وقد أسس السلاجقة دولة تركية كبرى ظهرت في القرن الخامس الهجري بعد أن توسعت على حساب الدولة الغزنوية، وخاصة بعد انتصار السلاجقة على الغزنويين في معركة "داندنقان" سنة ٤٣١هـ/١٠٤٩م؛ لتشمل بلاد خراسان وما وراء النهر وإيران والعراق وبلاد الشام وآسيا الصغرى، وكانت مدينة الري في إيران ثم بغداد
في العراق مقر السلطنة السلجوقية، بينما قامت دويلات سلجوقية أخرى في خراسان، وما وراء النهر، وفي كِرمان، وبلاد
الشام (سلاجقة الشام) وآسيا الصغرى (سلاجقة الروم)، وكانت تتبع
السلطان السلجوقي في إيران والعراق [ابن
الأثير: الكامل، ج٩، ص ١٧٩].
وقد ساند السلاجقة الخلافة العباسية ونصروا مذهبهم السُّني، بعد أن كادت تنهار على يد النفوذ الشيعي في إيران والعراق، والنفوذ الفاطمي في مصر
والشام، فقضى السلاجقة على النفوذ البويهي تمامًا، وتصدوا للخلافة الفاطمية الشيعية. [محمد جمال الدين
سرور: سياسة الفاطميين الخارجية، القاهرة ١٩٦٧، ص ٢٠٨].
واستطاع طغرلبك، الزعيم السلجوقي أن يسقط الدولة البويهية في بغداد
سنة ٤٤٧هـ، وأن
يقضي على الفتن.
وقد فرح الخليفة العباسي بانتصار السلاجقة على البويهيين فقرب إليه طغرلبك،
وأمر بنقش اسمه على العملة، ولقبه بالسلطان ركن الدين طغرلبك.
وزاد نفوذ السلاجقة في الدولة العباسية، وحلوا محل البويهيين وسيطروا
على بغداد، وعملوا على توطيد علاقتهم بالعباسيين، فتزوج الخليفة العباسي من ابنة (جغري بك) الأخ الأكبر لطغرلبك، وتزوج طغرلبك ابنة الخليفة العباسي "القائم
بأمر الله".
وتوفي طغرلبك بعد عام من زواجه، وتولى ألب أرسلان [كان
يطلق على ألب أرسلان لقب الأسد الشجاع] السلطة في البلاد بعد وفاة عمه طغرلبك، وكان ألب أرسلان متلهفًا للجهاد في سبيل الله،
ونشر دعوة الإسلام في بلاد الأرمن والروم.
وقام ألب أرسلان بفتح جورجيا من بلاد الأرمن، وضمها لمملكته، وأغار على شمال الشام، وحاصر الدولة المرداسية الشيعية
في حلب [المرداسيون
فرع من عرب بني كلاب، انتقلوا بعد الإسلام إلى اليمامة، وأسسوا دولة بها، ثم
انتقلوا إلى الجزيرة الفراتية
وأقاموا لهم دولة هنالك ،عطية القوصي: تاريخ الدولة
المستقلة، القاهرة ١٩٩٣، ص ٢٧]،
وأرسل قائده "أتسز الخوارزمي" في حملة لجنوب الشام، فاستولى على الرملة والقدس، وخلصها من يد الفاطميين [ياقوت:
معجم البلدان، جـ ٥ ص ٢٠٢]، وانتصر ألب أرسلان على امبراطور الروم في معركة "ملازكرد"
(٤٦٣ هـ/١٠٧٠م].
[ابن الأثير: الكامل، ج. ١، أحداث
سنة ٤٦٣ هـ].
ولقد كان نصر ألب أرسلان على جيش امبراطور الروم حدثًا كبيرًا، ونقطة تحول في التاريخ الإسلامي؛ لأنها ساعدت على إضعاف نفوذ الروم في معظم أقاليم آسيا الصغرى، وهذا ساعد تدريجيًا على قضاء الأتراك العثمانيين على الدولة البيزنطية [نفس المصدر،
ج١٠، ص٧].
وفي عام ٤٦٥هـ/١٠٧٢م قُتل السلطان ألب أرسلان على يد أحد الثائرين يدعى يوسف الخوارزمي، ودفن في مرو بجوار قبر أبيه، وخلفه ابنه ملكشاه. [البيلي: دراسات في
تاريخ الدولة العباسية، ص ١٨٥].
واتسعت دولة الأتراك السلاجقة في عهد ملكشاه؛ لتبلغ أقصى امتداد
لها من أفغانستان شرقا إلى آسيا الصغرى غربًا، وبلاد الشام جنوبًا، وذلك بعد أن سقطت دمشق على يد قائده أتسز، وأقيمت
الدعوة للخليفة العباسي. [البيلي:
دراسات، ص١٩٠].
