Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

مكة المكرمة

الكاتب

أ.د/ عطية القوصي

مكة المكرمة

في قلب صحراء قاحلة وبين جبال جرداء، نشأت مكة المكرمة مهد النبوة ومنطلق رسالة الإسلام، ومن أرض لا زرع فيها ولا ماء، تفجرت أنوار الهداية لتغيّر وجه التاريخ إلى الأبد.

مكة وموقعها الجغرافي

بلاد الحجاز جزء من شبه جزيرة العرب، وهو جزء هام؛ لأنه كان منزل الوحي، وفيه وُلد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى أرضه قامت، أول ما قامت، دولة الإسلام.

وجغرافيًّا يقع الحجاز شمالي اليمن وشرقي تهامة وغربي نجد، وقد سُمي حجازًا؛ لأنه يحجز بين نجد وتهامة، ويبلغ طوله من الشمال إلى الجنوب نحو سبعمائة ميل، وعرضه مائة وسبعون ميلًا، وتبلغ مساحته ٩٦ ألف ميل مربع.

وهو يتكون من عدة أودية تتخللها سلسلة جبال السَّراة، وأشهر مدنه: مكة والمدينة والطائف، وأشهر موانيه: جدة وينبُع على البحر الأحمر.

وإن أبرز ما يلحظه الزائر لمكة البلد الحرام، الطبيعة القاسية التي تحيط بها، من جبال سود جرداء إلى أودية قاحلة لا زرع فيها ولا ماء، إلى مناخها القاسي الشديد القيظ، وعلى الخصوص، في فصل الصيف، مما يجعل المرء يتساءل: سبحان ربي عن حكمته تعالى في أن تتفجر من باطن هذه البيئة القاسية ينابيع الرحمة والحنان، وتشع منها أنوار الهداية والإيمان للبشرية في كل مكان في هذه المدينة، التي تحتضنها الجبال الصماء وتخاصم العيش فيها معظم الكائنات من الأحياء والنباتات.

مولد الهادي صلّى الله عليه وآله وسلّـم بها

وُلد الهدى محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعاش أيام طفولته وصباه ورجولته، وتلقى الوحي فيها من فوق سبع سماوات، وارتقى بها برسالته؛ لتكون أقدس أرض الله.

ولقد اختار الله تعالى موضع مكة المقدس، في قلب العالم، حين أمر نبيه إبراهيم الخليل، أن يرتحل من العراق إلى مصر إليها، وأن يترك أسرته بها، فيناجي ربه ويسأله أن يرأف بهم، وأن يرزق أهل هذا الموطن الجديد من ثمرات رزقه بقوله تعالى على لسانه : ﴿رَّبَّنَاۤ إِنِّیۤ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّیَّتِی بِوَادٍ غَیۡرِ ذِی زَرۡعٍ عِندَ بَیۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِیُقِیمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفۡءِدَةࣰ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِیۤ إِلَیۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَشۡكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِۦمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا بَلَدًا ءَامِنࣰا وَٱرۡزُقۡ أَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنۡ ءَامَنَ مِنۡهُم بِٱللَّهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡءَاخِرِۚ﴾ [البقرة: ١٢٦] 

ولقد قال الباحثون بأن اسم مكة اسم قديم، وأنه ورد في الكتابات اليونانية القديمة بأنه يرجع إلى القرن الثاني قبل الميلاد، وأنه تحريف لاسم (مكربة) واختصار له، وأنها كانت مدينة مقدسة يقصدها الناس من مواضع عديدة بين حضر وبادية، وقد ورد ضمن الكتابات الثمودية القديمة نسبة لرجالٍ عُرف الواحدُ منهم بأنه (مكي)، وربما كان هؤلاء الرجال يُنسبون إلى مكة.

وقد سمى القرآن الكريم مكة أيضا باسم (بكة)، وربما عني بها موضع البيت الحرام، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَیۡتࣲ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِی بِبَكَّةَ مُبَارَكࣰا وَهُدࣰى لِّلۡعَٰلَمِینَ﴾ [آل عمران: ٩٦].

