ولما استقرّ ترتيب الناس في الدّواوين على
قدر النسب المتصل برسول الله صلى الله عليه وسلم، رأى الفاروق رضي
الله عنه أن يفاضل بينهم في العطاء على قدر السابقة في الإسلام، والقربى من رسول
الله صلى الله عليه وسلم، ووافقه على ذلك عثمان رضي الله عنه، وبه أخذ أبو
حنيفة وفقهاء العراق.
بينما رأى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه
أن يسوي بين الناس في العطاء، وبذلك أخذ الشافعي ومالك لكن عمر رضي
الله عنه كان لا يرى أن يسوي بين من هاجر الهجرتين، وصلى القبلتين وبين من أسلم
عام الفتح خوف السيف، كما كان يرى ألا يساوي بين من قاتل رسول الله صلى الله
عليه وسلم ومن قاتل معه.
واستقر الرأي حين وضع الدّيوان أن
يفرض للناس على أساس السابقة في الإسلام، ففرض لمن شهد بدرًا من المهاجرين الأولين
خمسة آلاف درهم في السنة، وفيهم علي بن أبى طالب وعثمان بن عفان وطلحة والزبير
بن العوام وعبد الرحمن بن عوف رضى الله عنهم، وفرض الفاروق لنفسه معهم
خمسة آلاف، وألحق به العباس بن عبد المطلب والحسن والحسين رضي الله عنهم،
وقيل: إنه فضل العباس وفرض له سبعة آلاف درهم وقيل: خمسة وعشرين ألفا.
وفرض الفاروق رضي الله عنه لمن شهد بدرًا من
الأنصار أربعة آلاف درهم، ولم يفضل على أهل بدر إلا أمهات المؤمنين رضوان الله
عليهن لكل واحدة منهن عشرة آلاف إلا عائشة رضي الله عنها ففرض لها اثني عشر
آلف درهم، وألحق بهن جويرية بنت الحارث وصفية بنت حيي بن أخطب، قيل: إنه
فرض لهما ستة آلاف درهم لكل واحدة.
وكان نصيب من هاجر قبل الفتح ثلاثة آلاف درهم،
ولمن هاجر بعد الفتح ألفى درهم، كما فرض لغلمان من أبناء المهاجرين والأنصار مثلما
فرض لمسلمي الفتح.
ورأى الفاروق رضى الله عنه أن يفرض لعمر
بن أبى سلمة المخزومي أربعة آلاف درهم وقد احتج على ذلك محمد بن عبد الله
بن جحش قائلًا: لم تُفَضّل عمر علينا وقد هاجر آباؤنا وشهدوا بدرًا؟
وجاء رد الفاروق رضي الله عنه على ذلك: أفضله لمكانه مع رسول الله صلى
الله عليه وسلم، وليأتِ الذي يستعتب بأم مثل أم سلمة فأعتبه.
كما فرض لأسامة بن زيد بن حارثة
أربعة آلاف درهم، ومرة أخرى يعاتبه عبد الله بن عمر يقول: فرضت لي ثلاثة
آلاف وفضلت أسامة علي، وقد شهدت ما لم يشهد أسامة؟ وكان رد الفاروق أيضًا:
زدته لأنه كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك، وكان أبوه أحب إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم من أبيك.
ونرى أن الفاروق فرض للناس على
منازلهم وقراءتهم للقرآن الكريم وجهادهم، وهي معايير وأسس رأى الفاروق فيها سببا في
التفضيل في العطاء، وفرض لأهل اليمن والشام والعراق لكل رجل منهم ألفين إلى
ألف إلى خمسمائة إلى ثلاثمائة.
ولم ينقص أحدًا منها، وقال: لئن كثر المال
لأفرضن لكل رجل أربعة آلاف درهم، ألفًا لفرسه، وألفًا لسلاحه وألفًا لسفره، وألفًا
يخلفها في أهله.
