Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الإخشيديون (دولة)

الكاتب

أ. د / حسن علي حسن

الإخشيديون (دولة)

في ظل الاضطرابات السياسية، وانهيار سلطة الطولونيين، شهدت مصر مرحلة حرجة من التحولات التي مهدت لنشوء الدولة الإخشيدية، والتي لعبت دورًا مهمًا في تاريخ البلاد حتى سقوطها بيد الفاطميين، وهذه الفترة كانت حافلة بالصراعات الداخلية والخارجية التي شكّلت معالم التاريخ السياسي والحضاري لمصر.

تمهيد

عادت مصر إلى سلطان العباسيين، وذلك بعد سقوط الحكم الطولوني، وأرسل العباسيون ولاتهم؛ لحكم مصر، وهؤلاء الولاة لم يكونوا بمثل كفاءة الطولونيين بل كانوا على درجة كبيرة من الضعف، ولم يستطيعوا إحكام قبضتهم على مقاليد الأمور، ويشير أحد المؤرخين إلى حالة الضعف التي أصابت مصر بقوله: "وظلت البلاد في اضطراب شامل في طوال ثلاثين عامًا كانت الحكومة الفعلية فيها في أيدي ولاتها الأتراك، وكانت الجيوش التي يرسلها الخلفاء العباسيون إلى مصر؛ لدعم أركان السلام فيها، وحمايتها من الغزو الخارجي تملي مشيئتها على هؤلاء الولاة، وكان كل واحد منهم في حاجة إلى أن يكون مقبولًا في نظر هؤلاء المتطلعين دائمًا إلى زيادة الأرزاق". [حسن  علي حسن  تاريخ مصر الإسلامية، ص١٦٦].

يضاف إلى سوء الأوضاع الداخلية في مصر، أن تعرضت لخطر شديد قادم من ناحية الغرب حيث بذل الفاطميون حكام المغرب محاولاتهم المتكررة من أجل الاستيلاء على مصر، وذلك بعد أن استقر حكمهم في بلاد المغرب، وقضائهم على الدويلات التي كانت قائمة في المنطقة؛ لذا نراهم يحتلون الإسكندرية سنة ٣٠٢هـ/٩١٤م دون أن يلقوا مقاومة تذكر، ثم تابع الفاطميون سيرهم جنوبًا إلى الفيوم فبعث الخليفة العباسي إليهم جيشًا تعاون مع المصريين في طردهم من البلاد.

وكرر الفاطميون هجومهم على مصر بعد ذلك بخمس سنوات، ونجحوا في دخول مدينة الإسكندرية، وزحفوا في تحركاتهم حتى وصلوا الأشمونين، وجرت عدة وقائع تراجع الفاطميون بعدها عن مصر التي أصابها من جراء تلك الحروب الدمار والخراب، ومما زاد في معاناة المصريين سوء معاملة الجند العباسيين لهم؛ إذ صاروا ينهبون الأمتعة، ويعتدون على الناس، ويتقاتلون فيما بينهم، وقد جرّ ذلك على البلاد أفدح الخسائر، وعظيم النكبات، وفي وسط تلك الفوضى الشاملة عهد الخليفة العباسي الراضي إلى أبي بكر محمد بن طُغْج بولاية مصر، فأعاد إلى البلاد هدوءها، وأقام فيها أسرة ظلت تقوم بالأمر فيها أكثر من ثلاثين عامًا [المرجع السابق، ص١٦٧].

مؤسس الدولة الإخشيدية

محمد بن طغج الأخشيد (٣٢٣هـ-٣٣٤هـ/ ٩٣٥م-٩٤٥م):

تنتسبب هذه الدولة إلى مؤسسها محمد بن طغج الإخشيد، والإخشيد لقب يعني (ملك الملوك) بلغة الأتراك، وكان جد محمد بن طغج أحد الضباط الأتراك الذين جلبهم الخليفة العباسي المعتصم، أما والده (طغج) فقد خدم أحمد بن طولون وابنه خمارويه الذي استخدمه، فأحرز له عدة انتصارات ضد الروم مما جعله يوليه على دمشق نيابة عنه.

أما محمد بن طغج فقد اتصل بوالي مصر (تكين) وتولى له بعض الأعمال، ثم ولاه الخليفة العباسي على دمشق سنة ٣١٧هـ/٩٢٩م، ثم واليًا على مصر سنة ٣٢١هـ/٩٣٣م. 