كذلك عرفت مكة بأسماء أخري عديدة منها:

صَلاحِ، أم رُحْم، الباسَّة، الناسَّة، والحاطِمة، وذكرت في القرآن الكريم أيضا باسم (أم القرى)، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ مُبَارَكࣱ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِی بَیۡنَ یَدَیۡهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلۡقُرَىٰ وَمَنۡ حَوۡلَهَاۚ﴾ [الأنعام: ٩٢].

بناء البيت الحرام وفضله

وللبيت الحرام الكائن في مكة فضل كبير على أهلها منذ نشأتها، وبسببه يقصدها الناس من كل فج عميق حتى اليوم للحج إليه، وقد عرف البيت بالكعبة؛ لأنه مكعب الشكل، ويقال له أيضًا: (البيت العتيق).

وقد رفع إبراهيم الخليل وابنه إسماعيل صلوات الله وسلامه عليهما أركان البيت بأمر الله حين شرعا في إعادة بناء البيت؛ بعد تعرضه لسيول قديمة تسببت في هدمه.

وبمكة جبل يطل عليها يقال له (أبو قبيس)، وأمامه جبل آخر، وبين الجبلين واد نبتت فيه مكة ونمت فصارت محصورة بين هذين الجبلين اللذين عرفا باسم (الأخشبين).

وقد سكنت قبيلة (جُرْهُم) جبل أبي قُبَيْس، قبل أن تسكن بطحاء مكة، تجنبًا لخطر السيول التي كانت تنزل في بعض الفترات على الوادي فتغرقه وتدمر الحياة فيه، ولما أسكن (قُصَيُّ بن كِلاب)، جد القرشيين، أهله في الوادي في بيوت ثابتة مبنية في بطحاء مكة، بقي منهم من فضل السكن في ظواهر مكة، أي: على الجبال، فعرفوا (بقريش الظواهر).

وكان (العماليق) أول من سكن مكة، على أثر هجرتهم إليها من بلاد العراق، ثم خلفتهم عليها قبيلة جرهم الثانية اليمانية بعد أن هاجرت من اليمن وتغلبت على العماليق.

وفي عهد سيادة جرهم على جبال مكة، كانت هجرة نبي الله (إبراهيم الخليل) من العراق، وكان نزوله مع زوجته المصرية (هاجر) وطفله الرضيع (إسماعيل) بطحاء مكة.

وقد استجاب إبراهيم الخليل لأمر ربه بترك زوجته وابنه في هذا المكان الصحراوي الموحش، وتركهما بعد أن دعا ربه لهما؛ فاستجاب الله لدعائه وأنبع الماء من تحت قدمي الطفل الرضيع، وكانت (بئر زمزم).

وجاءت قبيلة (جرهم) على أثر الماء؛ لتسكن مع هاجر وطفلها، وقد هوت أفئدة الناس إليهم ورزقهم الله من طيب ثماره، وقامت الحياة وازدهرت في تلك البقعة القاحلة من صحراء الحجاز.

وحين وصل إسماعيل إلى سن الشباب، تزوج من جرهم، بعد أن أحرز السيادة عليهم، تزوج من (رعلة بنت الحارث بن مُضاض بن عمرو بن جرهم) وعاش نسله في جرهم، والأمر على البيت لجرهم؛ لأن أبناء إسماعيل لم ينازعوا أخوالهم على الرئاسة.

وقد ظلت الرئاسة في جرهم، حوالي قرنين من الزمان إلى عهد آخر رؤسائهم وهو (مضاض بن عمرو بن الحارث)، وفي عهد رئاسة مضاض حدث أن نضبت مياه زمزم، وتغلب على جرهم (بنو خزاعة)، وهم بنو حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر، وكانوا قد هاجروا من اليمن إليها بعد وقوع (سيل العَرِم) وانهيار سد مأرب؛ فاستولوا على مكة بقيادة زعيمهم (حارثة) الملقب (بخزاعة).

وكان مُضاض الجرهمي قد حذر قومه عاقبة الفساد والترف الذي انغمسوا فيه نتيجة الثروة التي حلت عليهم؛ بسبب التجارة ولكنهم لم يستمعوا له، فلما أيقن مضاض زوال أمر دولته في مكة عمد إلى بئر زمزم فأعمق حفرها ودفن بها ما كان مدخرًا للكعبة مما أهدي إليها من مال وذهب وأهال عليها الرمال على أمل عودة جرهم للسيادة على مكة ثانية يومًا من الأيام فيعيد الكشف عنها، وتستفيد جرهم وتتقوى بها.

