جبل طارق هو نقطة استراتيجية هامة تربط بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، ويشكل محورًا تاريخيًّا مهمًّا في العلاقات بين أوروبا وأفريقيا، وتظل السيادة على هذا الموقع موضوعًا للنزاع المستمر بين بريطانيا وإسبانيا.
جبل طارق هو نقطة استراتيجية هامة تربط بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، ويشكل محورًا تاريخيًّا مهمًّا في العلاقات بين أوروبا وأفريقيا، وتظل السيادة على هذا الموقع موضوعًا للنزاع المستمر بين بريطانيا وإسبانيا.
جبل طارق هو كتلة صخرية طولها ستة كيلو مترات وعرضها كيلو متران، وهو يفصل بين المغرب والأندلس (إسبانيا الحالية والبرتغال)، ويرى سكان مدينة سبتة المغربية، وهم في بيوتهم، قمة هذا الجبل.
ويبلغ علو جبل طارق عن سطح البحر ٤٢٥ مترًا، وكان جبل طارق يُعرف قبل الفتح الإسلامي لشبه جزيرة أيبيريا، بصخرة كالبي أو جبل كالبي Mons Calpe [حسين مؤنس: معالم تاريخ المغرب والأندلس، القاهرة ١٩٩٢، ص٢٦٩].
وكان هذا الجبل مهجورًا حتى أواخر القرن الأول الهجري (السابع الميلادي) عندما نزل فيه طارق بن زياد الليثي [كان طارق مولى للوالي على المغرب موسى بن نصير من قبل الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك، وقيل: إنه من سبي البربر، وقيل أيضًا: إنه بربري من بطون قبيلة نفزة (محمد عبد الله عنان: دولة الإسلام في الأندلس، ج١، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة ١٩٦٩، ص ٤٠٢] عام ٩٢ هجرية / ٧١١م، وقال مقولته الشهيرة لجنوده: "البحر أمامكم والعدو خلفكم"، وكان يومئذ حاكمًا لطنجة [عبر طارق بن زياد سبتة بجيشه تباعًا في سفن يوليان ونزل بالبقعة الصخرية المقابلة التي مازالت تحمل اسمه إلى اليوم، أعني جبل طارق، وذلك في يوم الاثنين، الخامس من شهر رجب، عام ٩٢ هجرية (٢٧ أبريل ٧١١م) واخترق المنطقة المجاورة غربًا، وزحف على ولاية الجزيرة واحتل قلاعها (عنان: دولة الإسلام في الأندلس، ج١، ص٤١] وكان خروج طارق في جيش بلغ تعداده سبعة آلاف مقاتل.
ولقد تَسَمًّى هذا الجبل مع جبل (أتيلا) المقابل له في الساحل الأفريقي (بأعمدة هرقل)، وكان الأقدمون يعتبرونهما نهاية العالم من الغرب، ويجاريهم في ذلك بعض الجغرافيين المسلمين فيُسمُّون ما وراء جبل طارق من مياه المحيط (ببحر الظلمات) ويعتبرونه منطقة غامضة لا نهاية لها [عنان: نفس المرجع، ج٨، القاهرة ٢٠٠١، ص ٢٨٤].
وقد لعب جبل طارق في تاريخ الأندلس دورًا عظيمًا، وكان دائمًا معبر الجيوش الإسلامية من المغرب إلى شبه جزيرة أيبيريا، وكان يعتبر مفتاحها من الجنوب، ولم يكن جبل طارق أيام الدولة الإسلامية سوي قاعدة عسكرية برية وبحرية، وقد أنشأ بها المسلمون، منذ عصر الفتح، حصنًا عظيمًا فوق سطح الصخرة الأوسط من ناحيتها الشمالية الغربية وأسوارًا ضخمة كانت تسمى أسوار العرب.
ولقد تصحف اسم جبل طارق في اللغات الأوربية حيث يسمي بجبلطار Gibraltar في الإنجليزية والفرنسية وبالإسبانية.
