Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الأتراك

الكاتب

أ. د / عطية القوصي

الأتراك

يُعتبر الأتراك من أبرز الشعوب التي تركت أثرًا عميقًا في تاريخ العالم الإسلامي من خلال هجراتهم، وتأسيسهم دولاً قوية مثل الدولة السلجوقية والعثمانية، وقد لعب اعتناق الإسلام دورًا محوريًّا في تشكيل هويتهم، وتعزيز نفوذهم في السياسة، والثقافة الإسلامية؛ امتدت مساهماتهم الحضارية والعسكرية؛ لتُشكل فصولاً هامة من تاريخ الحضارة الإسلامية.

أصول الأتراك

الأتراك هم: المجموعة العرقية التي تتكلم اللغة التركية كلغة أمّ، ويبلغ عددهم حوالي ٧٠ مليونًا، يوجد أغلبهم في تركيا، ومنهم عدد في المهجر، وخاصة في ألمانيا التي يوجد بها حوالي ٢.٧ مليونًا من الجالية التركية، ويعتنق معظم الأتراك دين الإسلام بغالبية سُنية يتبعون الفقه الحنفي، وأقلية علمانية. [هذا العدد حسب إحصاءات عام ٢٠٠٥ التركية السكانية]

هجرة الأتراك إلى العالم الإسلامي

ولقد وُجد الأتراك في منطقة ما وراء النهر التي نسميها اليوم (تركستان)، [كانت تلك البلاد تعرف عند المسلمين باسم بلاد ما وراء النهر، أي وراء نهر جيحون وهي البلاد التي نسبت إلى الترك فعرفت ببلاد التركستان، أي أرض الترك، أرمنيوس فاميري: تاريخ بخارى منذ أقدم العصور، القاهرة ١٩٦٨، ص ١٣٥] والتي تمتد من هضبة منغوليا، وشمال الصين شرقًا إلى بحر الخزر (بحر قزوين) غربًا، ومن السهول السيبيرية شمالًا إلى شبه القارة الهندية، وفارس جنوبًا.

وقد استوطنت عناصر (الغُز) [الطبري محمد بن جرير: تاريخ الرسل والملوك، ج٦، بيروت ١٩٦٧، ص ١٠٥]، وقبائلها الكبرى تلك المضايق، وعُرفوا بالترك أو الأتراك ثم تحركت هذه القبائل في النصف الثاني من القرن السادس الميلادي؛ للانتقال من موطنها الأصلي نحو آسيا الصغرى في هجرات ضخمة.

وذكر المؤرخون [الطبري: المصدر السابق والجزء، ص ٠١٠٦ ابن طباطبا: الفخري في الآداب السلطانية، ابن الأثير: الكامل في التاريخ، طبعة بيروت ١٩٩٥، جـ ٢، ص ٤١١ - ٤١٢]، مجموعة من الأسباب التي ساهمت في هجرتهم، فالبعض يرى أن ذلك بسبب عوامل اقتصادية، فالجدب الشديد، وكثرة النسل جعلت هذه القبائل تضيق ذرعًا بمواطنها الأصلية، فهاجرت بحثًا عن المراعي، والعيش الرغيد.

والبعض الآخر يعزو تلك الهجرات؛ لأسباب سياسية، حيث تعرضت تلك القبائل؛ لضغوط كبيرة من قبائل أخرى أكثر منها عددًا، وعُدة، وقوة، وهي: القبائل المغولية التي أجبرتها على الرحيل من مواطنها؛ لتبحث عن مواطن أخرى، وتترك أراضيها بحثًا عن نعمة الأمن والاستقرار. [عصام الدين عبد الرؤوف: تاريخ الفكر الإسلامي، دار الفكر العربي، القاهرة ١٩٩٧، ص٨٠]

ولقد اضطرت تلك القبائل المهاجرة أن تتجه غربًا، ونزلت بالقرب من شواطئ نهر جيحون، ثم استقرت بعض الوقت في طبرستان، وجرجان فأصبحوا بالقرب من الأراضي الإسلامية التي فتحها المسلمون بعد معركة (نهاوند)، وسقوط الدولة الساسانية الفارسية في فارس سنة ٢١هـ/٦٤١م. [ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج٢، ص ٤١١- ٤١٨].

اعتناق الإسلام، وأثره على الهوية التركية

وفي عام ٢٢ هـ/ ٦٤٢م تحركت الجيوش الإسلامية إلى بلاد "الباب"؛ لفتحها، وكان الأتراك قد سكنوا تلك البلاد، وهناك التقى قائد الجيش الإسلامي "عبد الرحمن بن ربيعة" بملك الترك "شهريار" فطلب من عبد الرحمن الصلح، وأظهر استعداده للمشاركة في الجيش الإسلامي؛ لمحاربة الأرمن، فأرسله عبد الرحمن إلى القائد العام "سراقة بن عمرو".

