Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

بنو مَرين

الكاتب

أ.د/ محمد عيسى الحريري

بنو مَرين

في أعماق التاريخ المغربي والإسلامي ينبثق نور دولة بني مَرين، التي حملت على عاتقها لواء الدفاع عن الأندلس والحفاظ على وحدة المغرب الأقصى، وكانت هذه الدولة أزهى عصور القوة السياسية والإنجاز الحضاري، حيث امتزجت روح الجهاد بعطاءات الثقافة، والعلوم، والفنون؛ لتشكل حضارة لا تُنسى، فلنغص معًا في رحلة تاريخية تأخذنا عبر مراحل تأسيس بني مرين، وعظمة حكمها، وتأثيرها في الحضارة الإسلامية غربًا.

التاريخ السياسي لدولة بني مرين

دولة بني مَرين في المغرب والأندلس، [ضبط ابن مرزوق الاسم (مرين) بفتح الميم وكسر الراء، المسند الصحيح الحسن، مخطوط بمعهد المخطوطات بجامعة الدول العربية، برقم ١٨٥ تاريخ، ورقة ١٦].

تلك الدولة قامت في المغرب الأقصى، في النصف الثاني من القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي، وظلت حتى سقوطها سنة (٨٦٩هـ /١٤٦٥م) تُقدم للعالم الإسلامي في جناحه الغربي عطاءها السياسي والحضاري، متأثرة ومؤثرة في شعوب المغرب الإسلامي وبصفة خاصة في بلاد الأندلس، حيث حمل المرينيون على أكتافهم مسئولية الدفاع عن الجناح الغربي للعالم الإسلامي ضد الزحف الإسباني على ممتلكات المسلمين في الأندلس

فقد نذر المرينيون قوتهم؛ لخدمة الإسلام في هذا الميدان الأندلسي، دون سائر القوى الإسلامية الأخرى التي كانت موجودة آنذاك في بلاد المغرب كالحفصيين، وبني عبد الواحد؛ ولذلك حاول المرينيون في حياتهم السياسية التوفيق بين العمل؛ لتحقيق الوحدة المغربية، والجهاد في الميدان الأندلسي.

والمرينيون فخذ قوي من قبيلة زناتة البترية، فجد المرينيين الأعلى الذي ينتسبون إليه هو: "مرين بن ورتاجن بن ما خوخ بن جديج بن فاتن بن بدر بن نجفت بن عبد الله بن تبيص بن المعز بن إبراهيم بن رجيك بن واشين بن بصلتن بن مشد بن إكيا بن ورسيك بن بدت بن جانا وهوزناتة [القلقشندي: صبح الأعشى، طبعة المطبعة الأميرية ١٩١٥، جـ٥، ص١٩٤].

وكان بنو مرين هؤلاء يمثلون قِسمًا قويًا له عراقته، وسطوته بين قبائل زناتة فهم: أعلى قبائل زناتة حسبًا، وأشرفها نسبًا، وأغزرها كرمًا، وأحسنها شممًا، وأرعاها ذمامًا، وأرجحها أحلامًا، وأشدها في الحروب بأسًا وإقدامًا [ابن أبي زرع: الأنيس المطرب، دار المنصور بالرباط ١٩٧٣، ص١٩٤].

وقد تعددت منازل بني مَرين - قبل دخولهم إلى بلاد المغرب الأقصى؛ نتيجة لأسلوب الحياة الذي درجوا على اتباعه في معيشتهم، وهو أسلوب البداوة الذي غلب على كل شيء في حياتهم، فقد نزلوا بأنعامهم التي يمتلكونها في القفار والصحارى في نظام عظيم، يمتد من جنوب مدينة القيروان إلى صحراء بلاد السودان [مجهول: الذخيرة السنية، تحقيق محمد بن أبي شنب، الجزائر ١٩٢٠، ج٢٣ "القيروان وهى بساط من الأرض مديد من الجوف منها إلى بحر تونس، وفي الشرق بحر سوسه والمهدية، وفي القبلة بحر سفاقس وقابس، بينها وبينه مسيرة يوم"، البكري : المغرب في ذكر إفريقية والمغرب، مكتبة المثنى، بغداد، ص٢٢٤] ، وهم في هذا الامتداد العظيم يتمتعون بما يتمتع به المجتمع البدوي الذي يحيا حياة الصحراء.