وخرج بنو إسماعيل مع مضاض من مكة، ووليت خزاعة أمر مكة والبيت، وكان رئيسهم يومئذٍ (عمرو بن لُحَي الخزاعي)، الذي ينسب إليه إدخال عبادة الأصنام إلى بلاد العرب بعد أن استوردها من الشام.

ظهور عبادة الأصنام

وعمرو بن لحي هو أول رجل يصل إلينا خبره من الرجال الذين كان لهم أثر في تكوين مكة وفي توسيع توجه القبائل إليها؛ للاتجار معها وللتعبد للكعبة وللأصنام التي وضعها حولها وفي جوفها.

وعلى رأس هذه الأصنام استورد ابن لحي صنمًا أطلق عليه اسم (هُبل) وضعه في جوف الكعبة، وقد صُنع من العقيق، وحين كسرت إحدى يديه استبدلت بها يد صنعت من الذهب الخالص.

وعد هبل كبير آلهة العرب وكبير أصنامهم، فصاروا يقدمون إليه، ويقدمون له القرابين، ولبقية الأصنام.

واستمرت خزاعة على رياسة مكة حوالي ثلاثة قرون حتى تغلبت عليها قبيلة (قريش)، وانتزعت الرئاسة منها، وكان ذلك، على وجه التحديد سنة ٤٤٠ ميلادية بقيادة (قُصي بن كلاب)، الجد الرابع لرسول الله .

وقد قام قصي بإجلاء خزاعة عن مكة إلى وادي فاطمة بالحجاز، وقد أقطع قصي مكة رِباعًا بين قومه، فأنزل كل قوم من قريش منازلهم بمكة التي أصبحوا عليها، وقد سكنوا بَطْحاء مكة، وعرفوا (بقريش البِطاح)، وهم دون (قريش الظواهر) الذين سكنوا جبال مكة، ودون (الأحابيش) وهم حلفاء قريش وهم: بنو المصطلق، والحَيَا بن سعد، وبنو الهُون بن خزيمة، وهم من اجتمعوا بجبل أسفل مكة يقال له: حُبْشي.

وقصي من قريش، وقريش كلها من نسل رجل اسمه (فِهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خُزيمة بن مُدرِكة بن إلياس بن مُضَر بن نِزار بن مَعَدِّ بن عدنان)، وهي من القبائل العدنانية، من مجموعة العرب المستعربة، فقريش هم: فهر وأبناؤه من سكان بطحاء مكة وظواهره، وقد سمي قصي (مجمعًا)؛ لأنه جمع قومه من الشعاب والأودية والجبال إلى مكة.

وقد اشتهرت قريش بالتجارة، وبها عرفت وذاع صيتها بين القبائل وتمكن رجالها، بفضل ذكائهم ومهارتهم في أسلوب التعامل، من الاتصال بالدول الكبرى في ذلك العهد، وبسادات القبائل وتكوين علاقات طيبة معها.

الازدهار الاقتصادي

كما نجحوا في عقد أحلاف مع سادات القبائل، ضمنت الأمان لتجارتهم طوال أيام السنة، ولرحلتي الشتاء والصيف، اللتين كانوا يقومون بهما إلى اليمن شتاءً وإلى الشام صيفًا، كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿لِإِیلَٰفِ قُرَیۡشٍ ۝١ إِۦلَٰفِهِمۡ رِحۡلَةَ ٱلشِّتَاۤءِ وَٱلصَّیۡفِ * فَلۡیَعۡبُدُوا۟ رَبَّ هَٰذَا ٱلۡبَیۡتِ﴾   [قريش: ١-٢] 

وقد علمت الأسفار سادة قريش أمورًا كثيرة من الحضارة والثقافة وأطلعتهم على بلاد متقدمة متحضرة في الشام والعراق، فتعلموا من أهل الحيرة أصول كتابتهم، وهذبوا لسانهم ودونوا به أخبارهم، كما علمتهم الطبيعة أن كسب المال وتأمين الرزق يحتاج إلى الأمن والسلام؛ لذلك اتصفوا بالمسالمة والحلم والنجدة.

وقد جاء لهم ذلك بأحسن النتائج فقصدهم التجار من كل مكان وهم مطمئنون على حياتهم وأموالهم وبضائعهم.

