البيعة في الإسلام تمثل عقدًا شرعيًا وسياسيًا يربط بين الحاكم والمحكوم على أساس من الطاعة والالتزام بالشرع، وقد شكّلت محطة مفصلية في تأسيس الدولة الإسلامية وتثبيت أركانها عبر نماذج تاريخية عظيمة.
البيعة في الإسلام تمثل عقدًا شرعيًا وسياسيًا يربط بين الحاكم والمحكوم على أساس من الطاعة والالتزام بالشرع، وقد شكّلت محطة مفصلية في تأسيس الدولة الإسلامية وتثبيت أركانها عبر نماذج تاريخية عظيمة.
البيعة في مصطلح اللغة: هي الصفقة على إيجاب البيع والعهد على السمع والطاعة للوالي، والبيع في الاصطلاح: هو مبادلة سلعة بمال، وبايع فلان فلانًا، أي عاهده وعاقده وعقد معه البيع، ووردت البيعة والمبايعة في القرآن الكريم في قوله تعالى: {فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ} [التوبة: ١١١]
وفي قوله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا جَآءَكَ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ يُبَايِعۡنَكَ عَلَىٰٓ أَن لَّا يُشۡرِكۡنَ بِٱللَّهِ شَيۡـٔٗا وَلَا يَسۡرِقۡنَ وَلَا يَزۡنِينَ وَلَا يَقۡتُلۡنَ أَوۡلَٰدَهُنَّ وَلَا يَأۡتِينَ بِبُهۡتَٰنٖ يَفۡتَرِينَهُۥ بَيۡنَ أَيۡدِيهِنَّ وَأَرۡجُلِهِنَّ وَلَا يَعۡصِينَكَ فِي مَعۡرُوفٖ فَبَايِعۡهُنَّ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُنَّ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} [الممتحنة: ١٢]
وفي قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ} [الفتح: ١٠]، وفي قوله عز شأنه {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} [الفتح: ١٨].
وفي قوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} [البقرة:٢٨٢].
والبيعة في التاريخ الإسلامي وقعت مرات عديدة، منها بيعة أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - للنبي عند العقبة، وهما بيعتا العقبة الأولى، والثانية، كذلك بيعة الرضوان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي التي عرفت أيضًا ببيعة الشجرة، وهنالك بيعة السقيفة التي بايع فيها المسلمون، من المهاجرين والأنصار، أبا بكر الصديق في سقيفة بني ساعدة، وبيعات أخرى بايع فيها المسلمون في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة الخلفاء الراشدين، كل خليفة غداة توليه حكم دولة المسلمين بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيعتا العقبة: بعد المعاناة التي عاناها النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون في مكة في سبيل نشر دعوة الإسلام فيها وبين أكبر قبائلها قريش والقبائل الأخرى الحليفة لها، ولما أراد الله تعالى أن يُظهر دينه وأن يعز نبيه وينجز له وعده، خرج محمد - صلى الله عليه وسلم - كعادته يعرض نفسه على قبائل العرب، كما كان يصنع في كل موسم.
فالتقى هذه المرة، عند مكان يبعد ميلين عن مكة بينها وبين منى يُعرف (بالعقبة)، بستة نفر من أهل يثرب (المدينة) من الخزرج أراد الله بهم خيرًا، فدعاهم إلى الإسلام، فأسلموا وهم: أبو أمامة أسعد بن زرارة، وعوف ابن الحارث بن رفاعة، ورافع بن مالك ابن زريق، وعقبة بن عامر بن حرام، وقحطبة بن عامر من بني سلمة، وجابر بن عبد الله بن رئاب السلمي، ومن المحدثين من يُسقط جابرًا ويضع مكانه عبادة بن الصامت.
وقد قال بعضهم لبعض: يا قوم، إنكم والله لتعلمون أنه النبي الحق الذي توعدكم به يهود، فلا تضيعوا الفرصة من أيديكم ولا يسبقوكم إليه، فأجابوه إلى ما دعاهم إليه وصدقوا دعوته وقبلوا الدخول في الإسلام على يديه، وبعد أن نطقوا أمامه بالشهادتين وأظهروا إسلامهم له، قالوا له: يا رسول الله، إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين فإن يجمعهم الله عليه فلا رجل أعز منك.
