Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الموحدون

الكاتب

أ.د/ حسن علي حسن

الموحدون

تُعد دولة الموحدين واحدةً من أعظمِ الدّولِ الإسلاميّة في المغرب والأندلُس، حيثُ قامتْ على مبادئَ دينيةٍ صارمةٍ، وحقّقت وحدةً سياسيّةً واسعةً.

تأسيس دولة الموحدين

نجح داعية الموحدين المهدي محمد بن تومرت في زلزلة الأرض تحت أقدام المرابطين في المغرب الأقصى، وذلك بما أذاعه من أفكار ومبادئ تخالف الكثير من الأسس التي قامت عليها دولة المرابطين، وكان الكفاح المسلح الذي قاده عبد المؤمن بن علي التلميذ المخلص لابن تومرت هو الوسيلة الفعالة في القضاء على الحكم المرابطي وإقامة الدولة الجديدة: دولة الموحدين في بلاد المغرب والأندلس سنة ٥٤١هـ/ ١١٤٦م.

وكثير من المؤرخين يرجعون نسب ابن تومرت إلى البيت النبوي، حيث يذكرون نسبه بقولهم: هو محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن هود بن خالد، ويصلون بنسبه إلى الحسن بن علي بن أبي طالب [ابن القطان: نظم الجمان، ص٣٤، ابن أبي زرع، الأنيس المطرب، ج٢، ص١٠١].

هذا النسب إلى بيت النبوة تشكك فيه بعض المؤرخين الأجانب من أمثال تراس وجوليان وليفي بروفنسال وغيرهم، إلا أن ابن خلدون دافع عن نسب ابن تومرت إلى بيت النبوة وفند مزاعم من هاجم هذا النسب، وأرجع أسباب ذلك إلى حقد العلماء والفقهاء بالدولة المرابطية؛ هؤلاء الذين خشوا من ضياع نفوذهم وسلطانهم حين هاجمهم ابن تومرت الذي استغل نسبه إلى البيت النبوي في تثبيت دعوته في نفوس أتباعه معلنًا أنه المهدي المنتظر.

ينتمي ابن تومرت إلى قبيلة هرغة إحدى قبائل المصامدة، وقد نشأ نشأة دينية محبًا للعلم حريصًا عليه؛ غير أن تلك الدراسات التي تلقاها في موطنه لم تروي ظمأه العلمي، ومن هنا قام سنة (٥٠٠هـ / ١١٠٧ م) برحلة علمية إلى المراكز الثقافية المشهورة في العالم الإسلامي مثل مكة وبغداد، وبعد خمسة عشر عامًا عاد إلى بلاد المغرب وقد تزود من هذه الرحلة بقدر كبير من المعرفة والثقافة ظهرت نتائجها في كثير من آرائه الدينية التي نادى بها فيما بعد، كما أن هذه الرحلة فتحت عينيه على الحالة السياسية للمسلمين ببلاد المشرق، ومدى الانقسام الذي تعيشه الدويلات الإسلامية وضعف الخلافة العباسية؛ لذا عزم على تحقيق الوحدة الإسلامية في ظل خلافة موحدة، وبدأ دوره كمصلح ديني خلال مروره على المدن المغربية في رحلة عودته.

وتكتسب عودة ابن تومرت أهمية خاصة حين التقى بعبد المؤمن بن علي الذي صار فيما بعد التلميذ المخلص لابن تومرت والمؤسس الفعلي لدولة الموحدين، وقد تابع ابن تومرت في كل مكان يذهب إليه؛ يحفظ عنه مبادئه وتعاليمه ويرقب إقبال الناس عليه والتفافهم حوله.

وكان الصدام بين الداعية ابن تومرت والسلطة المرابطية في مراكش في منتصف ربيع الأول سنة (٥١٥هـ - ١١٢١م) حيث اجتمع جماعة من علماء المرابطين في حضور أمير المرابطين علي بن يوسف بابن تومرت لمناقشته فيما يدعو إليه؛ واستطاع ابن تومرت بما أوتي من علم وذكاء أن يتغلب على جدل فقهاء المرابطين وينتصر عليهم، وأسفرت المناظرة عن طرد ابن تومرت من مراكش خشيه التأثير في العامة فضلًا عن إضعاف مركز الفقهاء.

