لقد أوجد عبد الواحد البذرة الحفصية في إفريقية، ثم جاء بعده مؤسس الدولة الحفصية،
وهو ابنه أبو
زكريا يحيى وذلك في رجب
سنة ٦٢٥هـ /١٢٢٨ واليًا على الإقليم من قِبَل
الموحدين لكنه سرعان ما مال إلى الاستقلال، واستغل فرصة الخلاف الداخلي في الأسرة المؤمنة
في مراكش، وتصارُعَ فردين منها هما المأمون، ويحيى بن الناصر، فوجد خليفتان في وقت واحد، فأسرع أبو زكريا يحيى بإسقاط بيعة المأمون، وبويع لأبي زكريا في تونس أميرًا على إفريقية سنة ٦٢٧هـ /١٢٢٩م ثم تكررت هذه البيعة مع تأكد قوته
وسيطرته على الإقليم.
ومدَّ أبو زكريا سلطانه إلى بعض بلدان المغرب الأوسط فأخذ قسنطينة سنة
٦٢٨هـ/١٢٣٠م فأسرع أخوه والي بجاية بالانضمام إليه، واشتهرت الدولة الحفصية، وجاءته البيعات من جهات متعددة،
واستغاثت به بلنسية الأندلسية سنة ٦٣٦هـ /١٢٣٨) [وفد ابن الأبار إلى
أبي زكريا مستغيثًا به من تطاول النصارى على بلنسية وأنشده قصيدة طويلة أولها:
أدرك بخيلك خيل الله أندلسا ... إن
السبيل إلى منجاتها درسا
واستولى أبو زكريا على الجزائر في هذه السنة أيضًا، وافتتح تلمسان سنة ٦٣٩هـ/
١٢٤١م وعَيَّنَ عليها صاحبها يغمراسن بن زيان.
وقوي أمر أبي زكريا، وشجعه بعض الشعراء على التلقب بأمير المؤمنين (لقب
الخلافة) [يقول شاعرهم:
ألا صِلْ بالأمير المؤمنينا ...
فأنت بها أحق العالمينا]
لكنه رفض مكتفيًا بلقب (الأمير) تأدبًا مع خلفاء
الدولة الموحدية الذين لم يفقدوا، وقتها، كامل قوتهم.
وهكذا أنشأ الأمير أبو زكريا يحيى للحفصيين دولة في المغرب الأدنى، ضم إليها بعض مدن
المغرب الأوسط، كما هيمن على بقية ممتلكات بني عبد الواحد في المغرب الأوسط، حيث دان بنو عبد الواحد بالطاعة للحفصيين وخطبوا لهم، وتوفي الأمير أبو زكريا أول أمراء الدولة في سنة ٦٤٧هـ/١٢٤٩م فكانت مدة إمارته
حوالي عشرين سنة غير الفترة التي قضاها قبلها واليًا على الإقليم من قِبَل
الموحدين.
والجدير بالذكر هنا أن بعض مؤرخي الدولة الحفصية من
المعاصرين لأوائل عهدها لم يظهر نشأة الدولة على أنه انفصال عن الدولة الموحدية،
بل على أنه اقتسام لِحَقٍّ كان لبني حفص من قديم، نالوه وقتها، فبينوا أن الكلمة
الموحدية انقسمت منذ إمارة أبي زكريا قسمين: مؤمنيه في أبناء عبد المؤمن بن علي وحفصيه في أولاد أبي حفص عمر الهنتاتي [انظر: ابن القنفذ: الفارسية في مبادئ الدولة الحفصية، ص ١٠٨]
ومن منظور التطور السياسي
للمغرب، خطا محمد بن آبي زكريا خطوة أخرى في
سبيل توطيد الدولة وتوسيع حدودها ، وتطوير شكل رئاستها ، وقد تولى الإمارة بعد
وفاة أبيه سنة ٦٤٧هـ/١٢٤٩م، ووصلته عدة بيعات في المغرب الأقصى، كما يشير مؤرخو الدولة
إلى ورود بيعة أهل مكة، وهنا يطور محمد بن أبي زكريا شكل الحكم من الإمارة إلى الخلافة وتُلُقِّبَ بالمستنصر: وفي يوم الإثنين الرابع والعشرين لذي الحجة
من سنة خمسين وستمائة رأى المولى المستنصر الاقتصار على لفظ الأمير قصورًا فسُمي بأمير المؤمنين، وأمر أن يذكر ذلك في
الخطبة ويطبع في الذهب وفي ذلك اليوم تُلُقِّبَ بالمستنصر.[انظر: الزركشي: تاريخ الدولتين ص ٢٩]
وتوفي المستنصر بعد أن تولى ثمانية وعشرين عامًا ونصفًا تقريبًا.
ومنها حوالي ستة وعشرين عامًا
تُلُقِّبَ فيها بلقب خليفة.
ومن الأحداث المهمة التي
وقعت في عهد المستنصر الحفصي، مقدم حملة صليبية إلى تونس، يقودها الملك الفرنسي لويس التاسع، تلك الحملة التي اشتهرت باسم الحملة الصليبية
الثامنة (مكملة سبع الحملات الكبرى التي وجهها الصليبيون ضد المشرق الإسلامي).
وقد - اختلف المؤرخون حول سبب هذه الحملة من بين قائل
إن بعض التجار الفرنسيين زعم أن أحد رجال الدولة الحفصية اقترض منهم ثلاثمائة ألف
دينار، فأبى المستنصر أن يصدقهم، وردهم، أو أن حديثًا جرى في حضرة المستنصر جاء ذكر الفرنسيين فيه، فقال: "هم الذين أسر
هؤلاء طاغيتهم ثم أطلقوه، يشير إلى الأتراك الذين بين يديه"[انظر: ابن الشماع الأدلة البيئة
النورانية ص ٦٥].
هذا السبب أو ذلك إنما هي
أسباب مباشرة واهية، والحقيقة التي يمكن استخلاصها من حوادث التاريخ، ومن شخصية لويس المتعصبة جدًا دينيًا، ومن الحشود الأوربية التي
استنفرت وحشدت، ومن الإمكانات المادية المقدمة، تؤكد أن هذه الحملة هي استمرار؛
لشن حملات صليبية على المغرب، تستهدف مد النفوذ الأوربي إلى هذه المنطقة.
ويؤرخ لهذه الحملة بسنة ٦٦٨ هـ / ١٢٦٩م، أي بعد حملة لويس التاسع على دمياط (٦٤٧هـ /١٢٤٩م) بثنتين وعشرين سنة.
وقد تمكن الصليبيون من النزول على شواطئ تونس في ذي
القعدة بالقرب من قرطاجنة القديمة، وتحصنوا بها، ووقف جند الحفصيين إزاءهم،
ولم يتمكن الصليبيون من دخول تونس، كما لم يتمكن الحفصيون من القضاء عليهم، أو
طردهم، ثم أصاب الصليبين وباء الطاعون، ومات لويس التاسع في المجر سنة ٦٦٩هـ ١٢٧٠م، وجرت المفاوضات للصلح وتم الاتفاق على جلاء
الصليبيين في مقابل أن يأخذوا ١١١٠ قنطار فضة خالصة، وكان نزولهم على تونس؛ سببًا في
إتلاف الأموال التي تركها الأمير أبو زكريا.