دولة الأدارسة التي تأسست في المغرب الأقصى عام ١٧٢هـ/٧٨٩م على يد الإمام إدريس بن عبد الله، لعبت دورًا مهمًا في التاريخ الإسلامي، وكانت عاصمتها فاس، التي أصبحت مركزًا حضاريًا وثقافيًا بارزًا.
دولة الأدارسة التي تأسست في المغرب الأقصى عام ١٧٢هـ/٧٨٩م على يد الإمام إدريس بن عبد الله، لعبت دورًا مهمًا في التاريخ الإسلامي، وكانت عاصمتها فاس، التي أصبحت مركزًا حضاريًا وثقافيًا بارزًا.
شهدت منطقة المغرب الأقصى في ١٧٢هـ/ ٧٨٩م قيام دولة عَلَوية، وهي دولة الأدارسة نسبة إلى مؤسسها الإمام إدريس بن عبد الله، وكانت عاصمتها في بداية الأمر مدينة (وليلى) ثم صارت مدينة فاس التي بناها الأدارسة، تلك المدينة التي لعبت دورًا حضاريًا مهمًا منذ تأسيسها حتى يومنا الحاضر.
ومؤسس الدولة هو الإمام إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، ووالده هو: عبد الله بن الحسن، وكان عالمًا جليلًا وهو شيخ العلويين، ورئيسهم في زمانه.
أما أمه فهي: عاتكة بنت عبد الملك بن الحرث، وكانت من ربات الفصاحة والبلاغة، ينتهي نسبها إلى بني مخزوم، وقد نشأ إدريس مؤسس الدولة في المدينة المنورة في بيئة علمية، فدرس الفقه، وعلوم الشريعة منذ صغره.
والعَلَويون منذ مقتل الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - يرون أنهم أحق بالخلافة من الأمويين والعباسيين من بعدهم، ومن ثم حاولوا استردادها، واعتبروا ذلك واجبًا مقدسًا، وفي سبيل ذلك قاموا بالدعوة السرية، والثورات المسلحة، وبقيام الدولة العباسية سنة ١٣٢هـ/٧٥٠م اكتشف العَلَويون الخدعة الكبرى التي قام بها دعاة العباسيين تحت شعار الرضا لآل محمد.
وحين تولى أبو العباس عبد الله بن محمد١٣٢هـ منصب الخلافة العباسية نشط العلويون سرًا، وقاموا بعدة ثورات منها: ثورة النفس الزكية ١٤٥هـ/٧٦٢م ثم ثورة الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب المعروف بالحسين بن علي المثلث ١٦٩هـ /٧٨٦م في المدينة، واشترك فيها إدريس بن عبد الله. وقد نجح الثوار في القضاء على المقاومة العباسية في المدينة، وأعلنوا خلع طاعة الخليفة العباسي الهادي، ثم خرج الثوار إلى فخ وهي تبعد عن مكة بثلاثة أميال أملًا في الالتقاء بالقادمين للحج من أنصار البيت العلوي.
أرسل العباسيون جيشًا التقى بهؤلاء الثوار في منطقة (فخ) يوم التروية من ذي الحجة سنة ١٦٩هـ / ٧٨٦م، وكانت الهزيمة مصير الثوار العلويين، ومقتل قائدهم الحسين بن علي المثلث ومائة ونيف من أهل البيت والأتباع، أما إدريس بن عبد الله فقد اختفى في زحام موسم الحج حتى إذا انتهى الموسم، فر إلى مصر ومعه مولاه راشد، ومنها اتجه صوب المغرب الأقصى نجاة بحياته من بطش الخلافة العباسية، ونزل بمدينة (وليلى)، وهناك التقى بزعيم قبيلة أوربة إسحاق بن عبد الحميد الأوربي حيث عرَّفه بنفسه، وبما نزل به، وأُسرته.
وكان رد الفعل الترحيب به، ومبايعته هو وقبيلته أوربة تلك القبيلة التي كانت تفرض نفوذها، وسيطرتها على مدينة وليلى وما حولها، وكان ذلك ١٧٢هـ/ ٧٨٩م، ولم يكتف إسحاق بذلك، وإنما بعث برسله إلى القبائل الأخرى؛ لمبايعة إدريس بن عبد الله، وتمت المبايعة في رمضان ١٧٢هـ/ ٧٨٩م.
