Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

بنو زيري

الكاتب

أ.د/ منى حسن محمود

بنو زيري

بنو زيري، الأسرة الصنهاجية التي تولت حكم إفريقية والمغرب بعد رحيل الفاطميين إلى مصر، لعبت دورًا محوريًا في التاريخ السياسي، والمذهبي للمغرب الإسلامي خلال القرنين الرابع والخامس الهجريين.

مقام بني زيري في القيروان

بعد انتقال الفاطميين إلى مصر تركوا أمور إفريقية والمغرب في أيدي بني زيري الصنهاجيين؛ للحفاظ على النفوذ السياسي، والديني للخلافة الفاطمية هناك، ولكن بعد استقرار المذهب الشيعي في المغرب طيلة قرن ونصف من الزمان، تعرّض هذا المذهب لفترة من الضعف، مما حفز السنيين في إفريقية على الثورة عليه بالقيروان والمهدية، حتى وصل الأمر إلى مقتل عدد كبير من أصحاب هذا المذهب وسالت الدماء بغزارة في القيروان، حتى وصل الأمر إلى أن سمّيت هذه المنطقة باسم بِرْكة الدم، أو محنة الشيعة.

فما الأمور التي استجدت، وما هي بواعث هذه الثورة، وما هي أهم النتائج التي ترتبت على ذلك؟ إنها عدة جوانب تحمل بعض الاحتمالات نستعرضها خلال الدراسة نخلص منها إلى الدوافع، والأسباب التي أدت إلى محنة الشيعة في هذه الفترة بالذات ٤٠٦ - ٤٥٤هـ/١٠١٥- ١٠٦٢م في عهد المعز بن باديس.

الدوافع والأسباب التي أدت إلى محنة الشيعة

فيبدو أن طبيعة بلاد إفريقية تركت بصمتها على تاريخ هذه المنطقة في عدم استقرار أحوالها السياسية أو المذهبية؛ لأن هذه البلاد قد شهدت طوال فترة تاريخها الإسلامي تفرقًا في العصبية وتنوعًا في المذاهب وتضادًا في الانتماءات ولم تستقر أحوالها، حتى بمجيء الفاطميين، ولا حتى بعد رحيلهم إلى مصر (٣٦٢هـ/٩٧٣م)، وقيام بني زيري بمهام الحفاظ على ممتلكاتهم ومذهبهم في المغرب، وهذا ما سنحاول أن نجيب عنه.

نشأت النواة الأولي للدولة الفاطمية بإفريقية والمغرب [انظر: ابن أبي دينار: المؤنس في أخبار إفريقية، ص٦٩- ٧٠، وابن عذاري: البيان المغرب، ج١، ص٢٠٦- ٢٠٧، والسراج: الحلل السندسية في الأخبار التونسية، ص٩٣٦]

وتولى الخلافة عبيد الله المهدي وهو آخر إمام مستور وأول خليفة ظاهر، واستطاعت هذه الدولة الجديدة أن تمكن لنفسها وتفرض المذهب الشيعي في البلاد، بل بدأت تتجه بالدعوة الشيعية اتجاهًا عالميًّا، وتسعى إلى منافسة العباسيين والسيطرة على العالم الإسلامي في الشرق والغرب، اعتقادًا منهم بأنهم الأحق بالرئاسة في هذا العالم، لذلك اتجهوا إلى المشرق منذ اللحظة الأولي في خلافة المهدي فبدأوا بنشر الدعوة الإسماعيلية في مصر، وفي نفس الوقت كانت حملاتهم موجهة نحو المغرب والأندلس.

ولكن بالرغم من استقرار الفاطميين ببلاد المغرب، إلا إنها ظلت أرضًا غير طيّعة في يد الفاطميين وواجهوا متاعب جَمّة، وثورات كان أشدها خطرًا ثورة أبي يزيد بن مخلد بن كيداد وهو من قبيلة زناته، وذلك في سنة ٣٣٣هـ/ ٩٤٤م [ابن أبي دينار: المؤنس، ص٧٣- ٧٨،٧٥، السراج: الحلل السندسية، ص٩٠٢- ٩٠٣] في عهد الخليفة القائم بأمر الله.

وخطورة هذه الثورة أنها اتخذت طابع المعارضة القومية ضد أي سيادة تفرض على البربر كالسيادة العنصرية أو المذهبية، لذلك كانت هذه الثورة ذات صبغة قومية ضد السيادة الفاطمية وحليفتها القبائل الصنهاجية التي انضمت إليها بقيادة رئيسها زيري بن مناد الصنهاجي، وذلك للعداء التقليدي القديم بين صنهاجة وزناته، ونجح الخليفة المنصور الفاطمي في القضاء على هذه الثورة فرأوا أن هذه البلاد لا تصلح أن تكون مركزًا لدولتهم، إذ كان يسودها الاضطراب من حين لآخر، لذلك اتجهت أنظارهم إلى مصر لوفرة ثروتها وقربها من بلاد المشرق، الأمر الذي يجعلها صالحة؛ لإقامة دولة مستقلة تنافس العباسيين، وقد تكللت هذه الجهود الفاطمية بالنجاح في عهد الخليفة المعز لدين الله الفاطمي (٣٤١هـ - ٣٦٢هـ/٩٥٠م - ٩٧٢م).

يقول ابن الخطيب: "وهو أعظم ملوكهم قدرًا، وأجلهم خطرًا وكان بعيد الصيت، عظيم الجبروت، وقورًا كثير التأني ذهب بنفسه كل مذهب" [ابن الخطيب: أعمال الأعلام، ص٦٥]، وقد انتقل إلى مصر؛ لتصبح مقرًا لدعوتهم ومستقرًّا لدولتهم، وذلك في أواخر شوال سنة إحدى وستين وثلاثمائة (٩٧٢م)، واستعمل على إفريقية عاملًا يسمَّى بلكين بن زيري بن مناد الصنهاجي [ انظر: السراج: الحلل السندسية، ج ا، ص٩١٦، وابن أبي دينار: المؤنس في أخبار إفريقية، ص٧٩]؛ ليتمكنوا بها وبمواردها وموقعها الجغرافي من أن يقوموا بالدور الأكبر في الحياة الإسلاميَّة المعاصرة.

وكان المعز لدين الله قبل رحيله إلى مصر قد استدعى بلكين بن زيري بن مناد الصنهاجي، وكان من أكابر رجال صنهاجة الذين كان لهم دور فعَّال في القضاء على الثورات التي قامت ضد الفاطميين، فهذه الأسرة وقفت بجوارهم في أحلك الأوقات، وعرض عليه ولاية إفريقية.

يقول ابن عذاري:" لمَّا خرج أبو تميم المعز لدين الله من إفريقية إلى المشرق استخلف يوسف بن زيري بن مناد الصنهاجي، وأمر الكتاب أن يكتبوا إلى العمال وولاة الأشغال بالسمع والطاعة لأبي الفتوح..، وبقي أبو الفتوح أميرًا على إفريقية والمغرب كله، وقد لُقّب المعز لدين الله بلكين باسم يوسف، وكنَّاه أبا الفتوح وأضاف إلى ألقابه "سيف العزيز بالله"- يعني ابنه نزار بن معد" [ابن عذاري: البيان المغرب، ج١، ص٢٢٨].

قبل يوسف بلكين بن زيري الولاية بشروط المعز. [نفس المصدر، ج١، ص٢٢٨- ٢٢٩، وانظر أيضا: ابن أبي دينار: المؤنس في أخبار إفريقية ص٩٦، وابن خلدون: العبر، ج٦، ص ١٨١، وابن الخطيب: أعمال الأعلام، ص٦٥]

وهي أن يبقى تابعًا للفاطميين تمامًا والحكم باسمهم والمحافظة على المذهب الشيعي مذهبًا رسميا في إفريقية والمغرب، ويبدو أن يوسف بلكين استعظم المهمة وقال للمعز:" يا مولانا، أنت وآباؤك الأئمة من ولد الرسول - صلي الله عليه وسلم - ما صفا لكم المغرب، فكيف يصفو لي وأنا صنهاجي بربري؟!، قتلتني يا مولاي بغير سيف ولا رمح! [السراج: الحلل السندسية، ص٩٣٧].

ويريد بذلك أنه ينوء بحمل المسئولية التي عهد إليه المعز بها، فالمهمة كانت ثقيلة بالنسبة لبلكين؛ لأنه أصبح مسئولًا عن المغربين الأدنى، والأوسط بكل مشاكلهما.

