Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

بناء الأسواق

الكاتب

د. خالد عزب

بناء الأسواق

مثّلت الأسواق في الحضارة الإسلامية عنصرًا محوريًّا في تخطيط المدن، ورافدًا مهمًّا للحياة الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية، وقد اهتم بها الفقهاء والولاة تنظيمًا وتوزيعًا وآدابًا لضمان ازدهارها واستقرارها.

المنشآت التجارية

تنوعت المنشآت التجارية بالمدن الإسلامية ومنها الأسواق، والقياسر، وهي منشأة ضمّت عددًا من الحوانيت، وهي مشابهة للسوق، وكانت كل قيساريّة مستقلة بذاتها تصطف الحوانيت بداخلها، وكان لها أبواب خارجية تبلغ أحيانًا سبعة أبواب، وكان يقوم على حراستها حرّاس، وتشبه القياسر اليوم فكرة المراكز التجارية، والوكالات، وهي مكان معد لاستقبال التجار، الذين يقومون بأعمال الوكالة عن التجار ومن ثَمَّ نشأ اسم الوكالة، وكانت الوكالات تتكون من فناء تحيط به أروقة وغرف لتخزين البضائع تعلوها غرف إقامة التجار، وكان يلحق بالوكالة مسجد.  ونالت الأسواق وآدابها اهتمام الفقهاء المسلمين لما يحدث فيها بصفة دورية من احتكاك بين مختلف طوائف المجتمع، وانعكس هذا الاهتمام بصفة خاصة في كتب الحسبة، والتي نستطيع من خلالها أن نتعرف على التركيب العام لأسواق المدن الإسلامية، وعلى توزيعها داخل المدينة طبقًا لما تحتويه هذه المؤلفات من معلومات ثرية تعكس مدى خبرة المسلمين في هذا المجال، وقد طُبِّق فيها العديد من القواعد الفقهية كقاعدة "لا ضرر ولا ضرار"، وغيرها من القواعد الفقهية المتعلقة بحركية العمران بالمدن الإسلامية.

حكم بناء الأسواق

وبناء الأسواق عند فقهاء المسلمين مندوب، وعللوا ذلك بأن الناس يحتاج بعضهم إلى ما في يد البعض الآخر، وهذا لا يتم إلا بالبيع غالبًا، وحتى لا يتكلف الناس مشقة البحث عن تلك الحوائج، ومعرفة أصحابها اقتضت الحكمة أن يكون لهم مكان عام معروف يقصده الناس من البائعين والمشترين بمختلف أنواع السلع، فيَّسر ذلك على الناس أمورهم ومعاشهم، فندب بناؤه ليملكه من سبق إليه قبل أن يخصصها ولي الأمر لأشخاص معينين أو لمصالح أخرى، وتحفظ به السلع، ويحتمي ببنائه من الحر، والبرد، والمطر، ومن سطوة السُّراق، ومن هنا نستطيع أن نفهم من خلال التحليل الفقهي السابق، التوزيع المكاني للأسواق داخل المدن الإسلامية، فقد خُصصت أماكن بعينها لتكون أسواقًا دون غيرها.

اعتبارات توزيع الأسواق على المدن

وهناك اعتبارات عديدة حكمت توزيع الأسواق على مختلف مناطق المدن، ابتداء من مركز المدينة حتى أطرافها، كما تحكم نوعية المنشآت التجارية التي يمكن أن توجد بجوار بعضها البعض، وأهم هذه الاعتبارات:

حاجات السكان المتكررة، والضرورية لبعض السلع التي تتطلب وجود أسواق معينة في جميع قِطاعات المدينة دون استثناء مع مركز لها في الشارع الرئيسي، ولتلبية احتياج الأحياء من السلع كان يلحق بكل حي سوق يلبي متطلباته، ومن هذه الأسواق حارة برجوان الشهيرة بالقاهرة، أي أن هناك تحديدًا مكانيًّا للسوق الذي يرتاده أهل الحارة الساكنون فيها، وهذا يعني أن السوق يقع في مكان عام من الحارة، وهنالك خصوصية لمساكن الحارة تم احترامها عند تحديد مكان السوق.

كانت بعض الحِرف تقتضي أن تكون أماكن وجودها خارج المدينة أو على أطرافها الحدودية، وهكذا كانت أسواق المنتجات الواردة من الأرياف تقع بالقرب من الأبواب الخاصة بالمدن، وكانت أسواق الخِراف والمَدابغ تقع أيضًا بالقرب من حدود القاهرة ومن أشهرها مذبح الحسينية بالقاهرة، وأقيمت أنشطة أخرى ملوثة للبيئة بعيدًا عن المدينة كالمدابغ وأفران الفخار والجبسات، ومصانع النشادر والرصاص، وكان المحتسب يشترط فيها شروطًا عديدة حفاظًا على سلامة هواء المدينة، بل حينما يصل العمران إلى هذه المناطق، كان القاضي يُصدر أمرًا بنقل هذه الأنشطة الى مكان أبعد.