ولقد نسب المضيق الذي يفصل بين شبه جزيرة أيبيريا شمالًا وشمال أفريقيا جنوبًا، ويصل بين مياه البحر المتوسط ومياه المحيط الأطلسي إلى جبل طارق، وكانت (بحر الزقاق) تسميته العربية القديمة [مؤلف مجهول: كتاب أخبار مجموعة في فتح الأندلس وذكر أمرائها، تحقيق خوليان ريبيرا، مدريد ١٩٩٣، ص ٦].
ويحد المدخل الغربي للمضيق كل من رأس سبارتيل المغربية، ورأس الطرف الأغر الإسبانية، ويشرف على المضيق كل من المغرب وإسبانيا ومنطقة الحكم الذاتي (جبل الطارق) البريطانية، ويبلغ عمق مياه المضيق حوا لي ٣٠٠ مترًا، وأقصر مسافة بين ضفتيه هي ١٤ كيلومترًا، ويعتبر من أهم المعابر البحرية في العالم.
ومن المسائل الهامة التي نلاحظها في كتابات القدامى والمُحدَثين عن تاريخ المغرب والأندلس هي مسألة عبور جيوش المسلمين من المغرب إلى إسبانيا؛ إذ يفهم من كلامهم أن الجيوش الإسلامية التي بعث بها الوالي الأموي على أفريقيا موسى بن نُصَير، إلى الأندلس، سواء بقيادة (طَرِيف بن مالك) أو (طارق بن زياد)، كانت جيوشًا بريَّة فقط، وأن ابن نصير اعتمد في نقلها عبر المضيق إما على مراكب الكونت يوليان، وإما علي مراكب تجار الروم التي كانت تختلف إلى الأندلس [ابن عذاري: البيان المغرب في أخبار المغرب، ج٢، نشر دوزي، ليدن ١٨٥٠، ص ٨]، وأن الكونت يوليان هو الذي تولى عملية نقلها في كلتا الحالتين.
والرأي الصائب هو: أن موسى بن نصير اعتمد في فتح إسبانيا على أسطوله العربي الذي كان تحت قيادته على طول الساحل المغربي، والذي قام بنقل سبعة آلاف محارب عدا الخيل والعتاد [المقري: نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، بولاق ١٨٦٢، ج١، ص ٢٣٨]، وتدل على ذلك العبارة التي أوردها (ابن الكردبوس) [ابن الكردبوس: كتاب الاكتفاء في أخبار الخلفاء، نشر أحمد مختار العبادي، مجلة المعهد المصري للدراسات الإسلامية، مدريد ١٩٦٥، ص ١٢]:"ومضى طارق لسبتة، وجاز في مراكبه إلى الجبل فأرسى فيه، فسُمّي جبل طارق باسمه إلى الآن".
ومن الملاحظات الهامة التي نأخذها على الرواية الإسلامية بصفة عامة، أنها لم تهتم بوصف عمليات نزول المسلمين بقيادة طارق بن زياد على الساحل الإسباني، فقد أجمع معظمها، وفي اختصار شديد، على أن طارقًا قد حط في الجبل المنسوب إليه دون أن يلقى مقاومة تذكر، وهذه الرواية تحتاج إلى شيء من التفكير؛ لأن هذا الجبل الذي نسب إلى طارق كان يمثل موقعًا استراتيجيًا هامًا منذ أقدم العصور إلى يومنا هذا فهو، فضلًا عن كونه همزة الوصل بين عدوتي المغرب والأندلس، فهو المتحكم في مضيق المجاز ضد أي عدوان على إسبانيا من هذه الناحية الجنوبية [أحمد مختار العبَّادي: في تاريخ المغرب والأندلس، الإسكندرية ١٩٦٨، ص ٦٠، ٦١].
ولقد أدرك الفينيقيون من قديم أهمية هذا الموقع حينما احتلوا شواطئ عدوتي المغرب والأندلس فأقاموا على هذا الجبل أبراجًا للمراقبة، ولم يسمحوا لأي دولة أخرى مشاركتهم في استغلال تلك المناطق الغربية، وحددوا الساحل الشرقي الإسباني كأقصى حد يمكن الوصول إليه، ولم يترددوا في إغراق كل سفينة تحاول عبور المضيق" [Bathide Larsonneur: Historie de Gibraltar, p. Seybold: History of Gibraltar, Ency. Of Islam, I, p. ١٢٠.].