ثم انصرفوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - راجعين إلى مدينتهم يضئ قلوبهم نور الإسلام منشرحة صدورهم بعد أن واعدوه، وقبل أن ينصرف هؤلاء النفر تواعدوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن يلتقوا به في مكة في العام القادم.
ولما عاد هؤلاء الرجال السابقون إلى الإسلام والمبايعون لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى قومهم وجدوهم على خلاف ما ذهبوا به، وجدوا السماحة على وجوههم والبشر على محياهم والأمان في عيونهم فسألوهم عن خبرهم وعن سر التغير الذي طرأ عليهم، فذكروا لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما كان لهم معه ودعوهم إلى الدين الجديد الذي اعتنقوه، ففشا أمرهم في يثرب، ولم تبق دار من دورها إلا وفيها ذكر محمد - صلى الله عليه وسلم -.
وفي العام التالي (سنة ٦٢١م)، وافى الموسم في مكة من أهل يثرب اثنا عشر رجلًا فالتقوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند العقبة وبايعوه بيعة العقبة الأولى، وكان من هؤلاء عشرة رجال من الخزرج واثنان من الأوس، وكان بينهم الرجال الستة المبايعون الأُول، عدا جابر السلمي، وقد بايعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بيعة النساء وذلك قبل أن تفرض عليهم الحرب.
وكان نص البيعة بينهم وبين رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، على: «ألَا يُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا، وأَلَا يسْرِقُوا، وَلَا يزنون، وَلَا يقتلون أَوْلَادَهمْ، وَلَا يأتون بِبُهْتَانٍ يفترونه من بين أيديهم وأرجلهم ولا يعصون الله في معروف فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «فَإِنْ وَفَّيْتُمْ فَلَكُمُ الْجَنَّةُ، وَإِنْ غششتم مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَأَمْرُكُمْ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَذَّبَ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ».
فلما انصرف عنه القوم بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (مصعب بن عمير) وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام ويفتيهم في الدين، فكان يسمى (المقرئ) بالمدينة، وكان نزوله على أبي أمامة أسعد بن زرارة، وكان يصلي بهم، وذلك لأن الأوس والخزرج كره بعضهم أن يؤمه بعض.
وقد بايع خلق كثير من أهل المدينة مصعبًا على الإسلام، وقد باتوا يعرفون (بالأنصار).
وهي تسمية جديدة صارت لهم بعد نصرهم للنبي ودخولهم في الإسلام، وقد أسلم كبار أهل المدينة وسيدان من سادتهما، وهما: (سعد بن معاذ) و (أسيد ابن حضير)، وأسلم بإسلامهما جميع قومهم من بني عبد الأشهل في يوم واحد رجالًا ونساء.
قال ابن إسحق: ثم إن مصعب بن عمير رجع إلى مكة بعد ذلك بعام (٦٢٢ م)، وخرج عدد ممن أسلم من أهل المدينة في الموسم مع حجاج قومهم الذين لم يسلموا حتى قدموا مكة، فواعدوا رسول الله عند العقبة أوسط أيام التشريق من شهر ذي الحجة، حين أراد الله من كرامته والنصر لنبيه وإعزاز الإسلام وأهله وإذلال الشرك وقومه، وتم اللقاء مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هناك.
وكان عدد المجتمعين به ثلاثة وسبعين رجلًا وامرأتين من نسائهم لمبايعته، وكانت إحداهن هي: (أم عمارة نسيبة بنت كعب الأنصارية) من نساء بني مازن من بني النجار.
وكان عدد الأوس من بينهم أحد عشر رجلًا وعدد الخزرج اثنان وستون رجلًا.
واجتمعوا في الشعب، وجاءهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وجاء معه عمه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويستوثق له.