ولم يفكر المرينيون في الدخول إلى بلاد المغرب الأقصى والاستقرار فيها بصفة نهائية إلا في سنة (٦١٠هـ/١٢١٣م) في أعقاب الهزيمة الكبرى التي لحقت بالموحدين في معركة العقاب بالأندلس سنة (٦٠٩هـ/١٢١٢م)[ابن أبي دينار: المؤنس في أخبار إفريقية وتونس، المكتبة العتيقة، تونس ١٣٨٧هـ، ص١٤٦؛ ابن أبي زرع : الأنيس المطرب، ص٢٠٢]، إذ غيرت هذه المعركة وجه التاريخ في بلاد المغرب، فكانت أهم العوامل التي شجعت بني مرين على الدخول إلى المغرب الأقصى، وعلى وجه التحديد سنة (٦١٠هـ/ ١٢١٣م) ومنذ هذا التاريخ، وحتى سنة (٦٦٨هـ/١٢٦٩م).

تأسيس دولة بني مرين ومسيرتها عبر التاريخ

عمل المرينيون على تأسيس دولتهم، وأتموا ذلك على مراحل ثلاث: في الأولى استولوا على مناطق تلول المغرب الأقصى وأريافه، و في الثانية : استولوا على المدن الكبرى في المغرب الأقصى، وفي الثالثة : تمكنوا من إسقاط عاصمة الموحدين (مراكش) في أيديهم، وأعلنوا قيام دولتهم الجديدة، ثم مضوا بعد ذلك في استكمال تأسيس دولتهم في الميدان المغربي والميدان الأندلسي، وفي هذا الميدان الأخير حقق السلطان يعقوب بن عبد الحق انتصارات كبرى خلال المرات الأربع التي عبر فيها إلى بلاد الأندلس، وتمكن خلالها من إيقاف حركة الاسترداد المسيحي لبلاد الأندلس.

السياسة التي اتبعها المرينيون في سياسة دولتهم

كما جرت سياسة بني مرين منذ تولى السلطان أبو الحسن مقاليد الأمور في الدولة المرينية سنة (٧٣١هـ/١٣٣١م) على التوسع في بلاد المغرب الأوسط، وإفريقية، وكان ذلك التوسع رغبة منه في تحقيق الوحدة المغربية التي كانت قائمة أيام المرابطين والموحدين، ويبدو أن أمر الوحدة كان حلمًا يراود القوى الثلاث التي كانت موجودة في بلاد المغرب في ذلك الوقت، وهى قوة المرينيين وبني عبد الواحد، والحفصيين، ومن ثم بدأت كل قوة تعمل لهذا الهدف بالتوسع على حساب القوى الأخرى، ولكن المرينيين من ناحيتهم كانوا يشعرون بهذه الرغبة أكثر من غيرهم باعتبارهم ورثة الموحدين، ومن منطلق أنهم هم الوحيدون من بين سائر القوى في بلاد المغرب الذين حملوا العبء الأكبر في سبيل القضاء على دولة الموحدين.

وانتقل المرينيون إلى مرحلة التوسع هذه؛ بفضل ما وصلت إليه دولتهم من القوة والاستقرار، وما حققته من ألوان الازدهار والعظمة في تلك الآونة، حتى إن مؤرخًا كالسلاوي يصف السلطان أبا الحسن الذي بدأ عهد التوسع بقوله: "وهو أفخم ملوك بني مرين دولة، وأضخمهم ملكًا وأبعدهم صيتًا، وأعظمهم أبهة، وأكثرهم آثارًا بالمغربين والأندلس [السلاوي: الاستقصا، طبعة مصر ١٣١٢هـ، ج٢، ص٥٧].

وقد أمضى المرينيون قرابة الثلاثين عامًا في تنفيذ هذه السياسة التي استغرقت عهد اثنين من عظماء سلاطين بني مرين، وهما السلطان أبو الحسن على ابن عثمان، وأبو عنان فارس بن أبي الحسن، أما جهود المرينيين التي شهدها مسرح السياسة العسكرية في المغرب الأوسط - قبل هذه الفترة - فلم تكن أكثر من عمليات تأديبية لبني عبد الواحد، وكان أكثرها؛ لتأمين الأراضي المرينية في أثناء العمليات العسكرية التي قام بها المرينيون في الميدان الأندلسي.