وقد قام شهريار بمقابلة سراقة، فقبل منه ذلك، وكتب للخليفة عمر بن الخطابرضي الله عنهما يعلمه بالأمر، فوافق على ما فعل. [ابن الأثير: الكامل، ج٢، ص ٤٣٠- ٤٣٢].

وعلى أثر ذلك عُقد الصلح، ولم يقع بين الأتراك والمسلمين أي قتال، بل سار الجميع إلى بلاد الأرمن؛ لفتحها، ونشر الإسلام بها.

وتقدمت الجيوش الإسلامية؛ لفتح البلدان في شمال شرق بلاد فارس بعد سقوط دولة الفرس أمام الجيوش الإسلامية، وهي التي كانت تقف حاجزًا منيعًا أمام الجيوش الإسلامية في تلك البلدان، فتم فتح بخارى في عهد "معاوية بن أبي سفيان" رضي الله عنه ثم توغلت حتى سمرقند وبذلك فتحت كل بلاد ما وراء النهر. [عطية القوصي: الدولة العربية الإسلامية، القاهرة ١٩٩٤، ص ١٥٩].

وبزوال تلك العوائق، ونتيجة للفتوحات الإسلامية أصبح الباب مفتوحًا أمام تحركات شعوب تلك البلدان، والأقاليم، ومنهم الأتراك فتم الاتصال بالشعوب الإسلامية، واعتنق الأتراك الإسلام. [ذكر ياقوت الحموي أن قبائل الترك التي اعتنقت الإسلام هي: الغز، والتغزغز، والقبجاق، والقرغيز [معجم البلدان، ج٢، ص ٣].

وفي عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه [هو الخليفة الراشد الثالث حكم الدولة الإسلامية من سنة ٢٤ – ٣٥هـ] تم فتح بلاد طبرستان ثم عبر المسلمون نهر جيحون، ونزلوا بلاد ما وراء النهر، فدخل كثير من الترك في دين الإسلام، وصارت بلاد ما وراء النهر جميعها تحت الحكم الإسلامي. [ابن الأثير: الكامل، ج٣، ص ٦، ٧]

وازداد عدد الأتراك في بلاط الخلفاء، والأمراء المسلمين، وشرعوا في تولي المناصب القيادية، والإدارية في الدولة، وقد التزموا بالهدوء، والطاعة حتى نالوا أعلى المراتب.

ولما تولى "المعتصم بالله" [هو الخليفة العباسي الثامن، الذي عرف بالمثمن، وقد تعصب للأتراك بسبب أن أمه تركية] الخليفة العباسي الخلافة فتحت الأبواب أمام النفوذ التركي، وأسندت إليهم مناصب الدولة القيادية، وأصبحوا بذلك يشاركون في تصريف شئون الدولة.

وكانت سياسة المعتصم تهدف إلى تقليص النفوذ الفارسي الذي كان له اليد المطلقة في إدارة الدولة العباسية في العصر العباسي الأول منذ عهد الخليفة "المأمون بن الرشيد".

ولقد تسبب اهتمام المعتصم بالعنصر التركي في حالة سخط شديدة بين الناس، والجند [سخط عليه جنود الفرس والعرب بسبب إسقاطهم من ديوان الجند، وإحلال الأتراك مكانهم]، فبنى (سامراء ([الطبري: جـ٩، ص ١٧] وسكنها هو وحده، وأنصاره، وجنوده الأتراك.

وهكذا بدأ الأتراك منذ ذلك التاريخ في الظهور في أدوار هامة على مسرح التاريخ الإسلامي حتى أسسوا لهم دولة إسلامية كبيرة، كانت على صلة بخلفاء الدولة العباسية عرفت بالدولة السلجوقية. [ابن الأثير: الكامل، ج٦، ص ١٨٤].

وكان لظهور الأتراك السلاجقة على مسرح الأحداث في المشرق العربي الإسلامي أثر كبير في تغير الأوضاع السياسية في تلك المنطقة التي كانت تتنازعها الخلافة العباسية السنية من جهة، والخلافة الفاطمية الشيعية من جهة أخرى. [سميت أول الأمر بسُرَّ مَن رَأَى، ثم اختصرت إلى سامَرَّاء، ولما خربت عرفت بساء من رأى ].