نجح الإمام إدريس في تجنيد أبناء قبيلة أوربة، وأبناء القبائل الأخرى من زَنَاتة، وصِنْهاجة، وهَوَّارة، وبذلك أمن الوجود؛ لدولته الناشئة.
والمتأمل في الأحداث السابقة يلمس إسراع البربر إلى مبايعة الإمام إدريس بن عبد الله، وذلك لعدة أسباب، منها: معرفة البربر بأحداث المشرق المتمثل في الصراع المرير بين الخلافة العباسية، والبيت العلوي ومقتل الكثير منهم، ومنها: تطلع قبائل البربر إلى زعامة دينية وسياسية تجمع قبائلهم في ظل دولة واحدة يضاف إلى ذلك عدة مميزات في شخصية إدريس باعتباره من آل البيت، وأول أفراده اللاجئين إلى المغرب الأقصى، فضلًا عن اتصافه بعدة صفات طيبة كالشجاعة والصبر والحلم والزهد، هذه العوامل وغيرها ساهمت بشكل كبير في قيام دولة الأدارسة بزعامة الإمام إدريس بن عبد الله.
بعد إتمام ١٧٢هـ/٧٨٩م دخلت دولة الأدارسة في مرحلة جديدة من مراحل حياتها، وهي مرحلة الانطلاق والتوسع حيث جهز الإمام إدريس جيشًا من أبناء القبائل انطلق به في عدة حملات عسكرية؛ لإخضاع بقية القبائل لدولته الجديدة، ونجح في بسط سيطرته على عدة مناطق، وآخر الحملات كانت في اتجاه الشرق حيث مدينة تلمسان، وإخضاعها لسلطانه.
موقف الخلافة العباسية من الأدارسة: أدرك الخليفة العباسي الرشيد خطورة قيام دولة الأدارسة باعتبار أن مؤسسها ينتمي إلى البيت العلوي، ومدى التفاف الناس حوله، كذلك نجاح الإمام إدريس في إخضاع مدينة تلمسان لسلطانه، وتطلعه إلى غزو بقية بلاد المغرب، والتهديد بالانطلاق صوب أراضي الخلافة العباسية، وكل هذا يشكل خطرًا كبيرًا على الوجود العباسي.
ولم تجد الخلافة العباسية وسيلة ناجعة للتخلص من هذا الخطر سوى اغتيال إدريس مؤسس الدولة، ومن ثم تم الاتفاق مع أحد الفصحاء المشهود لهم بالدهاء والإقدام وهو سليمان بن جرير المعروف بالشماخ على أداء هذه المهمة، وقد نجح الشماخ في مهمته بعد أن وضع السم للإمام إدريس في الطعام، وقضى عليه ثم كر راجعًا مسرعًا إلى المشرق؛ لينال مكافأته.
الدولة بعد اغتيال مؤسسها: جمع راشد مولى الإمام إدريس بن عبد الله زعماء القبائل، وشرح لهم الموقف، وخطورته، واقترح عليهم انتظار مولود لجارية الإمام إدريس بن عبد الله، وتدعى كنزة؛ وذلك لمبايعته خلفًا لوالده، وقام هو بإدارة شئون البلاد مع جماعة من زعماء القبائل حتى إذا وضعت الجارية مولودها، وكان ذكرًا، لقب بإدريس بن إدريس، بايعته القبائل خلفًا لوالده، ثم تمت مبايعته مرة أخرى ١٨٧هـ/ ٨٠٣م.
ومن ناحية أخرى أدركت الخلافة العباسية استمرار خطر الأدارسة المتمثل في راشد مولى إدريس الأكبر، وإشرافه على تربية إدريس بن إدريس، ومن ثم أوعزت إلى إبراهيم بن الأغلب أمير إفريقية والتابع للخلافة العباسية باغتيال راشد، ونجحت المؤامرة ١٨٦هـ - ٨٠٢م.
انتهج الإمام إدريس بن إدريس سياسة طيبة في إدارة الدولة سعيًا وراء توطيد أركان ملكه، وتثبيت دعائم حكمه، فاستمال زعماء القبائل ببذل الصلات، والأموال، وإقرار العدل، ونشره بين أفراد رعيته.
وقد أثمرت هذه السياسة في إقبال أعداد كبيرة من العرب من القيروان والأندلس؛ للإقامة في دولة الأدارسة، وهذه الوفود ساهمت بشكل كبير في نشر الثقافة الإسلامية، والحضارة العربية في ربوع البلاد، واتخذ الإمام إدريس بن إدريس منهم إدارته، وحاشيته، وعين منهم الوزراء، والقضاة، والكتاب، وبعد أن نجح الإمام إدريس بن إدريس في توطيد أركان ملكه خرج في عدة حملات عسكرية؛ لبسط سلطانه السياسي، ونفوذه على المناطق المحيطة بدولته.