عوامل نجاح المرينيون في سياسة دولتهم

ومما ساعد المرينيين على نجاحهم في بسط سلطانهم، أن حركتهم كانت حركة سياسية محضة، لم تتشح بثوب الدين كما فعل الموحدون من قبلهم [حكمة علي: الأدب الأندلسي في عصر الموحدين، ص٢٣، محمد الفاسي : نشأة الدولة المرينية، مجلة البينة بالمغرب، العدد الثامن ١٩٦٢، ص١٧] ، فلم يتخذ المرينيون من الدين وسيلة؛ لإثارة مشاعر الجماهير، وتوجيههم الوجهة التي يريدونها ، وإنما كان شعار المرينيين- الذي رفعوه ولاقى كثيرًا من مظاهر التأييد - هو إقامة حكم سياسي يراعي مصلحة البلاد، ويحافظ عليها من مخاطر الانحرافات، ويبعث في المواطنين الشعور بالأمن على أنفسهم وأموالهم.

فأطلقوا للناس الحرية الكاملة في الانتماء إلى المذهب الذي يريدونه [الفرد بل: الفرق الإسلامية، ترجمة عبد الرحمن بدوي، بنغازي ١٩٦٩م، ص٣٢٥]. وعلى هذا فلم يصبح السلطان المريني مصدرًا للسلطات الدينية، وإنما أصبح هذا السلطان مصدرًا للسلطات السياسية فقط، خلافًا لما كان عليه الموحدون؛ إذ كان الخليفة الموحدي مصدرًا للسلطات الدينية والسياسية معًا [عنان: عصر المرابطين والموحدين في الأندلس، الطبعة الأولى، القاهرة ٩٦٤ ١م، ص٦١٦].

وعلى الرغم مما اشتملت عليه دولة بني مرين في بلاد المغرب الأقصى، والمغرب الأوسط، وإفريقية، وأجزاء أخرى من بلاد الأندلس، إلا أن مشاريع التوسع هذه منيت بانتكاسة كبرى، أثرت تأثيرًا كبيرًا في دولة بني مرين، فكانت هزيمة السلطان أبي الحسن في طريف بالأندلس سنة (٧٤١هـ/١٣٤٠م)، لا تقل في مضاعفاتها عن هزيمة الموحدين في معركة العقاب، فهذه المعركة بددت قوة بني مرين وأنهكتها، ولذلك كان توسعهم في إفريقية بعد ذلك هشًا، لم يقو على مواجهة تطورات الأحداث التي خلفتها القبائل العربية، عندما أحست بالخطر يقترب من مصالحها هناك.

ولم تمض سنوات قليلة حتى تدهور هذا التوسع؛ لتعود دولة بني مرين أخيرًا إلى حجمها الحقيقي في بلاد المغرب الأقصى.

الأمر الذي قاد الدولة إلى مرحلة التفكك والانحلال، التي تولى فيها حكم بني مرين مجموعة من السلاطين الضعاف، إما صغار السن، أو ضعاف العقول، أو ضعاف الشخصية، وهؤلاء جميعًا عجزوا عن مواجهة نفوذ الوزراء، الذين سيطروا على السلطة، ومقاليد الأمور في الدولة، واقترن ذلك بتدخل بني الأحمر في الشئون الداخلية لبني مرين، وشجعهم على ذلك احتفاظهم، بعدد من الشخصيات الهامة من أبناء البيت المريني الحاكم، وكثيرًا ما استخدموا هذه الشخصيات؛ للتأثير على الأوضاع السياسية في العدوة المغربية، الأمر الذي أضعف دولة بني مرين تمامًا، وأدى إلى سقوطها سنة (٨٦٩هـ/١٤٦٥م).

الازدهار الاقتصادي في الدولة المرينية

(٢) حضارة بني مرين:

ارتكز نظام الحكم المريني على نظام السلطنة الذي اختاره المرينيون بدلًا من نظام الخلافة الذي كان في عهد الموحدين، كما كان نظام الحكم وراثيًا في أبناء البيت المريني؛ ولذلك كان لمنصب ولي العهد أهمية كبيرة في أيام بني مرين، واتخذ سلاطين بني مرين الوظائف المعاونة لهم في الحكم وإدارة الدولة، كالوزارة والكتابة والحجابة.