وهكذا أصبح أبو الفتوح يوسف بن زيري بن مناد الصنهاجي واليًا وأميرًا شبه مستقل لكل بلاد إفريقية بأقسامها الثلاثة: طرابلس وإفريقية وبلاد الزاب؛ لأن الخليفة المعز أضاف إلى ولاية يوسف بن بلكين طرابلس وسرت وأجدابية، وذلك في سنة ٦٧ ٣هـ /٩٧٧م، واستوثق ليوسف بن زيري ملك كبير [المقريزي: اتعاظ الحنفا، ج٢، ص ١٤٣، الخطط، ج٢، ص ١٥، وابن أبي دينار: المؤنس في أخبار إفريقية، ص٤ ٠ ١، والسراج: الحلل السندسية، ص٩٣٧، وحسين مؤنس: تاريخ المغرب، ص١٣، وعبد العزيز سالم: المغرب الكبير، ج٢، ص٦٥١].

وقام بالمهمة التي عهد إليه الفاطميون بها خير قيام، يقول ابن الخطيب:" وتحرك يوسف إلى المغرب أول حركاته فهزم زناته واستأصل شأفتهم وفتح معاقلهم وسبى أموالهم وذراريهم، فَفَر جعفر بن علي أمامه إلى الأندلس مستجيرًا بِمَلِكِها، وانتهى يوسف إلى سجلماسة لا يدافعه أحد إلا حطمه، متبعًا أمير زناته المنتسب إلى (خزر) فأسره وتملك سجلماسة، ثم عاد إلى أشير فبنى مدينة أشير، وعانى حروبًا عظيمة ذكرها الناس، ثم توفي في بعض حركاته بين تلمسان وسجلماسة سنة اثنين وسبعين وثلاثمائة ٣٧٢هـ/٩٨٢م [ابن الخطيب: أعمال الأعلام، القسم الثالث، ص٦٧].

وعلى هذا النحو تمكن يوسف بلكين بن زيري من إقامة أول دولة بربرية مستعربة كبيرة إسلامية في المغرب، ولكن الخلافة الفاطمية لم تتخل عن سياستها التقليدية التي اتبعتها دائمًا مع البربر طوال فترة وجودها بالمغرب، والتي كانت قائمة على مبدأ المنافسة بين القبائل [حسين مؤنس: تاريخ المغرب (ط ١) ص٣٧ ١] وإثارتها بعضها على بعض، فهل سيكون لهذه السياسة أثر ورد فعل تجاه ولاء بني زيري للفاطميين ولمذهبهم الشيعي؟

يبدو أن يوسف بلكين بن زيري لمَّا قبل الولاية لم يكن في الحقيقة يخدم الخلافة الفاطمية فقط، بل كان يهدف إلى تثبيت أركان ملكه ويمهد أيضًا للاستقلال بالمغرب كله وطرد الزناتيين من المغرب الأوسط كله إلى المغرب الأقصى، وقد نجح في ذلك، يقول ابن الخطيب:" وكان زيري مواليًا لملوك الشيعة استظهارًا بهم على عدوه من زناته وبتحريضه وإجلابه دوخت جيوش الشيعة المغرب الأقصى [ابن الخطيب: أعمال الأعلام: القسم الثالث، ص٦٧].

ومهَّد لنفسه بأن تقرب إلى الرعية وإلى فقهاء المالكية الذين كانوا ما زالوا ينظرون إلى بني زيري على أنهم مارقون ضالون مثل الشيعة، فتواصلت مقاومتهم للنظام الفاطمي الذي تبنوه وساروا عليه، فقاوموا هذه الأسرة منذ البداية وتحدوهم واستضعفوا المشارقة من يوم ارتحل عنهم ممثلوهم الحقيقيون.

وقد حرص يوسف بلكين على التمسك في البداية بحفظ المذهب ونشره بإفريقية والمغرب؛ لأنه ما زال رجل الفاطميين، ولكن هذا الأمر قد تغير بعض الشيء؛ لأن السياسة التي اتبعتها الخلافة الفاطمية تجاه بني زيري بعد رحيلهم بإثارة قبائل زناته وكتامه عليهم هي التي كانت من وراء هذا التغيير الذي سيظهر على سطح الحياة السياسية والدينية منذ عهد الخليفة العزيز بالله بعد أن أوى إليه أخوا بلكين وهما كباب ومغنين ابنا زيري بعد هروبهما من قصر أخيهما والتجآ إليه، وقد أمره العزيز بالله أن يعفو عنهما ولا يعرض لهما[ابن عذاري: البيان المغرب، ج ١، ص٢٣٧- ٢٣٨].

لذلك تأثرت العلاقة بين العزيز بالله وبلكين بن زيري وساد بينهما الفتور وأدى إلى شيء من التقارب مع أهل السنة باتباعه أسلوب المهادنة مع أهل إفريقية، وتعصبًا لبني جلدته، فنراه قد خفّف من وطأة المذهب على إفريقية، بل وأزاح عن كاهلهم الأعباء المالية التي أرهقتهم؛ لأن المعز الفاطمي كان قد أوصى يوسف بلكين قبل الرحيل يوم أن ودعه: لا ترفع الجباية عن أهل البادية ولا ترفع السيف عن البربر [ابن الأثير: الكامل، ج٧، ص٤٧، وابن عذاري: البيان، ج١، ص٣٣١].

لذلك لم يكن يهم يوسف بلكين بعد رحيل الفاطميين مواصلة دعم المذهب بقدر اهتمامه بالمحافظة على ملكه والعمل على توسيع رقعته، فأصحاب المذهب الحقيقيون قد رحلوا إلى مصر، وكان هذا الرحيل من المغرب يعد كأول مسمار في نعش المذهب الفاطمي، لذلك بدأ يوسف بلكين في إضعاف وطأة المذهب الشيعي على إفريقية بالتقرب إلى فقهاء المالكية، حتى يغيروا من نظرتهم إلى بني زيري [ابن أبي دينار: المؤنس في أخبار إفريقية، ص١٠٤، وابن عذاري: البيان، ج١، ص٣٣١]، لمَا لهؤلاء الفقهاء من تأثير كبير على عامّة الشعب، وَضَحَ ذلك عند وفاة الفقيه أبي سعيد خلف بن عمر المالكي الذي توفي سنة٣٧٣ هـ/ ٩٨٣م، وصلى عليه في مسجد القيروان، وحضر الصلاة بلكين بن زيري، وجميع عسكره وأهل القيروان [القاضي عياض: ترتيب المدارك، ج ١، ص٢٣٧- ٢٣٨]، وجميع أهل المذهبين من الموافق والمخالف [نفس المصدر، ج٣، ص٤١٩].

فسياسية المهادنة التي اتبعها بلكين مع أهل إفريقية، وتقربه إلى فقهاء المالكية عقب رحيل الفاطميين دعت بعض المؤرخين إلى القول بأن بلكين سُني مستتر [علي الشابي: الصراع المذهبي بإفريقية، ص٢٢٢، ومحمد أحمد عبد المولى: القوى السنية في المغرب، ج٢، ص٤ ١ ٧]، وأنه كان لا يستطيع في هذه المرحلة مخالفة الفاطميين من أول وهلة، والبعض الآخر رأى أنه فاطمي معتدل [علي الشابي: الصراع المذهبي، ص٢٢٢]؛ لأن أصحاب المذهب الحقيقي قد رحلوا إلى مصر، فمن الطبيعي أن يكون نوابهم أقل إخلاصًا لذا المذهب لكنهم لا يستطيعون الجهر به، يقول ابن الخطيب عن بلكين: [كان حسن السياسة بالرعية] [ابن الخطيب: أعمال الأعلام، ص٦٧] فلم يتشدد في فرض المذهب الإسماعيلي.

وسياسة الفاطميين التي اتبعوها مع بلكين بن زيري بإثارة زناته، وكتامة قد آتت ثمارها في عهد ابنه المنصور وخلفائه من بعده الذين أخذوا منهج يوسف في الملاينة مع أهل إفريقيّة [السراج: الحلل السندسية، ص٩٣٨، وابن الخطيب، ص٦٧، وابن عذاري: البيان، ج١، ص٢٧٧]، فالمنصور بدأ يتحدى الخلافة الفاطمية، وقد ظهر هذا الأمر عندما أتاه الناس للتهنئة بتوليه - الإمارة [ابن عذاري: البيان، ج١، ص ٢٤١] بعد وفاة أبيه.

يقول ابن عذاري: "إن أبي وجدي أخذا الناس بالسيف قهرًا وأنا لا آخذهم إلا بالإحسان، وما أنا في هذ الملك ممن يولى بكتاب، ويعزل بكتاب؛ لأني ورثته عن آبائي حمير" [نفس المصدر، ج١، ص٢٤٠، وابن الأثير: الكامل، ج٧، ص١٧٢].