وقد صُنفت التجارات في أسواق المدن الإسلامية تصنيفًا تجاريًا يعتمد على التخصيص، وبيَّنت كتب الحسبة ذلك، حيث يُخصص لأصحاب كل حرفة جانبًا من السوق، سواء على امتداد الشارع الأعظم أو الشوارع الجانبية المتفرعة على هيئة حوانيت متراصَّة تضم أصحاب كل حرفة أو تجارة يعرضون صناعاتهم فيها، فإن ذلك لتضادهم أوفق، ولصناعتهم أنفق، وذلك مما يدفع إلى التنافس في المعروض من التجارات، كما يسهل وصول المشترى إلى حاجته بيسر وسهولة.. وعرفت مدينة القاهرة الأسواق المتخصصة فنجد فيها قديمًا سوق المرحلين الذي يباع فيه رحالات الجمال، وسوق الشَّماعين، وسوق الدجاجين، وسوق المهامزيين، وكذلك في أسواق رشيد التي عرفت الأسواق المتخصصة على شارعها الأعظم والشوارع المتفرعة منه، ومنها سوق القفاصين وهم صناع الأقفاص، وسوق الصاغة، والحدادين والخوَّاصين وهم صُنَّاع السلال.

وفي ضوء التخصص الذي قامت عليه الأسواق واختصاص كل سوق بسلعة مُعنيَّة، ظهر مفهوم التجاور في السلع المتشابهة، أو السلع التي يكمل بعضها بعضًا، وقام هذا المفهوم على المجانسة بين السلع، وفى هذا يذكر الشيزري في كتابه الشهير "نهاية الرتبة في طلب الحسبة" حيث يقول: "ومن كانت صناعته تحتاج إلى وقود نار، كالخبّاز والطبّاخ والحدّاد، فالمُستحب أن يُبعد حوانيتهم عن العطارين والبزازين؛ لعدم المجانسة بينهم، وحصول الضرار، ومن هنا أصبح من الطبيعي أن تتجاور أسواق المطعومات في محيط عمراني واحد أو متقارب، وهذا ما وُجد على سبيل المثال في سوق باب الفتوح في القاهرة، فهو سوق كان معمورَ الجانبين بحوانيت اللّحامين، والخُضريين، والشرايحية، وغيرهم.

نماذج من الأسواق القديمة المشهورة

ويذكر المقريزي في كتابه "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار" أنه من أجلِّ أسواق القاهرة وأعمرها، يقصده الناس من أقطار البلاد لشراء أنواع اللحوم الضأن والبقر والمعز، ولشراء أصناف الخضروات، ومن الملاحظ قرب هذا السوق من مذبح الحسينيّة، وهو ما يعني سهولة نقل اللحم من المذبح الى هذا السوق، دون الحاجة إلى الولوج إلى داخل المدينة، وهو ما قد يسبب ضررًا للمارَّة، ونرى هنا تسهيلًا على المترددين على السوق؛ لتوافر كافة المطعومات فيه، وفي رشيد نجد وضعًا مماثلًا في سوق الخضار، والذي يتفرع من الشارع الأعظم بالمدينة، فقد انتشرت به حوانيت بيع الخضروات والفواكه، ومازال هذا السوق في مكانه إلى اليوم.

ونجد قاعدة التجاور هذه مثلًا في أسواق الملبوسات في القاهرة، ففي سويقة أمير الجيوش عدّة حوانيت فيها الرفاؤون، والحباكون، وعدة حوانيت للرسامين والخياطين، والخلعيين، ويباع في هذا السوق أيضًا سائر الثياب والمخيطة والأمتعة من الفرش، وكان يُباع فيه أيضًا المغازل والكتان، وفى السوق المجاور له، وهو سوق الجملون الصغير كان يوجد البزَّازون، وهم كما يذكر المقريزي عدة من الخيَّاطين وعدة من البابية المعدين لغسل الثياب وصقالها، ونجد وضعًا مماثلًا في رشيد، ولكنه أكثر وضوحًا حيث يتجاور في شارع قنديل سوق بائعي الأكفان وتجار الثيّاب والكتّان والطُّرح وأصناف ثياب القطن والجوخ وتجار الثياب القديمة إلى جانب الخياطين والحريريين.

بعض آداب السوق

ويرتبط بالتنظيم العمراني للأسواق الاهتمام الشديد بالآداب العامة، كمنع الباعة من ممازحة النساء في الحوانيت، وإلزام الرجال بشراء حاجتهن في بعض الأحيان، وإلزام الباعة بالأمانة عند عرض بضائعهم، والتزامهم بالسعر المعقول.

الخلاصة

إن بناء الأسواق أمر مندوب شرعًا لما فيها من تسهيل المعاش وتلبية حاجات الناس، وقد خضعت لتخطيط دقيق يراعي الحِرف والبيئة والخصوصيات العمرانية لكل حي، كما اعتُني فيها بالآداب العامة والأخلاق الإسلامية، فجمعت بين التنظيم المدني والضبط السلوكي.

موضوعات ذات صلة

الشخصية الحضارية تُبنى على الأعمال الصالحة والسلوكيات الإيجابية.

لم تكن الزراعة في الحضارة الإسلامية مجرد حرفة لكسب العيش فحسب.

المزارعة عقدٌ زراعيٌّ يُحقق التعاون بين صاحب الأرض والزارع، حيث يتم تقسيم المحصول وفقًا لنسب متفق عليها.

موضوعات مختارة