وقد اتبع عمر - رضي الله عنه - في السنين الأولى من خلافته نفس أسلوب
الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأسلوب أبي بكر - رضي الله عنه -، فكان إذا جاءه
مال قسمه على مستحقيه دون إبطاء.
وقد قال له قائل في تلك المرحلة المبكرة: يا أمير المؤمنين، لو تركت في
بيوت الأموال شيئًا يكون عدة لحادث إذا حدث، فقال له عمر: تلك كلمة ألقاها الشيطان
على فيك وقاني الله شرها! وهي فتنة لمن بعدي إني لا أُعِدُّ للحادث الذي يحدث سوى
طاعة الله ورسوله، وهي عدتنا التي بلغنا بها ما بلغنا [نفس المصدر والصفحة]
ولكن عمر اضطر إلى مراجعة موقفه هذا بعد الاتساع الهائل في الفتوحات
الإسلامية في عهده، فقد ترتب على هذه الفتوحات تدفق الأموال على الدولة الإسلامية،
كما ترتب عليها أيضًا أن الجند كثروا بشكل غير مسبوق ونشأ الجيش النظامي للمرة
الأولى في التاريخ الإسلامي وأصبح أفراده متفرغين لمهامهم القتالية، فأصبح من
الضروري توفير عطاء دوري لهم، فكان هذا سببًا في أن عمر أمر بإنشاء الديوان أو بيت
المال.
ويذكر بعض المؤرخين سببًا مباشرًا وراء إنشاء عمر لبيت المال فيروي
البلاذري وغيره أن أبا هريرة قدم على عمر من البحرين بمال كثير، فسأله عمر: ما جئت
به؟ فقال: جئت بخمسمئة ألف قال: هل تدري ما تقول؟ فأجاب أبو هريرة: جئت بخمسمئة
ألف.
قال عمر: ماذا تقول؟ قال أبو هريرة: مئة ألف ومئة ألف ومئة ألف ومئة ألف
(حتى عد خمسا)، فقال عمر: إنك ناعس! فارجع إلى أهلك فنم، فإذا أصبحت فأتني، فذهب
إليه أبو هريرة في الصباح، فقال له عمر: ما جئت به؟ قال: خمسمئة ألف قال: أطيب؟
فأجابه: نعم، لا أعلم إلا ذاك. فجمع عمر الناس فقال: قد جاءنا مال كثير فإن شئتم
عددنا لكم عدا، وإن شئتم كلنا لكم كيلا! فقال له رجل: يا أمير المؤمنين، إني رأيت
هؤلاء الأعاجم يدونون ديوانًا يعطون الناس عليه فدون عمر الديوان [البلاذري: فتوح البلدان. طبعة دار الكتب العلمية،
بيروت ۱۹۹۱م، ص ٤٣٩، ٤٤٠].
ويروي ابن الطقطقي أن بعض مرازبة الفرس كان بالمدينة، فلما رأى حيرة عمر
قال له: يا أمير المؤمنين، إن للأكاسرة شيئًا يسمونه ديوانًا، جميع دخلهم وخرجهم
مضبوط فيه، لا يشذ منه شيء، وأهل العطاء مرتبون فيه مراتب لا يتطرق عليها خلل،
فتنبه عمر - رضى الله عنه - وقال: صفه لي، فوصفه المرزبان، ففطن عمر لذلك ودون
الدواوين وفرض العطاء [ابن الطقطقي: مصدر سابق، ص ٧٥].
على أننا لا بد من أن نقرر هنا أن هذه الرواية التي يتردد فحواها في العديد
من مصادرنا لا يمكن أن تكون السبب الحقيقي وراء إنشاء عمر لبيت المال فقرار عمر لم
يكن قرارًا فجائيًا بكل تأكيد، ولكنه كان نتيجة التطورات المتشابكة والمتلاحقة
التي مرت بها الدولة الإسلامية منذ بداية خلافته حتى اتخاذه لهذا القرار، وهي
تطورات جعلت من الضروري إنشاء خزانة عامة للدولة الإسلامية حتى تصب فيها الأموال
المتدفقة من الأقاليم المفتوحة، وحتى تصرف منها هذه الأموال في مصارفها الشرعية
الصحيحة.
وهذا لا ينفي أن هذه الرواية بما تنطوي عليه كانت مما أكد عزم عمر على
إنشاء بيت المال.