وما إن فارق ابن تومرت مراكش حتى أعلن عن نواياه في مواجهة السلطة الحاكمة، حيث أعلن عن خلع أمير المرابطين علي بن يوسف، وبايعه من حوله إمامًا للدعوة الجديدة سنة (٥١٥هـ/ ١١٢١م)، وانتهى المطاف بابن تومرت في مدينة تينملل؛ تلك المدينة التي أصبحت فيما بعد العاصمة السياسية والروحية للموحدين في عهد ابن تومرت ثم العاصمة الروحية لخلفاء الموحدين، وقد وجد ابن تومرت ضالته المنشودة في مدينة تينملل إذ إنها مدينة منيعة وحصينة مما جعلها مركزًا صالحًا في توجيه شئون الدعوة.

ما إن استقر ابن تومرت في تينملل حتى شرع في تحقيق مبادئه السياسية والدينية التي تنحصر في إقامة خلافة إسلامية بالمغرب، والقضاء على التزمت الديني الذي كان يحياه فقهاء المرابطين والحد من سيطرتهم، وفي سبيل تحقيق هذه المبادئ استخدم ابن تومرت كل ما يملك من أسباب القوة والوسائل الأخرى من دهاء وحزم وعلم حتى يحقق ما يريد، ومن وسائله: أنه ألف لهم عقيدة في التوحيد بلغة البربر حتى يسهل حفظها، كما أرسل الرسائل والكتب إلى القبائل يدعوهم فيها إلى الانضمام إليه والخروج على الدولة، ويبدو أن ابن تومرت لم يدخر وسيلة إلا واستغلها مع ما أُوتي من ذكاء ومهارة، بالإضافة إلى اختياره للسذج ليكونوا أتباعًا له، ومن ثم يسهل عليه السيطرة عليهم، وصارت له الكلمة العليا في كل شئونهم.

وحين تحقق ابن تومرت من طاعة أتباعه وولائهم له؛ بدأ الكفاح المسلح الذي صار ضرورة حتمية لنجاح دعوته، وقد شارك ابن تومرت في هذا الكفاح المسلح إذ تذكر المصادر أنه اشترك في تسع غزوات ضد المرابطين؛ إلا أن معركة البحيرة سنة (٥٢٤هـ / ١١٢٩م) كانت بداية النهاية لحياة ابن تومرت إذ أصيب الموحدون بهزيمة شنعاء قتل فيها عدد كبير من الموحدين، وكانت صدمة كبيرة لابن تومرت، غير أن ما خفف من هذه الصدمة هو بقاء عبد المؤمن بن علي على قيد الحياة، وأثرت الصدمة في ابن تومرت الذي فارق الحياة في سنة (٥٢٤هـ/ ١١٢٩م) بعد أن ترك حزبًا على أرض المغرب الأقصى ضد المرابطين وأتباعًا يؤمنون بمبادئه.

تولى عبد المؤمن بن علي أمور الموحدين، وتعرِّفه المصادر بقولها: هو عبد المؤمن بن علي الكومي، أمه حرة من كومية من قوم يقال لهم بنو مجير، مولده بضيعة من أعمال تلمسان تعرف بتاجرا، ومن المؤرخين من ينسبه إلى العرب وبعضهم ينكر ذلك، وكان مولده ٤٨٧هـ/١٠٩٤م.

تولى عبد المؤمن بن علي قيادة الموحدين، وواصل كفاحه ضد المرابطين، ذلك الكفاح الذي استغرق عشر سنوات في منطقة الأطلس جنوبي مراكش ووادي درعة وبلاد السوس وغيرها من المناطق، وقد كان النصر حليف الموحدين في هذا الكفاح حتى سقطت مراكش عاصمة المرابطين سنة(٥٤١هـ/١١٤٦م) وقتل كثير من أهلها فضلًا عن إسحاق بن علي آخر أمراء المرابطين، وبذلك قامت دولة الموحدين.

