Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

صحيفة المدينة

الكاتب

أ.د/ عبد الرحمن سالم

صحيفة المدينة

صحيفةُ المدينة أول وثيقة دستورية في التاريخ الإسلامي، وضعها النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة لتنظيم العلاقات بين سكان المدينة من المسلمين واليهود والوثنيين، فجسدت هذه الوثيقة مبدأ المواطنة والتعايش السلمي، وأرست أسس العدالة والوحدة في الدولة الناشئة.

مكونات الدولة الإسلامية في المدينة

بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان من أهم الخطوات الأولى الأساسية التي اتخذها لدعم كيان الدولة الإسلامية الناشئة أنه كتب كتابًا نظَّم فيه العلاقات بين مجتمع المدينة بكل عناصره السكانية، وقد تشكَّل مجتمع المدينة حينئذ من المهاجرين والأنصار (وهم الأوس والخزرج)، واليهود الذين تكونوا من القبائل الأساسية الثلاث: بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة، وكان هناك - بالإضافة إلى هؤلاء - عدد قليل من الوثنيين الذين لم يكونوا قد اعتنقوا الإسلام بعد.

وقد عُرف هذا الكتاب في مصادر التاريخ الإسلامي باسم صحيفة المدينة، وهو الاسم الذي أطلقه الرسول صلى الله عليه وسلم على هذا الكتاب في غير موضع منه؛ فمن ذلك مثلًا قوله: "وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يُخاف فسادهُ فإن مرده إلى الله - عز وجل - وإلى محمد رسول الله". ويطلق الكثير من الباحثين المُحْدَثين على هذه الصحيفة مصطلح "دستور المدينة"The Constitution of Madinah أو "ميثاق المدينة"The Charter of Madinah [انظر على سبيل المثال لا الحصر: د. توفيق الشاوي: فقه الشورى والاستشارة، دار الوفاء، المنصورة، الطبعة الثانية ١٩٩٢م، ص٣٢٠؛ د. محمد سليم العوا: في النظام السياسي للدولة الإسلامية، دار الشروق، القاهرة ١٩٨٩، ص٥٠. وانظر أيضًا:W.M. Watt: Mhammad, Prophet andStatesman. Oxford ١٩٦١,p.٩٤.s. Ameer Ali: A Short History of the Saracens, London ١٩٦١, p.١٢].

سبب تسمية الصحيفة بهذا الاسم

يكمن سر هذه التسمية في الأهمية البالغة التي تنطوي عليها هذه الوثيقة؛ فقد أصبحت المدينة بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إليها دولة متكاملة الأركان، تحققت فيها عناصر قيام الدولة من أرض وشعب وقيادة، وكان لا بُدّ لهذه الدولة من مبادئ دستورية تسترشد بها في إدارة شئونها، وفي تنظيم العلاقات بين عناصرها السكانية، فحققت صحيفة المدينة هذا الغرض على الوجه الأمثل، ولعل هذا هو السبب وراء التعجيل بإصدارها في العام الأول للهجرة. وتتألف هذه الصحيفة من سبعة وأربعين بندًا كما قدّمها الدكتور محمد حميد الله الحيدر آبادي في كتابه المهم: "مجموعة الوثائق السياسية في العهد النبوي والخلافة الراشدة"، وذلك بعد التحقق من صحة نصها من خلال الرجوع إلى العديد من المصادر التي روت هذه الصحيفة أو أطرافًا منها [انظر النص الكامل لهذا الصحيفة في كتاب الدكتور محمد حميد الله الحيدر آبادي: مجموعة الوثائق السياسية في العهد النبوي والخلافة الراشدة، طبعة هيئة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة ١٩٤١، ص ١- ٧].

حق المواطنة في الصحيفة

يعد أول بند تبدأ به الوثيقة هو قوله صلى الله عليه وسلم: "هذا كتاب من محمد النبي رسول الله، بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب، ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم"، وتستوقفنا في هذا البند هذه العبارة: "ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم"؛ فهذه العبارة - كما يقول الدكتور توفيق الشاوي بحق - تفيد أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقصر المواطنة على المؤمنين والمسلمين من المهاجرين والأنصار، وإنما أضاف إليها من تبعهم ولحق بهم، فاللحاق بالأمة هو كل عمل أو وضع يعني الانضمام إلى مواطنيها، ومشاركتهم في مسئوليات المواطنة والتزاماتها، وإذا كان الانضمام باعتناق الدين الإسلامي فإن المواطن يكون من الأغلبية المسلمة بمقتضى إعلان الشهادة، أما إن كان من طائفة أخرى فإن انضمامه يكون بمقتضى عقد الذمة، وهو عقد دستوري. [د. توفيق الشاوي: مرجع سابق، ص٣٢١].