وفي هذه المرة لم يستطع المجيء إلى مصر، فأناب غيره عنه، وفي المرة الثانية حين تولى إمرة مصر، جاء إليها سنة ٣٢٣هـ/٩٣٥م، وأسس بها دولته.

سياسة الإخشيديين

واجه الإخشيد في بداية حكمه في مصر مقاومة عنيفة من جانب الماذرائيين، وهم الذين أداروا البلاد، وجمعوا الكثير من ثرواتها، ويشير بعض المؤرخين إلى أن هذه الأسرة عارضت ظهور أية قوة في مصر، شأنها أن تهدد كيانها، ومصالحها، وكان لموقف الماذرائيين من الإخشيد أثره في إحداث صدام بين الطرفين، وفي هذا الصدام حظي الإخشيد بتأييد الوزير العباسي الفضل بن جعفر بن الفرات بسبب العداء المتحكم بين الماذرائيين من ناحية، وأسرة ذلك الوزير من ناحية أخرى، ولم يتردد الفضل بن جعفر في الحضور إلى مصر؛ للإشراف بنفسه على تصفية نفوذ الماذرائيين، وأموالهم، وبذلك تخلص الإخشيد من عدو داخلي فضلًا عن حصول الإخشيد على أموال ضخمة؛ نتيجة مصادرة أموالهم، ولا شك أن هذه الأموال أفادت الإخشيد في بداية عهده ومكنته من تثبيت مركزه بسرعة فائقة. [المرجع السابق، ص١٦٩].

وبعد مغادرة الوزير العباسي الفضل بن جعفر بن الفرات مصر، أصبحت مصر تخضع لسلطة الإخشيد السياسية، والمالية، حيث صار هو المسئول عن تسيير الحرب، والصلاة، وإدارة أمر الخراج، وجميع الأمور المالية، ومنذ هذه اللحظة عمل الإخشيد على بسط لواء الأمن، فاستقرت الأمور، ثم نراه يهتم بتقوية مصر ماديًا حتى تستطيع الاحتفاظ بكيانها، فأعدَّ جيشًا قويًا استطاع به صد الفاطميين القادمين من بلاد المغرب عن مصر، والاحتفاظ بالشام بعد أن رأى حكام الولايات المختلفة قد استقلوا بإدارة ما تحت أيديهم من أعمال وخاصة بعد تردِّي الأوضاع في الدولة العباسية، وصارت بغداد وهي عاصمة الخلافة العباسية موضع نزاع، وتقاتل بين الطامعين فيها من أمراء الأتراك.

 هذه الأوضاع المتردية أدركها الإخشيد، ومن ثم بذل كل جهده؛ لدفع أطماع هؤلاء الأمراء عما تحت يده من أعمال مصر والشام.

وفاته

أدركت المنية الإخشيد في الشام، وذلك بعد أن عقد الإخشيد صلحًا مع سيف الدولة الحمداني، وعاد الإخشيد إلى دمشق حيث بقي بها إلى أن توفي سنة ٣٣٤هـ/٩٤٥م عن إحدى وستين سنة حكم منها إحدى عشرة سنة وثلاثة أشهر، ثم دفن في القدس، وقد أجمع المؤرخون على وصف الإخشيد بأنه كان رجلًا عظيمًا في حياته الخاصة والعامة، فوصفه أبو المحاسن: "بأنه كان مَلكًا، شجاعًا، مِقدامًا، حازمًا، متيقظًا، حسن التدبير، عارفًا بالحروب مكرّما للجند، شديد البطش، ذا قوة مفرطة لا يكاد أحد يجرّ قوسه، وله هيبة عظيمة في قلوب الرعية، وكان متجملًا في مركبه، وملبسه، وكان موكبه يضاهي موكب الخلافة، وبلغت عدة مماليكه ثمانية آلاف مملوك، وكان عدد جنده أربعمائة ألف، وكان قوي التحرز على نفسه، وكانت مماليكه تحرسه بالنوبة عندما ينام كل يوم ألف مملوك". [النجوم الزاهرة، ج٣، ص٢٥٦].