ولما جلس كان العباس أول المتكلمين فقال: "يا معشر الخزرج (وكان العرب تسمى أهل يثرب جميعًا الخزرج) إن محمدًا فينا حيث علمتم وقد منعناه من قومنا ممن هم على مثل رأينا فيه، فهو في عز من قومه ومنعة في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما وعدتموه إليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم، فمن الآن فدعوه فإنه في عز - ومنعة من قومه وبلده فقالوا له: سمعنا ما قلت فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت.
فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلا عليهم القرآن، ودعا إلى الله ورغب في الإسلام ثم قال: «أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم» فأجابه البراء بن معرور بالإيمان والتصديق فأخذ بيده وقال: نعم، والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما يمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحلقة ورثناها كابرا عن كابر".
ويقال إن أبا الهيثم بن التيهان كان أول من تكلم، فأجاب إلى ما دعا إليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صدقه، وقال: يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال جبالًا يعنى اليهود وإنا قاطعوها، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم رسول الله، ثم قال: بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم.
فتكلم البراء بن معرور، ثم قال: ابسط يدك يا رسول الله نبايعك فمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده، فكان البراء أول من ضرب على يده - صلى الله عليه وسلم -، ويقال إن أول من ضرب على يده هو أبو الهيثم بن التيهان، ويقال: أسعد بن زرارة، ثم ضرب السبعون كلهم على يده وبايعوه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: « إن موسى أخذ من بني إسرائيل اثني عشر نقيبًا، لا يجدن منكم أحد في نفسه أن يؤخذ غيره، فإنما يختار لي جبريل، فلما تخيرهم، قال للنقباء: أنتم كفلاء على قومكم ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم، وأنا كفيل قومي» قالوا: نعم.
وتعرف هذه البيعة (ببيعة الحرب)، وقد كان من بين النقباء تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، وهم من الخزرج: أسعد بن زرارة، وعبد الله ابن رواحة، وسعد بن الربيع، ورافع ابن مالك، والبراء بن معرور، وعبد الله بن عمرو بن حرام، وعبادة بن الصامت، وسعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو.
ومن الأوس: أسيد بن حضير، وسعد بن خيثمة بن الحارث، ورفاعة بن عبد المنذر بن زيد، وقيل أبو الهيثم ابن التيهان مكانه.
فلما بايع القوم صاح الشيطان على العقبة بأبعد صوت سمع: يا أهل الأخاشب (المنازل)، هل لكم في مذمم والصباة معه قد اجتمعوا على حربكم؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «هَذَا أَزَبُّ الْعَقَبَةِ (اسم شيطان) هَذَا ابْنُ أَزْيَبٍ» فقال لهم: «انْفَضُّوا إِلَى رِحَالِكُمْ»، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ نَضْلَةَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَئِنْ شِئْتَ لَنَمِيلَنَّ عَلَى أَهْلِ مِنًى غَدًا بِأَسْيَافِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم -: «لَمْ نُؤمرْ بِذَلِكَ، وَلَكِنْ ارْجِعُوا إلَى رِحَالِكُمْ»، فتفرقوا إلى رحالهم، ورجعوا إلى مضاجعهم وناموا حتى الصباح، وفي الصباح جاء عدد كبير من أهل قريش إلى منازل الأنصار ليتبينوا حقيقة ما وصلهم بشأن إسلامهم، واتباعهم لدين محمد - صلى الله عليه وسلم.
ولما تيقنوا من حقيقة الخبر حاولوا أن يرجعوهم عما بايعوا عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، دون جدوى.