وقد تداول حكم إسبانيا بعد الفينيقيين أبناؤهم القرطاجنيون، ثم بعد ذلك الرومان، ثم القوط؛ فحرصوا جميعًا على بسط سيطرتهم على مضيق المجاز واتخذوا من جبل طارق قاعدة حربية لهذا الغرض.
ولقد ورد نص تاريخي لابن كردبوس يصف فيه عمليات نزول المسلمين بقيادة طارق بن زياد عند سفح جبل طارق، والمقاومة التي أبداها العدو؛ ليحول دون نزول المسلمين هناك، ثم حركة الالتفاف البارعة التي قام بها طارق وجنوده أثناء الليل حول العدو المرابط في الجبل، والانقضاض عليه فجأة وإبادته عن آخره، ولا شك في أن هذا الانتصار الأول الذي أحرزه طارق عند نزوله قد مكنه من احتلال هذا الجبل الذي حمل اسمه بعد ذلك عن جدارة واستحقاق.
ولقد كان المُوَحِّدون [حكمت دولة الموحدين بلاد المغرب والأندلس عقب قضائها على دولة المرابطين، وهذه الدولة من أقوى الدول التي حكمت تلك البلاد، وأحرزت انتصارات هائلة على الصليبيين الإسبان والبرتغاليين في معارك شهيرة] حكامُ المغرب والأندلس، أولَ من أدرك الأهمية الكبرى لجبل طارق كموقع حربي هام؛ ولذلك نرى الخليفة الموحدي الشهير (عبد المؤمن بن علي) وأعظم خلفاء الموحدين، يصدر أوامره ببناء مدينة كبرى في جبل طارق [ظهر من صفته الكبري أنه كانت بالجبل مدينة سابقة، لكنها كانت صغيرة، وقد ذكر "ابن جُزَيّ" مسجل رحلات ابن بطوطة: أنه شاهد بقايا السور الذي بناه طارق، وأنها كانت تحمل اسم "سور العرب" ، كما ذكر أيضًا: أنه كان هنالك برج صغير قبل مباني أبي الحسن المريني في الجبل، وأن هذا البرج تهدم بأحجار المجانيق (ابن بطوطة، تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، بيروت ١٩٨٥، ج٢ ، ص ٧٦٦]، وكان قد عبر إلى الجبل في أواخر عام ٥٥٥هـ (١١٦٠م) على أثر استرداده لثغر المهدية من الفرنج، وافتتاحه لسائر قواعد أفريقية (تونس الحالية) واتجهت نيته لفتح الأندلس، وكان الخليفة يعلم أن الفتح الأول للأندلس كان عن طريق جبل طارق، فحتى يطمئن على وجوده في جنوب أوروبا كان عليه أن يمسك بالمفتاح الذي كان يتجلى في هذا الجبل الشامخ، وإذا كان طارق قد توَّج هامة الجبل بقلعة صغيرة فإنه لم يلبث أن صرف النظر عنها عندما استولى على منطقة الجزيرة.
ولقد بعث عبد المؤمن، بعد إيابه من فتح أفريقية رسالتين متواليتين، إحداهما أواخر عام ٥٥٤ هجرية (يناير ١١٥٩م) والثانية في التاسع من ربيع الأول عام ٥٥٥ هجرية (مارس١١٦٠م)، وكان الخطاب موجهًا في الرسالتين إلى ابنيه: والي غرناطة (السيد أبي سعيد عثمان) [هو أبو سعيد عثمان، أحد أجناد عبد المؤمن الثماني عشرة: المعجب، ص ۱۹] ووالي أشبيلية (السيد أبي يعقوب).