لم يستمر الإمام إدريس بن إدريس في الحكم طويلًا؛ إذ توفي ٢١٣هـ/ ٨٢٨م وتعد فترة حكمه من أعظم فترات الحكم في دولة الأدارسة، إذ تم في عهده العديد من الإنجازات السياسية، والحضارية، أبرزها: بناء مدينة فاس العاصمة الجديدة لدولة الأدارسة، وقبيل وفاته عهد الإمام إدريس بن إدريس إلى ابنه محمد بالحكم في ٢١٣هـ /٨٢٨م.
بايع البربر الإمام محمد بن إدريس إمامًا للدولة خلفًا لوالده إدريس، وبانتهاء مراسم البيعة عمد الإمام محمد بن إدريس إلى تقسيم الدولة إلى عدة ولايات كل ولاية يحكمها أحد إخوته، وكان هذا العمل بمشورة جدته كنزة.
وهذا التقسيم يمكننا أن نطلق عليه نظام اللامركزية في الحكم حيث إن كل والٍ مستقل بإدارة عمله، وجباية الخراج، وإشهار الحرب، وإنما يمتاز الإمام بذكر اسمه في السكة، والخُطبة.
وكان عدد إخوته الذين شملهم التقسيم ثمانية، والهدف من هذا التقسيم إحكام السيطرة على مناطق الدولة المختلفة، إلا أن هذا التقسيم حمل في طياته بذور الخلاف، والتفكك والتصدع في كيان الدولة.
وبمعنى آخر كان هذا التقسيم مشجعًا لبعضهم على تحقيق أطماعه، ومن ثم نشبت عدة حروب بين الإخوة، ودخل أفراد الأسرة في عدة صراعات أدت بها في النهاية إلى سقوطها، وساعد على ذلك مجيء الفاطميين، واستيلاؤهم على المغربين الأدنى والأوسط ثم كانت ضرباتهم الأخيرة لدولة الأدارسة ٣٤٧هـ / ٩٥٨م؛ وبذلك أحكم الفاطميون سيطرتهم على المنطقة.
بعض المظاهر الحضارية:
إن من أبرز أعمال الأدارسة بالمغرب هو تأسيس مدينة جديدة لدولتهم وهي مدينة فاس١٩٢هـ/٨٠٨م ذلك العمل الهام الذي ارتبط باسمهم مع مر العصور، والذي خلد في التاريخ ذكراهم، ذلك العمل الفريد بين مدن المغرب، وبتأسيسها استطاع الأدارسة تدعيم سلطتهم في المغرب الأقصى؛ إذ كان لمدينة فاس آثار دينية، واقتصادية في البلاد افتقدتها المنطقة منذ انقضاء العصر الروماني.
وترمز مدينة فاس إلى الناحية الحضارية التي قامت عليها دولة الأدارسة، وذلك بالقياس لمثيلاتها من بعض المدن التي نشأت على أرض المغرب كمدينة تاهرت وغيرها، فما زالت مدينة فاس تحتفظ بدورها الحضاري منذ أن تأسست في عهد الأدارسة إلى الآن، وما زالت تحتفظ بلونها الحضاري الأصيل بعد أكثر من ألف عام، وكانت الثقافة التي سادتها، وانتشرت فيها هي الثقافة النابعة من الدين الإسلامي والتي تدور في فلك العقيدة الإسلامية.
لقد واجه الإمام إدريس بن عبد الله حين أقبل إلى المغرب الأقصى مجتمعًا تسوده النزعات الخارجية، والعقائد المضطربة، تلك العقائد التي اختلطت بالبدع والأباطيل، وأصبحت بمنأى عن تعاليم الإسلام الحنيف؛ لذلك اتخذ الأدارسة عدة خطوات، لتهيئة التربة الصالحة للعقيدة الإسلامية، وتثبيتها في نفوس أهل البلاد، ونشرها في الأماكن التي لم تكن وصلت إليها بعد ذلك، ومن هذه الخطوات: القيام بحركة جهاد مقدسة في أنحاء متفرقة من البلاد؛ وذلك للقضاء على الوثنية، والمذاهب الخارجية التي استشرى خطرها في البلاد.