وينتمي أصل الأتراك السلاجقة إلى قبيلة "قنق" [السلاجقة فرع من قبائل الغز الأتراك وعرفوا باسم السلاجقة نسبة إلى زعيمهم سلجوق بن دقاق الذين دخلوا الإسلام في عهده. [Bosworth: The Ghaznavids in Afghanistan, p. ٢١٩]

إحدى قبائل الأتراك الغز التي نجحت في تكوين إمبراطورية عظيمة، وسميت بهذا الاسم نسبة إلى جدهم سلجوق بن دقاق، الذي كان يعمل قائدًا في جيش بيغو (الغزال) ملك الترك، ولقد حدثت خلافات بين بيغو ودقاق اضطر على أثرها سلجوق - الذي تولى إمارة الجيش خلفًا لأبيه، وأسرته - إلى ترك ديارهم إلى نواحي "جند" ببلاد ما وراء النهر [بارتولد: تاريخ الترك، ص ٥٨، ٥٩]، ومعه ألف فارس، وألف بعير، وخمسون ألف رأس من الماشية، بعد أن أضمر له بيغو السوء؛ بسبب حب الناس له.  

كذلك كان فقر المراعي؛ سببًا في هجرة الأتراك السلاجقة جنوبًا ناحية بخارى، وهناك اعتنق سلجوق وأسرته ورجاله الإسلام، وأصبح لهؤلاء الأتراك نشاط في الجهات التي هاجروا إليها، فقاموا بالذود عنها ضد خطر الكفار الترك، واستطاع سلجوق تأسيس إمارة واسعة في بلاد ما وراء النهر. [تمكن السلاجقة من اقتطاع خراسان من السلطان مسعود الغزنوي، وأقام طغرلبك، أول سلاطين السلاجقة دولته لنفسه فيها سنه ٤٢٩ هـ ولم تفلح جهود مسعود الغزنوي في التصدي للسلاجقة الذين هزموه هزيمة ساحقة عند داندنقان سنة ٤٣١ هـ /١٠٣٩م، محمد بركات البيلي: دراسات في تاريخ الدولة العباسية، القاهرة ١٩٨٦، ص ١٦].

وكان له من الأولاد أرسلان إسرائيل، وميكائيل، وموسى، ويوسف.

وكان ميكائيل أكبر أبنائه قد مات أثناء حياة أبيه، وله من الأبناء: طُغْرُلْبِك محمد. [هو أبو طالب محمد، وشهرته طغرلبك، وهو اسم تركي مركب بمعنى الأمير الطائر]، وجغري بك.

دولة السلاجقة، ومساندة الدولة العباسية

وقد أسس السلاجقة دولة تركية كبرى ظهرت في القرن الخامس الهجري بعد أن توسعت على حساب الدولة الغزنوية، وخاصة بعد انتصار السلاجقة على الغزنويين في معركة "داندنقان" سنة ٤٣١هـ/١٠٤٩م؛ لتشمل بلاد خراسان وما وراء النهر وإيران والعراق وبلاد الشام وآسيا الصغرى، وكانت مدينة الري في إيران ثم بغداد في العراق مقر السلطنة السلجوقية، بينما قامت دويلات سلجوقية أخرى في خراسان، وما وراء النهر، وفي كِرمان، وبلاد الشام (سلاجقة الشام) وآسيا الصغرى (سلاجقة الروم)، وكانت تتبع السلطان السلجوقي في إيران والعراق [ابن الأثير: الكامل، ج٩، ص ١٧٩].

وقد ساند السلاجقة الخلافة العباسية ونصروا مذهبهم السُّني، بعد أن كادت تنهار على يد النفوذ الشيعي في إيران والعراق، والنفوذ الفاطمي في مصر والشام، فقضى السلاجقة على النفوذ البويهي تمامًا، وتصدوا للخلافة الفاطمية الشيعية. [محمد جمال الدين سرور: سياسة الفاطميين الخارجية، القاهرة ١٩٦٧، ص ٢٠٨].

واستطاع طغرلبك، الزعيم السلجوقي أن يسقط الدولة البويهية في بغداد سنة ٤٤٧هـ، وأن يقضي على الفتن.

وقد فرح الخليفة العباسي بانتصار السلاجقة على البويهيين فقرب إليه طغرلبك، وأمر بنقش اسمه على العملة، ولقبه بالسلطان ركن الدين طغرلبك.

وزاد نفوذ السلاجقة في الدولة العباسية، وحلوا محل البويهيين وسيطروا على بغداد، وعملوا على توطيد علاقتهم بالعباسيين، فتزوج الخليفة العباسي من ابنة (جغري بك) الأخ الأكبر لطغرلبك، وتزوج طغرلبك ابنة الخليفة العباسي "القائم بأمر الله".