وفرض للمولود مائة درهم، فإذا ترعرع بلغ به مائتي
درهم، ولم يكن الفاروق رضي الله عنه يفرض لمولود شيئًا حتى يبلغ الفطام،
إلى أن سمع امرأة ذات ليلة تكره وليدها على الفطام وهو يبكي، فسألها عنه فقالت: إن
عمر لا يفرض للمولود حتى يفطم، فأنا أكرهه على الفطام حتى يفرض له، فقال الفاروق
رضي الله عنه: "يا ويل عمر! كم احتقب (تحمل) من وزر وهو لا يعلم! ثم أعلن: لا
تعجلوا أولادكم بالفطام فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام".
يقول الماوردي:" كان يجري القوت
على أهل العوالي حيث قرر جريبًا من الطعام، وكان هذا يكفي لثلاثين شخصًا غداء
وعشاء، فاستنتج من ذلك أن ما يكفي الرجل جريبان في الشهر، وكان يرزق الرجل والمرأة
المملوكة جريبين في كل شهر" (الأحكام السلطانية، ص٢٠٢ - ٢٠٣)
يقول صاحب الأحكام: الذي يشتمل عليه ديوان
السلطنة أربعة أقسام:
- الأول: ما يختص بالجيش من إثبات وعطاء.
- والثاني: ما يختص بالأعمال (الولايات) من
رسوم وحقوق.
- والثالث: فيُعنى بالعمال (الولاة) من تقليد
وعزل.
- بينما يختص الرابع: بأمور بيت المال من دخل
وخراج.
وهذا التقسيم يذكره الماوردي عندما
اتسعت رقعة الدولة الإسلامية وامتد سلطان الخلافة شرقًا وغربًا، وإذا كان الدّيوان
في عصر الفاروق قد اشتمل على العطاء، والجند، والاستيفاء، وجباية الأموال، فقد
أضاف الأمويون دواوين أخرى اقتضتها ظروف الدولة، ومقتضيات التطور، فكان ديوان
الخاتم، وديوان البريد، وديوان الطراز.
فلما انتقل الحُكم إلى العباسيين
احتاجت الإدارة إلى عدد أكبر من الدّواوين، فظهر ديوان المشرق، وديوان المغرب،
وديوان السواد، وديوان الرسائل والإنشاء.
وكانت لغة الدّواوين في
عصر الفاروق هي اللغة العربية في العاصمة، أما لغة الدّواوين في الأقاليم
فقد ظلت تعمل بلغاتها الفارسية والرومية والقبطية، حتى قام عبد الملك بن مروان
بتعريب الدّواوين فأصبحت العربية هي اللغة المستخدمة في كل مرافق الدولة،
ويناط بالدّيوان إحصاء الدخل، وتحديد النفقات في الدولة الإسلامية فيما يعود
بالنفع على الأمة.
وللديوان كاتب وهو صاحب زمامه، ويجب أن
يتوفر فيه شرطان: الكفاية، والعدالة.
وتكون واجباته فيما يلي:
- حفظ القوانين: على الرسوم
العادلة، وعليه أن يثبت كل ما يطرأ على تلك القوانين من تعديل، والتأكد مما يقدم
له من وثائق وشهادات، حتى يضمن العدالة، ويحافظ على أموال بيت المال.
- استيفاء الحقوق: سواء من العاملين
أو من القابضين لها من العمال، وهذا يتعلق بالخراج، أو غيره من الأموال المستحقة
لبيت المال.
- إثبات الرفوع: وهي إما رفوع مساحة
وعمل، أو رفوع قبض واستيفاء، أو رفوع خراج ونفقة.
- محاسبة
العمال.
- إخراج الأحوال: وهذا يعني تنظيم
وتدقيق الأموال الخارجة من بيت المال.
- تصفح الظلامات: وهي المقدمة
إليه من العمال أو الرعية، وعليه أن يرد الظلم عن الرعية، خاصة إذا وقع من العمال؛
وذلك لأنه مندوب لحفظ القوانين واستيفاء الحقوق، وأما إذا كان المتظلم من العمال
فإن أمره يرفع إلى ولي الأمر.