ويبدو أن هذه الرسالة كانت موجهة للخلافة الفاطمية في عهد العزيز بالله، أي أنه لا يستطيع عزله وأنه قد صار ندًا له مما يدل على توتر العلاقات بينهما؛ لأن الخليفة العزيز بالله بعد أن رأى جنوح المنصور نحو الاستقلال أرسل له الداعي أبا الفهم الخراساني سنة (٣٧٦هـ، ٩٨٦م) من مصر [ابن الأثير: الكامل، ج٧، ص١٧٢]، وأمره بالتوجه إلى كتامة، ودعا أهلها إلى طاعة العزيز بالله فأجابوه والتفوا حوله، ولكن المنصور استطاع القضاء عليه وعلى ثورته، وتوالت الثورات عليه من كتامه، وذلك بإيعاز من الخليفة العزيز بالله، وبينما كانت علاقة المنصور بالفاطميين آخذة في التدهور كانت علاقته بأهل السنة آخذة في التحسن، فلمَّا لمس أهل إفريقية المالكية نزعته الاستقلالية أطاعوه، والدليل على ذلك ما ذكره ابن عذاري أنه لما رفع إليه أن عبدًا من عبيده سبَّ بعض الصحابة أمر بقتله والمناداة على رأسه بالقيروان[ابن عذاري: البيان، ج ١، ص١٠٠].

أثر سياسة المنصور بن بلكين المعتدلة مع مخالفيه

وكانت لسياسة المنصور بن بلكين المعتدلة مع الجميع، وإحسانه إلى جميع مخالفيه السياسيين الأثر البالغ في هدوء الأحوال الداخلية بإفريقية وضبط أمورها، حتى إن أهلها خرجوا للقائه في جموع غفيرة حينما قدم إلى المنصورية القريبة من مدينتهم سنة٣٨١هـ/٩٩١م.

يقول صاحب الحلل السندسية: كان رجلًا عاقلًا عفيفًا جوادًا جبلت القلوب على حب طاعته مما أحسن إليهم بكرمه، وورد عليه أهل القيروان؛ للتهنئة ففرق عليهم عشرة آلاف دينار، بل أسقط عنهم الجبايات التي كانوا يدفعونها، ويضيف ابن الأثير أنه أسقط البقايا عن أهل إفريقية وكانت مالًا جليلًا [ابن الأثير: الكامل، ج٧، ص١٧٢].

وانتهز أهل إفريقية من المالكية عطف المنصور عليهم والرفق بهم، وفي خامس يوم من وصولهم من القيروان- أي القضاة والأمناء ووجوه الناس- دخلوا عليه فلاطفهم فأظهروا كرههم للمذهب الشيعي وثبتوا في الميدان وبدؤوا يستجمعون قوتهم، حتى وجدوا أنفسهم في عهد باديس بن المنصور [ابن أبي دينار: المؤنس، ص١٠١] قوة مكتملة العدة وافرة العزم والحزم منتظرين اللحظة الحاسمة؛ لإعلان ثورتهم، إذ ليس من شك في أن المذهب الذي يضطهد أتباعه يكثر أنصاره ويزداد عدد مؤيديه سرًا، ويسمُو دعاته في نفوس العامة إلى مراتب الشهداء في سبيل الله[حسن محمود: محنة الشيعة في إفريقية في القرن الخامس، ص ٩٣ - مقال بمجلة كلمة الآداب بجامعة القاهرة، المجلد الثاني عشر، ج٢، ٠ ٩٥ ١م، محمد أحمد عبد المولى: القوي السنية في المغرب من قيام الدولة الفاطمية إلى قيام الدولة الزيرية، ج٢، دار المعرفة، الإسكندرية، ص٧١٤].

يقول السلاوي: والمعروف أن مذهب مالك ظهر بإفريقية ظهورًا بيّنا قبل استيلاء صنهاجة والعبيديين على المغرب، وذلك على يد أسد بن الفرات، وعبد السلام التنوخي المعروف بسحنون، وغيرهما من أئمة المغاربة، فلما ظهرت دولة الشيعة بإفريقية حاولوا محوه فلم يتيسر لهم ذلك.

وكان فقهاء المالكية في ذلك العصر معهم في محنة عظيمة منهم ابن أبي زيد، والقابس، وأبو عمران الفاسي، وطبقتهم [السلاوي: الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، ج١، ص١٧، وانظر أيضًا: أبو إسحاق الشيرازي: طبقات الفقهاء، تحقيق إحسان عباس، ص١٤٦، وأحمد بن سعيد الدرجيني: طبقات المشايخ بالمغرب، ص٣٣٨].

وبدأ مالكية إفريقية في أواخر عهد باديس يتحدون المذهب الشيعي بإعادة ما أبطل الفاطميون من السنن المتعلقة بالصلوات والأذان والصيام، كما جهروا بالتعليم السني بمقتضى مذهب مالك [علي الشابي: الصراع المذهبي بإفريقية، ص٢٢٢؛ الهادي روجي: الدولة الصنهاجية، ج٢، ص٣٠٧- ٣٠٨: رابح بونار: المغرب العربي: تاريخ وثقافته، ص١٩- ١٩١]، وظفروا بنوع أوفر من الحرية، وليس أدل على ذلك من أن مربي ولي العهد المعز بن باديس، كان أبا الحسن بن علي الرجال، وهو سني مالكي المذهب.

يقول ابن عذاري: كان المعز بن باديس صغيرًا، إذ ولي وهو ابن ثمانية أعوام، وقيل: ابن سبعة أعوام، رُبي في حجر الوزير أبي الحسن ابن أبي الرجال، وكان ورعًا زاهدًا، فحرض ابن أبي الرجال المعز بن باديس وأدبه ودلَّه على مذهب مالك وعلى السنة والجماعة، والشيعة لا يعلمون ذلك ولا أهل القيروان [ابن عذاري: البيان، ج١، ص٢٧٧].

وهنا لنا تساؤل: هل باديس بن المنصور كان لا يعلم هذا الأمر، أي أن مربي ولده سني المذهب، وأن هذا الوزير قد طوى النفس على المذهب الذي كان يعتنقه، حتى يستطيع أن يحقق غايته ويؤدي رسالته، وهو الفوز بالمعز بن باديس وجذب قلبه ناحية أهل السنة وتنشئته على كره المذهب الإسماعيلي، وبغض الخلفاء الفاطميين؟

والحقيقية أن باديس قد سار على نهج أبيه من العطف على أهل إفريقية وخاصة التقرب إلى المالكيين.

يقول صاحب الحلل السندسية: وكان باديس محسنًا جوادًا، وذا أخلاق جميلة وسيرة حسنة [السراج: الحلل السندسية، ص٩٣٩]، ولكنه مازال لا يستطيع الجهر بما تعتريه النفس، فهو مازال رجل الفاطميين في إفريقية بالرغم من محاولات الفاطميين إثارة القبائل الزناتية عليه في طرابلس بقيادة أميرها فلفل بن سعيد الذي استولى عليها، فيقول ابن دينار: وقام في أيامه فلفل الزناتي وعاث في جميع أعمال باديس، وكانت له مع فلفل وقعات عديدة، وخرج عليه بعض الثوار بطرابلس فخرج بنفسه إليه واستنقذ طرابلس وولي عليها من قبله..، وكانت أيامه كثيرة الحروب والثوار عليه من أعمامه ومن الزناتيين وكان منصورًا عليهم في أيامه[ابن أبي دينار: المؤنس، ص١٠٣].

لذلك أصبحت العلاقات بينهما زائفة تخفي وراءها ما كان قائمًا بالفعل بين الحاكم بأمر الله وباديس من حقد وعداء، فقد كان الحاكم يضمر في نفسه سوءًا لباديس؛ لاتجاهه إلى الاستقلال فأخذ يحيك له المؤامرات [السيد عبد العزيز سالم: المغرب الكبير، ج٢، ص ٦٥٥- ٦٥٦].

وبعد أن تمكن باديس من قهر كل محاولات الزناتية ومؤامرات الحاكم بأمر الله ضده لم يجد الحاكم بأمر الله بدًا من العودة إلى السياسة القديمة وهي سياسة التودد، فأخذ يعمل على التماس مودة باديس بأن أرسل له الهدايا والسجلات ولولده المنصور، ولمَّا مات باديس بن المنصور فجأة سنة ٤٠٦هـ /١٠١٦م بويع لابنه المعز.

