Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الخلافة

الكاتب

أ.د/ فتحية النبراوي

الخلافة

الخلافة الإسلامية نظام سياسي تأسس بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - يقوم على مبدأ الشورى والبيعة، ويهدف إلى قيادة الأمة الإسلامية بناءً على تعاليم القرآن والسنة.

الخلافة الإسلامية بين النصوص الشرعية والاجتهاد السياسي

الخلافة هي النظام السياسي الذي اختارته الأمة الإسلامية في المدينة؛ لتحكم وفْقَهُ بعد انتقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الرفيق الأعلى.

والخلافة مصطلح يرادف الإمامة، والإمام هو الذي تختاره الأمة؛ ليكون على رأس نظامها السياسي، والخلافة مؤسسة إسلامية نشأت إسلامية، وتطورت خلال العصور الإسلامية المختلفة، وهي خلافة النبوة، فالخليفة خليفة للنبي يقول الماوردي: الخلافة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا. [لأحكام السلطانية ص٥].

ولما كانت الخلافة تأتي على رأس النظام السياسي في الدولة الإسلامية فالحكومة الإسلامية في كنفها حكومة رشيدة تقوم على أساس من الكتاب والسنة.

وتختلف الخلافة كنظام سياسي عن الأنظمة السياسية السابقة عليها من حيث الأسس والقواعد التي قامت عليها، فهي تختلف عن النظم الفارسية كما تغاير النظم البيزنطية وما سبقها وما لحقها من نظم.

والحكومة الإسلامية ليست حكومة دينية Theocracyوليست حكومة مطلقة Autocracy كما أنها ليست حكومة فلاسفة Utopia لكنها حكومة قامت على اجتهاد الأمة التي طبقت ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، فقد نص القرآن الكريم على الشورى والالتزام برأي الجماعة، وعلى ذلك فالشورى قاعدة أساسية تقوم عليها الخلافة.

أما الأصل الثالث الذي تقوم عليه الخلافة فهو العقد، فالخلافة عقد بين الحاكم والمحكوم أساسه واستمراريته قائمة على التزام الحاكم بتطبيق كتاب الله وسنة رسوله، وبهذا يكون النظام السياسي الإسلامى قد سبق النظم الديموقراطية الحديثة في ضرورة موافقة الجماعة – الأمة - على اختيار من يقوم بولاية أمورها، كما يؤكد النظام السياسي الإسلامي أن نظرية العقد فكرة وضع الإسلام أساسها، وجعله ملزمًا للطرفين، مؤكدًا أن الخلافة عقد بين الحاكم والمحكوم، والطاعة واجبة على المحكومين ما دام يعدل فيهم ويحكم بينهم بما أنزل الله.

يقول ابن حزم:" اتفق جميع أهل السنة وجميع المرجئة وجميع الشيعة ومعظم الخوارج على وجوب الإمامة، وأن الأمة واجب عليها الانقياد لإمامٍ عادل يقيم فيهم أحكام الله ورسوله ويسوسهم بأحكام الشريعة التي أتى بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم - [الفصل في الملل والأهواء والنحل جـ٤ ص٨٧]، اتخذ الصدر الأول الشورى؛ لتكون القاعدة الأساسية التي نص عليها دستور المسلمين في أكثر من موضع فقال تعالى: {وَٱلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِرَبِّهِمۡ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَمۡرُهُمۡ شُورَىٰ بَيۡنَهُمۡ} [الشورى: ٣٨] وقال تعالي {وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ} [آل عمران: ١٥٩]. 

 وتأكيدًا على هذا المبدأ لم يترك رسو ل الله - صلى الله عليه وسلم - نصًّا مكتوبًا ولم يعيِّن أحدًا لتولي إمامة المسلمين من بعده، وإن كان من بين علماء المسلمين من يرى أن نزاعًا نشأ بين المسلمين حول هذه القضية (قضية الإمامة)، وهنا يقول الشهرستاني: وأما الخلافات الواقعة في حال مرض الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبعد وفاته بين الصحابة - رضوان الله عليهم - فهي خلافات اجتهادية كما قيل، كان غرضهم منها إقامة الشرع وإدارة مناهج الدين. [الملل والنحل جـ١ ص ٢١]

الثابت إذن أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يستخلف أحدًا، وإنما ترك الأمر شورى بين المسلمين، فقد قال الإمام البخاري: إن عمر وعليًّا وعثمان قالوا: لم يستخلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد أراده المسلمون أن يستخلف عليهم قال: إني إن استخلفت عليكم فتعصون خليفتي ينزل عليكم العذاب [الأحكام ص ٣ والدلائل جـ٧، ص ١٨١].