وتوفي طغرلبك بعد عام من زواجه، وتولى ألب أرسلان [كان يطلق على ألب أرسلان لقب الأسد الشجاع] السلطة في البلاد بعد وفاة عمه طغرلبك، وكان ألب أرسلان متلهفًا للجهاد في سبيل الله، ونشر دعوة الإسلام في بلاد الأرمن والروم.

وقام ألب أرسلان بفتح جورجيا من بلاد الأرمن، وضمها لمملكته، وأغار على شمال الشام، وحاصر الدولة المرداسية الشيعية في حلب [المرداسيون فرع من عرب بني كلاب، انتقلوا بعد الإسلام إلى اليمامة، وأسسوا دولة بها، ثم انتقلوا إلى الجزيرة الفراتية وأقاموا لهم دولة هنالك ،عطية القوصي: تاريخ الدولة المستقلة، القاهرة ١٩٩٣، ص ٢٧]، وأرسل قائده "أتسز الخوارزمي" في حملة لجنوب الشام، فاستولى على الرملة والقدس، وخلصها من يد الفاطميين [ياقوت: معجم البلدان، جـ ٥ ص ٢٠٢]، وانتصر ألب أرسلان على امبراطور الروم في معركة "ملازكرد" (٤٦٣ هـ/١٠٧٠م]. [ابن الأثير: الكامل، ج. ١، أحداث سنة ٤٦٣ هـ].

ولقد كان نصر ألب أرسلان على جيش امبراطور الروم حدثًا كبيرًا، ونقطة تحول في التاريخ الإسلامي؛ لأنها ساعدت على إضعاف نفوذ الروم في معظم أقاليم آسيا الصغرى، وهذا ساعد تدريجيًا على قضاء الأتراك العثمانيين على الدولة البيزنطية [نفس المصدر، ج١٠، ص٧].

وفي عام ٤٦٥هـ/١٠٧٢م قُتل السلطان ألب أرسلان على يد أحد الثائرين يدعى يوسف الخوارزمي، ودفن في مرو بجوار قبر أبيه، وخلفه ابنه ملكشاه. [البيلي: دراسات في تاريخ الدولة العباسية، ص ١٨٥].

واتسعت دولة الأتراك السلاجقة في عهد ملكشاه؛ لتبلغ أقصى امتداد لها من أفغانستان شرقا إلى آسيا الصغرى غربًا، وبلاد الشام جنوبًا، وذلك بعد أن سقطت دمشق على يد قائده أتسز، وأقيمت الدعوة للخليفة العباسي. [البيلي: دراسات، ص١٩٠].

ولقد أسند ملكشاه المناطق التي سيطر عليها في بلاد الشام لأخيه "تاج الدولة تتش" [البيلي: دراسات، ص ١٨٧]؛ عام ٤٧٠هـ، وذلك من أجل متابعة الفتح، فأسس تتش دولة سلاجقة الشام [محمد جمال الدين سرور: سياسة الفاطميين الخارجية. ص ١ ٥ ١ وما بعدها]، كما أسند ملكشاه حكم بلاد آسيا الصغرى لأحد أقاربه، ويدعى "سليمان بن قتلمش" [البيلي: دراسات في تاريخ الدولة العباسية، ص ١٧٩]، فأسس سليمان دولة "سلاجقة الروم" [البيلي: نفس المرجع السابق، ص ١٨٨].

وقد استمرت هذه الدولة ٢٢٤ سنة؛ ليتعاقب عليها أربعة عشر من سلالة قتلمش، وكان أولهم سليمان الذي يعتبر المؤسس الأول، وقد تمكن من فتح أنطاكية (٤٤٧هـ / ١٠٨٤م) [ابن الأثير: الكامل، ج١، ص٥٠] كما تمكن ابنه من السيطرة على قونية سنة ٤٨٠ هـ/ ١٠٨٧م؛ ليتخذها عاصمة له، وقد سقطت هذه الدولة على يد المغول (٧٠٠ هـ/ ١٣٠٠م) ثم أصبحت من أملاك الدولة العثمانية.

ولقد حرص سلاجقة الروم على تتريك آسيا الصغرى، ونشر الإسلام على المذهب السُّني، وكانوا سببًا في نقل الحضارة الإسلامية إلى تلك البلاد، وأسقطوا الخط الدفاعي الذي كان يحمي المسيحية في أوربا المسيحية مما يأتيها من هجمات من جهة المشرق. [حسنين ربيع: دراسات في تاريخ الدولة البيزنطية، القاهرة ٩٨٣ ١، ص١٨٥ ].