ووصل كتاب الخليفة يوم التاسع من ربيع الأول عام ٥٥٥ هجرية / ١١٦٠م، ويتضمن (للأمر العزيز) بإنشاء مدينة كبرى في جبل طارق، ذلك الجبل الذي يصفه ابن صاحب الصلاة [ابن صاحب الصلاة: (كتاب المن بالإمامة)، مخطوط بالمكتبة الملكية المغربية، ولقد كان ابن صاحب الصلاة حاضرًا ضمن العلماء والفقهاء الذين عاصروا أمر بناء مدينة جبل طارق]: "بالجبل الميمون القديم البركة على جزيرة الأندلس، السامق، الشاهق، المفتتح منه دانيها وقاصيها، وطايعها وعاصيها؛ لتكون هذه المدينة منزلًا للأمير عند إجازته بالعساكر، ومستقرًا تتقدم منه الرايات المظفرة والأعلام المنشورة إلى بلاد الروم [محمد عبدالله عنان: دولة الإسلام في الأندلس، ج٤ ، ص ٣٧٩].
وكان الكتاب يتضمن أمرًا مشددًا من الخليفة إلى ولده السيد أبي سعيد عثمان، والي غرناطة، بأن يسير بنفسه من غرناطة مع صحبه وبعض عسكره إلى جبل طارق وأن يجتمع فيه بالطلبة الوافدين من إشبيلية وبالشيخ أبي حفص عمرو أبي إسحاق بَرَاز بن محمد [توفي الشيخ أبو اسحق متأثرًا بعلة النقرس عام ٥٥٩هـ/١١٦٣م، (ليفي بروفنسال: رسائل موحدية، ص ٩٧- ٩٨، نقلًا عن ابن صاحب الصلاة، ص٦٥] والحاج أبي يعيش المالقي [هو الحاج أبويعيش المالقي، كان من ألمع وأشهر المهندسين الذين تألق نجمهم على عهد الموحدين، وهو الذي صنع بمدينة مراكش بأمر من عبد المؤمن، مقصورة مسجد مراكش الجامع، وهو الذي قام ببناء خزان للماء داخل المدينة، كان الماء يتوزع منه على سائر أنحاء المدينة (مؤلف مجهول: الحلل الموشية في ذكر الأخبار المراكشية، تونس ١٩٥٦، ص ١١٩- ١٢٠]. والقائد عبد الله بن جيار، وأن يدرس جميع خطط المدينة الجديدة، وأين يكون موقعها من الجبل، فصدع السيد أبو سعيد بأمر الخليفة، ونهض في صحبه إلى جبل طارق فعمل على تنفيذ الخطة المطلوبة.
وكان قد طلب في كتاب الخليفة إلى السيد أبي يعقوب والي إشبيلية أن يحشد جميع العمال البنائين والجيارين والنجارين والعرفاء من جميع بلاد الأندلس التي تحت نظر الموحدين، وأن يعجِّلوا بالسير إلى الجبل لتنفيذ الأمر الكريم، فنهض السيد أبو يعقوب بما طُلب إليه، وسار من إشبيلية العريف أحمد بن باسة ومعه حشد كبير من العمال من بنائين وغيرهم من مختلف الحرف إلى جبل طارق، ووصل إليه في نفس الوقت جمهرة من القواد والكتاب وأهل الحساب؛ لتنظيم النفقة على الأعمال المطلوبة ورصدها، وتم ذلك كله في سرعة ونظام وحزم [محمد عبد الله عنان: دولة الإسلام، ج٤ ، ص ٣٨٠، نقلًا عن ابن صاحب الصلاة].
وهكذا شهد جبل طارق لأول مرة اجتماعًا تمهيديًا ضم عددًا مهمًّا من المهندسين والعُرفاء بالإضافة إلى الطلبة والأجناد الذين وصلوا إلى هناك، ولقد ظل السيد أبو سعيد على صلة بسير الأعمال والأشغال، بينما استمر السيد أبو يعقوب بإشبيلية متلقِّفًا للرغبات التي يبعث بها أخوه أبو سعيد فيما يتعلق بالخبراء والعُرفاء [عبد الهادي التازي، تحقيق: مخطوط الموحدون وجبل طارق، ص ١٧].