وجرت الإدارة المرينية في الدولة وفق نظام دقيق، فقسمت الدولة تقسيمًا إداريًا، إلى أقاليم، وعلى كل إقليم والٍ يمثل السلطة المركزية في فاس، وإلى جانب ذلك كله كانت هناك الدواوين، وإلى جانب الدواوين كانت هناك في الدولة المرينية بعض النظارات المحلية، كنظارة الأحباس والأوقاف، وهذه مرؤوسة للقاضي، وقد تجمع مع الحسبة [الجزنائى: زهرة الآس، تحقيق الفرد بل، الجزائر ١٩٢٢م، ص٦٥؛ عمر رضا كحالة: مباحث اجتماعية في عالمي العرب والإسلام، مطبعة الحجاز بدمشق ١٩٧٤م، ص٢٠٦].

ومن الذين تولوا هذه النظارة الفقيه أبو عبد الله بن أبي الصبر، ونظارة المارستان، وهذه للإشراف على النواحي الصحية، ونظارة المباني، وصاحبها يتولى الإشراف على مباني الدولة والنفقة عليها.

كما اهتم المرينيون كثيرًا بالنظم القضائية؛ لما لها من أهمية كبرى في تحقيق العدالة واستقرار بقية النظم الإدارية الأخرى في الدولة، إذ إن هذه النظم القضائية هي صمام الأمن والأمان للمواطنين، وكافة عناصر الإدارة الأخرى، وهذه النظم هي القضاء، وما يتبعه من مؤسسات قضائية أخرى كالنظر في المظالم والشرطة، والحِسبة [أحمد شلبي: تاريخ التشريع والنظم القضائية في الإسلام، مكتبة النهضة المصرية ١٩٧٦م، ص٢١٧].

أما بالنسبة للنظام المالي فقد عاشت دولة بني مرين فترات كبيرة من حياتها في بلاد المغرب في ظل الرخاء والازدهار، ومرجع ذلك إلى التنظيم الدقيق الذي سار عليه المرينيون في سياستهم المالية، وإشرافهم عليها، فضلًا عما كان لدى هذه الدولة من موارد اقتصادية هائلة، دعمتها الأنشطة الرئيسية في الدولة المتمثلة في الإنتاج الزراعي والصناعي وسائر الأنشطة التجارية الأخرى.

وقد أقام المرينيون نظامهم المالي في الجباية والإنفاق على أساس أن والي كل إقليم من أقاليم الدولة مسئول مسئولية كاملة عن الجباية، والإنفاق في ولايته أمام الوزير المختص بالإشراف على خطة الجباية أو المتولي لها [ابن مرزوق: المسند، ورقة ٢٣٩].

ووفقًا للتقسيم الإداري للدولة المرينية، كانت هناك تسع ولايات تخضع من ناحية الإشراف المالي لإشراف دقيق، وفي بعض الأحيان أسند الإشراف على ديوان الخراج إلى شخص دون الوزير، وفي أحيان أخرى أسند إلى الوزراء، وكلاهما كان يخضع مباشرة للسلطان المريني سواء كان وزيرًا، أو أقل من الوزير، وهذا الشخص هو الذي يتولى بنفسه التدقيق، والتوقيع بصحة الحسابات سواء في الخراج أو العطاء [مجهول: الذخيرة السنية، ص٩٥].

وقد أشار ابن خلدون إلى ذلك بقوله: "وأما دولة بني مرين لهذا العهد فحسبان العطاء، والخراج مجموع لواحد، وصاحب هذه الرتبة هو الذي يصحح الحسبانات كلها ويرجع إلى ديوانه، ونظره معقب بنظر السلطان أو الوزير، وخطه معتبر في صحة الحسبان في الخراج والعطاء [حسن علي حسن: الحياة الإدارية والاقتصادية والاجتماعية في المغرب الأقصى، رسالة دكتوراة بدار العلوم ١٩٧٣م، ص٢٦٢].

وازدهرت الزراعة في العصر المريني بفضل ما تمتع به المغرب الأقصى من دعائم لازمة للزراعة، وأهمها وفرة مصادر المياه، وجودة التربة، وتنوع المناخ، الذي كان له أثره في تنوع المحاصيل والثمار [القلقشندي: صبح الأعشى، ج٥، ص٢٠٥].

وإلى جانب العوامل السابقة التي ساهمت في ازدهار الزراعة في العصر المريني، اهتم سلاطين بني مرين بالزراعة، فأقطعوا كبار رجال الدولة الإقطاعات الزراعية، كالقضاة [المصدر السابق، ج٥، ص٢٠٤]، وقادة الجيش، وهم كبار الأشياخ الذين منحوا الإقطاعات الجارية [الجزنائي: زهر الآس، ص ٣ ٣؛ ابن أبي زرع: الأنيس المطرب، ص٦٥].