وعندما توفي السلطان ملكشاه، وانتهى دور القوة والمجد الذي عرفته الدولة السلجوقية في عهد السلاطين الثلاثة الكبار (طغرلبك وألب أرسلان وملكشاه) بدأت مرحلة الضعف والصراع [البيلي: دراسات في تاريخ الدولة العباسية، ص ١٧٩].

وقد ظهر في عهدي ألب أرسلان وملكشاه الوزير الكبير "نظام الملك" مؤسس المدرسة النظامية الكبرى ببغداد وأخرى بنيسابور وثالثة بطوس ([قال عنه الذهبي: إنه رغب في العلم وأدرَّ على الطلبة الهبات وأملى الحديث وبعُد صيته. سير أعمال النبلاء ص ١٩، ٩٤].

ويقول المؤرخ أبو شامة عنه: "إنه أعاد الناموس للدولة والهيبة لها إلى أحسن حالاتها" [الروضتين في أخبار الدولتين ٠ج١. ص٣١]، وذكر ابن الأثير عنه "أنه ظهر من كفايته، وشجاعته، وحسن سيرته ما أثلج صدور الناس". [الكامل في التاريخ، ج٢، ص ٢٥٦ قتله شاب من شباب الباطنية الإسماعيلية [الحشاشين] الذين جمعهم الحسن بن الصباح في قلعة ألموت].

ثم توالى الضعف على ملوك السلاجقة أبناء ملكشاه: بركياروق، ومحمد، وسنجر، ومحمود [البيلي: دراسات، ص ١٩]، وكان محمود طفلًا صغيرًا، فبايعوه على تولي السلطنة؛ لأن أمه كانت ذات شأن كبير أيام ملكشاه، واستمر حكمه مدة عامين ثم توفي بعدهما هو وأمه [البيلي: نفس المرجع السابق، ص ١٩٣، ١٩٤].

ثم جاء بركياروق واستمر حكمه في عام ٤٩٨هـ / ١١٠٥ م [ليلى عبد الجواد إسماعيل: تاريخ الأيوبيين والمماليك، القاهرة ٢٠٠٢، ص ٢٥٩- ٠٢٦١]، ثم تلاه ركن الدين بن ملكشاه الثاني، وفي نفس العام تولى أبو شجاع محمد السلطنة، واستمر حكمه حتى عام ٥١١ هـ /١١٣٨م، وكان آخر حكام دولة الأتراك السلاجقة، وقد انقرضت دولتهم سنة ٥٢٢هـ /١١٢٨م.

وبسقوط دولة الأتراك السلاجقة تكونت الإمارات الأتابكية [الأتابكية: إمارة يقطعها السلطان السلجوقي لأحد المقربين، ومن أشهر هذه الأتابكيات: أتابكية الموصل، ومؤسسها عماد الدين زنكي [أحمد الشريف وحسن محمود: العالم الإسلامي في العصر العباسي، بيروت ١٩٦٠، ص ٣٦٠]، إلى أن ظهرت على المسرح دولة الأتراك العثمانيين التي كانت امتدادًا لدولة الأتراك السلاجقة.

دولة الأتراك العثمانيين

وينحدر الأتراك العثمانيون من القبائل التركمانية الذين دخلوا الأناضول في القرن الحادي عشر الميلادي كجنود مرتزقة للسلاجقة.

وقامت دولة الأتراك العثمانيين في شمال غربي الأناضول (آسيا الصغرى)، وهم ورثة الأتراك السلاجقة، وينتسبون إلى عشيرة قابي إحدى قبائل الغز الأتراك، التي سكنت التركستان، ووفدوا إلى بلاد الأناضول بقيادة زعيمهم عثمان بن أرطغرل [Lexicon Universal Encyclopeadia. London ١٩٨٧.v.١٤.p.٣٤٨] ، الذي جاء إلى تلك البلاد طالبًا مبايعته خليفة أوائل القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي، وكانت تلك القبيلة تسكن ضمن قبائل الغز الأخرى شمال بحر قزوين، الذي كان يسمى ببحر الخزر.