ولقد أمسى الجبل بعد بضعة شهور فقط يتوفر على قصور وديار، واستطاع المهندسون والعرفاء أن يتغلبوا على منحدرات الجبل فيجعلوا منها فسيحًا صالحًا لسكنى الأمراء، وبنوا في أسس القصور حنايا وكهوفًا ضمنت اعتدال الأرض على ما ينبغي، وذلك بالحجر المنجور والجيار، وقد بلغ البناء في الإتقان والروعة مبلغًا جعل ابن صاحب الصلاة، وهو شاهد عيان [مخطوط: الموحدون وجبل طارق، ص ٣٨] يحكم بتفوق البنائين على الذين شيَّدوا قصور الخَوَرْنَق [الخَوَرْنَق: قصر كان بظاهر الحيرة، وقد أمر ببنائه النعمان بن المنذر، بناه له المهندس سنمار، الذي قام النعمان بقتله بعد أن أنهى البناء] والسدير [السدير: قصر قريب من الخَوَرْنَق، اتخذه النعمان لبعض ملوك العجم (ياقوت: معجم البلدان، بيروت ١٩٥٧، ج٣، ص ٢٦٦]، التي ظلت مضرب المثل في الأسطورة العربية.
وبالإضافة إلى هذه البنايات فقد عَهِدَ إلى المختصين في الغراسة بتشجير ضفة الجبل بمختلف أنواع الفواكه، سواء منها فواكه الربيع والصيف والخريف والشتاء، فغُرست أشجار التين والعنب والتفاح والكمثرى والأجاص، المعروف عند المغاربة بعين البقر (البرقوق) والسفرجل [ابن العوام: كتاب الفلاحة (د. ت)، ج١، ص ٢٦٠] والمشمش والبرتقال والموز.
وتوجهت العناية لاستخراج الماء من صخور الجبل، فنجح المهندسون في اكتشاف منابع جمع بعضها إلى بعض حتى تكَّون منها جدول عم ماؤه المدينة كلها، وكان يصب في خزان يجري منه الماء إلى الجنات المغروسة [تتحدث بعض المصادر التاريخية عن تزود جبل طارق بالمياه الجارية الكافية (الإدريسي: نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، ص ١٧٧، الحميري: الروض المعطار، ص ١٢١].
قال ابن صاحب الصلاة: "وابتدأوا البناء في الموضع الذي وقَّع الجميع عليه، والاتفاق من نواحيه بسيف البحر مما يلاصقه ويليه، وزادت الآمال بأهل الأندلس إلى ما تقدم إليهم من الأمل، وتحققوا اليمن والسعد والفتح في بنيان هذا الجبل، وكان من أشغال السيد الأعلى أبي يعقوب بإشبيلية في إزعاج الفعلة والرجال للبناء المذكور، وأحكم البناؤون فيه بناء من القصور المشيدة والديار واخترعوا في أسسها طيقانًا وحنايا لتعتدل بها الأرض، مبنية بالحجر المنجور والجيار بما هو عجيب في الآثار...، وهذا شريف البقعة كريم التربة عظيم المنفعة باسق مع أعشار السماء تكاد في المسامتة إلى الجوزاء.
وكل ما استودع في أرضه من البطحة المنبسطة من بعضه مما زكى وفضل وجل وأثمر من قرب لغرسه وأكمل واستقل من جميع الفواكه، كشجر التين والعنب والتفاح والكمثرى والسَّفَرْجَل والمشموم والأجاص والأُترُج والجوز وغير ذلك، على ضيق ضفته الممتدة كالجبل، وماؤه عذب زُلال.
