الفُتُوَّةُ في التراث الإسلاميّ صفةٌ يتّسِمُ بهَا شخصٌ جمعَ مجموعةً منَ الصّفات منها: القوّة، والنُّبل، والكرم، وهيَ صفةٌ تظهرُ في جميعِ ميادينِ الحياةِ، فهُنَاك فُتوة الحرب، وفُتوّة التّصوف.
الفُتُوَّةُ في التراث الإسلاميّ صفةٌ يتّسِمُ بهَا شخصٌ جمعَ مجموعةً منَ الصّفات منها: القوّة، والنُّبل، والكرم، وهيَ صفةٌ تظهرُ في جميعِ ميادينِ الحياةِ، فهُنَاك فُتوة الحرب، وفُتوّة التّصوف.
(الفتى) الشاب والفتاة الشابة وقد (فَتِىَ) بالكسر (فتاءً) بالفتح والمد فهو (فتىّ) السنّ بيّنُ (الفتاء) وجمعوا فتى على فتيان، وفُتُوّ، وفِتْية والاسم من ذلك كله الفتوة.
وإذا كانت المادة تدور حول الشباب فإن نفس هذه اللفظة الفُتُوَّةُ تعني السخي الكريم كما حملت معنى الغلبة والانتصار [الرازي، محمد بن أبي بكر: مختار الصحاح مادة "فتى"].
والحقيقة أننا لا نستطيع أن ندعي أن هذه المعاني تعد تطورًا في معنى اللفظة حدث مع تطور الزمن، وإنما هي معانٍ لازمة لهذه الكلمة يصلح أن تستعمل فيها وهذا ما كان [الرد على د/ أحمد أمين في كتابه الفتوة والصعلكة في الإسلام، سلسلة اقرأ عدد ١١ إبريل ١٩٥٢م].
فقد قال الشاعر:
إن الفتى حَمَّال كل ملمة ....... إلخ.
وقال آخر:
قد يدرك الشرف الفتى ورداؤه خلقٌ وجيب قميصه مرقوع
وعلى أية حال فإننا في رحلتنا للبحث عن هوية هذه الفتوة وماهيتها في العصر العباسي وهل تعد فرقة من الفرق أو جماعة من الجماعات أو حتى معنى من المعاني، فإننا لا بد من أن نقلب صفحات التاريخ الماضية في عجالة عسانا أن نجد ما يجيب عن هذه الأسئلة عندما نصل إلى العصر العباسي.
فالعصر الجاهلي لم يشهد جماعة بعينها يطلق عليها هذا الاسم، وإن كان قد استعمل هذا اللفظ للدلالة على الأخلاق الرفيعة، أما في العصر الأموي فإننا سنجد تلك الرواية التي أوردها صاحب الأغاني عن رجل اسمه حنين الحميري يعمل بالغناء، نزل حمص بحثًا عن سعة الرزق فإذا به يسأل عن الفتيان وأين يجتمعون فقيل له: في الحمامات [الأصفهاني، علي بن الحسين بن محمد الأموي القرشي: الأغاني، الهيئة المصرية العامة للتأليف والترجمة والنشر، ١٣٩٠ هـ / ۱۹۷۰م، ص٣٥٨].
والرواية حقيقية تدل على وجود مثل هذا التجمع الذي يتسم بصفة الفُتُوَّةُ وأطلق عليه جماعة الفتيان، والمتتبع لهذه القصة سوف يتبين له أنها ليست جماعة بالمعنى المعروف لها فكر تنظيمي أو فلسفة مذهبية، أو.. أو... إلخ، مما عرف عن أمثال هذه الفرق أو الجماعات، فهي مجموعة من الفتيان لاهية عابثة تحب الغناء وتقيم في الحمامات، فقد غنى لهم حنين هذا، وإن كانوا هم أكرموه وضيفوه، وعلى ذلك تكون هذه هي الملامح الرئيسية لهؤلاء الفتيان في العصر الأموي، وعلى هذا فإن أمثال هذه الروايات تؤكد على وجود المعنى اللغوي لهذه الكلمة الفُتُوَّةُ وتلبي معناها.
ولكننا ما نلبث أن نجد في بدايات العصر العباسي وقد اختلفت فيه معاني ودلالات كلمة الفُتُوَّةُ بواقع وأفكار وتنظيمات فرق أخرى مختلفة.
