فلما دنا من دومة الجندل أخبره دليله بسوائم (ماشية
وإبل) لبني تميم، فسار حتى هجم على ماشيتهم ورُعاتهم، فأصاب من أصاب، وهرب من هرب،
وجاء الخبر أنَّ أهل دُومة الجَنْدَل فروا في كل وجه، فلما نزل المسلمون بساحتهم
لم يجدوا أحدًا، وأقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أيامًا، وبث السرايا، وفرق
الجيوش، فلم يصب منهم أحدًا، ثم رجع إلى المدينة، بعد أن بسط الأمن في تلك النواحي،
واستكان البدو والأعراب. [انظر التفاصيل في ابن هشام: السيرة النبوية، جـ٣/ص١٠٢٣،
طبعة دار الفكر، القاهرة].
وفي شعبان سنة
٦هـ (٦٢٨م) أرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- سرية إلى دُومة الجَنْدَل يقودها عبد
الرحمن بن عوف وقال له: «إنْ هُم أَطاعوكَ إِلَى الإِسْلَامِ فَتَزَوّجْ بِنْتَ
مَلِكِهِمْ»، فلما دعاهم إلى الإسلام أسلم
القوم، وتزوج عبد الرحمن بنت ملكهم "تماضر" بنت الأصْبغ الكلبية، وهي أم
ابنه أبي سلمة بن عبد الرحمن، وعاد إلى المدينة. [انظر ابن الأثير: الكامل جـ٢/ص٩٣، وابن كثير: البداية،
جـ٤/ ص١٨١].
ولما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يثأر من الروم
وحلفائهم من نصارى العرب لما أصاب المسلمين في غزوة مؤتة، جهز جيشًا قوامه ٣٠ ألفًا،
وخرج به في (رجب سنة ٩هـ / أكتوبر - نوفمبر٠ ٦٣م) لغزو تبوك، فهرب الأعداء منها
إلى الشام، فأقام هناك بضع عشرة ليلة لم يقدم عليه الروم وحلفاؤهم العرب؛ لكن جاءه
يوحنا بن رؤبة صاحب أيلة فصالحه على الجزية، وكتب له كتابًا، كما صالح أهل أذرح، وأهل جرباء على الجزية أيضًا [أيلة:
مدينة على ساحل بحر القلزم (خليج العقبة) مما يلي الشام. (أذرح) بلد في أطراف
الشام من نواحي البلقاء وعمان مجاورة لأرض الحجاز. (الجرباء): موضع من أعمال عمان
بالبقاء من أرض الشام. ياقوت: معجم البلدان، جـ١/ص١٢٩، ص٢٩٢، جـ٢/ ص١١٨، ابن الأثير:
الكامل جـ٢/ص١٥١-١٥٢].
ولم يبق في حاجة إلى القتال بعد انسحاب الروم، ومعاهدة
هذه البلاد الواقعة على الحدود بين الشام والجزيرة العربية؛ لكنه خشى من أن أمير دُومة
الجَنْدَل "أُكَيْدِر بن عبد الملك الكِنْدِي النصراني" قد يتعاون مع جيوش
الروم إذا جاءت من ناحيته، لذا بعث النبي صلى الله عليه وسلم وهو في تبوك، خالد بن
الوليد في خمسمائة فارس، وأخبره بأنه سيجده يصطاد البقر الوحشي، فذهب إليه خالد،
فإذا "أكيدر" وأخوه "حسان" في نفر من أهل بيته يطاردون بقر
الوحش ليلًا، فتلقتهم خيل الإسلام، فلم يجدوا مقاومة تذكر، فقتلوا "حسانا"
وأسروا "أكيدر" وهددوه بالقتل إن لم تَفْتَح دُومة أبوابها، ففتح أبواب
المدينة، فاستاق خالد منها ألفي بعير وثمانمائة شاة وأربعمائة وسق من بُرّ وأربعمائة
درع، وكان على "أكيدر" قباء من ديباج محوص بالذهب فاستلبه خالد وبعث به
إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل قدومه عليه، فصار الصحابة يلمسونه بأيدهم
ويتعجبون منه، فقال الرسول -صلى الله عليه وسلم- لهم: «أتَعْجَبُونَ مِنْ هَذَا؟
فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الجَنَّةِ
أَحْسَنُ مِنْ هَذَا». ثم قدم خالد
بأكيدر على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المدينة فحقن دمهَ، وأمَّنه وصالحه
على الجزية، وخلى سبيله، فرجع إلى دومة الجندل. [انظر
التفاصيل في ابن هشام: السيرة النبوية، جـ٣/ص١٠٢٣، طبعة دار الفكر- القاهرة].
