(٢) حضارة بني مرين:
ارتكز نظام الحكم المريني على
نظام السلطنة الذي اختاره المرينيون بدلًا من نظام الخلافة الذي كان في عهد
الموحدين، كما كان نظام الحكم وراثيًا في أبناء البيت المريني؛ ولذلك كان
لمنصب ولي العهد أهمية كبيرة في أيام بني مرين، واتخذ سلاطين بني
مرين الوظائف المعاونة لهم في الحكم وإدارة الدولة، كالوزارة والكتابة
والحجابة.
وجرت الإدارة المرينية في الدولة وفق نظام دقيق،
فقسمت الدولة تقسيمًا إداريًا، إلى أقاليم، وعلى كل إقليم والٍ يمثل السلطة المركزية
في فاس، وإلى جانب ذلك كله كانت هناك الدواوين، وإلى جانب الدواوين كانت هناك
في الدولة المرينية بعض النظارات المحلية، كنظارة الأحباس والأوقاف، وهذه
مرؤوسة للقاضي، وقد تجمع مع الحسبة [الجزنائى: زهرة الآس، تحقيق الفرد بل، الجزائر ١٩٢٢م،
ص٦٥؛ عمر رضا كحالة: مباحث اجتماعية في عالمي العرب والإسلام، مطبعة الحجاز بدمشق ١٩٧٤م،
ص٢٠٦].
ومن
الذين تولوا هذه النظارة الفقيه أبو عبد الله بن أبي الصبر، ونظارة
المارستان، وهذه للإشراف على النواحي الصحية، ونظارة المباني، وصاحبها يتولى
الإشراف على مباني الدولة والنفقة عليها.
كما
اهتم المرينيون كثيرًا بالنظم القضائية؛ لما لها من أهمية كبرى في تحقيق
العدالة واستقرار بقية النظم الإدارية الأخرى في الدولة، إذ إن هذه النظم القضائية
هي صمام الأمن والأمان للمواطنين، وكافة عناصر الإدارة الأخرى، وهذه النظم هي
القضاء، وما يتبعه من مؤسسات قضائية أخرى كالنظر في المظالم والشرطة، والحِسبة [أحمد شلبي: تاريخ التشريع
والنظم القضائية في الإسلام، مكتبة النهضة المصرية ١٩٧٦م، ص٢١٧].
أما بالنسبة للنظام المالي فقد عاشت دولة بني
مرين فترات كبيرة من حياتها في بلاد المغرب في ظل الرخاء والازدهار، ومرجع ذلك
إلى التنظيم الدقيق الذي سار عليه المرينيون في سياستهم المالية، وإشرافهم عليها،
فضلًا عما كان لدى هذه الدولة من موارد اقتصادية هائلة، دعمتها الأنشطة الرئيسية
في الدولة المتمثلة في الإنتاج الزراعي والصناعي وسائر الأنشطة التجارية الأخرى.
وقد أقام المرينيون نظامهم المالي في
الجباية والإنفاق على أساس أن والي كل إقليم من أقاليم الدولة مسئول مسئولية كاملة
عن الجباية، والإنفاق في ولايته أمام الوزير المختص بالإشراف على خطة الجباية أو المتولي
لها [ابن
مرزوق: المسند، ورقة ٢٣٩].
ووفقًا للتقسيم الإداري للدولة المرينية،
كانت هناك تسع ولايات تخضع من ناحية الإشراف المالي لإشراف دقيق، وفي بعض الأحيان
أسند الإشراف على ديوان الخراج إلى شخص دون الوزير، وفي أحيان أخرى أسند إلى
الوزراء، وكلاهما كان يخضع مباشرة للسلطان المريني سواء كان وزيرًا، أو أقل
من الوزير، وهذا الشخص هو الذي يتولى بنفسه التدقيق، والتوقيع بصحة الحسابات سواء
في الخراج أو العطاء [مجهول:
الذخيرة السنية، ص٩٥].