خلفاء الإخشيد

زاد نفوذ محمد الإخشيد بعد نجاحه في استرداد الشام، واستقرار الأوضاع بمصر، ومن ثم وجدنا الخليفة العباسي يضيف إلى سلطانه ولاية الحجاز، وجعل مصر ولاية له ولأبنائه من بعده ثلاثين سنة، وأصبح من حق أولاد الإخشيد أن يتوارثوا حكم مصر، ومن ثم أخذ الإخشيد البيعة لابنه أنوجور على قادة الجند، وأعيان البلاد وقد أقرَّ الخليفة العباسي ذلك العهد، فلما توفي الإخشيد تولى ابنه أنوجور خلفًا له، ونظرًا لصغر سنه؛ إذْ كان يبلغ خمسة عشر عامًا، فقد أمكن التغلب على ذلك بفضل ظهور رجل قوى أمين في بلاط محمد الإخشيد وهو أبو المسك كافور.

أما أبو المسك كافور فقد بدأ حياته مملوكًا بسيطًا، وكُنى بأبي المسك من باب التلميح، وقيل: إن الإخشيد اشتراه، وقيل: إن كافور أُهدى إليه فتوسم فيه الذكاء، واحتفظ به، واختصه من بين عبيده، وأعتقه، وأولاه ثقته، وعهد إليه بتربية ولديه. [تاريخ مصر الإسلامية، ص١٧١].

لم يلبث كافور أن استغل صغر سن أنوجور، واستأثر هو بالسلطة الفعلية، وقبض على زمام الأمور، وصار أنوجور معزولًا عن أي تصرف، مكتفيًا براتب قدره أربعمائة ألف دينار سنويًا، كما هيأ لأخيه حياة الترف واللهو.

استمر كافور يدبر شئون البلاد حتى كانت سنة ٣٤٣هـ/٩٥٤م، وعندئذ أحس أنوجور بأنه بلغ سن الرشد، وآن الأوان؛ ليدير بنفسه شئون الحكم، ويتخلص من قبضة كافور، ويشير بعض المؤرخين أن بعض الحاقدين حرّضوا أنوجور ضد كافور المستأثر بكل السلطات، والأموال، ومن ثم تباعد أنوجور عن كافور مضمرًا الخلاف، والشِّقاق، لكن أم أنوجور تدخلت خوفًا على ابنها من كافور، وانتهت الأزمة بأن اصطلحا، ودام الأمر على حاله حتى توفي أنوجور سنة٣٤٩هـ/ ٩٦٠م، وكانت ولايته على مصر أربعة عشر عامًا وعشرة أيام.

تولى خلفًا لأنوجور أخوه على بن الإخشيد الملّقب بأبي الحسن، وأقر الخليفة العباسي المطيع لله ذلك، وكان مدة حكم أبى الحسن خمس سنين وشهرين، وكان عمره يناهز الثالثة والعشرين، وخلال هذه المدة ظل كافور هو صاحب السلطة الفعلية في البلاد، وقد حرص كافور على عزل أبي الحسن عن التصرف في أي أمر من أمور البلاد، مما دفع أبا المحاسن إلى القول: "ودام على هذا في الملك له الاسم والمعنى لكافور". [أبو المحاسن: النجوم الزاهرة، ج٣، ٣٢٦].

لقد اتصفت مدة حكم أبي الحسن بكثرة الاضطرابات، وسوء الأوضاع الداخلية، ففي الداخل انخفض النيل سنة٣٥١هـ/ ٩٦٢م، فاشتد الغلاء، وارتفعت الأسعار، وساءت أحوال الناس، ومن جهة أخرى اشتدت هجمات الفاطميين من غرب مصر والنوبيين من الجنوب، كما اشتد عبث القرامطة ببلاد الشام، ثم زادت الأمور سوءًا؛ نتيجة انشقاق بين كافور وعلي بن الإخشيد ثم استطاع كافور أن ينهى النزاع لصالحه، حيث أحكم قبضته على أبي الحسن الذي مرض وتوفي سنة ٣٥٥هـ/٩٦٦م.

ترك أبو الحسن علي بن الإخشيد ولده الصغير أحمد الذي كان في التاسعة من عمره، ورأى كافور تعارض مصلحته مع مبدأ حصر العرش في أولاد الإخشيد، فاستغل فرصته صغر الأمير، واستصدر من الخليفة العباسي قرارًا بتوليته على مصر وما كان يتبعها من أعمال، وخطب له على المنابر بعد الخليفة. [تاريخ مصر الإسلامية، ص١٧٢].