 ظهرت الخلافة إذن منذ ذلك الوقت واهتم بشرحها الفقهاء العلماء والمتكلمون، وحفلت كتب الفكر السياسي بما ثار حولها من بحث وجدل وخلاف وكلام.

أهل الحل والعقد وأسس اختيار الإمام في النظام الإسلامي

عرَّف الفقهاء الخلافة بأنها خلافة النبوة.

يقول الماوردي: "أن الله جلت قدرته ندب للأمة زعيمًا خلف به النبوة، وأحاط به الملة، وفوض إليه؛ ليصدر التدبير عن دين مشروع، وتجتمع الكلمة على رأى متبوع، فكانت الإمامة أصلًا استقرت عليه الملة وانتظمت به مصالح العامة، حتى استتبت به الأمور العامة، وصدرت عنه الولايات الخاصة. [الأحكام ص٢]

 يؤكد الماوردي وغيره من الأئمة الفقهاء أن الخلافة في الإسلام هي خلافة النبوة، وأنها وضعت بإجماع الأمة؛ حماية للدين وتوحيدًا للصف والكلمة، ورعاية للمصالح، وانتظامًا للأمور.

قنّن الفقهاء قواعد هذا النظام فتحدثوا عن أصول الإمامة، وعقدها، وكيفية انعقاده، وعدد من يصح بهم العقد، قالوا: إن قام عليها واحد من أهلها، أي من أهل الإمامة سقط فرضها عن الكافة، وإلا خرج من الناس فريقان:

  • الأول هو أهل الاختيار.
  • والثاني هو أهل الإمامة.

 أما أهل الاختيار فهم أهل الحل والعقد وعليهم تقع مستولية اختيار أو ترشيح من يصلح لتولي منصب الإمامة أو الخلافة، وهذا يلزمهم بضرورة تحري العدالة فيمن يرتضون لهذا المنصب الخطير بما يحقق صالح الأمة وصالح الإسلام.

ذكر الفقهاء أنه لابد أن يتوفر عدد من الشروط في هذا الفريق، ومن ذلك العدالة الجامعة لشروطها، والعلم الذي يتوصل به إلى معرفة من يستحق الإمامة على الشروط المعتبرة فيها، والرأي والحكمة المؤديان إلى اختيار من هو للإمامة أصلح، وبتدبير المصالح أقوم وأعرف.

أما أهل الإمامة فيحب أن تتوفر فيهم الشروط الآتية:

  • العدالة
  • العلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام والعلم بأمور السياسة وتفصيلاتها.
  • سلامة الحواس من السمع والبصر واللسان، وسلامة الأعضاء.
  • الشجاعة والنجدة المؤدية إلى حماية البيضة وجهاد العدو.
  • النسب القرشي وهذا موضع خلاف.

عقد الإمامة بين الفقه الإسلامي والممارسة التاريخية

طريقة انعقاد الإمامة

فصَّل فقهاء المسلمين طريقة انعقاد الإمامة فقالوا: إنها تنعقد من وجهين.

الأول: أن يختار أهل الاختيار إمامًا للمسلمين

والثاني: أن يعهد الخليفة الإمام لواحد من عدول الأمة.

 وهذه الخطوة تعد بمثابة التحضير لمن يتولى إمامة الأمة؛ تمهيدًا لاتخاذ الإجراءات التي تصح بها الخلافة وهي البيعة العامة أو البيعة الكبرى.

واستدل من قال بأنه من الممكن أن يعهد الإمام لمن سيأتي بعده، بما قام به الصديق - رضي الله عنه - وقد ترك كتابًا يرشح فيه الفاروق عمر - رضي الله عنه - إمامًا للمسلمين تمهيدًا؛ لمبايعة الأمة له بيعتها الكبرى، وكذلك ما قام به الفاروق عمر من تكليف مجلس الشورى الذي اختار أعضاءه ليتولوا مسئولية اختيار الإمام.