وكان الحاج يعيش المهندس مدة إقامته للبناء على ما ذكرته فيه، فوضع في أعلاه رحى تطحن الأقوات بالريح...، واتصل بهذا العمل من بناء الدور والقصور بناء السور والباب المسمى بباب الفتوح في الفرجة التي كان يدخل منها إلى الجبل... واستمر العمل شهورًا مضاعفة، والسيد أبو يعقوب والي إشبيلية يشرف على تنفيذ أوامر الخليفة حتى كمل المشروع، وتم بناء المدينة الجديدة في شهر ذي القعدة سنة ٥٥٥هجرية/ ١١٦٠م. وابتنى بها جامعًا وقصرًا للخليفة ودورًا لأبنائه وحاشيته، وغرست الحدائق على طولها حذاء البحر، وجلب إليها الماء العذب، وجدد الحصن والأسوار القديمة، وعنى بتحصين الصخرة أكمل عناية، وسمي الجبل بأمر الخليفة جبل الفتح أو مدينة الفتح .
ولقد استأثر ابن صاحب الصلاة بذكر مظهر من مظاهر التقدم الصناعي على عهد الموحدين مما كان مشاهدًا في جبل طارق، وذكر أن المهندس المغربي (الحاج يعيش) استغل تيارات الريح المتضاربة على قمة الجبل فاخترع في الجبل رحى (طاحونة) تطحن الأقوات بالريح.
كذلك أورد ابن صاحب الصلاة بأن الموحدين كانوا حريصين في معظم المدن الكبيرة التي عرفوها أو شيدوها على بناء الأسوار التي تحيط بتلك المدن، وقد فعلوا ذلك في مدن الرباط وسلا وفاس وتازه، ولأجل هذا فقد أحاطوا مدينة جبل طارق بسور حصين، ظل قائمًا حتى أيام أبي الحسن المريني على ما يحكي ابن جُزي على لسان الرحالة ابن بطوطة.
ولقد ذكر ابن جزي أن ابن بطوطة لما نزل بلاد الأندلس ذكر أن أول ما شاهده من البلاد الأندلسية جبل الفتح، أي جبل طارق، وقال ما نصه: "فلقيت به خطيبه الفاضل أبا زكريا يحيى بن السراج الرَّنْدي، وقاضيه عيسى البربري، وعنده نزلت، وتطوفت معه على الجبل فرأيت عجائب ما بنى به مولانا أبو الحسن (المريني) - رضي الله عنه -، وأعد فيه من العدد، وما زاد على ذلك مولانا أيده الله، وودت أن لو كنت ممن رابط به إلى نهاية العمر"[ابن بطوطة: الرحلة، ج٢، ص ٧٦٦]، وأضاف ابن بطوطة أنه لما أنهى رحلته في بلاد الأندلس عاد إلى بلاده عن طريق جبل طارق راكبًا البحر [ابن بطوطة: نفس المصدر والجزء، ص ٧٧٠].
ولما كان الموحدون يهدفون بتأسيس مدينة جبل طارق أن يجعلوها نقطة انطلاق نحو جنوب أوربا، فقد التقى طرفا السور إلى باب في (الفرجة) التي يدخل منها إلى الجبل وسموها (باب الفتوح) على غرار باب الفتوح القائم بقاهرة المعز.
وقد ابتهج الخليفة الموحدي أيّما ابتهاج بتأسيس هذه المدينة الجديدة العظيمة، ولذلك نراه يخصص فيها استقبالًا رائعًا لأعيان المغرب والأندلس، ويأذن للشعراء في الإنشاد والإشادة بها، ثم يكافئ العمال والخبراء والمهندسين بالهبات السنية والعطايا الجزيلة [أورد لنا ابن صاحب الصلاة، وقد كان من شهود هذا الحفل، وصفًا ضافيًا لمقدم عبد المؤمن لجبل طارق، وحضور الوفود إليه، والقصائد التي ألقيت بين يديه (مخطوط المن بالإمامة، لوحة ١١ وما بعدها)، وكان عبور عبد المؤمن إلى شبه الجزيرة ونزوله في جبل طارق في شهر ذي القعدة عام ٥٥٥هـ (يناير١١٦١م)، وكان في استقباله في الجبل ولداه السيد أبو يعقوب، والسيد أبو سعيد، ولبث عبد المؤمن في جبل طارق زهاء شهرين وسماه جبل الفتح... ولما فرغ الخليفة من تنظيم شئون الأندلس عبر البحر إلى سبتة عائدًا إلى المغرب، وذلك في خاتمة عام ٥٥٦هـ (فبراير ١١٦١م) (عنان: تاريخ الأندلس، ج٤، ص ٣٨٦].
