تُعد الجابية ملتقى القرارات المصيرية في التاريخ الإسلامي، حيث شهدت أحداثًا ومحطات شكلت ملامح الشرق والغرب وبنت منظومة الأمن القومي للإسلام.
وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
تُعد الجابية ملتقى القرارات المصيرية في التاريخ الإسلامي، حيث شهدت أحداثًا ومحطات شكلت ملامح الشرق والغرب وبنت منظومة الأمن القومي للإسلام.
يقول ياقوت الحموي عن الجابية: "وهي قرية من أعمال دمشق... من ناحية الجولان قرب مَرْج الصفُر في شمال حوران وبالقرب منها تل يُسمى تل الجابية، وفي هذا الموضع خطب عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه -خطبته المشهورة، وباب الجابية بدمشق منسوب إلى هذا الموضع، ويقال لها جابية الجولان أيضًا. [معجم البلدان ج ١ ص ٩١].
اكتسب هذا المكان أهمية كبيرة في التاريخ الإسلامي بسبب عدد من المؤتمرات والقرارات الخطيرة والأحداث المهمة التي حدثت فيه.
الحدث الأول: أن المسلمين لما حاصروا بيت المقدس بعد أن أتموا فتح معظم الشام عرض أهله أن يصالحهم المسلمون بشرط أن يكون الذي يتولى عقد الصلح وتسلم المدينة هو الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه -بنفسه وقد حدث.
يروي الطبري عن عدي بن سهل قال: "لما استمد أهل الشام عمر على أهل فلسطين استخلف عليّ بن أبي طالب على المدينة، وخرج مُمِدًا لهم فقال عليّ: أين تخرج بنفسك، إنك تريد عدوًا كَلِبًا، فقال:" إني أبادر بجهاد العدو موت العباس بن عبد المطلب؛ إنكم لو قد فقدتم العباس لانتقض بكم الشر كما ينتقض أول الحَبْل". [تاريخ الطبري، ج٣، ص٦٠٨].
جاء عمر-رضي الله تعالى عنه -من المدينة إلى الشام - وتروي كتب التاريخ أنه زار الشام أربع مرات في خلافته، هذه إحداها، ونزل أول الأمر الجابية وهذا هو الذي أعطى المكان تلك الأهمية الكبيرة، وهناك التقى بكبار القادة الفاتحين العظام، أميرهم وقائدهم العام أبو عبيدة بن الجراح ويريد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة وخالد بن الوليد ومعاوية بن سفيان، وتدارس الموقف في الشام من جميع جوانبه، ثم استقبل وفد أهل إيلياء - بيت المقدس - وصالحهم على الجزية وأمر عليها علقمة بن مجزر ومن الجابية أرسل أمانًا لأهل الرملة، وأمر عليها علقمة بن حكيم وفي الجابية كتب كتابه المشهور بالأمان لأهل إيلياء [نص الكتاب في تاريخ الطبري ج ٣ ص ٦٠٩]، ثم توجه إليها لتسلمها من البطريرك صفرونيوس، والأمر مشهورٌ ويملأ كتب التاريخ.
وفي الجابية اتخذ أيضًا واحدًا من أهم القرارات في تاريخ الفتوحات الإسلامية وهو فتح مصر، وصاحب الفكرة هو القائد الفاتح الكبير الصحابي الجليل عمرو بن العاص، الذي أدرك أن فتوحات المسلمين في الشام والعراق وربما وجودهم في شبه جزيرة العرب نفسه سيكون مهددًا إذا بقيت مصر في أيدي دولة الروم العدو اللدود والخطير، وهذه رؤية استراتيجية هائلة كان يتمتع بها عمرو بن العاص؛ لأن كثرة الارتباط الأمني بين مصر والشام فكرة قديمة منذ حروب الفرعون العظيم تحتمس الثالث حيث طرد أمراء البلاد ثم رفع العلم المصري في أقصى شمال شرق سوريا وقال: هنا يبدأ أمن مصر القومي.
والارتباط الأمني بين مصر والشام فكرة صائبة وثابته طوال التاريخ القديم والوسيط والحديث وخير دليل على ذلك ما حدث في الحروب الصليبية وفي غزوات المغول مما لا مجال لتفصيله هنا.