وهم في كل الأحوال يقولون إن عقد الإمامة يصح مبدئيًا باثنين أو ثلاثة، كما يصح بخمسة أو ستة، بينما يذهب البعض بأن عقد الخلافة يشبه عقد النكاح يتم بولي وشاهدين.

وعندما يرشح أهل الإمامة الإمام فلابد من تحقق الأصول التي تقوم عليها الخلافة وهي: الشورى كشرط أساسي؛ لموافقة الأمة، والبيعة العامة أو البيعة الكبرى التي لا تصح الخلافة إلا بها.

البيعة العامة:

 وهي موافقة الأمة على الإمام والخليفة الذي لا تصح إمامته إلا بها، والدليل على ذلك بيعة الصديق - رضي الله عنه - بيعة كبرى بعد أن بويع بيعة صغرى في سقيفة بني ساعدة.

 وقد خطب الصديق الناس بعد بيعته العامة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فاعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة والكذب خيانة والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، ولا يدع قوم الجهاد إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم [ابن الأثير: الكامل جـ٤ص٥١٢،٥١٤].

ورغم قصر المدة التي حكم فيها الصديق - رضي الله عنه - فالثابت أنه كان يتخذ مجلسًا للشورى، وأن عصره قد شهد إنجازات مهمه في الداخل والخارج: فقد قضى على المرتدين، وبدأ الخطوات العملية تجاه تأكيد عالمية الإسلام بالفتوحات الإسلامية، لكن أهم إنجازاته هو عهده للفاروق عمر - رضي الله عنه - يرشحه لخلافته ونصه: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما عهد به أبو بكر بن أبي قحافة آخر عهده في الدنيا نازحًا عنها، وأول عهده بالآخرة داخلًا فيها: إني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب فإن تروه عَدَل فيكم، فذلك ظني به ورجائي فيه، وإن بدَّل وغيَّر فالخير أردت ولا أعلم الغيب، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. [ابن قتيبة الدنيوي: الإمامة والسياسة: تحقيق طه محمد الزيني، مؤسسة الحلبي، القاهرة ١٩٦٧م، جـ١، ص ٢٤]

وتجب الإشارة إلى أن هذا الترشيح أو هذا العهد غير ملزم ولا تصح الإمامة به بل لابد من البيعة العامة.

 ويتولى الفاروق الخلافة للمؤمنين؛ ليعدل في الأمة ويرعى مصالحها وينظم أمورها، ويستكمل المسيرة ويجتهد في إضافة وتطوير النظم الإسلامية الإدارية والاقتصادية والاجتماعية، وبصفة خاصة السياسية.

مجلس الشورى في عهد الفاروق عمر: تأسيس آلية اختيار الخليفة

مجلس الشورى

يمثل هذا المجلس اجتهاد الفاروق عمر في تطوير النظام السياسي الإسلامي، فحين طُعِن، دخل عليه الناس يطلبون منه أن يستخلف، فقال: ما أرى أحدًا أحق بهذا الأمر من النفر الذين توفي النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو عنهم راضٍ، فسمى الستة وقال: يشهد عبد الله بن عمر وليس له من الأمر شيء، فإن أصابت الإمرة سعدًا فهو ذاك وإلا فليستعن به أيكم ما أمر، فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة.

 فعمر - رضي الله عنه - جعلها شورى في عثمان وعليّ وطلحه والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد وخاطبهم قائلًا: إني نظرت فيكم فوجدتكم رؤساء الناس وقادتهم، ولا يكون هذا الأمر إلا فيكم وقد قبض رسول الله وهو عنكم راضٍ، إني لا أخاف الناس عليكم إن استقمتم ولكني أخاف عليكم اختلافكم فيختلف الناس فانهضوا إلى حجرة عائشة بإذن منها فتشاوروا.

 وتوفي عمر، وحين فرغوا منه عاد مجلس الشورى للإجتماع، وبعد مناقشات ومداولات تم اختيار عثمان بن عفان - رضي الله عنه -، وبايعته الأمة إمامًا وخليفة للمسلمين.