وسارع الأنصار بالعودة إلى مدينتهم هربًا بدينهم، وخرج القرشيون في طلبهم، فنجح معظمهم في الإفلات إلا اثنين من النقباء، هما: سعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو فقاتل المنذر القوم حتى غلبهم ونجا بنفسه، أما سعد فنجحوا في أسره، فقاموا بربط يديه إلى عنقه بحبل راحلته، ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكة يضربونه ويشدونه من شعره، وكان غزير الشعر، وكان سعد قد أجار (جبير بن مطعم بن عدي) و (الحارث بن حرب بن أمية) حين خرجا في تجارة إلى المدينة، فلما وصل مكة هتف باسمهما وذكر ما بينه وبينهما، فخرجا له وكانا في المسجد الحرام عند الكعبة، فقاما بتخليصه من يد آسريه وأطلقوا سراحه، ففر هاربًا ناجيًا بنفسه وبدينه ليلحق بقومه من المسلمين إلى المدينة.
بيعة الرضوان: ما كادت السنة السادسة من بعثة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تنقضي حتى نجحت دولة الإسلام في المدينة في القيام بواجب الدفاع الهجومي من خلال المناوشات العسكرية مع قريش وغيرها من القبائل، التي إما كانت لرد عدوان أو لإرهاب عدو ينوي العدوان، وقد أدت هذه المناوشات غرضها على أكمل وجه، فإنه ما كادت هذه السنة تنتهي حتى كانت هيبة دولة الإسلام قد استقرت في نفوس القبائل فيما حول المدينة وفيما وراءها، وأخذ السلام يسود بين المسلمين وجيرانهم، وأخذ الرسول - صلى الله عليه وسلم - يعمل على تنظيم أمور دولته والتطلع إلى توسعتها خارج نطاق المدينة.
وهو في المدينة، لم ينس محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسقط رأسه مكة، فقد كان بصره دائمًا متجهًا إليها وقلبه متعلقًا بها وروحه تهفو إليها، وبعد موقعة الخندق ازداد شوقه للذهاب إلى مكة واستوحش البيت الحرام والكعبة وكل شبر وطئته قدمه على أرضها؛ ولذلك قرر - عليه الصلاة والسلام -، في غرة شهر ذي القعدة من العام السادس للهجرة /٦٢٨م أن يخرج إليها معتمرًا، وأن يحمل معه الهدي، وأن يترك الدعوة مفتوحة لمن يريد من أتباعه أن يصحبه في هذه الرحلة التي قدر خطرها وتحديه لقريش بها، على ألا يحملوا معهم غير السيوف في أغمادها.
وقد قرر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تكون المسيرة إلى مكة مسيرة سلمية حتى لا تعده قريش غزوًا لمدينتها وتحديًا لزعامتها ومكانتها فيها، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدرك في قرارة نفسه أن قريشًا لن تسمح له بدخول مكة لأداء العمرة، وبالفعل فقد أخذت قريشًا حمية الجاهلية حين بلغها أمر مسيرة الرسول والمسلمين إلى بلدتهم وصمموا على منعهم من دخولها مهما كلفهم ذلك.
ولما استقر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند (الحديبية) بعث (عثمان بن عفان) إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم بأنه لم يأت لحرب وإنما جاء زائرًا للبيت ومعظما لحرمته.
فخرج عثمان إلى مكة فلقيه (أبان بن سعيد بن العاص) حين دخل مكة فحمله بين يديه ثم أجاره حتى بلغ رسالة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له أبان بن سعيد: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف، فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، واحتبسته قريش عندها ثلاثة أيام، فبلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين أن عثمان قد قتل، فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون لهذا الخبر، وقال - عليه الصلاة والسلام -: «لا نَبْرَحُ حَتّى نُنَاجِزَ القَوْمَ»، فدعا الناس إلى البيعة للحرب، فكانت (بيعة الرضوان) تحت الشجرة، بايعه جميع من كانوا معه (بيعة الموت) بايعوه على نصرته والثبات معه وعدم الفرار.
وكان (أبو سنان الأسدي) أول من بايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيعة الرضوان.
وقد بايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعثمان، فضرب إحدى يديه بالأخرى، وقد نزل في أمر هذه البيعة قوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [الفتح: ١٨، ١٩]
ولما تمت البيعة، عاد عثمان بن عفان، وبان كذب الإشاعة التي ترددت عن مقتله فبعثت قريش تطلب الصلح مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأوفدت في طلبه (سهيل بن عمرو) أخا بني عامر بن لؤي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو ما عرف (بصلح الحديبية) الذي بشر به الله - تعالى - المسلمين بقرب فتح مكة.