يقول ابن الخطيب: "ولما مات باديس فجأة بالمحلة تفاوض مدبرو الدولة، ثم اتفقوا على القيام لولده المعز بن باديس، وبويع له يوم الاثنين لثلاث خلون من ذي الحجة من السنة المذكورة، وعمره يومئذٍ ثمانية أعوام ووصله كتاب صاحب مصر فلقبه شرف الدولة [ابن الخطيب: أعمال الأعلام، ص٧٣].

ويبدو أن أبا الرجال كان له دور في هذا الاختيار برغم صغر سن الأمير، وقد تم هذا الفوز بعد أخذ البيعة للأمير المعز، فقد كان أهل السنة وأنصارهم يعلمون علم اليقين أن الحسن بن أبي الرجال قد أدى مهمته، كما يؤديها السني المخلص، وأن المعز قد نشأ على مذهب أهل السنة [ابن عذاري: البيان، ج١، ص٢٧٤، ٢٧٧؛ ابن الأثير: الكامل، ج٧، ص٢٧٧- ٢٧٨؛ حسن محمود: محنة الشيعة، ص٩٤].

وقد ظهر أثر ذلك في فجر ولاية الأمير المعز بن باديس، فقد كانت الأمور بإفريقية على وشك الانفجار، وضح هذا اثناء خروج الأمير بعد مبايعته بالإمارة، فقد سار في موكب حافل فدخل القيروان في طريقه إلى المسجد يحف به الجند الصنهاجيون، والسودان، ورجال الدولة، والقضاة، والفقهاء، وخرج أهل المدينة إلى الطرقات؛ ليروا موكب الأمير الجديد.

يقول ابن عذاري: فخرج المعز.. في زينته وحشوده وهو غلام فكبا به فرسه، فقال عند ذلك: أبو بكر، وعمر، فسمعَته الشيعة التي كانت في عسكره فبادروا عليه؛ ليقتلوه، فجاءه عبيده ورجاله ومن كان يكتم السنة من أهل القيروان، ووضع السيف في الشيعة فقتل منهم ما ينيف على الثلاثة آلاف، فسمي ذلك الموضع بركة الدم الآن [ابن عذاري: البيان، ج١، ص٢٧٣- ٢٧٤].

فما كادت العامة تسمع ذلك من الأمير، حتى انفجر غيظهم المكبوت وانصرفوا إلى المشارقة أي الشيعة ينتقمون منهم، ومضوا إلى الحي الذي ينزلون به في القيروان، فقتلوا الرجال والنساء والأطفال، وجرى الدم غزيرًا، حتى غطى بقعة كبيرة من الأرض أطلق عليها فيما بعد اسم بِركة الدم.

ويبدو أن أهل السنة قد استغلوا هذه الظروف التي حدثت أثناء سير الموكب فرأوها مناسبة للانتقام من الشيعة، فهي بمثابة الشرارة الأولى التي فجّرت براكين الثورة في نفوس السنيين عامة والمالكيين خاصة، أو قد تكون بسبب حدوث نزاع أثناء سير الموكب بين الفرق الصنهاجية والفرق السودانية، فقد كانت صنهاجة تكره هؤلاء العبيد الذين كان استكثر منهم باديس وترى فيهم منافسًا خطيرًا، ولا يبعد أن يكون بعض هؤلاء الجند السودان قد انتهز الفرصة السانحة وحاول أن يسلب وينهب فحدث اشتباك بين الجند والعامة، ورأى أهل السنة أن الفرصة ملائمة للانتقام من الشيعة فحرضوا العامة فانحدروا إلى حيّهم فنهبوا وقتلوا [المصدر السابق، ج١، ص٤ ٢٧، وانظر أيضا: حسن محمود: مرجع سابق، ص٩٧]، بل انتقلت هذه الثورة السنية إلى تونس أيضًا، وأصبحت ثورة جامحة في تونس في نفس هذا العام سنة٤٠٦هـ/١٠١٦م، فقد قام أحد الأئمة السنيين ويدعى محرز بن مخلوف بدور رئيسي في تلك الأحداث، فأمر بِقَتل المشارقة وَنَهب مخازن الغلال [الهادي روجي إدريس: الدولة الصنهاجية، ج، ص١٦٥- ١٦٦].

ونستخلص من هذا أن فتنة الشيعة هذه لم تكن أمرًا مبيتًا وفق خطة مرسومة، وأن ما حدث من تطورات سريعة أثناء سير موكب الأمير كان فرصة مواتية للانتقام من الشيعة، لأن أهل السنة قد كُبِتوا طوال العهد الفاطمي، وقد جاءتهم الفرصة السانحة في هذه اللحظة من شغب الجند فحرّضوا العامة على الشيعة، وأخذوا يتنفسون الصعداء ويتطلعون إلى الخلاص من وطأة المذهب الشيعي، وأن هذه الحادثة قد تكون بمثابة المناورة، التي ساعد بها المعز- بقصد أو بلا قصد- القوى الخفية المستعدة للقيام بالأعمال التي أعطاها إشارة الانطلاق عندما تلفظ باسم الشيخين.

وقد روى المؤرخون [ابن عذاري: البيان، ج١، ص٢٦٨ - ٢٦٩؛ ابن الأثير: الكامل، ج٧، ص٢٩٤- ٢٩٥؛ ابن أبي دينار: المؤنس، ص١٠٣]. أن أغلب مدن إفريقية قد قلدت القيروان، وهنا يعلق د. حسن محمود [حسن محمود: محنة الشيعة بإفريقية في القرن الخامس الهجري، ص ٩٥- ٩٦] على هذا فيقول: يجب أن نلاحظ أن هؤلاء الرواة من أهل السنة الذين يكرهون المشارقة كرهًا عظيمًا أدى إلى مبالغتهم في التقدير، إذ مما لا شك فيه أن أهل القيروان، أو المهدية، أو المنصورية، أو تونس ليسوا غالبية الشعب الزيري؛ لأن أهل المدن قلة إذا قيسوا ببقية الشعب النازلين في السهول والضاربين في الوديان الجبلية والمناطق الرعوية، كما أن قبيلة صنهاجة وعشائرها وبطونها المختلفة كانت بلا شك تكون نسبة كبيرة جدًا من السكان، وكانت صنهاجة تدين بمذهب الدولة الرسمي، وتحمي ذمار المشارقة فليس من المقبول أن نصدق ما رواه المؤرخون من القضاء على الشيعة قضاءً مبرمًا، فمن الطبيعي أن الدولة الزيرية ما زالت إسماعيلية المذهب وظلت الخطبة تقام للفاطميين وتضرب السكة بأسمائهم ولو ظاهريًّا حتى ذلك الوقت".

ويبدو أن تعاليم أبي الحسن علي بن أبي الرجال مربي المعز بدأت تؤتي أكلها وتثمر ثمراتها، فالمعز كان كلما اشتد عوده وتقدمت به السن تقرب من أهل السنة وانحرف عن المذهب الشيعي، يقول ابن أبي دينار: "والمعز هذا لما اشتدت سلطته خرج عن طاعة بني عبيد وخطب لبني العباس [ابن أبي دينار: المؤنس، ص ١٠٣].

رغم أن العلاقات بين البيتين الفاطمي والزيري كانت لا تزال تجري وفق التقاليد الموروثة، فقد روى المؤرخون أن مذهب أبي حنيفة بالقيروان قد ضعفت كلمته وعلا صوت مذهب مالك [السراج: الحلل السندسية، ص٠ ٩٤؛ ابن عذاري: البيان، ج١، ص٤ ٢٧ وما بعدها؛ ابن الأثير: الكامل، ج٧، ص ٢٧٩، ج٨، ص٣٩]، وظفر من تأييد المعز بما رفع شأنه، فليس غريبًا أن تضعف الشيعة ويشتد أزر أهل السنة.

يقول ابن أبي دينار: والمعز هو الذي طهّر الله تعالى على يديه إفريقية من مذهب الشيعة وإن كان من عمالهم، إلا أنه كان لا يتمذهب بمذهبهم، وحمل الناس في أيامه على مذهب مالك - رضي الله تعالى عنه - وقطع ما عداه، وكانت بإفريقية مذاهب الصفرية، والشيعة، والإباضية، والنكارية، والمعتزلة، ومن مذاهب أهل السنة الحنفية، والمالكية فلم يبق في أيّامه إلا مذهب الإمام مالك [ابن أبي دينار: المؤنس، ص ١٠٣]، وبدأ المعز ينحرف بسياسته علانية، وتعاطف مع أهل السنة، وبدأ يأخذ برأيهم في بعض الأمور، ويذكر ابن عذاري أن الأمر تمادى، حتى قطع أهل القيروان صلاة الجمع فرارًا من دعوتهم، وتبديعًا لإقامتها بأسمائهم[ابن عذاري: البيان، ج١، ص٢٧٧].