وقد تحدث التاريخ عن وجود شكل مجسم (ماكيت) للجبل بما فيه من أسوار وأبراج وحصون وأبواب ومصانع ومخازن ومساجد، وقد أمر بصنع هذا الشكل أبو عنان العاهل المريني وكان موصوفًا (بالمشور السعيد).
ومن المؤكد أن هذا الماكيت يشتمل في معظمه على عدة مبان موحدية مما أنشئ سنة ٥٥٥ هجرية ١١٦٠م، لكنه ضاع في جملة ما ضاع أواخر عهد بني مرين.
ولقد كان هنالك عنصر (الحروف المنقوشة) التي كانت على بعض جهات مباني هذه المدينة، وبالرغم من اندثار معظم هذه النقوش فإنه لا يزال هنالك نقشان يرجعان إلى زمن الموحدين في جبل طارق أحدهما سجله الكولونيل (توماس جيمس) في كتابه تاريخ مضايق هرقل عام ١١٨٥هـ ١٧٧١م.
وقد أشار إلى هذين النقشين الرحالة (فرانسيس كارتر) سنة ١١٩١هـ / ١٧٧٧م، وكذلك المؤرخ الإسباني (لويس دي أيالا)، وإذا كان تاريخ هذه النقوش يرجع لأيام محمد الخامس الملقب (بالغني بالله) في مملكة بني نصر فإن فيها نقشًا يرجع إلى عهد الخليفة عبد المؤمن المُوحِّدي [عنان: نفس المرجع، ج٤، ص ٣٨٦].
ولبث جبل طارق، بعد ذلك أحقابًا أخرى قاعدة الوصل بين الأندلس والمغرب، تعبر إليه الجيوش المغربية لنصرة الأندلس كلما دهمها الخطر، ومنذ القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي، تتوالى حملات إسبانيا النصرانية لافتتاح هذا المعقل العظيم، ويتفانى المسلمون في الدفاع عنه لشعورهم بأهمية وخطورة موقعه بالنسبة لسلامتهم.
وفي سنة ٧١٠هـ/١٣١٠م استولى القشتاليون، لأول مرة على جبل طارق، ثم استرده الأندلسيون بمعاونة السلطان أبي الحسن المَرِيني ملك المغرب في سنة٧٣٤هـ/ ١٣٣٣م [عنان: نفس المرجع، ج٤، ص٢٨٦].
وجدد السلطان أبو الحسن الحصن ودار الصناعة والأسوار، ثم جددها ولده السلطان (أبو عنان)، واستمر جبل طارق في يد المسلمين بعد ذلك زهاء قرن وثلث.
وفي سنة٨٦٧هـ / ١٤٦٢م استولى الإسبان أخيرًا على جبل طارق، وكان فقده ضربة شديدة للأندلس، وكانت من ممهدات سقوطها الأخير، وبقي جبل طارق من ذلك التاريخ بيد الإسبان حتى استولى عليه الإنجليز والهولنديون خلال حرب وراثة العرش الإسباني في سنة ١١١٦هـ / ١٧٠٤ م، ثم ضمته إنجلترا إلى أملاك التاج البريطاني، وما زالت تقبض عليه حتى اليوم بيد من حديد، ولم تنجح إسبانيا، أيام قوتها، في استرداده. وكانت أشهر محاولة قامت بها سنة ١١٩٣هـ / ١٧٧٩م، حيث استمر أربعة أعوام، ولكنها أخفقت في النهاية، ولم تقع منذ ذلك التاريخ أية محاولة ذات شأن لاسترداد جبل طارق، وهو اليوم، بوضعه الحالي، مستعمرة من مستعمرات بريطانيا يعين لها حاكم من قبلها برغم إعطائها الحكم الذاتي [محمد عبد الله عنان: تاريخ الأندلس، ج٤، ص ٢٨٧]، ومدينة جبل طارق الحديثة، مدينة أوربية بمعنى الكلمة، أحسن الإنجليز في تنسيقها ونظافتها، يمكن الوصول إليها من البر كما يمكن الوصول إليها من البحر، والوصول إليها من البر بالسيارة من البر الإسباني في طريق بديع تظلله الأشجار الباسقة، يمتد الخليج تجاه الصخرة، وتحف به الجبال من الناحية الأخرى، في سفوحها المروج اليانعة، ويمر ببلدة لوس باريوس Los Barrios ، ثم ببلدة سان روكي San Roque وينتهي بمدينة لالينا LaLinea نهاية الأرض الإسبانية.
