Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الإسماعيلية في اليمن (دولة)

الكاتب

أ.د/ محمد عيسى الحريري

الإسماعيلية في اليمن (دولة)

شهدت اليمن في القرن الثالث الهجري نشاطًا بارزًا للدعوة الإسماعيلية بقيادة الداعيين: ابن حوشب، وعلي بن الفضل، الذين نجحا في إقامة دولةٌ إسماعيلية، وقد تميزت هذه الفترة بالصراعات الدامية بين الدعاة أنفسهم، مما أدى في النهاية إلى أُفول نجم الحركة، ومقتل قادتها.

نشاط الدعوة الإسماعيلية في القرن الثالث الهجري

شهدت بلاد اليمن خلال النصف الثاني من القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي نشاطًاً ملحوظًا للدعوة الإسماعيلية، تلك الدعوة التي تنسب إلى إسماعيل بن جعفر الصادق المتوفى سنة (١٤٥ هـ / ٧٦٢م)، وكان نشاط هذه الدعوة على يد الداعيين الإسماعيليين أبي القاسم رستم بن الحسين بن حوشب، وعلي بن الفضل اليماني، حيث التقى الاثنان بالإمام الإسماعيلي المستور الحسين بن أحمد في الكوفة، وكلفهما بنشر المذهب الإسماعيلي في اليمن، وبعد مرحلة من التلقي لتعاليم الدعوة، وأسرارها، ذهبا إلى اليمن في سنة (٢٦٨ هـ / ٨٨١م)، وتذكر بعض المصادر اليمنية أنهما اتصلا بميمون القدَّاح، وليس بالإمام المستور الحسين بن أحمد.

فإذا علمنا أن ميمون القداح كان حجة للإمام الحسين بن أحمد أمكننا التوفيق بين هذه الروايات، فلا يصبح هناك تناقض بينهما، فلعل ابن حوشب، وعلي بن الفضل بعد صدور التكليف إليهما من الإمام المستور الحسين بن أحمد، قد جلسا إلى ميمون القداح حجة الإمام، وفيلسوف الدعوة؛ ليحفظا عنه أسراره، وطرق تلقينها للمستجيبين إليهم من أهل اليمن، وواضح من المستوى الفكري الذى بلغه ابن حوشب، أنه خضع لتدريب كبير، وتلقن الكثير من أسرار الدعوة، ودقائق مذهبها، وقد أَهَّله هذا المستوى الفكري الرفيع في مجالات الدعوة إلى أن يؤسس في اليمن مدرسة للدعاة، وتتلمذ فيها أبو عبد الله الشيعي، الذى قام بنشر المذهب الإسماعيلي في بلاد المغرب، يدل على ذلك ما ذكر في "عيون الأخبار"، من أن الإمام في سَلَمية أرسل أبا عبد الله الشيعي إلى اليمن، وأمره أن يحذو حذو ابن حوشب، ويتبع سيرته، ويأتمر بأمره في جميع أحواله، اتجه ابن حوشب بعد وصوله إلى اليمن إلى "عدن لاعة"، التي كانت تضم أعداداً كبيرة من الشيعة فبايعوه، وأخذ عليهم العهد بمناصرته، وكانوا خمسمائة رجل، قَوِيَ بهم أمرُه، وابتنى بما جمعه منهم من زكاة، وصدقات، حصنًا كبيرًا في موضع بجبل لاعة، يقال له (عبر محرم).

اتساع نفوذ ابن حوشب، وعلي بن الفضل

اتسع نفوذ ابن حوشب، ونجح في ضم جهات كثيرة من اليمن في غرب صنعاء إليه، فاستولى على جبل الحميمة، ورأس مسور، وبلاد عيبان، وبني شاور، وحملان، وفاذر، وشِبَام حمير، وجبل كوكبان، ودورم، وما زال يحوز المعاقل، ويملك مدن اليمن الجلائل، وأقبل الناس إليه طوعَا وكرهًا ... وقويت في أرض اليمن دعوته، وعلت كلمته، ولم يكتف ابن حوشب بذلك، بل جعل من اليمن -كما ذكرنا- مدرسة كبرى؛ لتدريب الدعاة، وتوجيههم إلى جهات العالم الإسلامي ينشرون في أنحائه المذهب الإسماعيلي، فأرسل داعيًا يعرف بالهيثم إلى بلاد السند، وأرسل إلى مصر الداعي أبا القاسم محمد بن عبد الله بن العباس، وبعث إلى بلاد المغرب أبا عبد الله الداعي الشيعي.