هذا الموقف من جانب المعز بن باديس ضد المذهب الإسماعيلي لم يكن مرتبطًا في هذه الفترة بالذات بأنه تربى تربية سنية فقط، وإنما كان يومئذ يقدم مصلحته السياسية على ميوله المذهبية خصوصًا أن المذهب الفاطمي بصفة عامة قد أصابه الضعف في عهد الخليفة المستنصر بالله بظهور السلاجقة الأتراك الذين بدأوا يعيدون المذهب السني إلى سالف عهده في شرق البلاد الإسلامية، وفي الغرب الإسلامي بدأت تظهر دعوة جديدة هي دعوة عبد الله بن ياسين، ثم بدأ يوسف بن تاشفين في التوسع وإعادة المغرب الأقصى إلى السنة والجماعة.

وأما المغرب الأوسط فكان قد أظهر المذهب السني والطاعة للعباسيين، وبذلك أصبح المذهب الشيعي مطوقًا ومحصورًا بين جناحي السنة في الشرق والغرب، مما مهّد السبيل للمعز؛ ليسهل عليه خلع طاعة الفاطميين ونبذ مذهبهم، فاجتمعت هذه الظروف السابقة كلها في عهد المعز بن باديس، ومهدت له بأن يقطع الخطبة للفاطميين [نفس المصدر، ج ١، ص ٢٧١، ٢٧٥؛ ابن أبي دينار: المؤنس، ص ١٠٣، ابن الأثير: الكامل، ج٨، ص٩ ٢].

وانتهج في ذلك السبيل أسلوب التدرج إلى حين التحول الرسمي لبني زيري عن المذهب الشيعي [الهادي روجي إدريس: الدولة الصنهاجية، ج١، ص١٥٤- ١٥٥، ١٨٢، ١٨٤- ١٨٥؛ محمد البيلي: التشيع في بلاد المغرب، ص١٥٨].

وبدأ المعز يستجيب لميوله السنية، ولعله أحس بخطورة عداء المالكية على مستقبله السياسي خاصة، وأنه يعلم أن الإسلام السُني لم يكن مقصورًا على القيروان، وغيرها من الحواضر، وإنما كان قريبًا من قلوب كل سكّان الأرياف إن لم يكن في سويدائها، فأصبح الطريق ممهدًا أمام التحولات المذهبية، والسياسية الرسمية التي فكر المعز بن باديس في الإقدام عليها، ومما ساعده على هذا التحول التدريجي في الجهر بميوله المذهبية اتصاله بحمّاد بن بلكين الذي أعلن انفصاله عن الخلافة الفاطمية ونبذ المذهب الشيعي، فلما تصالح معه أوجد حلًّا لمشكلته السياسية فلم يعد في احتياج لتأييد الفاطميين الذين انشغلوا وقتئذ بمشاكلهم الداخلية، كما سبقت الإشارة، وبالأحداث في جبهتهم الشرقية عن الاهتمام بشئون المغرب، مما فت في عضد الشيعة بالمغرب.

وبداية هذا التحول كانت في سنة٤٣٠هــ/١٠٣٨م بإفساح المجال في أروقة القيروان؛ لتدور فيها مناقشات حول القضاء على الشيعة، وكان المعز يستطلع آراء الفقهاء المالكية وانطباعاتهم حول سياسته؛ لأن المعز كان يعلم بتدابير الدولة الفاطمية الخفية في إضعاف بني زيري بتقوية الزناتية عليهم، وقد اعتمد في هذه الفترة على فقهاء السنة الصنهاجيين الذين دعموا له الموقف العام؛ لظهور السنة على الشيعة مثل محرز بن خلف وعلي ابن خلدون وشجعوه على ذلك [عياض: ج٤، ص٦٢٤، ٧١٣؛ السراج: الحلل، ص٩٤٧؛ الهادي روجي إدريس، ج١، ص ١٥٤- ١٥٥]، وكان المعز يميل إلى التريث في قطع علاقته بالفاطميين، غير أن ضعف المستنصر بالله العبيدي من ناحية، ورغبة المعز في تدعيم مكانته بين أهل السنة من ناحية أخرى جعله يظهر في سنة ٤٣٥ هـ /١٠٤٣م الميل للدولة العباسية.

 يقول ابن أبي دينار:" وفي سنة خمس وثلاثين وأربعمائة أظهر الدعوة لبني العباس وورد عليه عهد من الإمام القائم بأمر الله العباسي [ابن أبي دينار: المؤنس، ص١٠٥] دون أن يقطع المعز علاقته بالفاطميين، ويبدو أن هذه الخطوة قد سبقتها مراسلات بينه وبين العباسيين، ومع ذلك لم يعلن المعز بن باديس عن قطع الخطبة وتحويلها للعباسيين، إلا في سنة٤٤٠ هـ / ١٠٤٨م، وفي سنة أربعين وأربعمائة قطع خطبة بني عبيد، وقطع بنودهم وأحرقها بالنار [ابن عذاري: البيان، ج١، ص٢٧٦- ٢٧٧؛ ابن الأثير: الكامل، ج٨، ص٣٩].

وبدأت المراسلات بين المستنصر والمعز تأخذ لغة جادة يرد عليها المعز بالقدح في شرعية الفاطميين، وكان يحاول في هذه المراسلات أن يستميل الجرجاني وزير المستنصر بالله الفاطمي بالتحزب معه ضد الفاطميين.

يقول ابن أبي دينار:" كان المعز يسب بني عبيد سرًا إلى أن صرَّح به على المنابر، وكان يكاتب وزير المستنصر ويستميله ويعرض له بالتحريض عليهم، وإنما يكتب له تلويحًا لا تصريحًا، وكتب إليه قطعة بخط يده وتمثل فيها بيتًا من الشعر وهو:

وفيك صاحبت قومًا لا خلاق لهم   لولاك ما كنت أدري أنهم خلقوا [ابن أبي دينار: ص١٠٥، وانظر أيضا: السراج: الحلل السندسية، ص٩٤٠].

وقد أراد المعز أن يوقع بين الوزير وخليفته الشر، فقال الوزير لبعض أصحابه: ألا تعجبون من صبي بربري مغربي يحب أن يخدع شيخًا عربيًّا؟ [ابن خلدون: العبر، ج٦، ص٨٨ ١] فلما بلغه ما أظهره المعز بن باديس من التودد إلى الخلافة العباسية واضطهاد الشيعة والدعوة للمذهب السني خاطبه محذرًا وهو يراجعه بالتحريض على خلفائه والقدح فيهم.

يقول ابن خلدون: حتى أظلم الجو بينه وبينهم إلى أن انقطع الدعاء لهم، ويبدو أن الدولة الفاطمية أرادت أن تنتقم من المعز بإثارة الزناتية عليه قاموا بثورات عديدة في أماكن مختلفة بإفريقية، فما كان من المعز إلا أن استكمل خطواته للانفصال عن الفاطميين، يقول ابن عذاري: وفي سنة ٤٤٠هـ / ١٠٤٨م، قطعت الخطبة لصاحب مصر وأحرقت بنوده، وأمر بأن يدعى على منابر إفريقية للعباس بن عبد المطلب وبقطع دعوة الشيعة العبيدين، فدعا الخطيب للخلفاء الأربعة وللعباس، ولبقيّة العشرة، وتمادى الأمر على ذلك حتى قطع أهل القيروان صلاة الجمعة فرارًا من دعوتهم وتبديعًا لإقامتها بأسمائهم فكان بعضهم إذا بلغ إلى المسجد قال سرًّا: اللهم اشهد اللهم اشهد، ثم ينصرف فيصلي ظهرًا أربعًا، إلى أن تناهى الحال حتى لم يحضر الجمعة من أهل القيروان أحد، فتعطلت الجمعة دهرًا وأقام ذلك مدة إلى أن رأى المعز بن باديس قطع دعوتهم، فكان بالقيروان لذلك سرور عظيم[ابن عذاري: البيان، ج١، ص٢٧٨].

ولم يكتف المعز بذلك بل أمر بلعنهم في الخطب وسبهم على منبر القيروان، ويبدو أن هذا السب أرضى ضمائر أهل السنة، ثم تلاحقت الخطوات؛ لاستكمال الانفصال بأن أمر بتبديل العملة وأمر بضرب دينار جديد عرف بالدينار التجاري، وقد نقش على الأزواج في الوجه الواحد: {وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ}.

وفي الوجه الثاني: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وضرب منها دنانير كثيرة، بل أمر بصهر ما كان عنده من الدنانير التي عليها أسماء بني عبيد، وأمر بإزالة أسمائهم من الدراهم أيضًا ومن الرايات والبنود.

