Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

دار الندوة

الكاتب

أ.د/ فوزي عارف إبراهيم

دار الندوة

دار الندوة، التي أسسها قصي بن كلاب الجد الأعلى للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، كانت مركزًا، اجتماعيًا، وسياسيًا هامًا في مكة قبل ظهور الإسلام، فقد كانت ملتقى لقريش؛ لمناقشة شئونهم، وفض المنازعات، واستمرت بدورها المهيمن حتى بعد الإسلام، حيث شهدت أحداثًا تاريخية كبيرة قبل أن تتحول تدريجيًا إلى جزء من المسجد الحرام في مراحل لاحقة من التاريخ الإسلامي.

تعريف دار الندوة وتأسيسها

أصل تسمية الندوة: سميت "دار الندوة" من لفظ النّدى والنادي، والمنتدى، فالنّدىّ مجلس القوم ما داموا مجتمعين فيه، فإذا انفضوا عن مجلسهم فليس بنــدي، وفي الحديث الشريف قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي فِي النَّدِيِّ الأَوَّلِ»؛ أي مع الملأ الأعلى،  وهم الملائكة، والنادي كالندي، وهو المجلس يندو إليه أهله، ولا يسمى ناديًا إلا إذا كان أهله فيه، فإن لم يكونوا فليس ناديًا، قال تعالى: {وَتَأۡتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلۡمُنكَرَۖ } [العنكبوت: ٢٩]، ودار الندوة من ذلك المجلس الذى يندون حوله، أي يذهبون قريبًا ثم يعودون، والنادية في الإبل هي التي تصرف عن الورد إلى المرعى قريبًا ثم يعاد بها إلى الشرب وهو المندي [الخزل والدال بين الدور والدارات والديرة، معجم البلدان، تاج العروس من جواهر القاموس].

تأسيس دار الندوة

 يعود تأسيس دار الندوة إلى  قُصي بن كلاب الجد الأعلى للنبي صلى الله عليه وسلم وبه سميت، فكان يقال لها دار قُصي، وهي أول دار بنيت في مكة، عقب أن حاز قصي بن كلاب شرف الولاية على مكة عقب وفاة والد زوجه حُليل بن  خزاعة زعيم قبيلة خزاعة، حيث حاز قصي بعده شرف النظر على مكة كلها، فقطع مكة رباعًا بين قومه، فأنزل كل قوم من قريش منازلهم من مكة، ثم  بني دار الندوة للفصل بين الخصومات التي كانت تنشأ بينهم [السيرة النبوية لابن هشام، أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار].

دور دار الندوة قبل ظهور الإسلام

قامت دار الندوة بدور بارز في حياة قريش قبل ظهور النبي صلى الله عليه وسلم، إذْ كانت قريش تعقد أمورها فيها، ولا تفعل فعلًا إلا بها، ولا تُنكحُ امرأة، ولا ينكح رجل من قريش إلا في دار الندوة، وما يتشاورون في أمر إلا فيها، ولا يعقدون لواء الحرب على قوم إلا من خلالها، وما تدرع جارية إذا بلغت أن تدرع من قريش إلا في هذه الدار، يشق عليها فيها درعها ثم تدرعه، ثم ينطلق بها إلى أهلها، ومن ثم علا شأن قصي بين قومه بسبب أثر داره في حياتهم.

على أن ثمة ضوابط قد وضعت تنظم أمور دار الندوة، فلم يكن يدخلها كل قاصد لها، ولم يكن يدخلها من قريش من غير ولد قصي إلا من بلغ سن الأربعين من عمره للمشورة، فدخلها أبو جهل، وهو ابن ثلاثين؛ لجودة رأيه، ودخلها غيره للسبب نفسه، فيظهر من ذلك أن المراد من دخول الدار، هو حضورها للإسهام في إبداء الرأي، إلا إذا وجدوا في رجل أصغر سنًا جودة في الرأي، وحدة في الذكاء؛ عندئذ يسمح له بالاشتراك، وإبداء الرأي بصورة خاصة في القضايا، والخلافات التي تناقش في دار الندوة.