وحكم عثمان - رضي الله عنه - المسلمين وامتدت خلافته اثني عشر عامًا، شهد النصف الثاني منها أحداثًا جسامًا، وتعرضت المدينة المنورة للفتنة الكبرى التي أودت بحياة الخليفة.

وعلى الرغم من إنجازات خليفة المسلمين الثالث وأهمها جَمْعُهُ للقرآن الكريم، حيث أخرج للأمة المصحف الإمام موحِّدًا إياها على مصحف واحد، وأرسل نسخة منه لكل مصر من الأمصار إلا أن كثيرًا من التهم والشبهات ألصقت به - رضي الله عنه - ظلمًا وبهتانًا وقَيَّضَ الله له من فنَّد تلك الشبهات ودافع عنه، ومن أهم الكتب في هذا كتاب العواصم من القواصم لأبي بكر بن العربي وغيره.

لقد سار ذو النورين على منهج من سبقه متبعًا سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- ومطبقًا لكتاب الله، وربما عاقت الظروف التي شهدتها الدولة الإسلامية في النصف الثاني من حكمه تطور نظام الخلافة، فالأحزاب المعارضة وثورات الأقاليم والفتنة وانتهاك حرمة المدينة عاصمة الدولة الإسلامية، تلك العوامل تكاتفت كلها؛ لإنهاء عصر عثمان بن عفان على النحو الدامي الحزين الذي تصوره المصادر الإسلامية.

 وبعد مقتل عثمان -رضي الله عنه- كان لابد للأمة من إمام، وقد كانت بيعة الإمام علي -رضي الله عنه- في المسجد، حيث بايعه الناس، وبايعه الأنصار وعدد قليل ممن كانوا عثمانيِّ الهوى.

لكن تلك البيعة لم تضع حدًا للخلاف والفتنة التي بدأت في عصر عثمان -رضي الله عنه، ودب الشقاق في صفوف الأمة وهو ما أدى في النهاية إلى أن انقسم جيش المسلمين؛ ليحارب بعضه بعضًا.

لقد هزت تلك الفتنة الدولة الإسلامية والأمة جميعًا بل إنها عجلت بإنهاء الخلافة الراشدة على النحو الذي انتهت إليه بمقتل على -كرم الله وجهه.

قام المطالبون بالثأر من قتلة عثمان -رضي الله عنه: فريق اتجه إلى العراق ومنهم أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها، وفريق ذهب إلى الشام ومنهم السيدة نائلة زوجة عثمان رضي الله عنه.

وخرج الإمام علي - رضي الله عنه - من مدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متتبعًا الثوار الذين ذهبوا إلى العراق وكانت موقعة الجمل، حيث اقتتل المسلمون لأول مرة ووقف جيشان إسلاميان يختصمان.

ومن جهة أخرى كان عليه أن يواجه معاوية بن أبي سفيان رغم ميله في البداية إلى التفاوض حقنًا لدماء المسلمين، لكن المواجهة العسكرية كانت حتمية ثم كانت موقعة صفين التي انتهت باللجوء إلى التحكيم، حيث أُنِيط بمحكمة التحكيم حسم هذا الأمر وفق قواعد الإسلام، لكن محكمة التحكيم - وفيها - عمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري لم تحسم ذلك الخلاف لصالح من هو أحق بالخلافة وهو علي بل أدت إلى تعقيد الأمور بدرجة أدت إلى فصل علي - كرم الله وجهه - وقيام معاوية بن أبي سفيان خليفة للمسلمين، وكان على الأمة بعد ذلك تواجه أعقد مشكلاتها السياسية التي ترتب عليها انقسام الأمة إلى فرق وأشياع؛ وليترتب على ذلك - أيضًا - أعظم وأعقد خلاف في الإسلام.

ثم كان عام الجماعة، الذي وضع نهاية للخلافات ولو بوجه صوري، وانتهت المرحلة المثالية في حكم المسلمين وهي المرحلة التي حكم فيها الخلفاء الراشدون؛ ليبدأ عصر جديد في مسيرة الخلافة الإسلامية،

ويعرف المؤرخون هذه الفترة من الحكم الإسلامي بالعصر الأموي.

دولة بني أمية: نقل الخلافة إلى دمشق وتأثير البيزنطية

الخلافة الأموية: (الملك العربي)

وقد اتسمت هذه المرحلة من حياة الخلافة الإسلامية بسمات اختلفت عما كانت عليه في عصر الخلفاء الراشدين.