فبينما أكدت بعض الروايات على معاني الكرم والسخاء والعطاء [أحمد أمين: مرجع سابق، ص٥٥]، سنجد روايات أخرى يبدو فيها التداخل الشديد بين ألفاظ ومعاني الفُتُوَّةُ وألفاظ ومعان أخرى ظهرت في هذا العصر وأثرت في أحداثه ومجرياته، وهي تحمل معاني الخروج والاصطدام إما بالدولة أو جماهير الناس مثل حركات العيارين والعراة، وغيرهم الذين يتباهون بقوتهم، ويهددون الناس في معايشهم.
*العيارون: مادة عير، والعيار الذكي كثير الحركة والنشاط ، والعرب تمدح وتذم باللفظ.
*الشطار: مادة شطر، وهو الرجل الواسع الحيلة، والعرب أيضا تذم وتمدح باللفظ.
ولا أدل على هذا التداخل من تلك الأبيات التي رواها الطبري أثناء الفتنة بين الأمين والمأمون والتي قال بعض شعراء بغداد وهو يصف بعض المقاتلين فيها [الطبري، محمد بن جرير: تاريخ الأمم والملوك، بيروت، د. ت، جـ ۷، ص ٦١،].
خرجت هذه الحروب رجالًا لا لقحطانها ولا لنزار
واحد منهم يشد على ألفين عريان ماله من إزار
وقال آخر:
ويقول الفتى إذا طعن الطعنة خذها من الفتى العيار
وبالرغم من الإشادة بهؤلاء المقاتلين فإن الصورة لم تتضح، فهل هم من جماعة العيارين أم من جماعة الفتيان؟
والحقيقة أن أمثال هذه المعاني التي وردت في الأبيات كثيرة في هذا العصر، فمع وجود كلمة فتى وفتيان مع كلمات العيارين والشطار سنجد كلمات أخرى مثل غلام وغلمان.
وإذا كانت الفتنة بين الأمين والمأمون من المراحل التاريخية التي ورد فيها ذكر الفتى والفتيان فنحن في حاجة لأن نمر بمختلف المراحل التاريخية لنبين من خلالها حقيقة وجود مثل هذه الجماعة وتطور أوضاعها وتنظيماتها، فعندما نصل لحروب الدولة مع المازيار ستطالعنا جماعة الفتيان المقاتلة بتعبير صريح وواضح حتى أتباع المازيار تمكنوا من الإمساك بمجموعة من مائتين وستين فتى [الطبري: المرجع السابق، والجزء، ص ۲۸۹].
كذلك كانت من المراحل الفاصلة مرحلة الفتنة الثانية ببغداد، والتي ترتب عليها دمار بغداد وسقوط حكم المستعين وظهور ألفاظ [الطبري: مرجع سبق، جـ ٧، ص ٤٤٣] العيارين والشطار بجوار ألفاظ أخرى شبيهة بألفاظ الفتيان أمثال الغلمان [الطبري: مرجع سبق، ج ۷، ص ٤٣٩] والأبناء [الطبري: مرجع سبق: ج ۷، ص٤٥٧، ص٤٥٩]، ووردت معهم صفت الفتوة [الطبري،د: مرجع سبق، ج ۷، ص٤٥٧].
كما كانت تعبيرات الإخوان والفتيان من مصطلحات إخوان
الصفا، لكنها في هذه الحالة تغوص في أعماق العلم والتعلم وحمل رسالته
وتبليغها، وهي معانٍ تبعد تمامًا عن المعاني المعهودة للفتوة والفتيان [رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا، ط بيروت، د.ت].
حتى وإن كانت جماعة إخوان الصفا مثلت جماعة سرية فإنها كانت أول جماعة سرية
علمية مما أهلها؛ لأن تكون تاريخيًا أول أكاديمية علمية قصرت عملها على العلم
والبحث، وإذا سرنا في التاريخ إلى الأمام قليلًا سيطالعنا ما كتبه التنوخي [الفرج بعد الشدة: ص ۳۲، ص ۳۷، وغيرها، من سلسلة أخبار اليوم،
عدد ٣١٤ أكتوبر ١٤١١هـ ، ١٩٩٠م]، في كتابه من خلال مجموعة المواقف
والأحداث التي دارت إبان القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي وسنجد أن تعبير فتى
وفتيان من التعبيرات الواردة والمترددة في قصصه وإن كانت كلها تدور حول إطار
الشطارة واللصوصية، حتى إن الدولة حاربتهم، وألقت بأحد زعمائهم في السجن، ومن
الغريب أنه يقضي المصالح وهو على هذه الحال في سجنه، إذ يرسل الرسائل لفتيانه
بقضاء المصالح والحاجات وهم يلبون بكل قناعة ورضى.