أما علي بن الفضل، فنزل "سرو يافع"، وهناك أظهر التنسك، وتظاهر بكثرة العبادة حتى افتتن به الناس، وقلدوه أمرهم، وجعلوا حكمهم إليه، فسألوه أن ينزل من ذلك الجبل، ويسكن بينهم فقال: "لا أفعل هذا ولست أسكن بين قوم جهال ضلال إلا أن يعطوني العهود والمواثيق ألا يشربوا الخمر، ففعلوا له ذلك، وأنهم ينكرون المنكر، وينكرون على أهل المعاصي بأجمعهم، فلم يزل يخدعهم حتى بلغ إلى إرادته، وأمرهم ببناء حصن في ناحية سرو يافع، فأطاعوه، وسمعوا لأمره".

قدر للحركة الإسماعيلية أن تزدهر، وتنشط، فلاقى علي بن الفضل كثيرًا من النجاح على خصومه السنيين آل يعفر الحواليين في صنعاء، فاستولى عليها، وضمها إلى مناطق نفوذه سنة (٢٩٧ هـ / ٩٠٩م)، وأضاف إليها جهات أخرى تابعة لبني زياد، امتد إليها سلطانه كالمهجم، والكدراء، وزبيد.

كما أحرز انتصارات أخرى عديدة على الزيدية الذين حاولوا بقيادة الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين -مؤسس دولة الأئمة الزيدية في اليمن- زحزحته دون جدوى عن صنعاء، ولكنه تمكن من التصدي لهم.

واتخذ علي بن الفضل من مدينة "المديخرة" التي كانت تقع على المرتفعات العليا المطلة على وادي زبيد عاصمة للدولة الإسماعيلية الوليدة.

إقامة دولة الإسماعيلية

وأمام هذه الانتصارات الكبرى التي أحرزها الاتجاه الشيعي الإسماعيلي، أرسل ابن حوشب الذي لقبه الإسماعيلية في هذه الآونة -منصور اليمن- إلى عبيد الله المهدي الإمام المستور في سَلَمية بالشام يخبره بأن بلاد اليمن أصبحت مستعدة، ومهيئة؛ لاستقباله لإقامة دولة المهدي فيها، وكانت المخاطر في ذلك الوقت كثيرة تحيط بالمهدي من كل جانب في سلمية، والعباسيون يجِدُّون في طلبه، وبات محتمًا عليه أن يرحل عن الشام.

وفي نفس الوقت، كانت الدعوة الإسماعيلية في بلاد المغرب تلاقي نجاحًا كبيرًا، حيث نجح أبو عبد الله الداعي في القضاء على مجموعة الدول الإقليمية في بلاد المغرب، ويلح هو الآخر في استدعاء المهدي إلى بلاد المغرب، حيث القوة والأمن والأمان.

كان على عبيد الله المهدي أن يختار بين اليمن، أو بلاد المغرب؛ لإقامة دولته، والذي يبدو أن عبيد الله المهدي فضل بلاد المغرب على اليمن، وأنه أظهر أنه يريد اليمن عند خروجه سرًا من سَلَمية.

إن بلاد المغرب كانت أكثر أمانًا؛ لإقامة الدولة الإسماعيلية بها، فأبو عبد الله الداعي قضى على الأغالبة ممثلي الخلافة العباسية في بلاد المغرب، ولم يكتف بذلك، بل قضى أيضًا على الدولة الرستمية الأباضية الخارجية سنة (٢٩٦هـ/ ٩٠٨م)، واستولى على دولة الخوارج الصفرية في سجلماسة، وضم إليه دولة الأدارسة العلوية، وعاصمتها فاس.

يضاف إلى ذلك أن بلاد المغرب كانت بعيدة عن مركز الخلافة العباسية في بغداد، كما أن بلاد الأندلس كانت مقرًا للدولة الأموية الثانية، وهؤلاء بينهم وبين العباسيين عداء متأصل، وعلى ذلك فليست هناك أية قوة محلية يمكن أن تتعاون مع العباسيين ضد الإسماعيلية هناك، وتسمح بالقيام بأدنى حد من المقاومة ضد هذه الدعوة الجديدة الوافدة إلى بلاد المغرب.