على كل حال أدرك ابن العاص بعبقرتيه الفذة أن فتح مصر أصبح ضرورة عسكرية واستراتيجيه للدولة الإسلامية، فلا بد من طرد الروم نهائيًا وتحرير البلاد منهم ولذلك شرح وجهة نظره بإسهاب وأقنع بها الخليفة عمر بن الخطاب، يقول ابن عبد الحكم: "فلما قدم عمر ابن الخطاب الجابية قام إليه عمرو -رضي الله تعالى عنه -وقال: يا أمير المؤمنين ائذن لي أسير إلى مصر، وحرضه عليها وقال: إنك إن فتحتها كانت قوة للمسلمين وعونًا لهم، وهي أكثر الأرض أموالًا، وأعجزها عن القتال والحرب، فتخوف عمر بن الخطاب على المسلمين أو كره ذلك، فلم يزل عمرو يعظم أمرها عند عمر بن الخطاب ويخبره بحالها ويهون عليه فتحها، حتى ركن لذلك عمر فعقد له على أربعة آلاف كلهم من عَك". [انظر فتوح مصر وأخبارها. تحقيق محمد صبيح نشر مؤسسة دار التعاون ١٩٦٨ ص ٤٧].
وهنا يبدر سؤال لا بد منه وهو: من أين أتت عمرو بن العاص-رضي الله تعالى عنه -الجرأة ليقدم على فتح بلد كبير كمصر بهذا العدد القليل أربعة آلاف وزيدت مرتين ليصل العدد إلى اثني عشر ألفًا؟ وكيف تسنى له أن يتم هذا الفتح العظيم في خلال ثلاث سنوات وينتزع مصر من الروم الذين كانوا يضطهدون أهلها ويرهقونهم بالضرائب الباهظة؟
إن عمرو بن العاص -رضي الله تعالى عنه -أعاد مصر للمصريين ولم يأخذها منهم وأَمَّن لهم حريتهم الدينية والاجتماعية، وهذه حقائق يعترف بها كبار المستشرقين أمثال السير توماس أرنولد. [انظر الدعوة إلى الإسلام ترجمة د. حسن إبراهيم حسن وآخرين مكتبة النهضة المصرية سنة ١٩٧٠، ص ٢٢٣].
أما إجابة السؤال فإن الذي جرأ عَمْرًا على الإقدام على فتح مصر بمن معه من عدد قليل وهو يعلم أن بمصر قوات بيزنطية مرابطة عددها نحو مئة ألف كما يروي ابن عبد الحكم [فتوح مصر وأخبارها ، مصدر سابق ص٥٦] ، سوى الفارين من جنود الروم من الشام إلى مصر، عندما جاء ابن العاص إلى مصر فاتحًا في أواخر عام ١٨هـ/٦٣٩م [ صلى عمرو بن العاص وجيشه عيد الأضحى في العام الثامن الهجري في العريش ثم دخل مصر]، إن الذي جرأه على ذلك أنه كان موجودًا بالشام قبلها بنحو ست سنوات، ومصر والشام كانتا تحت الحكم البيزنطي والأخبار تترى بين القطرين فأصبح لديه معلومات كافية عن القوات البيزنطية سواء المرابطة في مصر أو الهاربة إليها من الشام، وأن هذه القوات قد فقدت روح القتال وملأ الفزع والرعب قلوبها من الانتصارات المتلاحقة التي حققها المسلمون على الروم في الشام، تلك الانتصارات التي جعلت الإمبراطور البيزنطي نفسه يقول: عليك يا سوريا السلام ونعم البلد هذا للعدو. [فتوح البلدان للبلاذري].
قال هرقل هذه المقولة وقلبه يحترق حزنًا على جهوده التي بذلها في استرداد الشام من الفرس فجاء العرب وحرروها منه، نوهت هنا - بهذا الإيجاز- بفتح مصر وأهميته لأن قرار الفتح قد اتخذه الخليفة العظيم عمر بن الخطاب بناء على مشورة ونصيحة واحد من نجوم كبار الفاتحين وهو عمرو بن العاص، هذا القرار قد اتخذ في الجابية وأعطاها أهمية كبيرة في التاريخ.
مؤتمر الأمويين في الجابية: من الأحداث المهمة والخطيرة التي حدثت في الجابية والتي كان لها أثر كبير في التاريخ الإسلامي في القرن الأول الهجري/ السابع الميلادي ذلك المؤتمر الذي عقده بنو أمية وأنصارهم في شهر ذي العقدة سنة ٦٤هـ /يونيو سنة ٦٨٤م.