النشاط السياسي والعسكري للموحدين

بعد أن سيطر عبد المؤمن على مقاليد الأمور في العاصمة مراكش وأحكم قبضته على أقاليم المغرب الأقصى، نراه يوجه اهتمامه إلى بقية أقاليم المغرب حيث خرجت الجيوش الموحدية في حملات متتابعة ناحية الشرق حتى وصلت إلى طرابلس في إفريقية محققة انتصارات عسكرية متوالية، وبذلك نجح الموحدون في تحقيق أحد أهداف ابن تومرت، وهو إقامة وحدة سياسية للمغرب الإسلامي، وفي نفس الوقت لم ينس الموحدون واجبهم الديني في حماية الأندلس وذلك حين شرع عبد المؤمن في تجهيز حملة كبيرة لدفع الفرنج عن مدن الأندلس سنة (٥٥٦هـ/١١٦١م) إلا أن مرض الخليفة عبد المؤمن حال دون إتمام هذه الحملة حيث أفضى مرضه إلى موته سنة (٥٥٨هـ /١١٦٣م).

وتولى خلفًا له ابنه يوسف بن عبد المؤمن حيث بويع برباط الفتح سنة (٥٥٨هـ /١١٦٣م)؛ وذلك لما يتمتع به من صفات العدل والورع والعلم مما جعله أهلا لتولي منصب الخلافة في المغرب، وقد واجه الخليفة يوسف بن عبد المؤمن ثورة في جبال غمارة إلا أنه نجح في القضاء عليها، ثم وجه الخليفة الموحدي معظم جهوده لدعم السلطة السياسية في الأندلس، حيث نراه يرسل جنود الموحدين في حملات متتابعة إلى الأندلس، ثم خرج على رأس حملة كبيرة متوجهًا إلى الأندلس سنة (٥٧٩هـ/١١٨٣م) إلا أن هذه الحملة لم يكتب لها النجاح ؛حيث أصيب الخليفة بسهم عند أسوار مدينة شنترين الأندلسية مما دفع الجنود إلى العودة إلى بلاد المغرب ومعهم الخليفة المصاب حيث قضى نحبه في سنة (٥٨٠هـ/ ١١٨٤م) بعد أن قضى في مقعد الحكم اثنتين وعشرين سنة.

تولى مقاليد الأمور بعده ابنه يعقوب بن يوسف في (٥٨٠هـ/ ١١٨٤م) وتلقب بالمنصور الموحدي، وقد بلغت الدولة الموحدية في عهده الذي استمر ما يقرب من خمسة عشر عامًا أوج ازدهارها وتقدمها، وذلك بالرغم من مواجهته عدة ثورات نجح في القضاء عليها؛ إلا أن جهوده العسكرية برزت واشتهرت بشكل كبير في ميدان الأندلس حيث توج اهتمامه هناك بانتصاره العظيم في معركة الأرك سنة (٥٩١هـ/ ١١٩٤م)، وكانت بين جيوش المسلمين بقيادة بطل الأرك المنصور الموحدي وجنود الفرنج بقيادة الأذفونش وحقق جنود الموحدين فيها نصرًا كبيرًا، وترتب على هذا الانتصار عدة نتائج منها: أنها وطدت من سلطة الموحدين بالأندلس، كما أوقفت زحف الفرنج على مدن الأندلس، وزادت من هيبة الموحدين في بلاد المغرب والأندلس حتى إذا حلت سنة (٥٩٥هـ/ ١١٩٨م) مرض المنصور وتوفي بعد فترة كفاح وجهاد استمرت خمسة عشر عامًا.