وعندما استولى المغول على بلاد التركستان في القرن السابع الهجري هاجرت القبائل التركية إلى أذربيجان، وهناك استقروا، وتكاثروا في العدد، وبعد وفاة سليمان شاه، زعيم القبيلة، خلفه ابنه أورخان، أبو الأتراك العثمانيين، ولكن الدولة تنسب إلى ابن أخيه عثمان بن أرطغرل الذي يعتبر المؤسس الحقيقي لدولة العثمانيين الذين هاجروا من وسط آسيا هربًا من فظائع المغول، واستقروا في آسيا الصغرى، ودخل الأتراك العثمانيون  في الصراع الذي كان دائرًا بين سلاجقة الروم والبيزنطيين إلى جانب السلاجقة، وتمكن عثمان بن أرطغرل من الاستيلاء على بعض القلاع، والحصون البيزنطية في وسط آسيا، فكافأه السلطان السلجوقي علاء الدين، ورفعه إلى مرتبة الأمراء، وترك له التوسع في إمارته على حساب الممتلكات البيزنطية. [COOK.M: A History or Ottomaan Empirc, London١٩٦٧. P.١٢٠]

وبعد قتل السلطان علاء الدين السلجوقي، وسقوط دولته استقل عثمان بإمارته وما تحت يده من أملاك السلاجقة ثم أعلن الجهاد، فاستولي على بروسة (على ساحل بحر مرمرة] ثم نظم بداية تأسيس الدولة. [LEXXICON: OP. CIT, P٤٠٤]

وتعد دولة الأتراك العثمانيين أكبر الدول في الفتوحات الإسلامية بعد الدولة الأموية، فقد أعاد الأتراك العثمانيون الدعوة للجهاد، والغزو، وانطلقوا في فتوحات داخل أوربا وأجزاء من آسيا الصغرى، وعلى رأس هذه الفتوحات فتح القسطنطينية عاصمة دولة الروم الشرقية، على يد السلطان محمد الفاتح عام٨٥٧هـ/١٤٥٣م [يعد ذلك الفتح الفتح العظيم للمسلمين. وقد كانت نهاية الدولة البيزنطية بهذا الفتح، حتى أن المؤرخين يعتبرون عام ٤٥٣ ١ ميلادية نهاية للتاريخ الوسيط وبداية للتاريخ الحديث]، الذي حول كنيستها الشهيرة (أيا صوفيا) إلى جامع [حدث التغيير في هذه الكنيسة التي بنتها أم الإمبراطور جستنيان الروماني، وهي الآن متحف إسلامي كبير، رفعت الصلبان من جدرانها وحلت مكانها أسماء: محمد وأبو بكر وعمر وعلي]، ثم فتح بلغراد، والبوسنة، والهرسك، ودخل أهلها في الإسلام في عهد محمد الفاتح أيضًا، كما استولى الأتراك العثمانيون على بلاد اليونان وقبرص ورومانيا وألبانيا وجنوب أوربا حتى نهر الدانوب في القرن الخامس عشر الميلادي.

كذلك انتصر الأتراك العثمانيون على الدولة الصفوية الإيرانية، وهزموا الشاه إسماعيل الصفوي عام ٩٢٠هـ/١٥١٤ م في معركة جالديران [LEXXICON: OP. CIT, P.٤٠٦]

ثم قضوا على دولة المماليك في مصر والشام بعد معركتي مرج دابق٩٢٢هـ / ١٥١٦م في الشام والريدانية في مصر عام ٩٢٣هـ /١٥١٧م على يد السلطان سليم الأول. [عبد الرحمن الرافعي: تاريخ الحركة القومية وتطوير نظام الحكم في مصر، ج، القاهرة ٩٨١ ١، ص ٢٧].

وبالرغم من أن بداية تأسيس دولة الأتراك العثمانيين كان عام ٦٩٩هـ/١٢٩٩م، إلا أن الميلاد الحقيقي لها، وبداية ازدهارها، وتوسعها كان عام ٨ـ٥٧هـ/ ١٤٥٣م، بعد أن تم فتح القسطنطينية التي أصبحت عاصمة الدولة، وأطلق عليها اسم (إسلام بول)، أي مدينة الإسلام، وهي اسطنبول حاليًا.

وفي عام ٩٢٣هـ/١٥١٧م، بعد سقوط دولة المماليك في مصر والشام، وسقوط الخلافة العباسية معها، أعلنت الدولة العثمانية تحول الخلافة إلى سلاطينها، فصار سلاطينها حكامًا وخلفاء، وتحول مركز الخلافة من بغداد والقاهرة إلى اسطنبول.

وحكمت هذه الدولة التركية أجزاء واسعة من العالم الإسلامي حتى سقوط ونهاية خلافتها عام ١٣٤٣هـ / ١٩٢٤م. [LEXXICON: OP. CIT.V.١٤. P.٤٦٦.] ، ويقسّم المؤرخون تاريخ الأتراك العثمانيين إلى دورين أساسيين هما:

دور القوة، وهو يبدأ من تأسيس الدولة حتى نهاية حكم السلطان سليمان القانوني عام ٩٧٤ هـ/١٥٦٦م.