ولم تكن في مكة حكومة مركزية بالمعنى المعروف للحكومة الآن، وكل أمرها أنها قرية تتألف من شِعاب، كل شِعْبٍ لعشيرة، وأمر كل شِعب لرؤسائه، وهم وحدهم أصحاب الحل والعقد والنهي والتأديب فيه، وليس في استطاعة متمرد مخالفة أحكامهم، هؤلاء الرؤساء هم الحكام وعقلاء الشِّعْب، وهم الزعماء وقد عرفوا باسم (الملأ).

النظام السياسي بمكة

وملأ مكة محافظون لا يقبلون تجديدًا ويتعلقون بتراث الآباء والأجداد.

ودار الندوة هي دار مشورتهم في أمور السلم والحرب، وفي هذه الدار يجتمع الملأ؛ للتشاور في أمورهم الهامة، وفيها أيضًا تجري عقود الزواج وتعقد المعاملات.

وقد ذكر بعض أهل الأخبار أن دار الندوة لم يكن يدخلها إلا مَنْ بلغ أربعين سنة أو ما زاد.

ولم تكن قرارات دار الندوة مُلزمة، ولا يحصل الإجماع فيها إلا باتفاق، ولم تكن الخصومات الداخلية للأسر تُعرض في دار الندوة، ولكنها كانت تفض داخل الأسر، فقد كان العرب لا يقبلون تدخل غريب عن الأسرة في شأن من شئونها، لذلك كان رجال الملأ لا ينظرون إلا في الأمور التي هي فوق مستوى الأسر والشعاب والتي تخص المدينة بأكملها.

فالحكم في مكة إذن حكم لا مركزي، حكم رؤساء، وأصحاب جاه ونفوذ, ومنزلة تطاع فيها الأحكام، وتنفذ الأوامر.

وهذه الأحكام لذوي السن، والشرف، والرئاسة، وهي أحكام نابعة من العرف، والعادات، والتقاليد.

ودار الندوة هي أول دار بنيت بمكة، على حد قول الرواة، بناها قُصَي بن كلاب، وكانت أشهر دار بمكة.

وقد توارث بنو عبد الدار الندوةَ حتى اشتراها (معاوية بن أبي سفيان) من (عكرمة بن عامر بن عبد الدار) فجعلها دار الإمارة بمكة، ثم أُدخلت في الحرم.

وذكر أهل الأخبار أن من جملة ما أحدث قصي:

الرفادة، وهي إطعام الحجاج في أيام موسم الحج حتى يعودوا إلى بلادهم، وقد فرضها على قريش إذ قال لهم: "يا معشر قريش إنكم جيران الله وأهل مكة وأهل الحرم وإن الحاج ضيف الله وزوار بيته وهم أحق بالضيافة فاجعلوا لهم طعامًا وشرابًا أيام الحج حتى يصدروا عنكم" ففعلت قريش ذلك، فكانوا يخرجون في كل عام من أموالهم خرجًا فيدفعونه إلى قصي لكي يصنعه طعامًا للناس أيام منى ومكة، وقد بقيت هذه السُّنة في الإسلام.

وكانت إلى قصي أيضًا: الحجابة والسقاية واللواء.

والحجابة هي سدانة الكعبة، أي: تولى مفاتيحها، وخدمتها والإشراف عليها، والتكفل بحمايتها، وحراستها.

أما السقاية فكانت تعني توفير الماء، ونبيذ التمر؛ لحجاج بيت الله في موسم الحج.

أما اللواء فقد عقد قصي لهم راية يلوونها على رمح وينصبونها علامة للعسكر إذا توجهوا لقتال العدو.

وقد ترك قصي أثرًا كبيرًا في أهل مكة، وعدُّوه المؤسسَ الحقيقي لكيان قريش، وكانوا يذكرون اسمه، على الدوام، بكل إكبار، وكان لقصي أربعة أولاد، هم: عبد مناف (المغيرة)، وعبد الله (عبد الدار) وعبد العزى، وعبد قصي، وكانت له ابنة واحدة اسمها: هند.

ولما مات قُصي دفن بالحَجون، وهو جبل بأعلى مكة كانوا يدفنون موتاهم فيه، وقد كان القرشيون يزورون قبر قصي ويعظمونه.