أيضًا مثلت الصناعة بالدولة المرينية نشاطًا من الأنشطة الاقتصادية الهامة، التي يعتمد عليها المواطنون في الدولة المرينية؛ إذ أمدت هذه الصناعات المواطنين باحتياجاتهم ولوازمهم، ومما ساعد على قوة هذا اللون من النشاط الاقتصادي، أن الموحدين خلفوا للمرينيين قاعدة صناعية كبيرة تحدثت عنها بعض مصادر التاريخ، فالجزنائي يذكر أن مدينة فاس - قاعدة الصناعة الرئيسية في المغرب الأقصى - كان بها في أواخر العصر الموحدي ثلاثة آلاف وأربعة وتسعون دارًا؛ لصناعة الأطرزة، وسبعة وأربعون دارًا؛ لصناعة الصابون، وستة وثمانون دارًا؛ للدباغة، ومائة وستة عشر دارًا؛ للصباغة، واثنا عشر دارًا؛ لسباكة الحديد والنحاس، وأحد عشر دارًا؛ لصناعة الزجاج، ومن كَوْش الجير مائة وخمس وثلاثون، وألف ومائة وسبعون فُرنًا؛ لصناعة الخبز، وأربعمائة من أحجار صناعة الكاغد (الجلد)، عدا ما في خارج المدينة من دور؛ لصناعة الفخار، تصل إلى مائة وثمانين دارا[الجزنائي : زهر الآس، ص٣٤].

ويذكر الجزنائي أن الصناعة قد ازدهرت في العصر المريني أكثر مما كانت عليه في أيام الموحدين، بسبب اتساع العمران حول فاس القديمة، ببناء فاس الجديدة أو المدينة البيضاء وحي الملاح) [المصدر السابق، نفس الصفحة].

ويؤكد ذلك الجزنائي، فبعد أن استعرض أنواع الصناعات السابقة التي ورثها المرينيون عن العهد الموحدي قال: ولو مرَّ المار بالمدينة البيضاء والملاح وما هو إلى ذلك من الكهوف مقيم الآن بفاس فكانت المصانع تنتهي لأكثر من ذلك [المصدر السابق، نفس الصفحة، مجهول: الذخيرة السنية، ص٧٩].

ومن الجدير بالذكر أن حالة الأمن والاستقرار التي سادت الدولة المرينية انعكست على نشاطها التجاري، وقد حرص سلاطين بني مرين على توفير الأمن، وكان ذلك هدفًا رئيسيًا لهم منذ اضطلاعهم بقيادة زمام الأمور في بلاد المغرب الأقصى، بعد أن عجز الموحدون عن توفير ذلك الأمن، فأصاب البلاد ما أصابها من التدهور والاضطراب [مجهول : الذخيرة السنية، ص١٣٨؛ ابن أبي زرع: الأنيس المطرب، ص٣٠٧؛ ابن خلدون: العبر، طبعة مؤسسة الأعلمي، بيروت ١٩٧١م، ج٧، ص١٨٢ ] ، ودأب سلاطين بني مرين على الضرب على أيدي كل من تسول له نفسه الاعتداء على الأموال، ففي سنة (٦٦٩هـ/١٢٧٠م)، بعد إعلان قيام الدولة بعام واحد توجه السلطان أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق إلى منطقة درعة؛ لتأديب بعض القبائل العربية التي كانت تثير الشغب، وتعتدي على الناس والأموال، ونقل هؤلاء العرب إلى مراكش؛ ليكونوا تحت رقابة دقيقة من عمال الدولة هناك [ابن مرزوق: المسند، ورقة ٢٨٦- ٢٨٧] .

كما سهر المرينيون على تأمين طرق المواصلات بين مدن الدولة، فاستحدثوا تنظيمات جديدة على طول الطرق التي تربط بين العاصمة فاس والمدن الأخرى، كمراكش، وتلمسان، وسبتة، وسميت هذه التنظيمات (بالرتب) وهي عبارة عن خيام تقام على مسافات متساوية تقدر باثني عشر ميلًا، يسكنها أهل المنطقة التي تقام بها، ويُمنحون إقطاعًا من الأرض على قدر كفايتهم، وتلزمهم الإدارة المرينية ببيع الشعير والطعام، وما يحتاج إليه المسافرون من الأدم والمرافق على أن يقوم أهل المنطقة بحراسة المسافرين وأمتعتهم، فإن ضاع منهم شيء كانوا الضامنين له [المصدر السابق، ورقة ٢٨٧]، يقول ابن مرزوق: "فلا يزال المسافر كأنه في بيته وبين أهله في ذهابه وإقباله"[المصدر السابق، ورقة ١٦٣]:

علاوة على ذلك نظمت الدولة فرقًا أطلقت عليها اسم (الغرباء)، وهذه الفرق مهمتها حراسة الطرق وخدمتها، كما كانت هذه الفرق جهازًا؛ للسهر على أمن الدولة، إذ كان هؤلاء (الغرباء) عيونًا، وجواسيس يراقبون أي خطر يهدد الأمن، أو سلامة البلاد، فيبادرون بإبلاغه للسلطات المسئولة [عبد العزيز بن عبد الله: مظاهر الحضارة، مجلة البينة بالمغرب، السنة الأولى ١٩٦٢م، ص٥٥- ٥٦].

وإلى جانب استقرار حالة الأمن، توفرت للنشاط التجاري الأسواق الداخلية والخارجية، وهي الميادين التي تدور فيها السلع بيعًا وشراءً، كما توفر الإنتاج الزراعي والصناعي، وهما الأساس القوي؛ لازدهار أي نشاط تجارى.

وفي مجال العمران حرص المرينيون على تنشيط حركة البناء والتعمير في دولتهم؛ باعتبارها مظهرًا لحياتهم الاجتماعية الراقية المتقدمة، وقد شملت حركة البناء والتعمير جميع جوانب الحياة في المجتمع المريني، من مدن جديدة، ومنشآت عامة كالمساجد ، والمدارس، والمستشفيات، والفنادق، والقناطر علاوة على المنشآت العسكرية، حيث شعر المرينيون دائمًا بحاجتهم إلى إقامة المدن الجديدة، فبنوا خلال عهدهم عددًا كبيرًا من المدن الجديدة، وكانت هذه المدن آية من آيات الفن والعمارة في ذلك الوقت، وأصبحت هذه المدن ظاهرة تميز فن العمارة المريني عن غيره من فنون العمارة الحفصية، والعبد الواحدية، والأندلسية [مجهول: الحلل الموشيه ، ص١٤٧]، ومن تلك المدن فاس الجديدة، والمنصورة، وتطاوين.

البناء العمراني والتعليم في عهد بني مرين

كما اهتم المرينيون ببناء المساجد الجديدة، فاحتوت كل مدينة من المدن الجديدة التي سبق ذكرها على مسجد كبير، كالمسجد الجامع بفاس الجديدة الذي بُني سنة (٦٧٧هـ/١٢٧٨م)، وقد علقت بهذا المسجد ثرياه التي كان وزنها سبعة قناطير وخمسة عشر رطلًا، وعدد كؤوسها مائتان وسبعة وثمانون كأسًا [نفس المصدر والصفحة. المجلس الأعلى للشئون الإسلامية]، وغير هذه المساجد في المدن الجديدة، مساجد أخرى لا تقع تحت الحصر بنيت في سائر جهات الدولة، وفي الزوايا والأربطة [ابن مرزوق: المسند، ورقة ٢٧٣؛ محمد الفاسي: التعريف بالمغرب، المغرب طبعة ٩٦١ ١، ص٤٧؛ روجيه لوتورنو: فاس في عهد بني مرين، ص٢٨]، نذكر منها على سبيل المثال بناء مساجد العباد، وسيدي الخلوي، إضافة إلى الاهتمام بترميم المساجد القديمة مثل مسجد الأندلس بالعدوة الأندلسية.

وتعتبر المدارس المرينية أبلغ دليل على روعة العمارة المرينية، حيث اهتم المرينيون باستكمال كافة لوازم هذه المدارس ومتطلباتها، حيث كان الطلبة يقيمون فيها على نفقة السلطان المريني، وجاء اهتمام سلاطين بني مرين بالمدارس؛ لأنهم اتخذوا منها ميدانًا لتدريس الفقه المالكي، ويبدو أن ذلك عَجَل برحيل مذهب الموحدين الذي سيطر على بلاد المغرب أمدًا طويلًا.