ودور الضعف، وجاء بعد عهد سليمان القانوني وتولية ابنه سليمان الثاني حتى سقوط الخلافة.

تراث الأتراك، ثم ضعف دولتهم، ونهايتها

وعن التشييد والجوانب الحضارية فقد كان السلاطين العثمانيون حريصين على البناء والمعمار، فقد اهتموا بالبناء في كل بلد فتحوها، بناء مساجد، ومدارس، وخانقاوات، وحصون، وقلاع؛ وكان أول مسجد بنوه في عهد السلطان أرطغرل والد عثمان عام ٦٨٧هـ /١٢٨٨م، قبل إعلان الدولة رسميًّا.

وفي عهد السلطان أورخان تم تشييد مسجد (بورصة)، وألحق به بناء كبير؛ ليكون مدرسة للعلوم الشرعية، وفي عام ٧٣٧ هـ /١٣٣٦ م تم بناء مسجد أزمير الكبير، وبناء مدرسة ضخمة إلى جواره؛ لتدريس شتى العلوم، وقد اعتبرها البعض أول جامعة عثمانية. [ليلى عبد الجو اد: تاريخ الأيوبيين والمماليك، ص ٢٦١].

وفي عهد السلطان بايزيد بن مراد بنى الأتراك العثمانيون مركزًا ضخمًا؛ لبناء السفن وإصلاحها في مدينة (غاليبولى)، وفي عهد السلطان محمد الفاتح تم اختراع مدفع ضخم استخدم في معركة فتح القسطنطينية؛ وتم اختراع نوع جديد من القنابل المتفجرة التي تنفجر إذا اصطدمت بجسم صلب لأول مرة في تاريخ الحروب.

وبعد فتح القسطنطينية بنى فيها السلطان محمد الفاتح مسجدًا ضخمًا، وألحق به مستشفى يضم سبعين سريرًا يتدرب فيه الطلاب الذين يدرسون الطب، وأطلق على هذا المستشفى اسم "دار الشفاء". [بنى السلاطين العثمانيون مساجد ضخمة فخمة لا تزال قائمة حتى الآن تنطق بجمال المعمار العثماني، وعظيم بنيانه، من هذه الجوامع: الجامع الأزرق، وجامع السلطان أحمد بإستانبول. وقد قام بناء هذه الجوامع على يد المعماري الكبير المعاصر لتلك الفترة (سنان باشا].

وفي عهد السلطان أحمد خان الثالث أمر هذا السلطان بتأسيس دار للطباعة في إسلامبول، وزودت هذه الدار بمطبعة حديثة، ويذكر بعض المؤرخين أن عدد المكتبات في إسلامبول بلغ ٤٥ مكتبة ضمت ما يزيد على ٦٥٠ ألف مجلد، أكثرها بخط اليد.       

ومن كبار المعماريين الذين ظهروا في عهد دولة الأتراك العثمانيين المعماري (سنان باشا) الذي يعتبر من أبرز المعماريين في التاريخ الإسلامي، وليس في تاريخ الدولة العثمانية وحدها، وكان سنان باشا مسئولًا عن الأعمال المعمارية في إسلامبول وهي الأعمال التي لا تزال آثارها باقية إلى اليوم، كما ساهم في بناء الأسطول العثماني الكبير.

وقد بدأ دور الضعف في دولة الأتراك العثمانيين حين اختل نظام (الإنكشارية)، وتوالت على الدولة الهزائم العسكرية، وظهور قوى جديدة كانت من أسباب ضعف الدولة إلى جانب انتشار الفساد، والرشوة في عهد السلاطين الضعاف الذين توالوا على حكم الدولة.

ولقد ظل حكم دولة الأتراك العثمانيين في العالم العربي مدة أربعة قرون، وهي مدة طويلة، لا شك في أنها صعبت من استمرارية إحكام قبضة العثمانيين على ممتلكاتهم طوال هذه المدة.

وبصفة عامة عانت الولايات العربية التي كانت تتبع الدولة من تدهور أحوال الزراعة، والصناعة، والتجارة إلى جانب تعصب الأتراك لجنسهم، وتفضيله على العنصر العربي، تغذيهم في ذلك بعض العناصر اليهودية التي كان لها نفوذ واسع في جمعية "الاتحاد والترقي"، فقامت الحركات الانفصالية عن الدولة، ومنها: الحركة الوهابية، والسنوسية، والمهدية، وحركة محمد على التوسعية في مصر [قامت الحركة الانفصالية الوهابية بالجزيرة العربية، والحركة السنوسية بليبيا والحركة المهدية بالسودان، وحركة محمد علي باشا في مصر، حيث نجح في إقامة دولة له ولأسرته حظيت بالاستقلال الذاتي].

