من أهم ما يلفت النظر في
هذه الصحيفة تحديد وضع اليهود في المدينة وأسلوب التعامل معهم، فقد جاء في البند
السادس عشر: "أنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا
متناصر عليهم"، هكذا ضمنت الصحيفة لليهود في المدينة - بمقتضى هذا
البند - حقين أساسيين: أولهما: حق النصرة، أي على المسلمين أن يعينوهم
ويقفوا بجانبهم إن تعرضوا لأي أذى أو عدوان من أي مصدر، والثاني: حق الأسوة،
أي المساواة؛ فهم متساوون في الحقوق والواجبات والحريات مع المسلمين بوصفهم
مواطنين كاملي المواطنة.
وألقت البنود من
الرابع والعشرين إلى نهاية السادس والثلاثين مزيدًا من الضوء على وضع
اليهود في المدينة، فقد جاء في البند الرابع والعشرين: "أن اليهود
ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين" وقد تكررت هذه العبارة في البند
الثامن والثلاثين لمزيد من التأكيد، فاليهود إذن - بناء على هذا البند -
يشتركون في تحمل أعباء القتال مع المسلمين، وهذا البند عميق الدلالة؛ لأنه يؤكد
مبدأ المواطنة الكاملة لليهود، وهو ما سبقت الإشارة إليه، ومن هنا فإنهم مطالبون
بتحمل تبعات الحروب التي يخوضها المسلمون ضد أعداء الدولة الإسلامية الناشئة، وبناء
على ذلك لم تطالب الصحيفة اليهود بدفع الجزية؛ لأنهم يشتركون جنبًا إلى جنب
مع المسلمين في الدفاع عن المدينة.
وجاء في البند الخامس
والعشرين: "أن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم،
وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأَثِم، فإنه لا يُوتِغُ إلا نفسه
وأهل بيته"، وتكرر هذا البند مع اليهود المتحالفين مع بني النجار وبني
الحارث وبني ساعدة وغيرهم من بطون الأوس والخزرج.
وتجدر الإشارة إلى إن هذا البند المكرر
يقرر عددًا من الأمور المهمة، أولها: أن اليهود جزء من مجتمع المدينة؛ فهم "أمة
مع المؤمنين".
وثانيها:
أن اليهود يتمتعون بحرية العقيدة؛ فبالرغم من أنهم جزء من مجتمع المدينة الذي يدين
معظمه بالإسلام، فإن لهم دينهم الذي لن يُكْرِهَهم أحد على التخلي عنه.
وثالثها: فهو أن
على اليهود أن يلتزموا بالقوانين المدنية لدولة المدينة، ولهذا جاء فيها:
"إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ (أي لا يهلك) إلا نفسه وأهل بيته"، فالذي
يظلم ويأثم ولا يحترم القوانين المدنية للدولة يحق عليه العقاب الذي تقرره تلك
القوانين.
ويقدم البند السابع
والثلاثون مزيدًا من التأكيد والتفصيل فيما يتعلق بالعلاقة بين المسلمين ويهود
المدينة؛ حيث ذكر أن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على
من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة، والبرَّ دون الإثم،
فبجانب التأكيد على النفقة المشتركة من الجانبين يؤكد هذا البند أيضًا: أن اليهود
والمسلمين يناصر بعضهم بعضًا إذا تعرضت المدينة للهجوم.
وينبغي التوقف عند هذه
العبارة المهمة وهي: "أهل هذه الصحيفة"؛ فهي تعني سكان المدينة جميعًا،
سواء أكانوا مسلمين أم غير مسلمين، فكلهم شركاء في المواطنة، وكلهم بمقتضى ذلك
ملزمون بالدفاع عن الوطن المشترك.