وكان (عبد الدار) أكبر أبناء قصي وأحبهم إلى قلبه وأقربهم إليه، وكان عبد مناف أشرفهم.

ولما طعن قصي في السن وضعف بدنه ولم يعد قادرًا على تولي أمور مكة أوصى لابنه عبد الدار بما كان له من وظائف وأن يحل مكانه فيها.

ولما توفي قصي (٤٨٠ م) قام عبد الدار بعده بأمر مكة ولم ينازعه أخوه عبد مناف في ذلك احترامًا لرغبة أبيه.

النزاع على الحكم

واستمر الحال على ذلك حتى توفي عبد الدار وعبد مناف، فتنازع أبناء الأخوين على الرئاسة في مكة، وانقسموا في ذلك إلى فريقين، وتفرق بذلك أمر قريش.

 وصمم بنو عبد مناف وهم: هاشم، وعبد، شمس، والمطَّلِب، ونوفل أن يأخذوا الرئاسة من أبناء عمهم، فأبى بنو عبد الدار ترك ما في أيديهم وأصروا على الاحتفاظ به.

 وانقسمت قريش إلى قسمين: فريق مع بني عبد الدار وفريق مع بني عبد مناف.

فأخرجت (البيضاء) أم حكيمٍ توأمةُ عبد الله والد رسول الله صلى الله عليه وسلم جَفْنةً فيها طِيبٌ فوضعتها في الحجر في الكعبة، فقالت: "من كان منا فليُدخِل يده في هذا الطِّيب" فأدخلت عبد مناف أيديها في الجَفْنة وأدخل بنو أسد بن عبد العُزى، وبنو زهرة، وبنو تيم، وبنو الحارث بن فهر أيديهم في الجفنة، فسموا (بالمُطيَّبين).

وعمدت بنو سهم بن عمرو فنحرت جزورًا، وقالوا: "من كان منا فليُدخِل يده في هذه الجزور"؛ فأدخلت عبد الدار، وسَهْم، وجُمَح، ومخزوم، وعدي أيديها، فسميت بالأحلاف.

وقام الأسود بن نَضْلة فأدخل يده في الدم ثم لعقها، فلعقت بنو عدي كلها أيديها المُلَطَّخة بالدم، فسُموا (لَعَقة الدم).

وكاد القتال أن ينشب بين الطرفين، لولا أن تداعى الناس إلى الصلح، فاصطلحوا على أن تقسم الاختصاصات بينهما، على أن يأخذ بنو عبد مناف السقاية والرفادة، وأن يبقى اللواء والندوة والحجابة لبني عبد الدار كما كانت، ورضي الفريقان بهذا، وتحاجز الناس عن الحرب، وظل الأمر كذلك حتى مجيء الإسلام.

وحين فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، طلب العباس بن عبد المطلب عم رسول الله، الحجابةَ لنفسه فأراد النبي أن يسلمه مفتاح الكعبة، لكنه رده إلى عثمان بن طلحة من بني عبد الدار حين نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ یَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰۤ أَهۡلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، وظلت الحجابة باقية في بني عبد الدار إلى اليوم، كما أراد الله تعالى.

وكان هاشم بن عبد مناف كبير بني عبد مناف فتولى أمرهم، ولزم السقاية والرفادة حتى وفاته.

 وقد سن هاشم لقريش رحلتي الشتاء والصيف، وقد توفي هاشم بالشام في رحلة من هذه الرحلات فخلفه أخوه المطلب في مناصبه؛ ثم خَلَفَ المطلبَ، عبدُ المطلب ابنُ أخيه هاشم.

وقد وقع حب عبد المطلب في قلوب قومه وعظم خطره عندهم، وخاصة حين تصدى لحملة (أبرهة الحبشي) على مكة في محاولته الفاشلة؛ لهدم الكعبة في عام الفيل (٥٧٠ م)، وهو العام الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكانت أيام الفجار من الحوادث المؤثرة في تاريخ مكة، وسُميت كذلك؛ لوقوعها في الأشهر الحرم، وكان (يوم نخلة) هو أعظم أيام الفجار.

ولقد تفاوت الوضع الاجتماعي في مكة بين الغنى والفقر، وكان هناك كبار الأثرياء وأغلبية من الفقراء المعدمين.