وقد أشار ابن خلدون إلى ذلك بقوله: "وأما
دولة بني مرين لهذا العهد فحسبان العطاء، والخراج مجموع لواحد، وصاحب هذه
الرتبة هو الذي يصحح الحسبانات كلها ويرجع إلى ديوانه، ونظره معقب بنظر السلطان أو
الوزير، وخطه معتبر في صحة الحسبان في الخراج والعطاء [حسن علي حسن: الحياة الإدارية والاقتصادية
والاجتماعية في المغرب الأقصى، رسالة دكتوراة بدار العلوم ١٩٧٣م، ص٢٦٢].
وازدهرت الزراعة في العصر المريني بفضل ما تمتع
به المغرب الأقصى من دعائم لازمة للزراعة، وأهمها وفرة مصادر المياه، وجودة
التربة، وتنوع المناخ، الذي كان له أثره في تنوع المحاصيل والثمار [القلقشندي: صبح الأعشى، ج٥،
ص٢٠٥].
وإلى جانب العوامل السابقة التي ساهمت في ازدهار
الزراعة في العصر المريني، اهتم سلاطين بني مرين بالزراعة، فأقطعوا كبار
رجال الدولة الإقطاعات الزراعية، كالقضاة [المصدر السابق، ج٥، ص٢٠٤]، وقادة الجيش، وهم كبار الأشياخ الذين
منحوا الإقطاعات الجارية [الجزنائي: زهر الآس، ص ٣ ٣؛ ابن أبي زرع: الأنيس المطرب،
ص٦٥].
أيضًا مثلت الصناعة بالدولة المرينية نشاطًا من
الأنشطة الاقتصادية الهامة، التي يعتمد عليها المواطنون في الدولة المرينية؛ إذ
أمدت هذه الصناعات المواطنين باحتياجاتهم ولوازمهم، ومما ساعد على قوة هذا اللون
من النشاط الاقتصادي، أن الموحدين خلفوا للمرينيين قاعدة صناعية كبيرة
تحدثت عنها بعض مصادر التاريخ، فالجزنائي يذكر أن مدينة فاس - قاعدة
الصناعة الرئيسية في المغرب الأقصى - كان بها في أواخر العصر الموحدي ثلاثة
آلاف وأربعة وتسعون دارًا؛ لصناعة الأطرزة، وسبعة وأربعون دارًا؛ لصناعة الصابون،
وستة وثمانون دارًا؛ للدباغة، ومائة وستة عشر دارًا؛ للصباغة، واثنا عشر دارًا؛
لسباكة الحديد والنحاس، وأحد عشر دارًا؛ لصناعة الزجاج، ومن كَوْش الجير مائة وخمس
وثلاثون، وألف ومائة وسبعون فُرنًا؛ لصناعة الخبز، وأربعمائة من أحجار صناعة
الكاغد (الجلد)، عدا ما في خارج المدينة من دور؛ لصناعة الفخار، تصل إلى مائة
وثمانين دارا[الجزنائي
: زهر الآس، ص٣٤].
ويذكر الجزنائي أن الصناعة قد ازدهرت في
العصر المريني أكثر مما كانت عليه في أيام الموحدين، بسبب اتساع العمران
حول فاس القديمة، ببناء فاس الجديدة أو المدينة البيضاء وحي
الملاح) [المصدر
السابق، نفس الصفحة].
ويؤكد
ذلك الجزنائي، فبعد أن استعرض أنواع الصناعات السابقة التي ورثها المرينيون
عن العهد الموحدي قال: ولو مرَّ المار بالمدينة البيضاء والملاح وما هو إلى
ذلك من الكهوف مقيم الآن بفاس فكانت المصانع تنتهي لأكثر من ذلك [المصدر السابق، نفس الصفحة،
مجهول: الذخيرة السنية، ص٧٩].