يقول ابن عذاري: إنه من تصرف بمال عليه أسماء بني عبيد نالته العقوبة الشديدة، فضاقت الحال بالفقراء والضعفاء وغلت الأسعار بالقيروان، وكان الدينار القديم بأربعة دنانير ودرهمين، وكان صرف الدينار الجديد خمسة وثلاثين درهمًا [نفس المصدر، ج١، ص٢٧٨- ٢٨٠].

ثم جاءت الخطوة الأخيرة في الانفصال الرسمي عن الفاطميين بأن أصبح لباس السوداء بالقيروان، وأمر القضاة والفقهاء وجميع المؤذنين والخطباء بلبس السواد تأييدًا للعباسيين، وساد هذا الأمر أيضًا ببرقة، فقد أعلن صاحبها السمع والطاعة للمعز بن باديس وأخبره أنه، وأهل برقة قد أحرقوا المنابر التي كان يدعى عليها للعبيدية، وأحرقوا راياتهم وتبرؤوا منهم ولعنوهم على منابرهم [نفس المصدر والموضع].

وعلى هذا النحو عمّ الخروج على طاعة الفاطميين بلاد المغرب كله من برقة حتى المحيط، ويبدو أن هذه الإجراءات السابقة التي اتخذها المعز بن باديس ضد الخلافة الفاطمية لم تأت من فراغ فهي إن دلت على شيء فإنما تدل على مدى قوة المعز ابن باديس ونضوجه السياسي، فقد ازداد موقفه ثباتًا بعد أن أمَّن جبهته الغربية بتصالحه مع القائد ابن حماد بن بلكين، وأصبح بنو حماد هم المسئولين عن حماية هذه الجبهة الغربية من أي عدوان زناتي.

يقول النويري: وفي سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة١٠٣٤م خرج المعز بجيوشه إلى قلعة حماد، وحاصرها مدة سنتين وضيق عليهم؛ لرجوعهم إلى ما كانوا عليه من النفاق [النويري: نهاية الأرب، ج٢٤، ص٢٠٩].

وانتهى هذا الأمر بالصلح وتم تعزيزه بعدد من المصاهرات، فقد زوج المعز أخته لعبد الله بن حماد ودعم هذه الجبهة الغربية، واستفاد من خبرة حماد واعتبره كحاجز قوي يفصل بينه وبين زناته ويجعله يتفرغ للحرب ضد جبهة واحدة [ابن خلدون: العبر، ج٦، ص٨٧ ١، عبد الحليم عويس: دولة بني حماد، ص٦٩-٠ ٧].

وضحت قوة المعز عندما بدأ بالتدخل في شئون جزيرة صقلية التابعة للفاطميين، وذلك اعتمادًا على قوته البحرية؛ لأن الدولة الزيرية قد ورثت عن الفاطميين قوة بحرية هائلة تمثلت في الأسطول البحري الضخم وعدد من الموانئ الهامة مثل المهدية وتونس وصفاقس وبونة "عنابة"، وقد واتت المعز الفرصة؛ ليقيم علاقات ودية مع الأسرة الكلبية التي كانت تحكم صقلية باسم الفاطميين، وبدأ التعاون البحري مع مسلمي صقلية في فجر إمارته أي منذ سنة٤٠٦ هـ/١٠١٠م حتى سنة ٤٢٤هـ/١٠٣٢م في شن الغارات البحرية على ممتلكات البيزنطيين في جنوب إيطاليا[ابن عذاري: البيان، ج١، ص١٠٣- ١٠٤، السراج: الحلل السندسية، ص٧٠٤- ٧٠٥]، وحاصروا مدينة سالرنة وهددوا ضواحي بارة وهاجموها سنة ٤١٤هـ/ ١٠٢٣م.

يقول ابن الأثير في أحداث سنة٤١٦هـ: "وفي هذه السنة خرج الروم إلى جزيرة صقلية في جمع كثير وملكوا ما كان للمسلمين في جزيرة قلورية، وهي مجاورة لجزيرة صقلية وشرعوا في بناء المساكن ينتظرون وصول مراكبهم وجموعهم من ابن أخت الملك، فبلغ ذلك المعز بن باديس فجهز أسطولًا كبيرًا، أربعمائة قطعة، وحشّد فيها وجمع خلقًا كثيرًا وتطوع جمع كثير بالجهاد رغبة في الأجر فسار الأسطول في كانون الثاني فلما قرب من جزيرة قوصرة، وهي قريبة من بر إفريقية خرج عليهم ريح شديدة ونوء عظيم فغرق أكثرهم ولم ينج إلا اليسير[عزيز أحمد: تاريخ صقلية الإسلامية، نقله للعربية توفيق الطيبي، ص٤٠، ٤٢].

وبالرغم من ذلك لم تتوقف هجمات الأسطول الزيري، والصقلي البحرية على أراضي الدولة البيزنطية بما فيها مقاطعة الليرية Illyria على الساحل الشرقي للبحر الأدرياتيكي، وعلى بعض الجزر اليونانية وحتى ساحل تراقيه، وذلك في سنة ٤٢٢هــ/١٠٣٠م وهذه الإغارات التي شارك فيها الأسطول الزيري مسلمي صقلية تدل على مدى تعاظم قوة المعز بن باديس العسكرية، وأصبح من أشهر ملوك المغرب في هذه الفترة مما دعا الإمبراطور البيزنطي إلى أن يخطب ود المعز.

يقول ابن عذاري: وفي ٤٢٦هـ وصلت إلى المعز بن باديس من ملك الروم هدية لم ير مثلها في كثرة ما اشتملت عليه من أمتعه الديباج الفاخر، وغير ذلك [ابن الأثير: الكامل، ج٧، ص ٣٢٣، ج٨، ص٤٦] وعقدت معاهدة الصلح بينه وبين الإمبراطور البيزنطي حتى لا يقوم بشن غارات بحرية على ممتلكات البيزنطيين في البحر المتوسط، وحتى لا تتوقف التجارة بينهما.

وكان المعز بن باديس قد أرسل ابنه عبد الله إلى صقلية؛ لمساعدة الكلبيين في التصدي للغارات البيزنطية، ولكن بعد أن تعرضت صقلية لاضطراب في أحوالها السياسية سنة ٤٣٢ هـ سنة١٠٤٠م، وبدأت الحروب الأهلية بين ولاتها، إنهار التحالف الزيري الكلبي بعد أن استعان أبو حفص زعيم ثورة نشبت في صقلية بالزيريين، فأرسل المعز حملة لمساندة ابنه عبد الله والثائرين بها الذين ثاروا على أحمد الأكحل، وانتهت هذه الثورة بقتل الأكحل، وتولى من بعده أخوه يوسف الملقب بصمام الدولة فطرد عبد الله بن المعز من الجزيرة، ولما بدأ تدخل النورمان في الجزيرة استنجد أهل صقلية بالمعز فأرسل لهم نجدة ثانية بقوة بحرية لمساندتهم [نفس المصدر والصفحة؛ الهادي روجي: الدولة الصنهاجية، ص ١٥٩ - ١٦١].

وكانت قوة المعز الاقتصادية أيضا من أهم الدوافع التي دعمت موقفه ضد الفاطميين، فهذا الأسطول الزيري لم يكتف بشن غارات بحرية على ممتلكات البيزنطيين في جنوب إيطاليا، بل شارك في نقل التجارة عبر البحر المتوسط، وأصبح الأسطول الزيري، والصقلي، وأسطول البليار يجوبون البحر المتوسط، ويقومون بنقل بضائع الشرق إلى غرب أوربا، لذلك تدخل المعز في شئون صقلية؛ لأن جزيرة صقلية كانت تمده بالأخشاب اللازمة لصناعة السفن، بل كان قمحها ينقذ إفريقية في فترات القحط التي تمر بها، ولعل أروج تجارة قام بها الزيريون هي تجارة العبيد التي كانت تدر عليهم دخلًا كبيرًا، بل أصبحوا هم الوكلاء والمصدرين لهذه التجارة في حوض البحر المتوسط [ ابن الأثير: الكامل، ج٨، ص٢٧٨؛ حسين مؤنس: تاريخ المسلمين في البحر المتوسط، ص٦٩]، لذلك نشطت الدولة الزيرية في نقل هذه التجارة لأروبا والمدن الإيطالية - كل هذه الأسباب السابقة جعلت المعز بن باديس - كما يقول ابن خلدون - أهم ملك عرف للبربر بإفريقية وأترفه وأبذخه [ابن خلدون: العبر، ج٦، ص٨٧ ١] ساعده على ذلك النشاط التجاري واسع المجال في حوض البحر المتوسط.