لقد انتقلت عاصمة الدولة الإسلامية إلى دمشق، حيث الاستقرار والفخامة والترف، والقرب من التقاليد البيزنطية.

 وظهرت تغيرات واضحة على الأمة الإسلامية غير تلك التي عرفها مجتمع المدينة المنورة مثل إدخال الأمويين لتغيير جوهري في الأسس التي تقوم عليها الخلافة وهو مبدأ الشورى والبيعة فأحلوا محل ذلك مبدأ ولاية العهد إذ أخذ معاوية البيعة لابنه يزيد ولم يترك الأمر مثلما كان في عهد الخلفاء الراشدين.

كانت خلافة معاوية بن أبي سفيان عام ٤١هـ/ ٦٦٠م وذلك بعد أن صالحه الحسن بن علي - رضي الله عنهما - معتزلًا بذلك السياسة تاركًا الساحة للأمويين.

تقع إذن مسئولية تحويل الخلافة الإسلامية إلى حكم وراثي على عاتق معاوية بن أبي سفيان ويُعد هذا أول تغيير جوهري تشهده الخلافة.

تولى بعده ابنه يزيد بن معاوية وكانت فترة حكمه قصيره شهدت بعض الأحداث الخطيرة مثل مقتل الحسين بن علي ولكنها لم تَخْلُ من إيجابيات ففي عهده فتح عقبة بن نافع كثيرًا من بلاد شمال إفريقيا.

وتدخل الخلافة الإسلامية في صراعات حول الحكم والسياسة فيشهد المسلمون بيعتين: الأولى لمعاوية بن يزيد في الشام والثانية لعبد الله بن الزبير في الحجاز مما يعصف بمبدأ هام في حكم المسلمين وهو أن الأساس في الخلافة الوحدة.

 كانت خلافته - أي معاوية الثاني ثلاثة أشهر وقيل أربعين يومًا، ولم يستخلف معاوية بن يزيد أحدًا، ولما كانت آخر أيام حكمه، صعد المنبر ونودي: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس: فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد: فإني قد نظرت في أمركم فصعقت عنه، فابتغيت لكم رجلًا مثل عمر بن الخطاب - رحمة الله عليه - حين فزع إليه أبو بكر فلم أجده، فابتغيت لكم ستة في الشورى مثل عمر فلم أجدها، فأنتم أولى بأمركم فاختاروا له من أحببتم [الطبري (أبو جعفر محمد بن جرير): تاريخ الرسل والملوك بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، طبعة دار المعارف، القاهرة١٩٧٩م، ج٥ص٥٣٠-٥٣١]. ثم دخل بيته وتغيب حتى مات وساد الاضطراب الدولة الإسلامية وكان لابد من حسم الآمر فكان مؤتمر الجابية ٦٤هـ/ ٦٨٣م الذي أسفر عن بيعة مروان بن الحكم بالخلافة على أن يكون ولي عهده خالد بن يزيد ثم عمرو بن سعيد.

 وحاول مروان ضبط الأمور في الشام مما أدى إلى استقرار نسبي كما أنه أخذ البيعة لابنيه عبد الملك وعبد العزيز حتى لا يتكرر ما حدث من قبل بعد موت معاوية بن يزيد.

 استمرت مشكلة ولاية العهد تشغل بال الأمويين إلى أن تولى عمر بن العزيز خلافة الأمويين وكان ذلك عودًا بالخلافة إلى سالف عهدها في عهد الخلفاء الراشدين.

وفي عام ١٠١هـ/ ٧١٩م توفي عمر بن عبد العزيز وتولى بعده يزيد بن عبد الملك بن مروان ليبدأ عصر من الفتن والاضطراب بداية النهاية للعصر الأموي.

وفي عام ١٠٥هـ/ ٧٢٣م يتولى هشام بن عبد الملك وتشتد الأزمات والخلافات بين اليمانية والمضرية كما عاصر ذلك بداية الدعوة العباسية التي بدأت تقوى وتظهر في المشرق، وتوفي هشام عام ١٢٥هـ/٧٤٣م ليترك الخلافة للوليد بن يزيد الذي قتل في العام ذاته، وتفاقم الخلاف في خراسان بين اليمانية والزارية وظهرت الفتن والثورات على الوالي الأموي فيها وهو نصر بن سيار.