وقصة هذا المؤتمر الخطير أنه بعد وفاة يزيد بن معاوية بن أبي سفيان في الرابع عشر من شهر ربيع الأول سنة ٦٤هـ / ١٢ نوفمبر سنة ٦٨٣م دخلت دولة بني أمية في منعطف خطير، وأصبحت قاب قوسين أو أدنى من الزوال، لأن ولي العهد معاوية بن يزيد رفض الخلافة التي كان أبوه قد عهد إليه بها، وأعلن عجزه عن تحمل مسئولياتها وكان واضحًا وصريحًا مع نفسه ومع الناس. [انظر الكامل في التاريخ لابن الأثير، دار صادر بيروت ١٣٨٥هـ - ١٩٦٥م، ج٤، ص١٣٠].
في ذلك الوقت كان عبد الله بن الزبير قد أعلن نفسه خليفة للمسلمين في مكة المكرمة، ونظرًا لمكانته ومكانة أبيه وأمه فقد توالت عليه البيعة من كل أنحاء الدولة الإسلامية، عدا إقليم الأردن الذي سيطرت عليه قبيلة كلب أخوال يزيد بن معاوية والموالية لبني أمية.
وبدا كأن الأمور قد استوت لابن الزبير وأن دولة بني أمية قد ولت الأدبار، غير أن الأمور بدأت تتبدل بسرعة عجيبة فبعد أن يئس بنو أمية من استمرار دولتهم حتى إن أكبر شخصية فيهم وهو مروان بن الحكم هم أن يذهب إلى مكة ليبايع ابن الزبير، تجمع ولاة وأنصار بني أمية البارزين أمثال عبيد الله بن زياد والحصين بن نمير في الشام حول مروان وصرفوه عن عزمه بالذهاب إلى مكة لمبايعة عبد الله بن الزبير، ورشحوه هو نفسه للخلافة وعقدوا لذلك مؤتمرهم الشهير والخطير في الجابية.
وفي هذا المؤتمر بدأ الانقسام واضحًا في جبهة بني أمية، الأمر الذي كان يهدد مستقبلهم جميعًا، ذلك أن فريقًا منهم يتزعمه حسان بن مالك بن بحدل الكلبي - خال الخليفة يزيد بن معاوية - كان يرشح خالد بن يزيد للخلافة لتبقى الخلافة في الفرع السفياني من بني أمية.
والفريق الآخر بزعامة عبيد الله بن زياد والحصين بن نمير وروح بن زنباع الجذامي كانوا يرون أن خالد بن يزيد لا يزال طفلًا صغيرًا وليس كفؤًا للخلافة وليس ندًا لابن الزبير، وقالوا لمناقشهم: لا والله لا يأتينا العرب بشيخ - يقصدون عبد الله بن الزبير ونأتيهم بصبي. [انظر ابن الأثير مصدر سابق ج٤، ص١٤٥].
بعد نقاش طويل وساخن في مؤتمر الجابية اتفق المؤتمرون على رأي يرضى عنه الجميع وهو أن تكون البيعة آنئذ لمروان لسنه وتجربته ثم بعده تكون لخالد بن يزيد، وبهذا الاتفاق أمكن إنقاذ دولة بني أمية من الزوال، وبدأ مروان جهوده لانتزاع البلاد التي كانت قد بايعت لعبد الله بن الزبير وقد نجح هو وابنه عبد الملك بعده في ذلك وأسسوا فرعًا حاكمًا جديدًا من بني أمية هو الفرع المرواني الذي سيحكم الدولة حتى سقوطها ١٣٢هـ / ٧٤٩م.
هذه هي أهم الأحداث التي شهدتها الجابية في القرن الهجري الأول والتي أهلَّتها ليكون لها مكان في التاريخ الإسلامي.
تبوأت الجابية موقعًا محوريًا في صناعة القرار الإسلامي عبر الزمن، بدءًا بفتح مصر الذي حدد موازين القوى في الشرق، وانتهاءً بمؤتمر الأمويين الذي أنقذ دولتهم، جمعت بين الريادة العسكرية والرؤية الاستراتيجية، وألهمت القادة لاتخاذ قرارات غيّرت مجرى التاريخ الإسلامي للمشرق والمغرب، ولم تزل شواهدها حاضرة في مسارات الأمة حتى اليوم.
هو نظامٌ إداريٌّ فريدٌ أسس لَبِناتِ الدولة الإسلامية الحديثة.
ركيزة أساسية في نهضة الأمم، وهو عملية تغيير مستمر نحو الأفضل.
مثّلت الأسواق في الحضارة الإسلامية عنصرًا محوريًّا في تخطيط المدن.