أما بلاد اليمن، فعلى الرغم من النجاحات الكبيرة التي حققها ابن حوشب وعلي بن الفضل في ضم أجزاء كبيرة من اليمن إليهما إلا أن عبيد الله المهدي كان يرى أن بلاد اليمن قريبة من بغداد، وأن العباسيين يبسطون نفوذهم على الجزيرة العربية، ولهم ممثلون شرعيون، يحكمون أجزاء كبيرة من بلاد اليمن، ويمثلون في نفس الوقت الاتجاه السُني القوي الذي يعتنقه الغالبية العظمى من أهل اليمن، وهم بنو زياد في عاصمتهم زبيد في تهامة، وآل يعفر الحواليين في عاصمتهم صنعاء، وهؤلاء يمكن بسهولة أن يتعاونوا مع العباسيين؛ للقضاء على دولة عبيد الله المهدي إن هو حاول إقامتها في اليمن.

يضاف إلى ذلك السبب أن عبيد الله المهدي عمد إلى تحقيق رغبته في إقامة دولته بالمغرب، والذي كان قد قال حين بلغه نجاح ابن حوشب وعلي بن الفضل في نشر الدعوة إلى المهدي في اليمن: هذه دولتك قد قامت، لكن لا أحب ظهورها إلا من المغرب.

وهذا يؤكد وجهة النظر السابقة، والتي تشير إلى أن زعماء الحركة الإسماعيلية في سلمية كانوا يفضلون بلاد المغرب على اليمن للأسباب التي ذكرناها.

وليس هناك من أدلة صحيحة حول ما ذكره البعض من أن عبيد الله المهدي توجه إلى بلاد المغرب، وعدل عن إقامة دولته في اليمن، بسبب ما بلغه عن انحراف علي بن الفضل عن الدعوة الإسماعيلية، وإساءته السيرة في بلاد اليمن، وذلك؛ لأن خروج علي بن الفضل، ومناهضته للدعوة الإسماعيلية، كان بعد وصول عبيد الله المهدى إلى بلاد المغرب، واستقراره هناك.

وجد علي بن الفضل في اتجاه عبيد الله المهدي إلى بلاد المغرب فرصة كبيرة؛ للاستقلال بملك اليمن، والسيطرة عليه، وعاونه في ذلك أحد الدعاة المنشقين على عبيد الله المهدي، ويسمى فيروز، وكان هو أيضًا قد سجل اعتراضه على ذهاب المهدي إلى المغرب، وتخلف عن السير معه، ومضى إلى اليمن؛ ليجد بغيته هناك مع علي بن الفضل، بينما فطن ابن حوشب إلى موقف فيروز عن طريق رسالة أرسلها عبيد الله المهدي إلى ابن حوشب أوضح له فيها موقف الداعي فيروز، وعصيانه له، وكان لهذه الرسالة الأخيرة أثرها الكبير في مسارعة علي بن الفضل إلى إعلانه خلع طاعة عبيد الله المهدى الخليفة الفاطمي في بلاد المغرب.

الصراع الدموي بين دعاة الإسماعيلية في اليمن

على أثر هذه التطورات الأخيرة تردي دعاة الدعوة الإسماعيلية في اليمن في صراع دموي عنيف، فقد حاول ابن حوشب أن يعيد علي بن الفضل إلى صفوف الدعوة، وإلى سابق طاعته للإمام المهدي، فكتب إليه يعاتبه، ويقول له: "كيف تخلع من لم تنل خيرًا إلا به، وبركة الدعاء إليه، أما تذكر ما بينك وبينه من عهود، وما أخذ علينا جميعًا من الوصية على الاتفاق وعدم الافتراق"؟

فرد عليه ابن الفضل رافضًا ذلك منه وقال له: "إن لي بأبي سعيد الجنابي أسوة؛ إذ قد دعا إلى نفسه، وأنت (ابن حوشب) إذا لم تنزل إلى طاعتي، وتدخل بإجابتي نابذتك الحرب".

وتذكر روايات المؤرخين أن ابن الفضل جهز جيشًا من عشرة آلاف رجل من بين الرجال المعدودين في جيشه حاصر بهم ابن حوشب في جبل فائش -بالقرب من جبل مسور- ثمانية أشهر، ولم يفك الحصار عنه إلا بعد أن قدم ابن حوشب ولدًا من أولاده؛ ليكون رهينة عند علي بن الفضل دلالة على خضوعه، واستكانته، كان ذلك في سنة (٢٩٩هـ/ ٩١١م).

