وقد
أثار علماء السياسة الشرعية (أو الفكر السياسي الإسلامي) بهذا الصدد سؤالًا مهمًا
يدور حول مدى إلزام هذا العهد للأمة، وقد برز اتجاهان في الإجابة عن هذا السؤال:
الاتجاه الأول: يرى أن
هذا العهد (أي الاستخلاف) ملزم للأمة، أي ليس من حق الأمة أن تعترض عليه؛ وذلك في
ضوء التفويض الذي منحته للخليفة أو الحاكم حين اختارته لتولي أعباء الحكم.
فهذا
التفويض يعطيه الحق في اختيار من يراه أهلًا لتولي مسئولية الحكم من بعده.
فلم يكن من حق الأمة - بناءً على ذلك - أن تعترض
على اختيار أبي بكر لعمر أو اختيار عمر
للستة ليختاروا واحدًا منهم للخلافة.
ويذكر
الإمام أبو الحسن الماوردي في دفاعه عن هذا
الاتجاه أن رضا الأمة غير معتبر في مسألة العهد بالإمامة "لأن بيعة عمر رضي الله عنه لم تتوقف على رضا الصحابة؛ ولأن الإمام أحق بها،
فكان اختياره فيها أمضى، وقوله فيها أنفذ" [أبو الحسن الماوردي: الأحكام السلطانية،
مكتبة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة ١٩٧٣م، ص١٠].
ويتبنى ابن خلدون نفس
الاتجاه، بل إنه يرى أن من حق الخليفة - في ضوء التفويض الذي ذكرناه - أن يستخلف
من يريد حتى لو كان ابنه أو أباه، ومن هنا يبرر استخلاف معاوية
بن أبي سفيان لابنه يزيد، ويرى أن الذي
دعاه إلى ذلك "إنما هو مراعاة المصلحة في اجتماع الناس واتفاق أهوائهم... إذ
بنو أمية يومئذ لا يرضون سواهم، وهم عصابة قريش وأهل الملة أجمع، وأهل الغلب منهم،
فآثره بذلك دون غيره ممن يظن أنه أولى بها، وعدل عن الفاضل إلى المفضول حرصًا على
الاتفاق واجتماع الأهواء الذي شأنه أهم عند الشارع"[ابن خلدون: المقدمة، المكتبة التجارية
الكبرى، القاهرة (د.ت)، ص٢١٠].
والواضح
أن ابن خلدون ينطلق في رأيه هذا من نظريته
الشهيرة في العصبية، ويعني بها القوة والشوكة؛ فطبيعة الملك التي نشأت بعد انتهاء
الخلافة الراشدة كانت تحتاج إلى عصبية وقوة تسندها وتدافع عنها.
أما الاتجاه الثاني: فيرى
أن عهد الخليفة أو الحاكم إلى غيره بالخلافة أو الحكم جائز ولكنه غير ملزم للأمة
إلا بشرط أساسي، وهو أن يحوز المعهود له رضا الأمة أو ممثليها من أهل الحل والعقد
وهم أعيان الأمة وأولو الرأي والخبرة والمكانة فيها.
ويعرض الإمام الماوردي
هذا الاتجاه من غير أن يوافق عليه فيقول: "ذهب بعض علماء أهل البصرة إلى أن
رضا أهل الاختيار (وهم أهل الحل والعقد) لبيعته شرط في لزومها للأمة؛ لأنها حق
متعلق بهم فلم تلزمهم إلا برضا أهل الاختيار منهم" [الماوردي، مصدر سابق، ص١٠] وهذا يعني أن عهد الخليفة القائم بالحكم فعلًا
إلى غيره بالخلافة أو الحكم ترشيح لا تعيين، وهو لا يصبح تعيينًا إلا بعد موافقة
الأمة أو ممثليها من أهل الحل والعقد على ما رآه الخليفة.
ويفسر
أصحاب هذا الاتجاه تصرف كل من أبي بكر وعمر في ضوء ذلك.
فهم يذكرون أن أبا بكر لم ينفرد بقراره
حين اختار عمر ليكون خليفته من بعده، بل إنه استشار كبار أهل الحل والعقد
من المهاجرين والأنصار فوافقوا على هذا الاختيار.
وفي المصادر الموثقة ما يؤكد ذلك؛ فقد روى محمد
بن جرير الطبري أن أبا بكر قبل أن يعهد إلى عمر شاور في هذا
الأمر كبار الصحابة، ومنهم عبد الرحمن بن عوف الذي قال له أبو بكر: "أخبرني
عن عمر"، فقال: "هو والله أفضل من رأيت، لكن فيه غلظة"،
فقال أبو بكر: "ذلك لأنه يراني رقيقًا، ولو أفضى الأمر إليه لترك
كثيرًا مما هو عليه" كما استشار عثمان فأجابه: "علمي به أن
سريرته خير من علانيته وأن ليس فينا مثله" [الطبري:
تاريخ الرسل والملوك، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، القاهرة ١٩٧٩م،
ج٣، ص—٤٢٨].
وتروي المصادر أيضًا أن أبا بكر شاور سعيد
بن زيد بن عمرو بن نفيل وأسيد بن حضير ورجالًا من الأنصار فظهر منهم
الرضا [القاضي عبد الجبار بن أحمد،
المغني في أبواب التوحيد والعدل، الجزء العشرون، تحقيق: الدكتور/عبد الحليم محمود،
والدكتور سليمان دنيا، الدار المصرية للتأليف والترجمة والنشر، القاهرة (د.ت)،
ج.٢، القسم الثاني، ص ٥ – ٦، وانظر أيضًا: ابن سعد: الطبقات الكبرى، دار صادر،
بيروت ١٩٥٨م، ج٣، ص١٩٩].
أما فيما يتعلق بعمر، فإن الستة
الذين عهد إليهم ليختاروا واحدًا منهم كانوا هم كبار أهل الحل والعقد في الصدر
الأول وبقية العشرة المبشرين بالجنة، ولم يكن فيهم أحد من أولاده؛ فلم يخرج تصرفه
عن الإطار العريض لمبدأ الشورى في الإسلام.
والملاحظ
أن ولاية العهد (أي عهد الخليفة لمن يخلفه) تجاوزت نطاق الترشيح - بعد عصر الخلافة
الراشدة - لتصبح تعيينًا، فقد أخذت الخلافة تفقد بعض خصائصها الأساسية لتتحول
تدريجيًا إلى ملك.