ولمَّا شعرت الدولة العثمانية بضعفها، فرضت على العالم العربي العزلة، وقطعته عن الاتصال بالعالم الخارجي، فانتشرت الأمية، واقتصر التعليم على الكتاتيب الملحقة بالمساجد التي كانت تدرس العلوم الدينية، والفقهية فقط.

كما كانت مدة حكم الولاة العثمانيين تقتصر على عام أو عامين، الأمر الذي أدى إلى طمع الولاة، ومحاولة استقلالهم عن الدولة، كذلك كانت الامتيازات الأجنبية التي منحتها دولة الأتراك العثمانيين لرعايا الدول الأجنبية في ولاياتها سببًا من أسباب هذا الانهيار، فقد أساء رعايا هذه الدول فَهْمَ هذه الامتيازات، واعتبروها حقوقًا مكتسبة لهم على حساب الرعايا، فتهربوا من دفع الضرائب، ولم يُخضِعُوا أنفسَهم لقوانين الدولة. [عبد الرحمن الرافعي: تاريخ الحركة القومية. ج١ ص ٥٤- ٥٩].

كذلك ظهرت أطماع الدول الاستعمارية في ممتلكات الدولة، ودخلت روسيا الحرب ضد الأتراك العثمانيين، فيما عُرف "بحرب القِرم" سنة ١٢٧٠ هـ/١٨٥٣م، وقد انتهت هذه الحرب بمعاهدة (سان استيفانوس) التي فضت النزاع بينهما، وحظيت النمسا، وبريطانيا بمقتضى هذه المعاهدة على أجزاء من ممتلكات الدولة، وكذلك عقب مؤتمر برلين عام ١٢٨٧هـ/ ١٨٧٠م [اجتمعت دول بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا في هذا المؤتمر لتقسيم أملاك رجل أوربا المريض [السلطان العثماني ]، وأعطت كل دولة من هذه الدول لنفسها الحق في احتلال الجزء المناسب لها، فرمت بريطانيا بعينها على مصر وفلسطين والعراق، كما رمت فرنسا بنظرها على بلاد الشام وبلاد المغرب، أما ألمانيا فطمعت في بلاد أفريقيا الوسطى، وإيطاليا في ليبيا والصومال].

وبدأ اليهود في رسم مخططاتهم التي توجوها بالهجرة إلى فلسطين بعدما حاولوا رشوة السلطان عبد الحميد، وفشلوا في ذلك، فلجأوا إلى بريطانيا التي وجدت فيهم سندًا لمصالحها في الشرق.

وقد احتلت فرنسا في حملتها مصر، والشام عام ١٢١٣ هـ / ١٧٩٨م، ثم قامت فرنسا باحتلال الجزائر عام١٢٤٦هـ/ ١٨٣٠م.

كما أعلن الجبل الأسود الحرب على دولة الأتراك العثمانيين، وتحالف مع صربيا وبلغاريا واليونان، وتمكنوا من إحراز النصر عليها، ففقد الأتراك معظم أراضيهم في أوربا، وظهر ما عرف باسم "المسألة الشرقية" و"رجل أوربا المريض" ومع ذلك استمرت دولة الخلافة العثمانية حتى جاء مصطفى كمال أتاتورك، وأسقطها عام ١٣٤٣ هـ / ١٩٢٤م؛ لتقوم دولة تركيا الحالية الحديثة العلمانية التي اعترفت بقيامها معاهدة لوزان [LEXXICON: OP. CIT. P.٤٦٦.]

الخلاصة

الأتراكك هم مجموعة عرقية تتكلم التركية، واعتنقوا الإسلام منذ الفتوحات الإسلامية، وأسّسوا دولًا مهمة مثل: السلاجقة والعثمانيين الذين دعموا الخلافة العباسية، وفتحوا القسطنطينية، وأجزاء واسعة من العالم الإسلامي، لكن ضعف الدولة العثمانية؛ أدى لسقوطها عام ١٩٢٤ميلادي، وقيام تركيا الحديثة العلمانية.

موضوعات ذات صلة

ينتمون إلى قبيلة من قبائل الغز هي قبيلة (قابي).

هي إحدى فترات الحكم الإسلامي.

هي حركة فكريّة قوميّة تُنسب إلى هضبة "طوران" في آسيا الوسطى.

موضوعات مختارة