وقد جاءت ثروة غالبية الأثرياء من التجارة الداخلية والتجارة العالمية الخارجية.

وكان من رجال مكة الأثرياء: الأسود بن المطلب، المعروف بأبي زمعة، وهشام بن المغيرة المخزومي، والد عمرو بن هشام المعروف بأبي جهل، وعمرو بن عبد الله بن صفوان بن أمية، والوليد بن المغيرة المخزومي، وسعيد بن العاص بن أمية، وقيس بن عدي السهمي، وأبو سفيان صخر بن حرب، وعبد العزى بن عبد المطلب (أبو لهب) عم الرسول، وعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام.

وقد كانت بمكة جالية كبيرة من أصل إفريقي عرفت (بالأحابيش)، وهم من الرقيق الأسود، اشتراهم أثرياء مكة؛ لخدمتهم والعمل لهم في مختلف الأعمال، وهم بخلاف القبائل التي حالفت قريشًا وكانت تسكن أسفل جبل ذنب حُبْشي خارج مكة ونسبت إلى هذا الجبل.

كذلك كان في مكة رقيق أبيض كان يشتري من أسواق النخاسة العالمية من مدينة سمرقند ببلاد ما وراء النهر.

وكان أغلب هذا الرقيق على الوثنية وكانوا لا يتقنون الحديث بالعربية، وفي كتب السير أسماء جوارٍ تركيات ويونانيات جُلبن من بلاد ما وراء النهر وبلاد فارس والعراق وقد تزوجن في مكة وكانت لمن فيها ذرية قبل الإسلام، كذلك كانت هنالك جوار عملن بالخدمة ومنهن من عملن بالغناء.

وكان الفساد قد ساد مكة قبل الإسلام، فكان معظم أثريائها قساة القلوب لا يعينون المحتاج، وقد فشا بينهم التعامل بالربا الفاحش، وكانوا يستعبدون الفقراء ويسترِقُّونهم مقابل ما عليهم من دين ويسخرونهم في أشق الأعمال غير عابئين بآدميتهم.

وكان بعضهم لا يتورع عن أكل مال اليتيم، وعن إكراه فتياتهم على البغاء؛ ليستولوا على ما تأتين به من مال؛ ولقد أدى هذا التردي الاجتماعي في مكة قبل الإسلام إلى الخلل في المجتمع، وإلى شيوع الرذيلة والظلم والفساد، وكان الأمر في حاجة إلى إصلاح، وكانت مكة، قبل إشراق شمس الإسلام، تعيش على بركان.

ولقد جاء الإسلام وجاءت رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ لتصحح المسار، ولتنقذ المجتمع المكي من متناقضاته وتخلصه من أدرانه وتسمو بقريش وتضعها على رأس قبائل الجزيرة العربية.

والحقيقة أن الإسلام هو الذي أعطى المكانة لقريش وجعل لها السيادة على العرب جميعًا والقيادة على القبائل وجعل الخلافة فيها.

فلولا الإسلام، ولولا كون رسول الله صلى الله عليه وسلم منها لكانت مكة قرية عادية كبقية القرى، ولكانت قريش قبيلة كسائر القبائل.

وكانت العزة لقريش ولمكة بالإسلام وبانتسابهما إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم رسول الله وخير الأنام.

الخلاصة

وهكذا كانت مكة المكرمة قلب الجزيرة النابض، ومركز الإشعاع الروحي والحضاري للأمم، منها انطلقت رسالة الإسلام، فطهّرت الأرض من الجهل والظلم، وأعادت للإنسان كرامته، فكانت بحقّ أمّ القرى، وموطن النور الذي غيّر مجرى التاريخ، ووجّه البشرية نحو الحق والخير.

موضوعات ذات صلة

بناء شبه مربع بني قبل سيدنا إبراهيم – عليه السلام- فيما رواه المؤرخون.

موطنُ النبوَّة، ومهبطُ السكينة، ودارُ الهجرةِ التي أشرقت منها أنوارُ الإسلام.

لم يكن مجرد انتصار عسكري، بل كان فتحًا للقلوب المغلقة.

من أشهر قبائل العرب العدنانية، واشتهرت لتجمعها حول الحرم المكي.

من أمهات القبائل العربية التي لعبت دورًا محوريًا في تاريخ مكة قبل الإسلام.

موضوعات مختارة