أهم النتائج التي ترتبت على سياسة المعز بن باديس

فما هي أهم النتائج التي ترتبت على سياسة المعز بن باديس تجاه الفاطميين؟ عندما أعلن المعز انفصاله عن الفاطميين كان في أوج قوته وثرائه، وبتصرفه هذا كان قد أصاب الفاطميين في مقتل؛ لأن مصر في هذه الفترة بالذات، أي في خلافة المستنصر بالله الفاطمي (٤٢٧هـ- ٤٨٧هـ/١٠٣٥ سنة ١٠٩٤م)، كانت تعاني من أزمة اقتصادية طاحنة وأوضاع سياسية متردية وخصوصًا بعد مقتل وزيره التستري اليهودي سنة٤٤٠ هـ/١٠٠٩م [السيوطي: حسن المحاضرة، ج٢، ص ١٥٣؛ ابن الأثير: الكامل، ج٨، ص ٥٠].

وتولى من بعده الوزير أبو محمد اليازوري، وحدثت في عهده أزمة الغلال التي وصلت إلى مداها سنة ٤٤٧ هــ / ١٠٥٥م، لذلك لم تقف الخلافة الفاطمية إزاء هذه الأحداث مكتوفة الأيدي بعد ضياع ملكها وثرواتها بإفريقية والمغرب، وأخذ الخليفة المستنصر بالله برأي الوزير اليازوري باصطناع قبائل بني هلال وبني سليم واستخدام مشايخهم وتوليتهم أعمال إفريقية ودفعهم إلى محاربة بني زيري فإذا انتصروا عليهم أصبحوا أعوانًا للدولة الفاطمية وتتخلص من عنصر مدمر في مصر، وبذلك يكون الانتقام من الزيرين بطريقة فذة لا تكلف الدولة الفاطمية شيئًا[لمزيد من التفاصيل راجع: ابن أبي دينار: المؤنس، ص٥ ٠ ١؛ ابن الأثير: الكامل، ج٨، ص٥٥].

فما أن اقتنع المستنصر بالله حتى بعث اليازوري رسوله مكين الدولة أبا علي الحسن بن علي بن ملهم العقيلي أمير أمراء الدولة يدور بأمر المستنصر على الهلالية، فبدأ بإصلاح ما بين زغبة ورياح وحمل إلى مشايخهم الأموال والخلع السنية، وتولى دفع ما عليها من ديّات، وأنعم على سائرهم ببعير ودينار لكل واحد منهم ووعدهم بالمدد والعدد وأذن لهم بالمسير إلى إفريقية فجاء منهم عدد كبير [ابن خلدون: العبر، ج٦، ص٨٧ ١ - ١٨٨؛ ابن الأثير: الكامل، ج٨، ص ٥٦،٥٥]، وقد حققت الهجرة الهلالية نجاحًا كبيرًا إذ سرعان ما اجتاحت مدينة برقة سنة ٤٤٣هـ / ١٠٥١م، حيث وجدوها بلادًا طيبة كثيرة المراعي خالية من سكانها بسبب هجرة سكانها منها أمام ضغط المعز بن باديس فاستقر العرب ببرقة، واحتقر المعز شأنهم واستكثر من شراء العبيد حتى كون منهم فرقة يبلغ عددها ثلاثين ألف مملوك، وما لبث الهلاليون أن كتبوا لإخوانهم العرب في مصر يرغبونهم في البلاد واستغلت الخلافة الفاطمية هذه الفرصة، فبعد أن كانت الدولة تدفع لكل رجل يعبر النيل إلى المغرب دينارًا صارت تأخذ من كل واحد منهم دينارين فاستعادت ما كان أخذ منها أضعافًا [ابن الأثير: الكامل، ج٨، ص٥٦؛ ابن عذاري: البيان، ج١، ص٢٨٩- ٢٩٠ ].

وبذلك اقتسم العرب المغرب الأدنى، فاستقر بنو سليم في برقة وطرابلس وخربوا المدينة الحمراء وأجدابية وأسمرا وسرت، وسار بنو هلال وجميع بطونها إلى إفريقية.

يقول المقريزي: "كانوا كالجراد المنتشر لا يمرون بشيء إلا أتوا عليه [المقريزي: اتعاظ الحنفا، ج٢، ص٧ ١ ٢] ولم يتجه بنو هلال إلى إفريقية رأسًا، بل أوفدوا إلى القيروان جماعة منهم على رأسها مؤنس الرياحي وأعجب المعز بمؤنس، وفكر في الاستفادة من العرب الهلالية في تقوية مركزه في مواجهة منافسيه من بني حماد أصحاب القلعة فنصحه مؤنس بعدم التفكير في ذلك وعرفه بقلة اجتماعهم على الكلمة وعدم انقيادهم إلى الطاعة فألح عليه في ذلك إلى أن قال له المعز: إنما تريد انفرادك حسدًا منك لقومك فعزم مؤنس على الخروج إليهم بعد ما أشهد بعض رجال المعز، ثم رحل متوجهًا نحوهم ودعاهم ووصف لهم كرم المعز وإحسانه[ابن الأثير: الكامل، ج٨، ص٥٦؛ ابن عذاري: البيان، ج١، ص٢٨٨- ٢٨٩].

فما كاد بنو هلال يصلون إلى نواحي إفريقية حتى عاثوا فيها فسادًا فغضب المعزبن باديس وظن أن مؤنسًا إنما دفعهم انتقامًا فأمر بالقبض على أخي مؤنس، فلما بلغ مؤنسًا ما فعله المعز بأهله وولده، اشتدت نكايته وعظم بلاؤه، وقال: قدمت النصيحة، فحاق الأمر بي ونسبت الخطيئة إلي. فكان أشد إضرارًا من القوم وكان قد علم عورات القيروان، وعزم العرب من بني رماح والأثبج وبني عدي على الوصول إلى القيروان فقال لهم مؤنس: ليس هذا عندي برأي وهذا يحتاج إلى تدبير، وأمرهم أن يملكوا بلاد المغرب شيئًا فشيئًا حتى يصلوا إلى القيروان، فقال له رافع بن حماد: صدقت يا مؤنس، والله إنك لشيخ العرب وأميرها فقد قدمناك على أنفسنا فلسنا نقطع أمرًا دونك [ابن عذاري: البيان، ج١، ص٢٨٩؛ ابن الأثير: الكامل، ج٨، ص ٦ه].

ثم قدم أمراء العرب إلى المعز فأكرمهم وبذل شيئًا كثيرًا فلما خرجوا من عنده لم يجازوه بما فعل من الإحسان، بل شنوا الغارات وقطعوا الطريق وأفسدوا الزروع وقطعوا الثمار وحاصروا المدن فضاق بالناس الأمر وساءت أحوالهم، وانقطعت أسفارهم ونزل بإفريقية بلاء عظيم، وعزم المعز بن باديس على المبادرة بمحاربة العرب قبل أن يستفحل خطرهم، فجمع المعز قواته، واستنجد بابن عمه صاحب قلعة ابن حماد الذي بعث إليه كتيبة من ألف فارس، كما استصرخ المعز قبيلة زناته فقدم إليه المستنصر بن خزرون المغراوي في ألف فارس، ثم خرج المعز بجيوشه من صنهاجة وزناته والبربر والعبيد وبقايا عرب الفتح فبلغ عدد جيوشه ثلاثين ألفًا[ابن عذاري: البيان، ج١، ص٢٩٠؛ السراج: الحلل، ص٩١٤]، أمّا عن معسكر العرب الهلالية، فقد حوى جماعات من قبائل رياح، وزغبة، وعدي الذين أقبلوا من جهة قابس مرورًا بجبل حيدران تحت قيادة مؤنس الرياحي، وعندما زحف المعز إليهم كان اللقاء في منتصف النهار في منطقة وعرة اختارها المعز، فلما رأت العرب عساكر المعز وهم مدججون بالسلاح وقد لبسوا الكزغندات [الكزغندات: أردية محشوة بالقطن أو الحرير يستعملها الجنود في الحرب، ابن الأثير: الكامل، ج٦، ص ٥٦]، والمغامز هالهم ذلك، ولكن مؤنسًا نجح في تهدئة روعهم ورفع معنوياتهم فقرروا الثبات في مواجهة جيوش المعز، كما أشار عليهم مؤنس أن يطعنوا خصومهم المثقلين بالعتاد في العيون[نفس المصدر والصفحة ابن عذاري، ج، ص٢٩٢، النويري: نهاية الأرب، ج٤، ص٢١٣- ٢١٤]، وهو ما أدى إلى تسمية هذه المعركة بيوم العيون، ولكن ما كادت المعركة تبدأ حتى ظهرت علامات الفشل في المعسكر الصنهاجي، حيث بدأ العرب البلديون الذين كانوا في جيش المعز بالانضمام إلى إخوانهم العرب الهلاليين.

