهم إلى جد أعلى [المرجع السابق نفس الجزء والصفحة].
وتجدر الإشارة إلى مُخالفة وجهة النظر السابقة المتعلقة
بالمحور الاجتماعي لما ذهبت إليه د. زاهية قدورة [الشُّعُوبِيَّة وأثرها الاجتماعي والسياسي في الحياة
الإسلامية في العصر العباسي الأول. المقدمة ط١، ١٩٧٢م] التي أنكرت أي دور
للشعوبية فيما يخص الحياة الاجتماعية.
مجمل البُحوث التي دارت حول الثورة العباسية وناقشتها،
ووصلت إلى حقيقة أن هذه ثورة عربية من آل البيت نفسه خرجت على ظلم
الأمويين، ولكن كان للفرس نصيب فيها حِقدًا على الأمويين، ولتعصبهم
للعرب، ونكاية فيهم؛ لموقفهم من غير العرب عامة والفرس خاصة، وعلى
أية حال فإن خلفاء بني العباس عرب، من نسل عم الرسول- صلى الله عليه
وسلم ، ومن ثم فإن الفرس وإن كانوا قد حاولوا أن يصبغوا فترة، ونظم
الحكم، وإدارته في العصر العباسي بصبغة فارسية، فإن عيونهم لم تكن تتطلع
أبدًا إلى منصب الخلافة، ولكنها تطلعت لمنصب الوزارة، وقد حاولت هذه القوى أن تحقق
من خلال هذا المنصب ما تعجز الخلافة نفسها عن تحقيقه.
ويلاحظ ذلك منذ فترة أبي مسلم الخراساني، ومروراً
بالبرامكة، حتى بني سهل
[الطبري: مصدر
سابق، ج٦، ص ١٢٧- ٤٨٤ إلى غير ذلك]، ولكن سلطة الدولة العباسية
العربية ضربت بيدٍ من حديد على كل هذه التطلعات.
ولا بُد من الإشارة إلى الشاهنامة [ملحمة شعرية تقع في أكثر من ستين
ألف بيت، ترجمها نثراً الفتح بن علي البنداري إلى العربية ونشرها عبد الوهاب عزام
بالقاهرة ١٩٣٢م]، وإشادتها بأبي لؤلؤة المجوسي، مما يؤكد على قِدم
التوجه الشُّعوبي، ومؤامراته ضد الإسلام والمسلمين منذ العصور الأولى.
يدور هذا المحور في عدة اتجاهات منها: الاتجاه الأدبي،
وهو المتمثل في ذلك التراث الأدبي العظيم من شعر، ونثر، وحكم وأمثال، فقد شككوا
فيه ورفضوه، وكذلك عملوا على اختلاق وانتحال تراث أدبي ركيك، وحاولوا نسبته إلى
العرب. [فاروق عمر: الفكر
العربي في مواجهة الشُّعُوبِيَّة، ص ١٨]، كذلك حاول هؤلاء القدح في اللغة العربية نفسها، والتقليل من قيمتها،
وقدراتها.
وقد حاول المفكرون العرب مع الإشادة باللغة العربية،
وقدراتها المتنوعة أن يضفوا على هذه اللغة قدرًا من التوجه الديني، حيث اعتبروا
تعلم هذه اللغة من الدين [المرجع
السابق، نفس الجزء والصفحة]، ووجه الشعوبيون سِهام صِراعهم إلى
التاريخ العربي، فادعوا أن ليس للعرب تاريخ قبل الإسلام، وأعتقد أن من يقرأ كتابات
د. عبد العزيز الدوري [علم
التاريخ عند العرب، ص ١٣-١٤. مصر، بدون].