في عام ١٢٧هـ/٧٤٥م يتولى مروان بن محمد ليكون آخر خلفاء بني أمية، وليشهد القضاء على الأمويين في موقعة الزاب الأكبر.

الخلافة العباسية: من الثورة على الأمويين إلى الحكم الوراثي

وتُنْهي الثورة العباسية حكم الأمويين وتعلن قيام حكم جديد تمثل في خلافة بني العباس ١٣٢هـ / ٧٥٠م. وتسير الخلافة العباسية على نفس المنهج الذي سار عليه الأمويون من حيث الحكم الوراثي الذي أدى إلى إضعاف الخلافة العباسية مثلما أدى إلى إضعاف الأمويين من قبل.

 ويقوم على رأس الدولة العباسية أبو العباس عبد الله السفاح ثم يليه أبو جعفر المنصور الذي أسس بغداد وأرسى دعائم الدولة العباسية.

استند العباسيون في خلافتهم على عناصر غير عربية مثل الفرس والترك وغيرهم وإن كان هناك من يرى أن الثورة العباسية ثورة عربية قامت احتجاجًا على سياسة الأمويين ورفضًا؛ لتعسفهم في جمع الأموال والضرائب.

لكن العباسيين رغم إنجازاتهم العسكرية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية تعرضوا لكثير من الأزمات التي أثرت في الخلافة كنظام سياسي، ومنها قضية ولاية العهد، فقد عهد أبو جعفر المنصور للمهدى الذي عهد لابنيه الهادي وهارون الرشيد.

كان للفرس تأثيرهم الواضح في السياسة العباسية وزاد نفوذهم إلى أن قضى عليهم هارون الرشيد فيما يُعْرف بنكبة البرامكة.

وأوصى هارون الرشيد بالعهد إلى ابنيه الأمين والمأمون وهو الفارسيّ هوىً، نظرًا؛ لتأثره بأمه الفارسية، وقد كان الصراع بين الأخوين على أشده وانتهى بمقتل الأمين وتولى المأمون الخلافة.

على أيه حال لقد كانت إنجازات الفترة السابقة مهمة على المستوى الداخلي والخارجي كما شهدت انتصارات للمسلمين على البيزنطيين وعلاقات سياسية ودية مع الفرنجة وخاصة علاقات هارون الرشيد مع شارلمان.

 ومن ناحية أخرى تشهد الدولة الإسلامية هزة شديدة وهي ظهور الدويلات المستقلة شرقًا وغربًا، حيث ظهر الطاهريون والسامانيون في الشرق، وظهر الأغالبة في الغرب.

وتحاول الخلافة العباسية ربط أجزائها المتفرقة واستعادة الوحدة ويقنن الفقهاء لهم ما يسر لهم تدبير أمور ذلك الانقسام فتظهر إمارات الاستيلاء؛ لتبقى على العلاقة بين الحكومة المركزية فبغداد وتلك الدويلات.

وينقلب ميزان القوة في الدولة العباسية، حيث تشهد الخلافة الاعتماد على الترك لا على الفرس، فيرى المعتصم أن ينقل العاصمة إلى سامرا، ويسيطر الترك على مسيرة الأمور في تلك الفترة.

وتنقلب الموازين مرة أخرى حين تضعف الخلافة ويسيطر عليها البويهيون الشيعة، وتظهر - أيضًا -دويلات جديدة في المشرق والمغرب تؤرق الخلافة لكنها تمد إليها يد العون فنرى ظهور الغزنويين والسلاجقة وتتصارع تلك القوى من أجل السيطرة على مقاليد الأمور وتتأرجح الخلافة الإسلامية بين القوة والضعف ويظهر الوزراء الأقوياء الذين يسيطرون على مقاليد الأمور بحيث لم يعد للخلفاء سلطان أو قوة ورضي كثير منهم بالدعاء لهم على المنابر، وضرب أسمائهم على العملة.

 وتجب الإشارة هنا إلى أن تلك الدويلات المستقلة التي نشأت في كنف الخلافة الإسلامية أدت إلى نهضة كبيرة تلك الأقاليم، وساندت الخلافة في كثير من الأحيان.