وقد اختلف كتاب السيرة في إسلامه؛ فذكر د/ محمد حسين هيكل
[انظر: د/ محمد حسين هيكل: حياة محمد، ص ٤٦٢،
طبعة دار المعارف، القاهرة، سنة ١٩٧٥م]: أنه أسلم.
والراجح أنه لم يسلم، وقيل: إنه أسلم، ثم ارتد.
[حيث سكتت المصادر الأصلية سالفة الذكر عن قصة إسلامه، بينما نفى
كل من ابن القيم وابن حجر إسلامه. انظر: زاد المعاد، جـ٣/ ص٩٠، الإصابة في تاريخ
الصحابة، طبعة السعادة، مصر، بدون تاريخ، جـ١/ ص١٣٥، وانظر: د/ محمد أبو شهبة:
السيرة النبوية، جـ٢/ ص٤٠٨، ٤٠٩، طبعة القاهرة، سنة ١٩٧٣م].
واستمر "أكيدر" على دُومة الجَنْدَل، يشاركه في
رئاستها "الجودي بن ربيعة"، حتى كانت خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه
الذي حارب المرتدين وهزمهم، فسيّر خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى العراق سنة ١٢هـ/
٦٣٣م ففتح الحيرة والأنبار وعين التمر، وكان خالد قد أرسل "عياض بن غَنْم"
إلى أهل دُومة الجَنْدَل لحربهم لما ارتدوا
عن الإسلام، فلما فرغ خالد من فتح "عين التمر" جاءه كتاب عياض يستمده
على أهل دُومة، ومن تحزبوا معهم من بهراء، وتنوخ، وكلب، وغسان، والضجاعم، ولم يكد
أهل دُومة
الجَنْدَل يسمعون بمسير خالد إليهم حتى دب الرعب في قلوبهم، فقال
لهم "أكيدر": أنا أعلم الناس بخالد، لا أحد أيمن طائرًا منه، أطيعوني
وصالحوا القوم؛ لكن أهل دومة بقيادة "الجودي بن ربيعة" أبوا عليه رأيه،
فقال: لن أمالئكم على حرب خالد، وخرج عنهم، وعلم خالد بمسيره فأرسل إلى طريقه رصدًا،
فأخذه أسيرًا، ثم قتله، وأخذ ما كان معه، وسار خالد حتى نزل على أهل دُومة
الجَنْدَل من الشمال، وكان عياض في جنوبها، فجعلها بينه وبين عياض، وانقض الجيشان
على دُومة الجَنْدَل، فهزموا حاميتها، وأسروا رئيسهم "الجودي"، وانهزم
أهلها إلى الحصن، فلما امتلأ أغلقوا الباب دون أصحابهم المنهزمين، فقتلهم خالد،
وسد باب الحصن بهم، ثم قتل الجودي إلا الكلبيين، فإن بني تميم قد شفعوا فيهم، وفتح
حصنها عنوة، فقتل المسلمون من فيه من المقاتلة، وسبوا الذراري وباعوهم في مزاد. [انظر
الطبري، مرجع سابق، جـ٣/ ص٣٧٨، ٣٧٩].
ومن يومها دخلت دُومة الجَنْدَل ضمن الدولة الإسلامية،
ثم اشتُهِر ذكرها في التاريخ؛ لأنها شهدت قضية التحكيم بين الإمام علي ومعاوية بن
أبي سفيان سنة سبع وثلاثين للهجرة (٦٥٨م). [انظر
ابن كثير: مرجع سابق جـ٧/ص٢٩٣].