استمر كافور في الحكم سنتين وأربعة أشهر وهو الحاكم الفعلي للبلاد منذ وفاة سيده محمد الإخشيد، وقد أثبت خلال هذه المدة أنه سياسي ماهر، وقد وصفه أبو المحاسن بقوله: " كان خبيرًا بالسياسة، فطنًا ذكيًا، جيد العقل داهية، ولا أدل على كياسته، وطول باعه في السياسة من أنه أدرك صعوبة موقفه بين قوتين كبيرتين متعاديتين هما الخلافة العباسية في الشرق والخلافة الفاطمية الشيعية في الغرب، فأمسك بالعصا من الوسط، ولم يتورط في معاداة إحدى القوتين، فكان يهادي المعز الفاطمي صاحب المغرب، ويظهر ميله إليه، كذا يذعن بالطاعة لبني العباس، ويداري، ويخدع هؤلاء وهؤلاء، وتم له الأمر.[أبو المحاسن: النجوم، ج٤، ص٦].

توفي كافور سنة ٣٥٧هـ/٩٦٨م، وخلفه في حكم مصر أبو الفوارس أحمد بن علي بن محمد الإخشيد، وكان في الحادية عشرة من عمره مما جعله ألعوبة في أيدي كبار رجال الدولة وخاصة الوزير أبا الفضل جعفر بن الفرات الذي أساء السيرة، وقبض على جماعة من رجال الدولة، وصادر أموالهم ومنهم: يعقوب بن كلس، وهو يهودي اعتنق الإسلام، واستطاع يعقوب الفرار إلى المغرب لاجئًا إلى المعز لدين الله خليفة الفاطميين وهذا بدوره أرسل جيشًا كبيرًا بقيادة جوهر الصقلي الذي نجح في دخول مصر سنة ٣٥٨هـ/٩٦٩م مما أدى إلى سقوط الدولة الإخشيدية.

العلاقات الخارجية

تعددت العلاقات بين الإخشيديين، والقوى القائمة في المنطقة في ذلك الوقت كالعباسيين والحمدانيين والفاطميين، وربما كان أخطر هذه العلاقات هي علاقة الإخشيديين بالفاطميين؛ إذ أسفرت هذه العلاقة في النهاية عن القضاء على الدولة الإخشيدية، واستيلاء الفاطميين على مصر وما ترتب على ذلك من نتائج شهدتها المنطقة، لذلك سوف نقتصر على الإشارة إلى طبيعة هذه العلاقات، ومحاولات الفاطميين المتكررة في الاستيلاء على مصر حتى نجحوا في ذلك سنة ٣٥٨هـ/ ٩٦٩م.

يُمثل استيلاء الفاطميين على مصر نقطة تحوُّل في تاريخها بل وتاريخ المنطقة المحيطة بها في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، وما تلاه من سنوات طويلة، كما امتد تأثير هذا الفتح ليس على النواحي السياسية فقط وإنما امتد؛ ليشمل النواحي الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كما يمثّل هذا الفتح نجاحًا كبيرًا حققه الشيعة في نضالهم ضد العباسيين.

لقد تعددت دوافع وأهداف الفاطميين في الاستيلاء على مصر، وذلك منذ اللحظات الأولى لقيام دولتهم في بلاد المغرب ومبايعة عبيد الله المهدي سنة ٢٩٦هـ/٩٠٩م كأول خليفة فاطمي، ويمكن تلخيص أهداف الفاطميين في نقاط محددة في مقدمتها تحقيق أهداف مذهبية، وهو نشر المذهب الشيعي في البلاد الإسلامية، ثم تحقيق الأمن والاستقرار للوجود الفاطمي، وهذا الأمن لم يتوفر في بلاد المغرب؛ نظرًا لكثرة المعارضة والثورات التي اندلعت على أرض المغرب ضد الوجود الفاطمي، كذلك تحقيق أهداف سياسية واقتصادية، وخاصة أن مصر تتمتع بمركز جغرافي ممتاز، وهذا يمكّن الفاطميين من القضاء على العباسيين العدو اللدود لهم، كما أن مصر تتمتع بكثرة ثرواتها، وخيراتها الطبيعية، وإمكاناتها المادية، وذلك بالقياس لإقليم المغرب كثير الثورات والحروب. [تاريخ مصر الإسلامية، ص١٧٤].