تولى الخليفة أبو عبد الله محمد بن يعقوب الملقب بالناصر لدين الله سنة (٥٩٥هـ/ ١١٩٨م) وقد حدثت في عهده عدة تطورات سياسية وعسكرية انتقلت بالدولة الموحدية من مرحلة القوة والسيادة التي تمتعت بها من قبل إلى مرحلة التمهيد للانهيار العام ثم سقوط الدولة؛ غير أن نذر الضعف لم تظهر في أوائل عهد الناصر إذ حقق في أول عهده عدة انتصارات عسكرية في الجبهة الأفريقية، إلا أن جبهة الأندلس لعبت دورًا كبيرًا في إضعاف الدولة الموحدية، وذلك حين فجع الموحدون بهزيمة قاسية في معركة العقاب بالأندلس سنة (٦٠٩هـ /١٢١٢م) راح ضحيتها الكثير من جند الموحدين، وامتدت آثار هذه المعركة إلى الأندلس حيث دخلت منذ هذه المعركة في دور الضعف الذي عجل بسقوطها بعد ذلك في أيدي الفرنج؛ كما انعكست آثار هذه المعركة على الأوضاع في بلاد المغرب، حيث أصيب الناصر بالمرض وتوفي سنة (٦١٠هـ/١٢١٣م)، يسجل تاريخ وفاة الخليفة الناصر الموحدي بداية انهيار دولة الموحدين على الرغم من امتداد عمر الدولة حتى سنة ٦٦٨هـ، والواقع أن هناك عدة عوامل ساهمت في القضاء على هذا الصرح الشامخ وهو دولة الموحدين، ومن هذه العوامل فوضى الإدارة، وتفكك وحدة قبائل الموحدين، والضعف الحربي والسياسي الذي مُنيت به الدولة بعد هزيمتهم في معركة العقاب بالأندلس، والعرب الهلالية وما أحدثوه من ثورات واضطرابات في أنحاء الدولة، يُضاف إلى ذلك توسع الفرنج ونجاحهم في الاستيلاء على العديد من مدن الأندلس واستنفاد قوى الموحدين في إيقاف مدهم، وكذلك حركة بني غانية في إفريقية وثوراتهم المتكررة التي أدت إلى خروج الجيوش الموحدية لإخمادها، وأخيرًا ضعف خلفاء الموحدين الذين تولوا بعد الناصر الموحدي والصراع بين أمراء البيت الموحدي؛ كل هذه العوامل ساهمت بشكل كبير في سقوط دولة الموحدين سنة ٦٦٨هـ/ ١٢٦٩م.

بعض مظاهر الحضارة في دولة الموحدين

شهد المغرب في عهد الموحدين تقسيمًا إداريًا إلى عدة أقاليم، وتولى إدارة هذه الأقاليم ولاة من قبل السلطة الموحدية، وقد تمتعت بعض الأقاليم بأهمية خاصة كإقليم فاس باعتبارها مركزًا دينيًا وثقافيًا، وكذلك إقليم مراكش وبه عاصمة البلاد.

كذلك أنشأ الموحدون عدة دواوين لخدمة احتياجات البلاد، وفي مقدمة هذه الدواوين ديوان الإنشاء الذي يختص بالمراسيم السلطانية والرسائل الموجهة إلى الولاة والقضاة، وبجانب هذا الديوان كان هناك ديوان الجيش، وكان يتفرع إلى ديوانين لكل منهما اختصاصه:

الأول: ديوان العسكر، وهو الذي يختص بالجند النظاميين والحرب والعبيد، ووظيفته إحصاء الجند ومعرفة حاجاتهم المتجددة.

والديوان الثاني: هو ديوان التمييز، وكان التمييز عادة جرى عليها الموحدون منذ عهد ابن تومرت، وهو نظام شبيه بنظام الامتحان يسمى التمييز، وكل من ميز وثبت توحيده عد موحدًا، وسجل في سجل خاص في العاصمة.

وكانت عادة التمييز تستخدم خاصة قبل القيام بمعركة من المعارك، يضاف إلى ما سبق من دواوين ديوان الأعمال المخزنية وهو المختص بالشئون المالية في الدولة من تحصيل للأموال العامة وإنفاقها ورقابة العمال والمشرفين ومحاسبتهم.