وفي المقابل سنجد أن هؤلاء الفتيان ومن خلال أحداث هذا القرن تجمعوا للتطوع والجهاد في جماعات من السنة والعيارين والشيعة وغيرهم في بغداد حتى اصطدم بعضهم ببعض ووقعت الفتنة بينهم.
على أن هذه النقطة وهذه الرواية تدعونا للبحث عن بدايات فكر التطوع والقتال والجهاد في تاريخ الفُتُوَّةُ والفتيان، فقد لبى هؤلاء الفتيان نداء الخليفة بعد وفاة السلطان مسعود السلجوقي للقضاء على السلاجقة وطردهم حيث كان الخليفة المقتفي يعرف مدى تأثيرهم في العامة، فعمل على تجميعهم وتوحيد صفوفهم؛ لأجل هذا الهدف [ابن المعمار الحنبلي أبو عبد الله محمد بن أبي المكارم: الفتوة، ص ١٥٧ حققه ونشره مصطفى جواد وآخرون، ١٩٥٨م] ألا وهو طرد السلاجقة وتقوية مركز الخليفة والخلافة.
وتتابع موقف جماعة الفتيان في موضوع القتال والجهاد حتى وصل ذروته في عصر الخليفة الناصر الذي عمل على إحياء وتنظيم فرق الفُتُوَّةُ للقتال والجهاد والغزو حتى صار زعيم أكبر حركة شعبية.
على أنه في تصرفه هذا عمل على القضاء على الأخطار الخارجية بكل صورها ومن أهمها خطر الصليبيين، كذلك عمل على تثبيت نظم الحكم والخلافة [ابن المعمار: مرجع سبق ص١٦٥]، وتثبيت دعائم الوحدة بين الأمة، وتجديد شباب الأمة.. إلخ.
على أن هذه القضية تحتاج إلى عدة وقفات أهمها الرد على تلك الدعوى وأقصد بها دعوى الجهاد ضد القوى الخارجية وخاصة القوى الصليبية فعندما طلب منه السلطان صلاح الدين المشاركة في حرب الصليبيين ما كان منه إلا أنه رد عليه بكلمات جميلة، وأعداد بسيطة من مقاتليه، فأين الجهاد؟ على أن النقطة التي تحتاج إلى وقفة ما ذهب إليه المؤرخون من قولهم إن الناصر هو الذي أقام شجرة الفُتُوَّةُ [أحمد أمين: الصعلكة والفتوة، ص٦٦]، وبه انتشر علمها بعد أن كان قد اندثر وميز أصحابها بعد أن كانوا فرقًا.
وهذا الكلام نستطيع أن نفهم منه أن الفُتُوَّةُ كجماعة كانت موجودة قبل الناصر وعلى ما يبدو فقد كانت فرقًا مختلفة فقام الناصر بتوحيدها، كما استطاع الناصر أن يضم لهذه الجماعة ملوك الأطراف، وخاصة من عرفوا بالغزو والجهاد [ابن المعمار: مرجع سابق ص١٦١].
وفي إطار فكرة الجهاد والمرابطة لجماعة الفُتُوَّةُ فقد استمر هذا النسق بعد الناصر، ففي عهد المستنصر نجد الزنكيين وهم من هم في الجهاد والغزو قد انخرطوا في الفُتُوَّةُ وانضموا تحت لوائها ولبسوا أزياءها [ابن المعمار: مرجع سابق، ص ۱۸۳]
وللحقيقة التاريخية فإن حديث المصادر القديمة عن مواضع الثغور لم أجد فيه تعبير الفتيان من تلك الجماعات التي نزلت مواضع الثغور أو غيرها، وإنما كان الحديث عامًا عن المرابطين والمجاهدين والمتطوعة ... الخ تلك الألفاظ [ياقوت الحموي، وشهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي الرومي: معجم البلدان، المصيصة، أذنه، طرسوس، غيرها].
بعد هذه الرحلة مع الفُتُوَّةُ والفتيان يجدر أن نعرض لموضوع زي هذه الجماعة وعاداتها، فمن الواضح أن البدايات الأولى في العصر العباسي والتي كان الاختلاف فيها شديدًا بينهم وبين غيرهم من الفرق والطوائف الأخرى مثل حركة العيارين والشطار، كان الزي الغالب على هذه الجماعات هو الإزار أو تلك الخرقة التي تغطي أوساطهم وعوراتهم [الطبري: مرجع سابق،ص ١٦١]، ولكن مع مرور الأحداث صار لهذه الجماعة زي خاص بها وهو ما ذكره التنوخي [الفرج بعد الشدة: ص ۲۲]، في معرض حديثه عن جماعة الفتيان، حيث ذكر أن زيهم يخالف زي غيرهم من باقي الطوائف، وإن كان لم يحدد شكلًا معينًا لهذا الزي إلا أن هذا الزي سرعان ما تحددت ملامحه بعد ذلك، يؤكد ذلك ما ذكرته المصادر من أن الناصر عندما قرر دخول سلك الفتوة أتى له بزعيم فتيان الرهاصية عمر بن الرهاص الذي ألبسه زي الفُتُوَّةُ وسراويلها [ابن المعمار: الفتوة ص١٦١ ].