تتمثل محاولات الشُّعُوبِيَّة في المحور الديني في اتجاهين
اثنين: ثوري وعقائدي، وكلاهما يقع تحت فكر الزندقة وتوجهها، وعلى ذلك تكون
هناك زندقة ثورية وزندقة عقائدية، أما الزندقة الثورية، فهي لا تخفى على أي قارئ
للتاريخ، فمنها على سبيل المثال حركة (بهافريد) التي تُعد من أوائل الحركات
الدينية السياسية الفارسية، حيث ظهر في نيسابور وزعم أنه خليفة زرادشت،
وادعى أن الله أوصى إليه بكتاب مقدس باللغة الفارسية، معارضًا القرآن
العربي.
ومن تلك الحركات حركة سنباذ التي ظهرت في نيسابور،
وادعى سنباذ فيها أن أبا مسلم لم يمت وأنه حي يُرزق، وسيعود؛ ليعيد
مجد المجوس، وبَشّر بالقضاء على الإسلام وإسقاط الكعبة، إلخ [الطبري: مصدر سابق ج٦، ص ١٤٠].
كما كان من تلك الحركات حركة المقنع الخراساني [المصدر السابق، ص ٣٦٧]،
وحركة بابك الخرمي [المصدر
السابق، ج ٧، ص ٢٦٣ والكثير من الصفحات] الذي دعا لدين الخرمية.
ويمكن الإشارة إلى أن الزندقة العقائدية حقيقة واقعية،
بحيث كان لهؤلاء الزنادقة دين له عقائده، وأركانه، ومذاهبه، وصلواته بل وتلاوته،
وأنا أريد أن أوضح هذه النقطة؛ لأفصل بينها وبين مظاهر الخلاعة والمجون، وإن كنت
أُرجع مظاهر الخلاعة والمجون للشعوبيين وأثرهم، ولكن هذا يختلف تمامًا عن الزندقة
العقائدية التي أشرت إليها سابقًا، على أن قيادات الدولة في العصر العباسي استطاعت
بعد فترة أن تتعرف على كلا الصنفين وتتعامل معهما، كُل على قدر جُرمه.
ويؤكد على هذا المعنى موقف الدولة من أبي نواس،
حيث كانت معاني الزندقة غير واضحة عنده، فكانت تعامله معاملة زنادقة العقيدة، وليس
زنادقة الظرف والمجون، فأودعوه سجن الزنادقة، وكان أبو نواس نفسه يخلط بين
الأمرين، ولكنه تعرف في سجنه على قراءات، وصلوات الزنادقة، فتأكد لديه هذا الفهم،
وهو الفرق بين زندقة المجون والخلاعة، التي يُمكن أن يُتهم بها أبو نواس،
وزندقة العقيدة، تلك الزندقة التي حاربها المهدي، وَجَدَّ في حربها حتى قضى
على أغلبها، حتى عيّن للزنادقة وظيفة صاحب الزنادقة، وهي تمثل دور جهاز أمن
الدولة في عصرنا الحاضر. [الرصد
والطلب: بحث مرجعي للباحث تقدم به لنيل درجة الأستاذية من جامعة الأزهر، ٢٠٢٠م].
ومما يؤكد أيضًا على زندقة العقيدة ما حدث في عصر المهدي؛
حيث وشى الوشاة بوزيره أبي عبيد الله، ومنهم الفضل بن الربيع،
والذين وجدوا ضالتهم في ابنه الذي تزندق، فوشوا به عند المهدي، الذي
استدعاه وسأله عن بعض آيات من القرآن، فقرأ: "تَبَارَكَتْ وَتَعَالَيْتَ عَنْ عَظِيمِ الْخَلْقِ"؛ [الطبري: مصدر سابق، ج٦، ص ٣٧١، ونص ما قرأ ابن أبي
عبيد الله الوزير عن الجهشياري: محمد بن عبدوس: الوزراء
والكتاب- مصر (د.ت)] فقال المهدي للوزير: "قم فتقرب إلى الله
بذبح ابنك"
وذكر في هذا الصدد تلك الحرب المقدسة التي شنها المهدي
على الزنادقة والتي كان يشتد فيها على العرب، معتبرًا أن الزندقة إن صحت من أي
جنس، فلا تصح من العرب، فمن هم - أي العرب - بدون الإسلام؟!!