كما اهتم الموحدون بنظام البريد وجعلوه بشكل متقن وسريع وفي الليل والنهار وفي البر والبحر، وكانت مهمته حمل الرسائل، وأسندوا هذه الوظيفة لرجال أقوياء ومدربين على الركض والعدو، وكان حامل البريد يُسمّى الرقاص وله أهمية خاصة؛ إذ كان يقوم بحمل الأوامر والأخبار من العاصمة إلى ولاة الأقاليم، فهو همزة الوصل بين الحكام وولاتهم.

كذلك اهتم الموحدون بوظيفة الشرطة، وكان يطلق على صاحب الشرطة العريف، ووظيفته معاونة الحكام وأصحاب المظالم وإقامة الحدود والتعازير وإشخاص الناس لذلك، ومراقبة الأبواب وغير ذلك، كذلك اهتم الموحدون بالنظام المالي، وكما كانت هناك دواوين للمال بالعاصمة؛ كان هناك ديوان مالي بكل إقليم يختص بماليته.

ويبدو أن الموحدين قد أفردوا دارًا أطلق عليها دار الإشراف تختص بالإشراف على النواحي المالية؛ كما أن هناك وزيرًا مسئولًا عن الشئون المالية في الدولة يطلق عليه صاحب الأشغال ويعاونه رؤساء الدواوين المالية وهم:

١- صاحب ديوان الأعمال المخزنية الذي يراقب إيرادات الدولة ويشرف على الدخل والمنصرف ويعاونه بعض المشرفين كخازن المال وخازن الطعام.

٢- مُتَولي المجابي وهو المسئول عن تحصيل الضرائب.

٣- مُتَولي المستخلص وهو المشرف على أموال الخليفة.

وفي مجال الزراعة:

اهتم خلفاء الموحدين بالزراعة، وشجعوا المزارعين على استغلال الأرض، وحرصوا على توفير مياه الري اللازمة للزراعة، وقد لجأ بعض ولاة الأمر إلى منح بعض الأراضي الزراعية للجنود لزراعتها واستثمارها، وذلك على شكل إقطاعات، وهؤلاء بدورهم عملوا على استغلالها مما ساعد على ازدهار الزراعة ونموها.

وقد شهدت البلاد مصدرًا خصبًا لكثير من المحاصيل الزراعية، ومن هذه المحاصيل القمح الذي زرع بمناطق متعددة كمدينة طنجة ومدينة البصرة وسبته وغير ذلك من المدن، وكذلك الشعير والذرة والقطن وقصب السكر وغير ذلك من المحاصيل، كما شهدت المنطقة وفرة في زراعة الفاكهة بأنواعها المختلفة كالكروم والرمان والكمثرى وغير ذلك من الفواكه.

وفي مجال الصناعة: ازدهرت الصناعات في بلاد المغرب نتيجة استقرار أوضاع البلاد ووجود المواد الخام والأيدي الماهرة في الصناعة؛ ومن الصناعات البارزة صناعة السفن والزجاج والنسيج وأدوات النحاس والحديد.

وقد أشار أحد المؤرخين إلى كثرة المصانع في عهد الناصر الموحدي حتى بلغ عدد مصانع الصابون في العاصمة سبعة وأربعين مصنعًا، وسبك النحاس مائة واثني عشر مصنعًا، ومصانع الغزل مائة وواحدًا وأربعين مصنعًا وغير ذلك من المصانع [البستان أخبار الزمان، مخطوط، ورقة ٢٩].

وفي مجال التجارة:

 ازدهرت التجارة الداخلية والخارجية وشهدت الأسواق التجارية المنبثة في مختلف المدن المغربية حركة تجارية ونشاطًا في البيع والشراء وذلك نتيجة للاستقرار السياسي الذي أظل البلاد مع امتداد سلطة الموحدين حتى طرابلس شرقًا وصحراء المرابطين جنوبًا والأندلس شمالًا، هذا الاتساع المكاني أعطى امتدادًا للحركة التجارية بين مدن المغرب وغيرها من مناطق المغرب، وساهمت كثرة المحاصيل الزراعية فضلًا عن بعض المصنوعات المختلفة التي كانت تباع في الأسواق، يضاف إلى ذلك ما كانت تستورده البلاد من بضائع مختلفة، فضلًا عن اهتمام الموحدين بالتجارة والعمل على تنشيطها بتشجيع التجار على المجيء إلى البلاد، كل ذلك ساهم في انتعاش الأسواق الداخلية، وفي هذه الأسواق انفردت كل تجارة بناحية معينة كسوق النحاسين وسوق الفاكهة وسوق الزياتين وسوق الأسماك وغير ذلك من الأسواق.