وقيل -أيضا- إنه لم يكن يدخلها أحد من قريش لمشورة حتى يبلغ الأربعين سنة إلا حكيم بن حزام، فإنه دخلها وهو ابن خمس عشرة سنة، وقد كان وُلد في الكعبة، وذلك أنّ أمه دخلت الكعبة، مع نسوة من قريش وهى حامل به، فضربها المخاض في الكعبة، وأعجلها عن الخروج فوضعته؛ ومن ثم كان له هذا الإيثار بدخول دار الندوة قبل السن المسموح بها [السيرة النبوية لابن هشام، البداية والنهاية، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام].

دور دار الندوة عقب ظهور الإسلام

على أن الدور الأظهر الذى اضطلعت به دار الندوة كان عقب ظهور الإسلام، إذ شهدت اجتماع المشركين من قريش؛ للتشاور في أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فانتهى بهم الأمر على أن يأخذوا من كل قبيلة فتى شابًا جلدًا، ثم يعطى كل منهم سيفًا صارمًا، ثم يعمدوا إليه فيضربوه ضربة رجل واحد فيقتلوه؛ كي لا يقدر بنو عبد مناف على حربهم جميعًا، والأخذ بالثأر، وضربوا لذلك ميعاد يوم معلوم، ولكنّ الله تعالى رد كيدهم، وأرسل جبريل عليه السلام يخبر نبيه بما دار بين المشركين في دار الندوة، ويأمره بالهجرة، وينهاه أن ينام في مضجعه تلك الليلة المعلومة، فنجى الله نبيه وهـاجر دون أن يلحقه أذى [فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة].

ما آلت إليه دار الندوة عقب ظهور الإسلام

ظل بنو عبد الدار يتوارثون دار الندوة، حتى باعها عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار من معاوية بن أبى سفيان، فجعلها الأخير دارًا للإمارة بمكة.

وفي رواية أخرى، أنّ حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي الأسلمي: وهو ابن أخي خديجة بنت خويلد هو الذي باعها من معاوية وكانت بيده، باعها بمائة ألف درهم، وكان قد اشتراها من منصور بن عامر بن هاشم بن عبد مناف، وتذكر الروايات: أنّ معاوية قال لحكيم موجهًا لومه له على ذلك: (يا حكيم، لقد بعت مكرمة آبائك)، فقال: ذهبت المكارم إلا التقوى، لقد اشتريتها في الجاهلية بزق خمر، وبعتها بمائة ألف درهم، وأنى أشهدكم الآن أن ثمنها في سبيل الله، فـأَيُّنا المغبون؟

وكانت دار الندوة لاصقة بالمسجد الحرام، وكان معاوية ينزل فيها إذا حج أو اعتمر، وكذلك نزل فيها خلفاؤه من بعده، وقد دخل بعض هذه الدار في خلافة عبد الملك بن مروان ، وابنه الوليد في المسجد الحرام، ومن بعد ذلك في عهد سليمان بن عبد الملك، بينما دخل البعض الآخر فيها في عهد أبى جعفر المنصور في المسجد الحرام، وأخيرًا دخلت بتمامها في زيادة المسجد الحرام على عهد الخليفة العباسي المقتفي [السيرة النبوية لابن هشام، الخزل والدال، الزهور المقتطفة من تاريخ مكة المشرفة].

الخلاصة

تُعَدّ دار الندوة مكانًا ذا أهمية كبيرة في تاريخ قريش قبل الإسلام وبعده، أسسها قصي بن كلاب، وكانت مركزًا؛ لاتخاذ القرارات المهمة في مكة، كعقد ألوية الحرب، وحل النزاعات، وبعد ظهور الإسلام، شهدت دار الندوة مؤامرة قريش؛ لقتل النبي صلى الله عليه وسلم، ثم آلت ملكيتها إلى معاوية بن أبي سفيان الذي حوّلها إلى دار للإمارة، وانتهى بها المطاف لتُدمج بالكامل في المسجد الحرام على مراحل. تعرف على دار الندوة ولماذا كانت مركزًا سياسيًا واجتماعيًا لقريش قبل الإسلام، وشاهدًا على أحداث غيرت مجرى التاريخ الإسلامي.

موضوعات مختارة