وبعد اجتياز هذه المسافة القصيرة نجد أنفسنا إزاء مدينة جبل طارق الحديثة، وهي تمتد من المطار في شكل قوس مفتوح يلاصق الصخرة، ويشرف على البحر حتى الجسر الجنوبي بطول يبلغ نحو ٣٠٠ متر.
ويخترق هذه الرقعة شارع طويل يسمى (الشارع الرئيسي)، وهو شارع نظيف يغص بالمتاجر والمقاهي ويزخر بالبضائع وينتهي هذا الشارع بالأبواب الجنوبية، ويمتد الطريق بعد ذلك مسافة ميل، وينتهي بالحوض الجاف والفنار، ويزخر جانبا المدينة الذي يلي البحر بالمخازن والمصانع والأدوات العسكرية.
ويبلغ عدد سكان جبل طارق اليوم ثلاثين ألفًا، من بينهم الحامية البريطانية وعددها سبعة آلاف، والباقي من السكان المدنيين، وهم خليط من الإسبان والإنجليز والمالطيين والجِنْويين الإيطاليين.
وإلى جانب سكان جبل طارق المقيمين يفد على المدينة كل يوم نحو خمسة عشر ألفًا من الإسبان ممن يبيعون مختلف المؤن والسلع، وممن يعملون في الميناء والأحواض، ثم يعودون في المساء إلى الأرض الإسبانية [عنان: نفس المرجع، ج٨، ص ٢٩٠، ٠٢٩١ - ٥ ٦٥].
والخلاصة: أن مدينة جبل طارق تبدو، برغم ضيق رقعتها المستطيلة، بتخطيطها البديع وشوارعها المنسقة وأحيائها ومنتدياتها الأنيقة كأحسن ما تبدو المدينة الأوربية الرائعة.
مصادر ومراجع للاستزادة
جبل طارق: كتلة صخرية استراتيجية تفصل بين المغرب والأندلس، يبلغ طولها ٦ كيلومترات وعرضها كيلومتران وارتفاعها ٤٢٥ مترًا، وكان يُعرف قديمًا بصخرة كالبي، وأصبح يحمل اسم طارق بن زياد بعد نزوله فيه عام ٩٢هـ/ ٧١١م، لتبدأ مرحلة الفتح الإسلامي لشبه جزيرة أيبيريا، وقد لعب الجبل دورًا محوريًّا كقاعدة عسكرية ومفتاح للأندلس، حيث أسس فيه الموحدون مدينة كبرى ومحصنة، أطلقوا عليها جبل الفتح، مزودة بمنشآت العسكرية، وظل الجبل معبرًا للجيوش وخط دفاع حتى سقوطه بيد الإسبان عام ٨٦٧هـ/ ١٤٦٢م، ثم احتله الإنجليز عام ١١١٦هـ/ ١٧٠٤م، وما يزال تحت السيادة البريطانية حتى اليوم برغم موقعه الحساس.
فتح المسلمون هذه البلاد بقيادة طارق بن زياد وموسى بن نصير سنة (٩٢ هـ-٧١١م).
هم سلالة أمازيغية، أسسوا دولة إسلامية قوية في المغرب والأندلس.
آخر ما تبقى من دولة المسلمين في الأندلس.