بيعة السقيفة: واجه المسلمون، بعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، مشكلة نظام الحكم وكيفية تدبير أمر دولة الإسلام، التي وضع الرسول أساسها، ولإيجاد الحل لهذه المشكلة سارع الأنصار لما وصلهم نعي رسول الله لهم، إلى التفكير في شخص من يخلفه في تدبير أمورهم وقيادة مسيرتهم فاجتمعوا في سقيفة بني ساعدة والمهاجرون مشغولون بأمر إعداد دفن الرسول، ولما كانوا يرون أن الأمر لهم لأن البلد بلدهم، وهم أنصار الله وكتيبة الإسلام، رأوا أن يكون الأمر فيهم، ولقد رشحوا للرياسة شيخًا من سادة الخزرج هو (سعد بن عبادة) فدعوه ليتحدث باسمهم وليبين موافقته على اختيارهم له رئيسًا لدولة الإسلام وخليفة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حكم دولة المسلمين فنهض سعد فيهم خطيبًا وبين في خطبته فضل الأنصار على دولة الإسلام وسبقهم لنصرة الإسلام ورسوله.
غير أن الأوس امتعضوا لهذا الاختيار وخافوا أن تؤدي رياسة سعد للمسلمين إلى سيادة الخزرج عليهم وإلى عودة الصراع بين الأوس والخزرج الذي كان قائمًا بينهما قبل هجرة الرسول إلى المدينة، ولقد وصل خبر اجتماع السقيفة إلى كبار الصحابة من المهاجرين؛ فسارع ثلاثة منهم إلى هذا الاجتماع، وهم: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح، حتى لا يتيحوا للأنصار فرصة الانفراد بالرأي في أمر الخلافة الخطير دون أن يكون للمهاجرين رأي فيه، ونهض أبو بكر فألقى أول خطبة له في الأنصار بين فيها فضل المهاجرين على الأنصار.
كذلك فعل عمر، وأبو عبيدة وانتهى الاجتماع الخطير بأخذ البيعة لأبي بكر الصديق من المهاجرين والأنصار، وعرفت هذه البيعة التي تمت لأبي بكر الصديق في السقيفة باسم (البيعة الخاصة)، ثم أخذت له، بعد ذلك، في مسجد الرسول (البيعة العامة) وفي هذه البيعة خطب أبو بكر الناس وبين في خطبته الخطة التي سوف يسير عليها والالتزام الذي وجب على الحاكم المسلم أن يلتزمه مع نفسه ومع الرعية (انظر مادة سقيفة بن ساعدة).
ولقد صار تقليد البيعتين الخاصة والعامة ملزمًا لكل الخلفاء الذين جاءوا بعد الصديق أبي بكر، لعمر بن الخطاب، ولعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب؛ لكن خلفاء الأمويين، والعباسيين لم يلتزموا بالبيعتين وذلك لتحول نظام الحكم الإسلامي عن مبدأ الشورى إلى المبدأ الوراثي الملكي.
مراجع للاستزادة:
تناولت البيعة في الإسلام باعتبارها عقدًا شرعيًا يُجسّد التزام المسلمين بالطاعة والولاء في إطار الشريعة، وقد ظهرت بوضوح في بيعات العقبة والرضوان والسقيفة، حيث لعبت دورًا محوريًا في بناء الدولة الإسلامية، وتظل البيعة رمزًا للوحدة والشرعية السياسية في التاريخ الإسلامي.
نظام سياسي تأسس بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - يقوم على مبدأ الشورى والبيعة.
اجتمع الصحابة في سقيفة بني ساعدة للتشاور فيمن يقود الأمة بعد وفاة رسول الله.
الإمامة عند الشيعة ثابتة بالنص، ولا يجوز تفويضها إلى الأمة.