وأمام
هذه الانتصارات الكبرى التي أحرزها الاتجاه الشيعي الإسماعيلي، أرسل ابن حوشب
الذي لقبه الإسماعيلية في هذه الآونة -منصور اليمن- إلى عبيد الله المهدي الإمام
المستور في سَلَمية بالشام يخبره بأن بلاد اليمن أصبحت مستعدة، ومهيئة؛
لاستقباله لإقامة دولة المهدي فيها، وكانت المخاطر في ذلك الوقت كثيرة تحيط بالمهدي
من كل جانب في سلمية، والعباسيون يجِدُّون في طلبه، وبات محتمًا عليه أن يرحل
عن الشام.
وفي نفس
الوقت، كانت الدعوة الإسماعيلية في بلاد المغرب تلاقي نجاحًا كبيرًا، حيث نجح أبو
عبد الله الداعي في القضاء على مجموعة الدول الإقليمية في بلاد المغرب، ويلح
هو الآخر في استدعاء المهدي إلى بلاد المغرب، حيث القوة والأمن والأمان.
كان
على عبيد الله المهدي أن يختار بين اليمن، أو بلاد المغرب؛ لإقامة دولته، والذي
يبدو أن عبيد الله المهدي فضل بلاد المغرب على اليمن، وأنه أظهر أنه يريد اليمن
عند خروجه سرًا من سَلَمية.
إن بلاد
المغرب كانت أكثر أمانًا؛ لإقامة الدولة الإسماعيلية بها، فأبو عبد الله الداعي
قضى على الأغالبة ممثلي الخلافة العباسية في بلاد المغرب، ولم يكتف بذلك، بل قضى
أيضًا على الدولة الرستمية الأباضية الخارجية سنة (٢٩٦هـ/ ٩٠٨م)، واستولى
على دولة الخوارج الصفرية في سجلماسة، وضم إليه دولة الأدارسة
العلوية، وعاصمتها فاس.
يضاف
إلى ذلك أن بلاد المغرب كانت بعيدة عن مركز الخلافة العباسية في بغداد، كما
أن بلاد الأندلس كانت مقرًا للدولة الأموية الثانية، وهؤلاء بينهم
وبين العباسيين عداء متأصل، وعلى ذلك فليست هناك أية قوة محلية يمكن أن تتعاون مع العباسيين
ضد الإسماعيلية هناك، وتسمح بالقيام بأدنى حد من المقاومة ضد هذه الدعوة الجديدة
الوافدة إلى بلاد المغرب.
أما
بلاد اليمن، فعلى الرغم من النجاحات الكبيرة التي حققها ابن حوشب وعلي
بن الفضل في ضم أجزاء كبيرة من اليمن إليهما إلا أن عبيد الله المهدي
كان يرى أن بلاد اليمن قريبة من بغداد، وأن العباسيين يبسطون نفوذهم على الجزيرة
العربية، ولهم ممثلون شرعيون، يحكمون أجزاء كبيرة من بلاد اليمن، ويمثلون في نفس
الوقت الاتجاه السُني القوي الذي يعتنقه الغالبية العظمى من أهل اليمن، وهم بنو
زياد في عاصمتهم زبيد في تهامة، وآل يعفر الحواليين في عاصمتهم
صنعاء، وهؤلاء يمكن بسهولة أن يتعاونوا مع العباسيين؛ للقضاء على دولة عبيد
الله المهدي إن هو حاول إقامتها في اليمن.
يضاف
إلى ذلك السبب أن عبيد الله المهدي عمد إلى تحقيق رغبته في إقامة دولته
بالمغرب، والذي كان قد قال حين بلغه نجاح ابن حوشب وعلي بن الفضل في
نشر الدعوة إلى المهدي في اليمن: هذه دولتك قد قامت، لكن لا أحب ظهورها إلا
من المغرب.
وهذا
يؤكد وجهة النظر السابقة، والتي تشير إلى أن زعماء الحركة الإسماعيلية في سلمية
كانوا يفضلون بلاد المغرب على اليمن للأسباب التي ذكرناها.
وليس
هناك من أدلة صحيحة حول ما ذكره البعض من أن عبيد الله المهدي توجه إلى
بلاد المغرب، وعدل عن إقامة دولته في اليمن، بسبب ما بلغه عن انحراف علي بن
الفضل عن الدعوة الإسماعيلية، وإساءته السيرة في بلاد اليمن، وذلك؛ لأن خروج علي
بن الفضل، ومناهضته للدعوة الإسماعيلية، كان بعد وصول عبيد الله المهدى
إلى بلاد المغرب، واستقراره هناك.
وجد
علي بن الفضل في اتجاه عبيد الله المهدي إلى بلاد المغرب فرصة كبيرة؛ للاستقلال
بملك اليمن، والسيطرة عليه، وعاونه في ذلك أحد الدعاة المنشقين على عبيد الله
المهدي، ويسمى فيروز، وكان هو أيضًا قد سجل اعتراضه على ذهاب المهدي
إلى المغرب، وتخلف عن السير معه، ومضى إلى اليمن؛ ليجد بغيته هناك مع علي بن
الفضل، بينما فطن ابن حوشب إلى موقف فيروز عن طريق رسالة أرسلها
عبيد الله المهدي إلى ابن حوشب أوضح له فيها موقف الداعي فيروز،
وعصيانه له، وكان لهذه الرسالة الأخيرة أثرها الكبير في مسارعة علي بن الفضل
إلى إعلانه خلع طاعة عبيد الله المهدى الخليفة الفاطمي في بلاد المغرب.