وهناك العديد من الروايات التاريخية التي تشير إلى انحرافات ابن الفضل، ومنها: ما ذكره الداعي الإسماعيلي المطلق إدريس عماد الدين القرشي في كتابه "عيون الأخبار" -في السبع الخامس- عن ابن الفضل، وأنه فارق الدعوة، وخرج من الملة، وباين المتوجهين إلى القبلة، وادعى النبوة، وافترى على الله، وعلى أوليائه، مقتديًا بالمضلين من قبله، فكانوا له شر أسوة، واستمال الجهال والرعاع، فكانوا له من الأنصار والأتباع، فارتكب المحارم، وأتى بالعظائم، ومال إلى الإباحات، وترك الأعمال الصالحات، وكفر بعد إيمانه، وباء بلعنة الله بكفره، وعدوانه، مقتديًا بالمغيرة، وأبي الخطاب.

أفول الحركة الإسماعيلية

ولذلك شهدت نهاية القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي، والسنوات الأولى من القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي أفول نجم الحركة الإسماعيلية بشقيها الإسماعيلي، والقرمطي، وانطوائها في دور جديد من أدوار الستر التي كانت تلجأ إليها كلما كانت الأمور حولها تجرى في غير صالحها.

ذلك أن القوى السياسية والشعبية في اليمن وجهت همتها نحو التخلص من علي بن الفضل، فتمكن أسعد بن أبي يعفر الحوالي من تجنيد أحد الأشراف الذي كان قد قدم من بغداد، وكان طبيبًا حاذقًا للطب، وصناعة الدواء، فتسلل إلى المذيخرة عاصمة ابن الفضل، وذاعت شهرته هناك، فاستدعاه علي بن الفضل؛ ليفصده، ففصده بمبضع مسموم، فقتله السم في الحال، وكان ذلك في سنة (٣٠٣هـ/ ٩١٥م) وهرب هذا الشريف، ولكن أعوان ابن الفضل أدركوه، وقتلوه، وعلى أثر ذلك عمت الفرحة أرجاء اليمن، ابتهاجًا بتخليصهم من جور ابن الفضل، وتطرفه، وأقام أهل اليمن مسجدًا في وادي السحول في الموضع الذي دفن فيه الشريف البغدادي، وكانوا يزورون هذا المسجد، ويتبركون به.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل عمد اليعفريون، يعاونهم أهل اليمن من صنعاء، والجند والمعافرة إلى التخلص من أعوان علي بن الفضل، وبقاياه، وكانت هناك رغبة أكيدة في استئصالهم من الحياة اليمنية التي رأوا أنهم دنسوها بأفكارهم، ومعتقداتهم الخبيثة، فحاصر أسعد ومن معه مدينة المذيخرة عامًا كاملًا، هدم خلاله أكثر دور المدينة بالمنجنيقات، وفي النهاية سقطت المدينة، وقتل أسعد فيها ابنًا لعلي ابن الفضل يدعى الفأفاء، وقتل خواص علي بن الفضل وأهله، ومن دخل في مذهبه، وسبى بناته.

وطوى اليعفريون، وأهل اليمن بذلك صفحة الدولة الإسماعيلية الأولى في اليمن التي لم تجد بدًا من الانتقال من جديد إلى مرحلة الستر حيث كان ابن حوشب قد توفي هو الآخر قبل ذلك بعامٍ واحد في سنة (٣٠٢ هـ /٩١٤م) بعد أن سلم مقاليد الدعوة إلى الداعي عبد الله بن العباس الشاوري؛ ليمضي بها في دور جديد من أدوار التقية والتستر.

الخلاصة

نشطت الدعوة الإسماعيلية في اليمن في القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي حيث جاء دعاة الإسماعيلية أبو القاسم رستم بن الحسين بن حوشب، وعلي بن الفضل اليماني إلى اليمن؛ لنشر المذهب الإسماعيلي، وقد نجح ابن حوشب في ضم جهات كثيرة من اليمن إليه، وبناء حصون وتأسيس مدرسة؛ لتدريب الدعاة، وانضم أبو عبد الله الشيعي لتلاميذ ابن حوشب، والذي قام بنشر المذهب الإسماعيلي في بلاد المغرب، وقد انحرف علي بن الفضل عن الدعوة الإسماعيلية، وادَّعى النبوة، وسلك مسلك الإباحات، وفي النهاية وقع صراع دموي بين ابن حوشب، وعلي بن الفضل انتهى بمقتل ابن الفضل على يد طبيب شريف من بغداد.

موضوعات ذات صلة

قامت دولة آل يَعْفِر الحواليين في صنعاء.

ظهرت بعد ضعف الدولة السلجوقية وبرزت في الشام والعراق.

هي إحدى فرق الشيعة التي ظهرت في القرن الثاني الهجري.

موضوعات مختارة