أما زناته وصنهاجة، فقد خذلوا وفروا وتركوا المعز مع العبيد، حتى يرى فعلهم ويقتل أكثرهم فثبت العبيد مع المعز فكثر القتل فيهم حيث قتل منهم خلق كثير، وأرادت صنهاجة الرجوع على العرب فلم يمكنهم ذلك، واستمرت الهزيمة وانسحب المعز في بعض خاصته نحو القيروان [ابن عذاري: البيان، ج١، ص٢٩٢؛ وابن الأثير: الكامل، ج٨، ص٥٦].

وكان النصر مؤزرًا بالنسبة للعرب، كما كانت الهزيمة قاسية بالنسبة لصنهاجة، فلقد انتهبت العرب جميع ما كان بالمحلة من المال والعتاد، يقول ابن الأثير: "واشتعلت نيران الحرب وكانت العرب سبعة آلاف فارس فانهزمت صنهاجة وولى كل رجل منهم على منزله، وانهزمت زناته وثبت المعز فيمن معه من عبيده ثباتًا عظيمًا لم يسمع بمثله، ثم انهزم وعاد إلى المنصورية، وأحصى من قتل من صنهاجة ذلك اليوم فكانوا ثلاثة آلاف وثلاثمائة، ثم أقبلت العرب حتى نزلت بمصلى القيروان ووقعت الحرب فقتل من المنصورية ورفادة خلق كثير، فلما رأى ذلك المعز أباح لهم دخول القيروان سنة ٤٤٤هـ/١٠٥٢م لما يحتاجون إليه من بيع وشراء، فلما دخلوا استطالت عليهم العامة ووقعت بينهم حرب كان سببها فتنة بين إنسان عربي وآخر عامي، وكانت الغلبة للعرب، وفي أربع وأربعين بنى سور زويلة والقيروان [ابن الأثير: نفس المصدر والموضع]

وانتقل المعز إلى المهدية في شعبان ٤٤٩هـ / سبتمبر سنة ١٠٥٧م.

وكان لخروج المعز بن باديس من القيروان ردود فعل سيئة هناك، إذ دخل العرب القيروان واستباحوها وخربوا عمرانها ومبانيها وعاثوا في محاسنها وطمسوا معالمها وجردوا قصورها، مما كانت تحتويه من روائع وتحف وشملوا بالعبث والنهب كل من بقي فيها من أهلها فتفرق الناس في الأقطار وأصبحت إفريقية كلها تحت رحمتهم فانطلقوا في أنحاء البلاد يستولون على مدنها وقراها ويقتسمونها فيما بينهم، ففي المرة الأولى كان لزغبة طرابلس وما يليها ولمرداس بن رياح باجة وما يليها وذلك سنة ٤٤٩هـ/٠٥٧ ١م، ثم اقتسموا البلاد ثانية فكان لبني هلال من قابس إلى المغرب، وهم رياح، وزغبة، والمعقل، وجشم، وترنجه، والأسبيح، وشداد، والخلط، وسفيان.

وقد أحدث هذا الأمر تصدعًا؛ لوحدة البلاد السياسية، وانقسم هذا الكيان العظيم إلى مدن وإمارات متصارعة، وقد أصبحت القبائل العربية منذ ذلك الحين إحدى القوى المؤثرة والمحركة للأحداث في المغربين الأدنى والأوسط واستمر عداؤها للمعز بن باديس بالرغم من ارتباطه معهم برباط المصاهرة فقد لجأ إلى مصالحة أولئك العرب فصاهر بثلاث من بناته ثلاثة من شيوخ العرب من بني هلال هم فارس بن أبي الغيث، وأخوه عائذ، والفضل بن أبي علي المرادي، وبفضل أصهاره هؤلاء تمكن المعز من الانتقال من القيروان إلى المهدية بسلام[ابن خلدون: العبر، ج٦، ص٨٨ ١؛ النويري: نهاية الأرب، ج٤ ٢، ص٧ ١ ٢].

وهذا الانتقال كان بداية انحلال الدولة الزيرية وتصدع وحدتها السياسية، وانقسمت بلاد إفريقية، والمغرب إلى دول للطوائف على نحو ما حدث في الأندلس عقب سقوط الخلافة الأموية بقرطبة [حسين مؤنس: تاريخ المغرب، ج١، ص٦٠٤- ٦٠٥؛ السيد عبد العزيز سالم: المغرب الكبير، ج٢، ص٦٧٣]، ومن أهم هذه الدول دولة بني زيري، وبني هلال، وبني حماد، فقد ظل بنو زيري يحتفظون بالمهدية، وأحوازها سفاقس، وجزيرة جريه، واستولى بنو هلال على المناطق الممتدة في الداخل من قابس إلى المغرب، واستقر بنو حماد في بجاية.

أثر ظهور دولة الموحدين في المغرب الأقصى

وقد واجهت هذه الإمارات أخطارًا شاملة وصراعات دائمة على البقاء، ولم ينقذها منها إلا ظهور دولة الموحدين في المغرب الأقصى، التي استطاعت أن توحد المغرب بأكمله وتقضي على هذه الإمارات المتناثرة في المغرب الأدنى، وبذلك عادت الوحدة من جديد للمغرب الإسلامي.

ومجمل القول إن حادثه الأمير المعز بن باديس، حيث كُبت به الفرس فاستغاث متلفظًا باسمي الخليفتين أبي بكر وعمر- وهي التي بدت كإعلان لمناصرته للمذهب السني - هذه الحادثة وأن لم تكن سببًا مباشرًا لتقويض المذهب الشيعي بإفريقية فإننا لا يمكننا أن نغفل شأنها، فقد كانت بمثابة الشرارة التي فجرت ما في نفوس أهل السنة، حيث سجلها التاريخ ضمن الأسباب التي أدت إلى القضاء على مذهب الشيعة.

ولكننا نضيف عوامل أخرى أدت جميعها إلى انحسار المذهب الشيعي عن إفريقية وتقوقعه في مصر إزاء ازدياد نفوذ المذهب السني شرقًا وغربًا من العالم الإسلامي إلى جانب ازدياد قوة المعز السياسية والاقتصادية.

ويبدو أن من أهم النتائج التي ترتبت على تقسيم بلاد المغرب على هذا النحو أن اهتم الصنهاجيون بشئون البحر؛ ليعوضهم عما فقدوه من تقسيم ممتلكاتهم بين العرب الهلالية وبني سليم وأصبحت الدولة منذ ذلك الحين دولة بحرية واهتموا بدار صناعة الأساطيل بالمهدية، وأصبح لديهم أسطول كبير ووجهوا جل اهتمامهم إلى التجارة وواصلوا نشاطهم التجاري السابق، بل والتعاون مع المرابطين في صد الحملات الصليبية في حوض البحر المتوسط وتخفيف وطأة الحملات الصليبية المتجهة إلى بلاد الشام [ابن خلدون: العبر، ج٦، ص٩٩ ١؛ حسين مؤنس: تاريخ المغرب، ج١، ٦٠٥].


مصادر ومراجع للاستزادة:

  • ابن أبي دينار: المؤنس في أخبار إفريقية.
  • حسين مؤنس: تاريخ المغرب، ط ا.
  • السيد عبد العزيز سالم: المغرب الكبير.
  • ابن عذاري: البيان المغرب.
  • المقريزي: اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء.
  • الهادي روجي إدريس: الدولة الصنهاجية.

الخلاصة

مثّلت دولة بني زيري مرحلة انتقالية بين النفوذ الفاطمي وسيادة القوى السنية في المغرب، حيث ساهمت سياساتهم المعتدلة وتقاربهم مع المالكية في قلب موازين القوى المذهبية، أدت هذه التحولات إلى اشتعال محنة الشيعة، وانبثقت عن هذه الصراعات ملامح جديدة للاستقلال السياسي عن الفاطميين، كانت هذه الحقبة أساسًا لصعود حركات لاحقة مثل الموحدين، التي غيّرت خريطة المغرب الإسلامي.

موضوعات ذات صلة

دولة بني حماد أسسها حماد بن بلكين، وامتدت لمدة قرن ونصف.

فتح المسلمون هذه البلاد بقيادة طارق بن زياد وموسى بن نصير سنة (٩٢ هـ-٧١١م).

أسسوا دولة قوية أسهمت في مقاومة الصليبيين وتوحيد الشام.

موضوعات مختارة