 شهدت الخلافة الإسلامية – أيضًا - ظهور خلافة شيعية في القاهرة وخلافة أموية سنية في الأندلس، وهذا في الواقع انعكس على وحدة الأمة، وأدى إلى مزيد من التفكك والضعف، وأنهك قوة المسلمين العسكرية مما أدى إلى زيادة نفوذ الأسر الحاكمة ومن ذلك توغل السلاجقة في أرض الخلافة في المشرق ثم في بغداد ذاتها ثم في بلاد الأناضول وأخيرًا في بلاد الشام.

الغزو الصليبي وتأثيره على وحدة الخلافة العباسية

وعلى الرغم من امتداد سلطان الخلافة العباسية على مدى خمسة قرون أو يزيد١٣٢: ٦٥٦هـ / ١٢٥٨:٧٥٠م إلا أنها تعرضت إلى مواجهات عسكرية لم تستطع الصمود فيها فكان الغزو الصليبي لأراضيها، حيث تمكن الصليبيون من اقتطاع ممتلكات هامة من أراضيها أقاموا عليها الإمارات الصليبية في الرها وأنطاكية والقدس وطرابلس.

 ولم تـقو الجيوش الإسلامية العباسية والفاطمية على صد هذا العدوان الذي استمر جاثمًا على أرض الإسلام فاحتلت القدس لمدة ثمانية وثمانين عامًا إلى أن استطاع صلاح الدين الأيوبي استنقاذها وتحريرها من الأسر الصليبي البغيض، وشهدت الأمة الإسلامية في ظل الخلافة العباسية وبعد سقوط الخلافة الفاطمية مواجهات عسكرية استمرت بين المسلمين والصليبيين، حيث توالت الحملات الصليبية على بلاد الشام ومصر ثم شمال إفريقيا، إلى أن تمكن الأيوبيون، ومن بعدهم المماليك في مصر من القضاء على ذلك الاحتلال البغيض لأرض الإسلام.

ثم ما كادت الخلافة العباسية أن تفيق إلا لتواجه ضربة أخرى شديدة قادمة من الشرق هذه المرة، حيث قضى المغول عليها وأسقطت بغداد وامتدت سيطرتهم إلى بلاد الشام لولا تصدي جيوش مصر لهم بزعامة قطز وبيبرس وهزيمة الجيوش المغولية في عين جالوت٦٥٨هـ/١٢٦٠م.

وتنتقل الخلافة العباسية إلى مصر تحت حماية المماليك، وتتقلص الخلافة إلى مجرد رمز ديني يسبغ الشرعية على الحكام المماليك في مصر، وتظل الخلافة على هذا النحو من المحدودية والضعف إلى دخول سليم الأول مصر والقضاء على المماليك وذلك في ٩٢٣هـ/ ١٥١٧م، وبهذا تنتقل الخلافة إلى

الآستانة وهناك تشهد الخلافة في ظل العثمانيين فترات من القوة وأخرى من الضعف حتى تنتهي نهائيًا كواحدة من أهم النظم السياسية الإسلامية وذلك على يد مصطفي كمال اتاتورك عام ١٣٤٣هـ/١٩٢٤م؛ ليستقبل العالم الإسلامي بعده موجات مختلفة من التغريب، والاستعمار، والتفكك والصراع المذهبي الذي ما زال يعاني من ويلاته إلى اليوم.

الخلاصة

الخلافة الإسلامية تمثل إرثًا سياسيًا متكاملًا في التاريخ الإسلامي، نشأت على أساس الشورى والبيعة بين الحاكم والمحكوم، وعرفت مراحل متعددة من الخلافة الراشدة إلى الأمويّة والعباسية، وتطورت وتعرضت لتحديات داخلية وخارجية، لكنها ظلت نموذجًا فريدًا لحكم يستند إلى الشرعية الدينية، والتزام الشريعة الإسلامية.

موضوعات ذات صلة

عقد بين ولى الأمر وجمهور المسلمين يتضمن اختياره للقيام بمهام الخلافة.

هو لقب يُطلق على الخليفة في الدولة الإسلامية.

تعني التقدم أو القيادة نحو هدف معين.

موضوعات مختارة