وترتب على هذا الانتعاش التجاري أن قامت البلاد في عهد الموحدين بتصدير كثير من البضائع، منها القطن والقمح والسكر والزيتون والزيت المستخرج منه وغير ذلك.

وفي مجال البناء والتعمير: 

شهدت البلاد في عهد الموحدين اهتمامًا بالغًا بالإنشاء والتعمير سواء في المغرب أو الأندلس، وحظيت مراكش والرباط وغيرها من المدن المغربية بكثير من المنشآت الموحدية كالمساجد والقصور والحصون وغير ذلك من المنشآت.

ومن مظاهر اهتمام الموحدين بالبناء؛ بناؤهم مدينة رباط الفتح التي تقع قريبًا من مدينة سلا، وقد سميت في بادئ الأمر بالمهدية تيمنًا باسم المهدي بن تومرت، واتخذها عبد المؤمن بن علي قاعدة عسكرية لتجهيز جنوده، ثم شيدت بها بعض المنشآت وسكنها الناس سنة (٥٤٥هـ/ ١١٥٠م)، فلما تولى الخليفة يوسف بن عبد المؤمن اهتم بتوسيعها والزيادة فيها، وأكمل ابنه الخليفة المنصور الموحدي المباني والمنشآت وأنشأ عدة منشآت وشهدت المدينة على يديه تقدمًا وازدهارًا.

كذلك اهتم الموحدون ببناء المنازل والقصور وخاصة في العاصمة مراكش التي اهتم بها الخليفة المنصور الموحدي وبنى بها ضاحية امتدادًا لها وبها عدة قصور ومنشآت أخرى؛ وذلك لتتناسب مع عظمة الدولة واتساعها؛ يضاف إلى ذلك اهتمام الموحدين ببناء المساجد ومنها: جامع كبير، وهو جامع الكتبيين في (٥٥٣هـ/١١٥٨م)، وامتد اهتمام الموحدين ببناء المساجد إلى كثير من المدن المغربية وفي مقدمتها مدينة فاس، كما وجه الموحدون اهتمامهم إلى المنشآت العامة كالمدارس والمستشفيات والحمامات وغير ذلك.

الحياة الفكرية في عهد الموحدين

شهدت بلاد المغرب نهضة فكرية في عهد الموحدين، وقد تضافرت عدة عوامل على دفع الحركة الفكرية؛ منها: استقرار الأوضاع في البلاد حيث استطاعوا توحيد مناطقها المختلفة في ظل حكومة مركزية واحدة، وفي مناخ الاستقرار نمت الحركة الفكرية وترعرعت فروعها حتى صارت وارفة الظلال تعطي أطيب الثمار.

وساهم ولاة الأمر في تشجيع العلم والعلماء، وكان خلفاء الموحدين كعبد المؤمن بن علي - والمنصور الموحدي وغيرهما يكرمون العلماء ويجزلون لهم الهدايا والأموال.

يضاف إلى ذلك تلك العلاقة الوثيقة بين المدن المغربية والأندلس التابعة لدولة الموحدين؛ حيث أقبل علماؤها على العاصمة الموحدية واتخذ منهم خلفاء الموحدين الوزراء والكتاب والقضاة وغير ذلك من مناصب الدولة المختلفة، فضلًا عن إقبال الأدباء والشعراء وغيرهم على المغرب، وأخيرًا رغبة الكثير من أبناء المغرب وحرصهم على طلب العلم في ظل تشجيع ولاة الأمر لهم وبنائهم المؤسسات التعليمية؛ كل ذلك ساهم في ازدهار الحركة الفكرية بالبلاد.