لقد تعددت الحملات العسكرية الفاطمية ضد مصر، وكانت الأولى سنة٣٠١هـ/٩١٣م، والثانية سنة ٣٠٦هـ/٩١٨م، والثالثة سنة ٣٢٤هـ/٩٣٦م، والرابعة ٣٥٥هـ/٩٦٦م ـ وهذه الحملات تشير إلى حرص الفاطميين على الاستيلاء على مصر، وذلك منذ قيام دولتهم في بلاد المغرب، ولا يتسع المجال لتناول هذه الحملات بالتفصيل، ولكن هذه الحملات كلّفت الخلافة الفاطمية نفقات باهظة فضلًا عن فقدها الكثير من جنودها ما بين قتيل وأسير، وهذا يدل على إصرار وإلحاح القيادة الفاطمية على الاستيلاء على مصر، حتى تكون مرتكزًا وقاعدة؛ لتحقيق آمال، وأهداف الخلافة الفاطمية، ولم يتحقق هذا الحلم إلا في عهد المعز لدين الله الذي اتخذ من النشاط السلمي والعسكري وسيلة؛ لتحقيق الاستيلاء على مصر. [المرجع السابق، ص١٧٨].

كان فتح مصر على يد القائد جوهر الصقلي سنة٣٥٨هـ/ ٩٦٩م، أملًا كبيرًا سعى إليه الخلفاء الفاطميون، وقد تحقق هذا الأمل في عهد المعز لدين الله الفاطمي الذي تولى الخلافة في بلاد المغرب سنة ٣٤١هـ/ سنة٩٥٢م، ولقد تضافرت عدة عوامل على نجاح جوهر الصقلي، ومن هذه العوامل الظروف التي كانت تمر بها مصر داخليًا وخارجيًا في أخريات أيام الحكم الإخشيدي، وكذلك ضعف الخلافة العباسية وعدم قدرتها على الدفاع عن مصر، يضاف إلى ذلك تلك الدعاية الفاطمية الذكية التي استخدمها المعز لدين الله الفاطمي  في مصر، وتهيئة الأذهان، والأعوان للمساعدة في تحقيق النجاح، وأخيرًا استقرار الأوضاع ببلاد المغرب، وذلك بفرض النفوذ  الفاطمي  في ربوعه مما أمَّن خلفية الجيش الفاطمي في انطلاقه صوب مصر.

وكان وجود كافور الإخشيدي في حكم مصر، وسياسة المراوغة التي اتبعها في معاملة الفاطميين حائلًا دون تحقيق أطماع الفاطميين في مصر حتى أن الشيعة في مصر كتبوا إلى المعز لدين الله الفاطمي قائلين له: "إن زال الحجر الأسود ملك مولانا المعز لدين الله الدنيا كلها" ويعنون بالحجر الأسود كافور الإخشيدي، وبموت كافور عمت الفوضى جنبات مصر، وساد الانشقاق والاضطراب صفوف الجنود المصريين المطالبين بأرزاقهم. [تاريخ مصر الإسلامية، ص١٧٨].

أعدَّ المعز لدين الله حملة كبيرة سنة٣٥٥هـ/٩٦٦م، بقيادة جوهر الصقلي وزَّودها بالأموال الكثيرة، وكانت في جملتها أربعة وعشرين مليون دينار وثلاثمائة ألف أنفقها أجمع على العساكر التي سيرها إلى مصر، ويقول ابن تغرى بردى: "إن الأموال لا تحصى عددًا؛ لكثرتها". [النجوم الزاهرة، ج٤، ص٣٧].

وأما الجيش  الفاطمي فقد بلغ تعداده مائة ألف مقاتل، ينتمون إلى قبائل متعددة، وقد خرجت هذه الحملة الضخمة من بلاد المغرب يوم السبت في الرابع عشر من شهر ربيع الأول سنة ٣٥٨هـ/٩٦٩م، ووصلت الإسكندرية، واستولت عليها، وحين وصلت أنباء الحملة إلى الفسطاط أرسل المصريون وفدًا على رأسه الشريف أبو جعفر مسلم الحسيني، وأبو إسماعيل الرسي؛ لمقابلة جوهر الصقلي، وتسليمه البلاد دون قتال بعد أن أخذ شروط الأمان، وقد رحب جوهر بهم، وتم عقد الشروط إلا أنه حدثت بعض المناوشات بالقرب من الجيزة غير أنها فشلت، وبذلك دخل جوهر الصقلي الفسطاط في شعبان سنة٣٥٨هـ/٩٦٩م، وهذا يعني إنهاء الحكم الإخشيدي في مصر.