ولقد أسند ملكشاه المناطق التي سيطر عليها في بلاد الشام لأخيه "تاج الدولة تتش" [البيلي:
دراسات، ص ١٨٧]؛ عام ٤٧٠هـ، وذلك من أجل متابعة الفتح، فأسس تتش دولة
سلاجقة الشام [محمد جمال الدين
سرور: سياسة الفاطميين الخارجية. ص ١ ٥ ١ وما بعدها]،
كما
أسند ملكشاه حكم بلاد آسيا الصغرى لأحد
أقاربه، ويدعى "سليمان بن قتلمش" [البيلي: دراسات في تاريخ الدولة العباسية، ص ١٧٩]، فأسس سليمان دولة "سلاجقة الروم" [البيلي: نفس المرجع السابق، ص ١٨٨].
وقد
استمرت هذه الدولة ٢٢٤ سنة؛ ليتعاقب عليها أربعة عشر من سلالة قتلمش، وكان أولهم سليمان الذي يعتبر المؤسس الأول، وقد تمكن من فتح أنطاكية (٤٤٧هـ / ١٠٨٤م) [ابن الأثير: الكامل، ج١، ص٥٠] كما تمكن ابنه من السيطرة على قونية سنة ٤٨٠ هـ/
١٠٨٧م؛ ليتخذها عاصمة له، وقد سقطت هذه الدولة على يد المغول (٧٠٠ هـ/ ١٣٠٠م)
ثم أصبحت
من أملاك الدولة العثمانية.
ولقد
حرص سلاجقة الروم على تتريك آسيا الصغرى، ونشر الإسلام على المذهب السُّني، وكانوا سببًا في نقل الحضارة الإسلامية إلى تلك البلاد، وأسقطوا
الخط الدفاعي الذي كان يحمي المسيحية في أوربا المسيحية مما يأتيها من هجمات من جهة المشرق. [حسنين ربيع: دراسات في تاريخ الدولة البيزنطية، القاهرة
٩٨٣ ١، ص١٨٥ ].
وعندما توفي السلطان ملكشاه،
وانتهى دور القوة والمجد الذي عرفته الدولة السلجوقية في عهد السلاطين الثلاثة الكبار (طغرلبك وألب أرسلان وملكشاه) بدأت مرحلة الضعف والصراع [البيلي: دراسات في تاريخ الدولة العباسية، ص ١٧٩].
وقد ظهر في عهدي ألب أرسلان وملكشاه الوزير الكبير "نظام الملك" مؤسس المدرسة النظامية الكبرى ببغداد وأخرى بنيسابور وثالثة بطوس ([قال عنه الذهبي: إنه رغب في العلم وأدرَّ على الطلبة الهبات
وأملى الحديث وبعُد صيته. سير أعمال النبلاء ص ١٩، ٩٤].
ويقول المؤرخ أبو شامة عنه: "إنه
أعاد الناموس للدولة والهيبة لها إلى أحسن حالاتها" [الروضتين في أخبار الدولتين ٠ج١. ص٣١]، وذكر ابن الأثير عنه "أنه ظهر من كفايته، وشجاعته، وحسن سيرته ما أثلج صدور الناس". [الكامل
في التاريخ، ج٢، ص ٢٥٦ قتله شاب من شباب الباطنية الإسماعيلية [الحشاشين] الذين
جمعهم الحسن بن الصباح في قلعة ألموت].
ثم توالى الضعف على ملوك السلاجقة أبناء ملكشاه: بركياروق، ومحمد، وسنجر، ومحمود [البيلي: دراسات، ص ١٩]،
وكان محمود طفلًا صغيرًا، فبايعوه على تولي السلطنة؛ لأن
أمه كانت
ذات شأن كبير أيام ملكشاه، واستمر حكمه مدة عامين ثم توفي بعدهما هو وأمه [البيلي: نفس المرجع السابق، ص ١٩٣، ١٩٤].
ثم جاء بركياروق واستمر حكمه في عام ٤٩٨هـ / ١١٠٥ م [ليلى عبد الجواد إسماعيل: تاريخ الأيوبيين والمماليك،
القاهرة ٢٠٠٢، ص ٢٥٩- ٠٢٦١]، ثم تلاه ركن الدين بن ملكشاه الثاني، وفي نفس العام تولى أبو شجاع محمد السلطنة، واستمر حكمه حتى عام ٥١١ هـ /١١٣٨م، وكان آخر حكام دولة الأتراك السلاجقة، وقد انقرضت دولتهم سنة ٥٢٢هـ /١١٢٨م.
وبسقوط دولة الأتراك
السلاجقة تكونت الإمارات
الأتابكية [الأتابكية:
إمارة يقطعها السلطان السلجوقي لأحد المقربين، ومن أشهر هذه الأتابكيات: أتابكية
الموصل، ومؤسسها عماد الدين زنكي [أحمد الشريف وحسن محمود: العالم الإسلامي في
العصر العباسي، بيروت ١٩٦٠، ص ٣٦٠]، إلى أن ظهرت على المسرح دولة الأتراك العثمانيين التي كانت امتدادًا لدولة الأتراك السلاجقة.