وكما عاش المغرب في ظل دعوة دينية في ظل المرابطين، كذلك شهد المغرب هزة فكرية جديدة متمثلة في الدعوة الدينية التي نادى بها ابن تومرت وبثها بين أتباعه ومريديه محاربًا بها الدعوة المرابطية، وهذه الدعوة خلاصة دراساته التي درسها في رحلته المشرقية.

لقد استمدت هذه الدعوة مكوناتها من مذاهب متعددة؛ فقد نادى بالإمامة وبعصمة الإمام على مذهب الشيعة، ويقول بالظاهرية، ويكره التأويل على رأي داود وابن حزم، ويتشدد في العقيدة تشدد الحنابلة، ويفهم التوحيد فهم المعتزلة، ويذهب في كثير من المسائل إلى مذهب الأشاعرة، وأطلق على دعوته دعوة التوحيد، وسمى أتباعه الموحدين، وفي ذلك نفي للتجسيم وتعريض بالمرابطين الذين وصفهم بالمجسمين [ابن خلدون، العبر، ج٦ ص٢٦٦].

وهكذا مزج ابن تومرت دعوته بكثير من الآراء والأفكار، واستطاع بما أوتي من ذكاء وحيلة أن ينشر أفكاره وآراءه وأن يجمع حوله الكثير من أبناء المغرب.

ورغبة منه في التأثير على كثير من السكان فقد ألف لهم عقيدة تسمى (المرشدة) بلغة البربر، بجانب اللغة العربية، وجعل فيها الأعشار والأحزاب والسور، وأمرهم بحفظها، ومن لم يحفظها عُدّ كافرًا لا تجوز إمامته ولا تؤكل ذبيحته [ابن أبي زرع، الأنيس المطرب، ج٢، ص١١٥].

وقد مرت الدعوة الموحدية بعد وفاة ابن تومرت بثلاث مراحل:

  • المرحلة الأولى: وهي مرحلة التقليد والدعم للدعوة، حيث تابع الخليفة عبد المؤمن بن علي منهج ابن تومرت في نشر الدعوة الموحدية وتنفيذ تعاليمها ومبادئها اقتداءً بالإمام ابن تومرت وحفظًا للدعوة التي على أساسها قامت الدولة، ولما تولى الخليفة يوسف بن عبد المؤمن تابعت الدعوة مسيرتها في صفوف الموحدين.
  • والمرحلة الثانية: هي مرحلة الضيق والتبرم بدعوى العصمة والاستنكار الخفي لها، وقد تمثل ذلك حين تولى المنصور الموحدي (٥٨٠هـ/٥٩٥هـ) الذي أبدى عدم اقتناعه بتلك الآراء وتبرمه بها وإنكاره لها.
  • والمرحلة الثالثة: وهي مرحلة الهجوم على الدعوة وهدم آراء ابن تومرت في عهد المأمون الموحدي (٦٢٤هـ/ ١٢٢٧م) الذي أعلنها صريحة من فوق المنابر مطالبًا بهدم هذه الدعوة وموجهًا أشنع الصفات لابن تومرت. ومن ناحية أخرى ساد المغرب المذهب المالكي الذي اعتنقه سكان البلاد وتمسكوا به ودافعوا عنه ضد المذاهب الأخرى، وصار المذهب المالكي المذهب الرسمي للبلاد في عهد المرابطين؛ فلما قامت دولة الموحدين وجدنا الخليفة عبد المؤمن بن علي يأمر بحرق كتب الفروع والاقتصار على الأحاديث النبوية، إلا أن علماء المالكية استمروا يمارسون نشاطهم في عهد الخليفتين: عبد المؤمن وابنه الخليفة يوسف؛ فلما تولى المنصور الموحدي (سنة٥٨٠هـ – ١١٨٤م) حاول محو مذهب الإمام مالك من البلاد ومن ثم أمر بحرق كتب الفروع، وأن الفتاوى تعتمد على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولا يقلدون أحدًا من الأئمة المجتهدين، وصارت كتب المذهب المالكي تجمع وتطلق فيها النار، ومن هذه الكتب (مدونة سحنون)، وكتاب ابن يونس، ونوادر أبي زيد ومختصره، وكتاب التهذيب للبرادعي وغيرها.