وقد أنشأ المرينيون مدارسهم بمفهوم جديد، حيث لم تكن هناك في المغرب قبل العصر المريني مدارس للتعليم العالي المتخصص، وأماكن لسكنى الطلبة، وإنما كان العلماء المدرسون يلقون دروسهم في المساجد ، وبصفة خاصة في جامع القرويين، وقد ابتنى المرينيون مدارسهم في العاصمة فاس و في غيرها من مدن المغرب الأقصى [ابن خلدون: العبر، ج٧، ص٢١٠، السلاوي : الاستقصا، ج٢، ص٤٥٤ لوتورنو: فاس في عصر بني مرين، ص٢٨] وكانت مدرسة الصفارين أولى المدارس التي بناها سلاطين بني مرين في دولتهم، بناها السلطان يعقوب بن عبد الحق، وسميت بهذا الاسم؛ لأنها أقيمت بالقرب من السوق الذي تصنع فيه أواني النحاس الأصفر، ولما تم بناؤها عين لها السلطان المدرسين، وأجرى على طلبتها النفقة، وزود المدرسة بخزانة كتب وردت إليه من الأندلس [ جوليان: إفريقيا الشمالية ، الدار التونسية ١٩٧٨م ، ج٢ ، ص٢٤١].

وجاءت مدرسة الصفارين بسيطة في فنها المعماري، حيث يحتوي صحنها في الوسط على بِركة مستطيلة الشكل اصطفت على جوانبها غرف الطلبة، وألحق بها مصلى صغير تؤدى فيه الصلوات ، كما ابتنى أبو يوسف يعقوب مدرسة أخرى بمراكش[ابن مرزوق: المسند، ورقة ٢٧٢، السلاوي الاستقصا ]، وجاء السلطان أبو سعيد المريني، فاهتم ببناء المدارس، فأسس في فاس وحدها مدرسة العطارين، ومدرسة المدينة البيضاء، ومدرسة الصهريج، والمدرسة الكبرى مدرسة الوادي، والمدرسة المصباحية، نسبة إلى الإمام مصباح بن عبد الله الياصلوتى، وهو أول من عين للتدريس بها ، وتحتوي هذه المدرسة على مائة وسبع عشرة غرفة ، وتحتفظ بظلة جميلة من الخشب المنقوش، كما تمتاز بأناقة دهليزها ومدخل مصلاها[ الجزنائي: زهرة الآس، ص٢٧، ابن القاضي : جذوة الاقتباس، ص٢٣ - ٢٤] وقد جلب السلطان أبو الحسن المريني لهذه المدرسة من الأندلس: بيلة من الرخام الأبيض، وزنها مائة وثلاثة وأربعون قنطارًا[محمد الفاسي: نشأة الدولة المرينية، ص٢٢- ٢٣ ].

ولم يقف سلاطين بني مرين عند الاهتمام ببناء المدارس في عاصمتهم فاس، وإنما أنشأوا المدارس في سائر بلاد المغرب، فأنشأ أبو الحسن المريني في كل بلد من بلاد المغرب الأقصى وبلاد المغرب الأوسط مدرسة، فأنشأ بمدينة تازي قديمًا مدرستها الحسنة وببلد مكناسة وسلا.

أما في المجال الفكري فقد شهد المغرب الأقصى في عهد المرينيين حصاد قرنين من المجهودات العلمية، بفضل جهود المرابطين والموحدين في مجالات الثقافة والعلم والأدب، وما أن جاء المرينيون حتى انطلقت الحياة الفكرية في عهدهم إلى آفاق أرحب وأوسع، أتاحت للعقلية المغربية مزيدًا من النضوج [عبد الله كنون: النبوغ المغربي، ج١، ص ١٨٥].

الحياة الفكرية والثقافية في عهد بني مرين

وقد دعم سلاطين بني مرين انطلاق الحياة الفكرية في عهدهم بدعائم أهمها:

  1. أن سلاطين بني مرين لم يقيموا دولتهم على أساس أفكار دينية [الفرد بل: الفرق الإسلامية، ص٣٢٦]، وعلى هذا الأساس لم يفرضوا على العلماء في دولتهم أن يتقيدوا بوجهة نظر معينة.
  2. احتضن سلاطين بني مرين في مجالسهم العلماء على اختلاف مستوياتهم وآرائهم وأفكارهم، بل لقد سمح المرينيون في كثير من الأحيان بتدريس آراء الموحدين في مدارسهم احترامًا منهم لحرية الفكر [عبد الله كنون: النبوغ المغربي، ج١، ص٨٥].
  3. أن المرينيين أوجدوا في المغرب الأقصى أكبر قاعدة فكرية وثقافية قامت في بلاد المغرب منذ الفتح الإسلامي، وتمثلت هذه القاعدة في ذلك العدد الضخم من المدارس العالية المتخصصة التي انتشرت في أنحاء المغرب الأقصى على نحو لم يسبق له مثيل، دون تمييز بين المدن الصغرى، والمدن الكبرى، بل امتدت هذه المدارس إلى مناطق أخرى من بلاد المغرب، في المغرب الأوسط حين كان تحت سلطة المرينيين.
  4. لم يضع سلاطين بني مرين أمام العلماء المغاربة وغيرهم من علماء الأندلس و أدبائها المهاجرين إلى المغرب الأقصى - تحت وطأة الزحف النصراني على ممتلكات المسلمين في الأندلس- أي عوائق، تعوق إقامتهم في ربوع الدولة المرينية، والتمتع بكل المميزات التي يتمتع بها أقرانهم من العلماء المرينيين، بل لقد انضم كثير من هؤلاء العلماء إلى مجالس سلاطين بني مرين العلمية ، وشغل بعضهم مناصب كبرى في الدولة المرينية كابن خلدون، وابن الخطيب، وابن الأحمر، وابن رضوان، وابن مرزوق، وابن جزى والمقري، وغيرهم من العلماء الذين تفيأوا ظلال بني مرين، وقد أدى ذلك بطبيعة الحال إلى تطعيم الحركة الفكرية في العصر المريني برصيد هائل وضخم من الثقافة الأندلسية المتنوعة.


مصادر ومراجع للاستزادة

  • ابن بطوطة (أبو عبد الله محمد بن إبراهيم - ت٧٧٦هـ): تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، مطبعة التقدم.
  • الجزنائي (أبو الحسن علي): زهرة الآس في بناء مدينة فاس، تحقيق الفرد بل، الجزائر، ١٩٢٢م.
  • ابن الخطيب (لسان الدين - ت٧٧٦هـ): كناسة الدكان بعد انتقال السكان، تحقيق محمد كمال شبانة، ٩٦٦م.
  • الإحاطة في أخبار غرناطة، تحقيق محمد عبد الله عنان، الخانجي، القاهرة.
  • ابن خلدون (عبد الرحمن - ت٨٠٨هـ): العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، بيروت، ١٩٧١م.
  • ابن أبي زرع (على بن محمد بن أحمد- ت٧٢٧هـ): الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب ومدينة فاس، نشر دار المنصور للطباعة، الرباط، ١٩٧٢م.
  • السلاوي (أحمد بن خالد الناصري: الاستقصا في أخبار المغرب الأقصى، القاهرة، ١٣١٢هـ.
  • إبراهيم أحمد العدوي (دكتور): التاريخ الإسلامي آفاقه السياسية وأبعاده الحضارية، مكتبة الأنجلو، القاهرة، ١٩٧٦م.    
  • إبراهيم حركات: المغرب عبر التاريخ، دار السلمي، الدار البيضاء.
  • عبد العزيز بن عبد الله: مظاهر الحضارة المغربية، الدار البيضاء، ١٩٥٧م.
  • محمد عبد الله عنان: دولة الإسلام في الأندلس، القاهرة ١٩٦١م.    
  • محمد عيسى الحريري: تاريخ المغرب والأندلس في العصر المريني، دار القلم، الكويت،١٩٨٧م.
  • محمد الفاسي: التعريف بالمغرب، القاهرة، ١٩٦١م.

الخلاصة

دولة بني مرين، التي نشأت في المغرب بين القرن الثالث عشر وحتى منتصف القرن الخامس عشر الميلادي، كانت قوة سياسية وحضارية بارزة في المغرب الإسلامي، وتميزت بتأسيس نظام حكم سلطاني منظم، وازدهرت فيها الزراعة والصناعة والتجارة، بالإضافة إلى عزيمة كبيرة للحفاظ على الوحدة والجهاد ضد القوى المسيحية في الأندلس، كما أولت اهتمامًا ملحوظًا بالبناء العمراني، المدارس، والحياة الفكرية، مما جعلها مركزًا ثقافيًا وعلميًا هامًا في المنطقة خلال عهدها.

موضوعات ذات صلة

في قلب المغرب الإسلامي، برزت الدولة الحفصية كقوة حاكمة.

أسرة أندلسية شهيرة تميزت بريادتها في الطب والكيمياء والصيدلة.

هي الأسرة الصنهاجية التي تولت حكم إفريقية والمغرب بعد رحيل الفاطميين.

موضوعات مختارة