ومن الجدير بالذكر أن حالة الأمن والاستقرار التي
سادت الدولة المرينية انعكست على نشاطها التجاري، وقد حرص سلاطين بني مرين
على توفير الأمن، وكان ذلك هدفًا رئيسيًا لهم منذ اضطلاعهم بقيادة زمام الأمور في
بلاد المغرب الأقصى، بعد أن عجز الموحدون عن توفير ذلك الأمن، فأصاب البلاد
ما أصابها من التدهور والاضطراب [مجهول
: الذخيرة السنية، ص١٣٨؛ ابن أبي زرع: الأنيس المطرب، ص٣٠٧؛ ابن خلدون:
العبر، طبعة مؤسسة الأعلمي، بيروت ١٩٧١م، ج٧، ص١٨٢ ]
، ودأب سلاطين بني
مرين على الضرب على أيدي كل من تسول له نفسه الاعتداء على الأموال، ففي سنة
(٦٦٩هـ/١٢٧٠م)، بعد إعلان قيام الدولة بعام واحد توجه السلطان أبو يوسف يعقوب
بن عبد الحق إلى منطقة درعة؛ لتأديب بعض القبائل العربية التي كانت
تثير الشغب، وتعتدي على الناس والأموال، ونقل هؤلاء العرب إلى مراكش؛
ليكونوا تحت رقابة دقيقة من عمال الدولة هناك [ابن مرزوق: المسند، ورقة ٢٨٦- ٢٨٧] .
كما سهر المرينيون على تأمين طرق
المواصلات بين مدن الدولة، فاستحدثوا تنظيمات جديدة على طول الطرق التي تربط بين
العاصمة فاس والمدن الأخرى، كمراكش، وتلمسان، وسبتة، وسميت هذه
التنظيمات (بالرتب) وهي عبارة عن خيام تقام على مسافات متساوية تقدر باثني عشر ميلًا،
يسكنها أهل المنطقة التي تقام بها، ويُمنحون إقطاعًا من الأرض على قدر كفايتهم،
وتلزمهم الإدارة المرينية ببيع الشعير والطعام، وما يحتاج إليه المسافرون من الأدم
والمرافق على أن يقوم أهل المنطقة بحراسة المسافرين وأمتعتهم، فإن ضاع منهم شيء
كانوا الضامنين له [المصدر
السابق، ورقة ٢٨٧]، يقول ابن مرزوق: "فلا
يزال المسافر كأنه في بيته وبين أهله في ذهابه وإقباله"[المصدر السابق، ورقة ١٦٣]:
علاوة على ذلك نظمت الدولة فرقًا أطلقت عليها اسم (الغرباء)،
وهذه الفرق مهمتها حراسة الطرق وخدمتها، كما كانت هذه الفرق جهازًا؛ للسهر على أمن
الدولة، إذ كان هؤلاء (الغرباء) عيونًا، وجواسيس يراقبون أي خطر يهدد الأمن، أو
سلامة البلاد، فيبادرون بإبلاغه للسلطات المسئولة [عبد العزيز بن عبد الله: مظاهر الحضارة،
مجلة البينة بالمغرب، السنة الأولى ١٩٦٢م، ص٥٥- ٥٦].
وإلى جانب استقرار حالة الأمن، توفرت للنشاط التجاري
الأسواق الداخلية والخارجية، وهي الميادين التي تدور فيها السلع بيعًا وشراءً، كما
توفر الإنتاج الزراعي والصناعي، وهما الأساس القوي؛ لازدهار أي نشاط تجارى.
وفي مجال العمران حرص المرينيون على
تنشيط حركة البناء والتعمير في دولتهم؛ باعتبارها مظهرًا لحياتهم الاجتماعية
الراقية المتقدمة، وقد شملت حركة البناء والتعمير جميع جوانب الحياة في المجتمع
المريني، من مدن جديدة، ومنشآت عامة كالمساجد ، والمدارس، والمستشفيات، والفنادق،
والقناطر علاوة على المنشآت العسكرية، حيث شعر المرينيون دائمًا بحاجتهم
إلى إقامة المدن الجديدة، فبنوا خلال عهدهم عددًا كبيرًا من المدن الجديدة، وكانت
هذه المدن آية من آيات الفن والعمارة في ذلك الوقت، وأصبحت هذه المدن ظاهرة تميز
فن العمارة المريني عن غيره من فنون العمارة الحفصية، والعبد
الواحدية، والأندلسية [مجهول: الحلل الموشيه ، ص١٤٧]، ومن تلك المدن فاس الجديدة،
والمنصورة، وتطاوين.