وكان للروح الدينية التي سادت البلاد في عهد الموحدين مع اهتمام ولاة الأمر بالدين ورجاله أثر كبير في ازدهار العلوم الدينية من تفسير وحديث وفقه وكلام؛ ففي مجال التفسير زاد الإقبال على دراسة القرآن الكريم باعتباره المصدر الأول في الدولة الموحدية، وظهرت مجموعة من علماء التفسير منهم أبو الحسن علي بن محمد الغرناطي المفسر نزيل مراكش، وأبو بكر محمد علي المعافري وغيرهما، كذلك نال علم الحديث عناية فائقة باعتباره المصدر الثاني الذي اعتمد عليه الموحدون في أحكامهم وبخاصة في عهد المنصور الموحدي، وممن اشتهر في علم الحديث أبو الخطاب بن دحيه السبتي وعبد الرحمن بن محمد، والقاضي عياض السبتي، وكان إمام وقته في الحديث وعلوم الدين، وفي علم الفقه ألف ابن تومرت كتابه (الموطأ) على غرار (موطأ) الإمام مالك بعد حذف أسانيده.

كذلك شاركت الحياة الأدبية والعلمية في إثراء الحياة الفكرية وصاحب نمو الحركة الفكرية انتشار اللغة العربية؛ إذ إنها لغة المكاتبات واللغة الرسمية للبلاد في معاملاتها وشئونها، وزاد من انتشارها أفواج العلماء القادمين من خارج البلاد الذين أثروا الحياة الفكرية بدروسهم ومؤلفاتهم.

وهنا تجدر الإشارة إلى ظاهرة استخدام لغة البربر في بعض نواحي الحياة خلال الفترة الأولى لحكم الموحدين.

ومن ناحية أخرى فقد ازدهر الأدب بشقيه الشعر والنثر باعتبارهما من مظاهر النهضة الفكرية، إذ حظي الأدباء بالرعاية والعناية من ولاة الأمر؛ حيث بلغ الشعر والنثر درجة كبيرة من الرقي وصارت المحافل المغربية تمتلئ بالشعراء والكتاب.

وكان بعض خلفاء الموحدين يقرض الشعر ويناقش الشعراء كالخليفة عبد المؤمن والمنصور الموحدي، فضلًا عن ظهور بعض الشعراء من أمثال أحمد بن عبد السلام الجرادي ويُكنى أبا العباس، والشاعر أبي بكر بن مجير وغيرهما من الشعراء.

يضاف إلى ما سبق علوم أخرى شاركت في عملية التثقيف وأسهمت في تكوين التفكير المغربي بما أمدته من معارف؛ ومن هذه العلوم علم اللغة والنحو والتاريخ والسير والجغرافية والفلك والرياضيات وغير ذلك من العلوم.

الخلاصة

تُعد دولة الموحدين واحدة من أعظم الدول الإسلامية في المغرب والأندلس، حيث قامت على مبادئ دينية صارمة وحققت وحدة سياسية واسعة، وقد بدأ ظهورها بدعوة إصلاحية بقيادة المهدي بن تومرت، وبلغت ذروتها في عهد المنصور الموحدي الذي حقق انتصار معركة الأرك، وازدهرت الدولة في مجالات الزراعة، والتجارة، والعلم والعمران، لكنها سقطت لاحقًا بسبب عدة عوامل داخلية وخارجية، وانتهت الدولة سنة ٦٦٨هـ بعد صراع طويل مع الأعداء والانقسامات الداخلية.

موضوعات ذات صلة

جماعة من الأتراك سكنوا الجزء الجنوبي الشرقي من التركستان وهضاب أفغانستان وجبالها.

آخر ما تبقى من دولة المسلمين في الأندلس، قامت بغرناطة بعد انهيار الحواضر الكبرى.

إحدى فترات الحكم الإسلامي، كان لها إنجازات كبيرة، إلا أنها ضعُفت وانهارت في النهاية.

موضوعات مختارة