كذلك عمد الأدارسة إلى تثبيت أركان الإسلام، وإرساء قواعده الصحيحة في البلاد بعد أن تعرض لكثير من الهزات، والارتداد من جانب البربر، كذلك ما قام به الأدارسة من دعوة القبائل المختلفة إلى الدخول في طاعتهم، وما ترتب على ذلك من معرفتهم بقواعد الإسلام الصحيح.
ومن ناحية أخرى لم تكن دولة الأدارسة دولة شيعية بالمفهوم الذي ظهرت فيه بعد ذلك الدولة الفاطمية، وإنما كانت دولة علوية حكامها من البيت العلوي، أما أحكامها وقوانينها، فهي على مذهب أهل السنة والجماعة وبخاصة المذهب المالكي، ذلك المذهب الذي كان له أثر كبير في توجيه النواحي الثقافية والاجتماعية، ليس في المغرب الأقصى مهد الأدارسة فقط بل في المغرب كله والأندلس في العصر الوسيط حيث انتشر من مدرسة القيروان، وتفشى في القسم الغربي من العالم الإسلامي ثم عبر إلى غرب إفريقية، حيث لا يزال إلى اليوم المذهب الغالب على المسلمين في هذه البلاد، والعامل الموجه لثقافتهم، وحضارتهم الاجتماعية.
وقد تضافرت عدة عوامل في تثبيت أركان مذهب الإمام مالك في دولة الأدارسة، منها: تشجيع الإدارة لهذا المذهب؛ وذلك نتيجة للتقارب الذي حدث بين الإمام مالك وبين محمد النفس الزكية الأخ الأكبر لإدريس بن عبد الله، كما أن الإدارة التي شكلها الإمام إدريس بن إدريس؛ لتساعده في إدارة البلاد من المالكية وبخاصة قاضيه عامر بن محمد بن سعيد القيسي من علماء المالكية، كذلك كانت الأحكام والفتاوى وغيرها من شئون القضاء تصدر وفقًا لأحكام المذهب المالكي، يضاف إلى ذلك التيار الذي ساد المغرب عامة منذ دخول المذهب المالكي، وذلك عن طريق الحُجَّاج، وطالبي العلم الأفارقة والعرب، وأخيرًا فإن الدولة الأموية بالأندلس، والمواجهة في أراضيها لدولة الأدارسة أخذت بالمذهب المالكي في أحكامها.
ومن ناحية أخرى فقد كان؛ لتشجيع الأدارسة وتأييدهم للثقافة العربية الأثر الواضح في انتشار اللغة العربية التي دونت بها هذه الدراسات، والتي كانت لغة تخاطب المهاجرين من العرب في إفريقية والأندلس، أما لغة البربر، وهي اللغة السائدة في المنطقة، فكانت لغة فقيرة، لا تكاد تعدو حياة البربر اليومية الضيقة إلى شيء وراءها من الثقافة والفكر.
وكانت جهود الأدارسة في نشر اللغة العربية واضحة في المجتمع؛ إذ أن مؤسس الدولة وأبناءه من بعده كانوا عربًا، كما اتخذ هؤلاء الأمراء إدارة عربية تمثل الحضارة العربية، ومثلت مدينة فاس العاصمة العربية مركزًا حضاريًا عربيًا وإسلاميًا، يضاف إلى ذلك تلك الهجرات العربية القادمة من القيروان والأندلس، كل ذلك ساهم بشكل كبير في تعريب البلاد، ونشر اللغة العربية.
قامت الدولة الإدريسية في المغرب الأقصى عام ١٧٢هـ/ ٧٨٩م على يد الإمام إدريس بن عبد الله، الذي فرَّ إلى المنطقة بعد مشاركته في ثورة فخ ضد العباسيين، ولعبت شخصيته، وقبول البربر له دورًا حاسمًا في تأسيس الدولة، وشهدت الدولة توسعًا كبيرًا، لكنها انهارت لاحقًا؛ بسبب صراعات داخلية بين أبناء المؤسس الثاني إدريس بن إدريس، مما أدى إلى سقوطها على يد الفاطميين.
حركة إصلاحية دينية وسياسية نشأت في القرن التاسع عشر على يد محمد بن علي السنوسي.
فترة حاسمة في تاريخ المغرب الأقصى، وقد بزغت في القرن الخامس عشر الميلادي.
دولة حملت على عاتقها لواء الدفاع عن الأندلس والحفاظ على وحدة المغرب الأقصى.