بعض الملامح الحضارية

كانت السلطة العليا في الدولة الإخشيدية في يد الأمير مؤسس الدولة محمد بن طغج الإخشيد فلما مات تولى ابنه أنوجور السلطة ونظرًا؛ لصغر سنه، فقد تولى كافور الإخشيدي الوصاية عليه، والسيطرة على أمور البلاد حتى نهاية الدولة.

ويشير أحد المؤرخين إلى وجود معاونين للأمير يساعدونه في تصريف شئونه الخاصة، ومصالح دولته الواسعة، وانقسم هؤلاء الموظفون إلى قسمين: الأول موظفو البلاط والثاني موظفو الدولة.

 أما القسم الأول: فيرأسهم الحاجب الذي كان ينظم تعاملات الأمير، ومعه الخازن المشرف على الأموال الخاصة بالأمير، وبجانب ذلك الطبيب الخاص بالأمير، وأخيرًا حرسه الخاص الذي يقوم على حمايته، والقسم الثاني: موظفو الدولة وعلى رأسهم الوزراء الذين اتخذهم الإخشيديون معاونين لهم، فالوزير هو المسئول عن تصريف الأمور، ومعاونة حاكم البلاد، وشئون الحكم، ويشترك معه في الإدارة الكاتب الذي يُشرف على ديوان الإنشاء، وبالنسبة للشئون المالية، فالمشرف عليها هو عامل الخراج، وهو الموظف المكلف بجمع الأموال اللازمة للدولة عن طريق الخراج، والضرائب وغيرها، ويشترك مع عامل الخراج في الشئون المالية متولي دار الضرب، وهو المشرف على سك النقود، وأحيانًا يتولاها بعض القضاة، وهذه الوظيفة لها أهميتها من حيث ضبط عيار العملة، وحفظها من التزييف. [تاريخ مصر الإسلامية، ص١٨٠].

وبجانب هذه الفئة من الموظفين هناك صاحب الشرطة، ومهمته إقرار الأمن والنظام، يضاف إلى هؤلاء وظائف دينية لها خطورتها، ووضعها الخاص في المجتمع، وهي وظائف القضاء، والمظالم، والحسبة، وجميعها ترتبط بالدين وأحكامه؛ وذلك لتحقيق العدالة في المجتمع.

وفي الجانب الاقتصادي فقد ظل النشاط الزراعي طوال تاريخ مصر هو المحور الأساسي للحياة الاقتصادية، ومصدر الرزق للسواد الأعظم من أهل البلاد، ويشير أحد المؤرخين إلى أن الخراج وهو ضريبة الأرض شكل المورد الأساسي لخزينة الدولة.

وقد تنوعت الحاصلات الزراعية، ويأتي في مقدمتها الكتان، والخضراوات والفواكه.

أما الصناعة فقد اقتصرت على صناعة المنسوجات، وبعض الصناعات الخشبية والمعدنية، ومن ناحية أخرى فقد لعبت التجارة دورًا هامًا في اقتصاد مصر؛ نظرًا لموقع مصر المتميز.

وبصفة عامة فإن الحياة الاقتصادية في عهد الإخشيديين كانت مضطربة؛ بسبب بخل الإخشيد، وحرصه على جمع الأموال دون الإنفاق على المرافق العامة مع كثرة الضرائب، ومصادرة الأموال، كل هذا أدى إلى ضعف النشاط الاقتصادي. [المرجع السابق، ص١٨١].

وأما في المجال الثقافي فقد واصلت الحركة الثقافية التي ازدهرت في العهد الطولوني مسيرتها ونشاطها، ومن الثابت أن العصر الإخشيدي شهد نشاطًا كبيرًا في ميادين العلوم والآداب والفنون، وكان العلماء والأدباء يلقون تشجيعًا من الأمراء، وعلية القوم، وفي مجالس الأمراء كان يلتقي الفقهاء والأدباء فيسامرونهم، ويشجعونهم ماديًا وأدبيًا.