وهذا يؤكد على أن هذه الجماعة قد صار لها زي خاص بها قبل هذه الأحداث، وبالطبع فإن هذا الزي لابد وأنه استقر بعد فترة من التقلبات قبل عصر الناصر بمراحل.
يضاف إلى ذلك ما سبق مما حدث من لبس كافة القادة والأتباع هذا الزي حتى لبسه الزنكيون - نور الدين بن عماد الدين زنكي - بالوكالة عن الخليفة المستنصر عام ٦٣٤هـ / ١٢٣٦م [ابن المعمار: نفس المصدر ۱۸۳].
أما عن هذه الملابس فقد كانت عبارة عن سراويل وحزام يشد به خصر الفتى، وقد كانت هذه السراويل منقوشة مرسومًا عليها شعار الفتوة، قيل إنه الكأس، على أن تكون هذه الصورة بالنسبة إلى الفتى رمزًا لكونه من الفتيان ومما له علاقة بالزي تلك العادات التي أوجدها الفتيان عند دخول فتى جديد لهم والمتمثلة في ذلك الاحتفال الذي يقام بهذه المناسبة والذي يشرب فيه الفتى الجديد شرابهم في كأس لا يشرب فيه الخمر، مملوء بالماء والملح، على أن يبدأ عملية الشراب زعيم وينتهي الشراب بمقدم وهي ألقاب لدرجات الزعماء [ابن المعمار: نفس المصدر، ص ۲۳۸]،عندهم، ويمر الداخل بالفتوة بمرحلتين: الأولى: يطلق عليها الشد، وهو مبدأ العهد، والثانية: يطلق عليها التكميل، وهو تمام العهد [ابن المعمار: نفس المصدر، ص ۲۰۷] وعلى ذلك فإن الفتوة أصبحت إبان العصر العباسي لها زيها وعاداتها ومراتب تنظيمية لقياداتها... إلخ.
يتشابه التصوف مع الفُتُوَّةُ في أن كلًا منهما ظهر ضعيفًا يبحث عن فرصة للوجود حتى التقيا فأدخل التصوف في معجم كلماته ألفاظ الفتوة وصفاتها، حتى صارت الفتوة جزءًا من مذهبهم ومقامًا من مقاماتهم، فنقلت من المعنى الدنيوي إلى المعنى الديني، فاشتركت الفُتُوَّةُ مع التصوف في معاني الزهد والإيثار وضبط النفس وحملها على الحق وتحمل المكاره ... إلخ من تلك المعاني الدينية الجميلة التي حث عليها التصوف، والتي تعد من الدلالات اللفظية لمعاني كلمة الفُتُوَّةُ، وهي في تطورها وانتشارها.
والفيصل في ذلك ما أورده القشيري في رسالته وذلك في باب الفُتُوَّةُ حيث قال الإمام القشيري: [الرسالة القشيرية ص۱۱۳ وما بعدها ط الحلبي ١٣٥٩هـ،١٩٤٠م] هي - أي الفُتُوَّةُ - أن يكون العبد ساعيًا أبدًا في أمر غيره، وقال المحاسبي: ألا ترى لنفسك فضلًا على غيرك، وقيل هي الصفح عن عثرات الإخوان .... الخ.
والشيء الذي تجدر الإشارة إليه، أن تأثر التصوف بالفتوة كان من باب المعاني الروحية وليس من باب الممارسات العملية القاسية للفتوة والتي عرضنا لأشكال الخلط الذي حدث فيها إبان الحقب الزمنية المختلفة في العصر العباسي.
كلمة "الفتوّة" في أصلها تعني الشبابَ والكرمَ والسخاءَ، وكانت تحملُ معانٍ لغوية وأخلاقية متلازمة منذُ الجاهليّةِ. في العصر العباسيّ تطوّرت دلالاتُها لتشملَ التنظيماتِ والجماعاتِ التي جمعتْ بينَ صفاتِ الفروسيّة والقتالِ، مع ارتباطها أحيانًا بحركات اجتماعيّة مختلفة، ولاحقًا اتّخذت طابعًا روحانيًّا وصوفيًّا يجمعُ بين الزهدِ وضبطِ النفسِ.