ثم يأتي البند الثاني ليؤكد أن المسلمين أمة واحدة من دون الناس، وهذا يعني أن العرب - بعد أن كان انتماؤهم قبل الإسلام قَبَليًا عِرْقيًا - أصبح انتماؤهم دينيًا، وهو الانتماء الذي اتسع ليشمل العرب وغيرهم من المنتمين لهذا الدين؛ فقد حلت رابطة العقيدة - إذن - محل رابطة القبيلة؛ لتصهر المسلمين جميعًا في بوتقة واحدة، وتجعلهم أمة تجتمع تحت لواء واحد مهما اختلفت أعراقهم وألوانهم.

التوجيه الإسلامي للبناء على الحسن

وتؤكد البنود التسعة التالية على حقيقة قد تلتبس لدى البعض وهي أن الإسلام لم يجيء ليهدم كل ما كان سائدًا لدى العرب قبل النبوة من عادات وتقاليد وأعراف اجتماعية، بل إنه يحتفظ من هذه العادات والتقاليد بما هو متفق مع قيمه ومبادئه، ويشجع أتباعه على التمسك بها [انظر: د. محمد سليم العوا، مرجع سابق، ص ٦٠-٦١].

بينما جاء نَص البند الثالث: "المهاجرون من قريش على رِبعتهم"[على ربعتهم (بكسر الراء): أي على الحال التي جاء الإسلام وهم عليها] ويتعاقلون بينهم، ويفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين؛ وهذا يعني أن المهاجرين من قريش يسيرون على ما كانوا عليه قبل الإسلام فيما يتعلق بالتعامل في الديات، أي يتعاونون فيما بينهم في تحملها، ويقومون بفداء العاني منهم، أي الأسير، ثم يتكرر هذا المعنى في البنود التالية، حتى نهاية البند الحادي عشر، مع بطون الخزرج والأوس.

ذكر حقوق اليهود وعلاقتهم بالمسلمين في الصحيفة

من أهم ما يلفت النظر في هذه الصحيفة تحديد وضع اليهود في المدينة وأسلوب التعامل معهم، فقد جاء في البند السادس عشر: "أنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم"، هكذا ضمنت الصحيفة لليهود في المدينة - بمقتضى هذا البند - حقين أساسيين: أولهما: حق النصرة، أي على المسلمين أن يعينوهم ويقفوا بجانبهم إن تعرضوا لأي أذى أو عدوان من أي مصدر، والثاني: حق الأسوة، أي المساواة؛ فهم متساوون في الحقوق والواجبات والحريات مع المسلمين بوصفهم مواطنين كاملي المواطنة.

وألقت البنود من الرابع والعشرين إلى نهاية السادس والثلاثين مزيدًا من الضوء على وضع اليهود في المدينة، فقد جاء في البند الرابع والعشرين: "أن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين" وقد تكررت هذه العبارة في البند الثامن والثلاثين لمزيد من التأكيد، فاليهود إذن - بناء على هذا البند - يشتركون في تحمل أعباء القتال مع المسلمين، وهذا البند عميق الدلالة؛ لأنه يؤكد مبدأ المواطنة الكاملة لليهود، وهو ما سبقت الإشارة إليه، ومن هنا فإنهم مطالبون بتحمل تبعات الحروب التي يخوضها المسلمون ضد أعداء الدولة الإسلامية الناشئة، وبناء على ذلك لم تطالب الصحيفة اليهود بدفع الجزية؛ لأنهم يشتركون جنبًا إلى جنب مع المسلمين في الدفاع عن المدينة.

وجاء في البند الخامس والعشرين: "أن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأَثِم، فإنه لا يُوتِغُ إلا نفسه وأهل بيته"، وتكرر هذا البند مع اليهود المتحالفين مع بني النجار وبني الحارث وبني ساعدة وغيرهم من بطون الأوس والخزرج.

وتجدر الإشارة إلى إن هذا البند المكرر يقرر عددًا من الأمور المهمة، أولها: أن اليهود جزء من مجتمع المدينة؛ فهم "أمة مع المؤمنين".