وكانت الدروس المختلفة تلقى في المساجد الكبيرة كمسجدي عمرو بن العاص وابن طولون، كما كانت هناك سوق الوراقين؛ لبيع الكتب فضلًا عن المناظرات التي كانت تعقد فيها، وهناك مجالس أخرى في بيوت الأمراء، ورجال الإدارة العليا، وكان الفقه، والحديث من أهم العلوم الدينية، ويشير أحد الباحثين إلى أن تنافسًا شديدًا كان بين أنصار المذهب الشافعي والمذهب المالكي.

وعلى رأس فقهاء الشافعية في ذلك العصر:

أبو بكر بن الحداد (ت٣٤٤هـ/٩٥٥م) الذي تولى القضاء للإخشيد، وكان يدرس بجامع عمرو بن العاص، واشتهر بسعة العلم في القرآن والحديث والفقه والنحو واللغة، أما فقهاء المالكية، فقد برز منهم في العصر الإخشيدي هارون بن محمد الأسواني (ت٣٢٧هـ/٩٣٨م) وعلي بن عبد الله بن أبي مطر الإسكندراني (ت٣٣٠هـ/٩٤١م) وغيرهما.

على أن النشاط الواسع الذي ظهر في مصر في عصر الإخشيديين إنما كان بوجه خاص في ميدان النحو والتاريخ، وممن بلغ القمة في علوم اللغة والنحو ابن ولاد أحمد وأبو جعفر النحاس، ومن مشاهير المؤرخين في العصر الإخشيدي: ابن يونس والكندي وابن زولاق وكذلك ابن البطريق (ت٣٢٨هـ/٩٣٩م)، كما أنه في هذه الفترة وَفَد على مصر المؤرخ المشهور المسعودي وأقام فيها نحو سنتين حتى وفاته سنة٣٤٦هـ/٩٥٧م.

وفي مجال الأدب في العصر الإخشيدي يلاحظ أن النثر كان أوفر حظًا من الشعر، وقد تزعم الأدباء في ميدان النثر في العصر الإخشيدي إبراهيم بن عبد الله بن محمد النجيرمي زعيم كتاب الإخشيديين، ويتصف أسلوبه بالميل إلى السجع والمزاوجة والإطناب في اللفظ، وتكرار المعنى، كما اشتهر من أدباء العصر الإخشيدي أبو بكر محمد المعروف بسيبويه المصري (٢٨٤هـ-٣٥٨هـ/ ٨٩٧م-٩٦٩م).

أما شعراء العصر الإخشيدي فمنهم: أحمد بن محمد القاسم بن أحمد الرسي ومحمد بن الحسن بن زكريا وغيرهم، ولكن شعرهم ليس فيه من المتانة، والعمق، وجمال التصوير ما يجعله على مستوى الشعر الممتاز، ويبقى أن نشير إلى مجيء المتنبي الشاعر المشهور إلى مصر، وقد مدح كافور، فلما لم يحقق هدفه من هذه الزيارة هجاه في قصيدة مشهورة.

الخلاصة

بعد سقوط الدولة الطولونية، عادت مصر إلى الحكم العباسي بولاة ضعفاء، أدوا إلى اضطرابات طويلة، وسيطرة الجند الأتراك، وفي هذا الجو المضطرب، أسس محمد بن طغج الإخشيد دولة قوية نسبيًا، وحافظ على الأمن والسيادة حتى وفاته، وعندما ضعفت الدولة، وتفككت استغل الفاطميون هذه الفرصة، وغزوا مصر بقيادة جوهر الصقلي سنة ٣٥٨هـ، ما مهد لبداية العصر الفاطمي، وتغيير مجرى التاريخ المصري.

موضوعات ذات صلة

 أول استقلال حقيقي لمصر عن الخلافة العباسية، مؤسسها أحمد بن طولون.

أسرة شيعية علوية إسماعيلية، أسست خلافة منافسة للعباسيين في شمال إفريقيا.

حركة فكريّة قوميّة تُنسب إلى هضبة "طوران" في آسيا الوسطى، حيث تعود أصول الشعوب التركية. 

موضوعات مختارة