وثانيها: أن اليهود يتمتعون بحرية العقيدة؛ فبالرغم من أنهم جزء من مجتمع المدينة الذي يدين معظمه بالإسلام، فإن لهم دينهم الذي لن يُكْرِهَهم أحد على التخلي عنه.

وثالثها: فهو أن على اليهود أن يلتزموا بالقوانين المدنية لدولة المدينة، ولهذا جاء فيها: "إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ (أي لا يهلك) إلا نفسه وأهل بيته"، فالذي يظلم ويأثم ولا يحترم القوانين المدنية للدولة يحق عليه العقاب الذي تقرره تلك القوانين.

ويقدم البند السابع والثلاثون مزيدًا من التأكيد والتفصيل فيما يتعلق بالعلاقة بين المسلمين ويهود المدينة؛ حيث ذكر أن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة، والبرَّ دون الإثم، فبجانب التأكيد على النفقة المشتركة من الجانبين يؤكد هذا البند أيضًا: أن اليهود والمسلمين يناصر بعضهم بعضًا إذا تعرضت المدينة للهجوم.

وينبغي التوقف عند هذه العبارة المهمة وهي: "أهل هذه الصحيفة"؛ فهي تعني سكان المدينة جميعًا، سواء أكانوا مسلمين أم غير مسلمين، فكلهم شركاء في المواطنة، وكلهم بمقتضى ذلك ملزمون بالدفاع عن الوطن المشترك.

تحديد الرئاسة المدنية للدولة الجديدة

وتحسم هذه الصحيفة قضية مهمة وهي الرئاسة المدنية للدولة الجديدة، فقد جاء في البند الثالث والعشرين ما نصه: "وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله وإلى محمد".

ويزيد البند الثاني والأربعون هذا الأمر تفصيلًا حيث يذكر: "أنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة مِنْ حَدَثٍ أو اشتجار يُخَافُ فسادهُ فإن مردَّه إلى الله وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأَبَرِّه"، هكذا أصبح الرسول صلى الله عليه وسلم -بمقتضى ذلك - هو الرئيس الأعلى للمدينة بكل عناصرها السكانية؛ فمن حقه أن يصدر حكمه الحاسم في أي نزاع "يُخَافُ فسادهُ"؛ أي: يُخْشَى من العواقب السيئة لتطوراته، وهو النزاع الذي قد يحدث بين "أهل هذه الصحيفة"، أي أهل المدينة، فالرسول - بوصفه الحاكم المدني للمدينة - يملك وحده حقَّ حسم هذا النزاع، وتحدد الصحيفة طبيعة علاقة أهل المدينة بأعداء الدولة الناشئة وخاصة مشركي مكة؛ فهي تذكر في بندها العشرين: "أنه لا يجير مشرك مالًا لقريش ولا نفسًا".

وفي البند الثالث والأربعين والرابع والأربعين: "أنه لا تُجَارُ قريش ولا مَنْ نَصَرَها؛ وأن بينهم النصر على من دهم يثرب"، فقد كان هناك قلة من الوثنيين في المدينة عند الهجرة، وقد ألزمتهم هذه الصحيفة مع غيرهم من سكان المدينة ألا يقدموا الحماية أو الجوار لأحد من قريش، أو لأحد من حلفاء قريش وأنصارها، وأن الجميع يتكاتفون للدفاع عن المدينة إذا هاجمها العدو، فهذه هي أهم القضايا التي تناولتها الوثيقة.

الخلاصة

صحيفة المدينة وثيقة تأسيسية أرست دعائم الدولة الإسلامية بعد الهجرة، ونظّمت العلاقات بين سكان المدينة على أساس المواطنة والتعايش السلمي، وقد أكدت على وحدة المسلمين، وحقوق اليهود، ورئاسة النبي صلى الله عليه وسلم للدولة، والتزام الجميع بالدفاع عنها.

موضوعات ذات صلة

أول نموذج دستوري للتعايش السلمي في الإسلام، وضعه النبي محمد صلى الله عليه وسلم عند قدومه إلى المدينة المنورة.

كانت الهجرة النبوية بداية مرحلة جديدة من العلاقات الإنسانية والاجتماعية.

كانت الهجرة النبوية بداية لتأسيس مجتمع إسلامي جديد، مبني على أسس العدالة والمساواة والتعايش السلمي.

موضوعات مختارة