وتوفي الإمبراطور
ألكسيوس الثاني كومنين إمبراطور طرابيزون سنة ١٣٣٠ م واحتدم
النزاع بين أبنائه للفوز بالعرش، وسادت الفوضى في طرابيزون فيما بين سنتي١٣٣٠،
١٣٤٩م، وهي الفترة التي عرفت بعصر الفوضى والحروب الأهلية، وعادت الأخطار تهدد
كيان طرابيزون وتفاقمت المشاكل فيها، وجدد الأتراك غزوهم لطرابيزون
منتهزين فرصة النزاعات التي عمت أرجاءها ومنتهزين أيضًا فرصة اضمحلال نفوذ المغول في
العقد الثاني من القرن الثامن الهجري / الرابع عشر الميلادي [Finlqy:
Opcit. Vol. IV P.٣١٧].
وعدد
المؤرخون الأباطرة الذين تولوا عرش طرابيزون في تلك الفترة وبعضهم من
النساء، ولم تدم عهود بعضهم سوى شهور قليلة أو سنة واحدة على الأكثر، بل إن إحدى
الأميرات منهن لم تبق على عرشها سوى أسابيع، وتفاقمت المشكلات من جديد مع الأتراك
والجنوية والبنادقة، وعمت الفوضى خلال تلك الفترة، وبولاية الإمبراطور ألكسيوس
الثالث كومنين عرش طرابيزون سنة ١٣٥٠ م بدأت فترة جديدة في تاريخ
هذه الإمبراطورية، وبدأ عهد من أزهى عهودها [Miller: Trebizond,
P.٥٥]
امتد
عصر الإمبراطور ألكسيوس الثالث كومنين من سنة ١٣٥٠م إلى سنة
١٣٩٠م، أي شغل نحو أربعين عامًا في النصف الثاني من القرن الرابع عشر الميلادي،
وتصدى الإمبراطور خلال هذه المدة لكثير من المشكلات من بينها: اندلاع
الحروب الأهلية في طرابيزون في بداية عهده [فايز نجيب اسكندر: مرجع
سابق ص ١٤]، وظهور الأحقاد والغيرة
بين الطبقات الأرستقراطية والتنافس على الفوز بامتيازات إمبراطورية لبعض كبار رجال
الدولة، الأمر الذي فجر كثيرًا من الثورات في الإمبراطورية [ ) Lebeau: Histoire du Bas Empire, T. XX, PP ٤٩٠-٢ ]، وكان بعضها يهدف إلى الاستقلال عن طرابيزون،
إلا أن ألكسيوس الثالث كومنين نجح في القضاء عليها وأظهر أنه سياسي
متمرس ورجل دولة قدير، الأمر الذي منح طرابيزون فترة هدوء فيما بين سنتي
١٣٦٤، ١٣٩٠م [) Finaly: Op. cit. Vol. IV. PP ٣٧٤-٣٧٥.]، وفي نفس الوقت أظهر
هذا الإمبراطور اهتمامًا كبيرًا بالشئون الدينية لكسب محبة الشعب ورضائه،
فأفاء على رجال الدين بالعديد من الهبات والمنح وجدد الكنائس وأصلح الأديرة
والملاجئ ورممها، وأظهر ورعًا وتقوى أكسبته المزيد من محبة شعبه [ Rice:
Notice on Some Religious Buildings in the City and Vilayet of Trebizond, P.٦]، وفي نفس الوقت جدد العلاقات مع المدن التجارية الإيطالية
لا سيما البندقية، وأرسل السفارات للتفاوض معها وعقد الاتفاقات لتحقيق التوازن
الاقتصادي والسياسي، وكذلك مع جنوة التي ساءت علاقاته بها فترة، ثم عقد معاهدة
سلام معها لتعود الأمور إلى نصابها وتنشط حركة التجارة لمصلحة الجانبين [Franzius:
History of Byzantine Empire. P. ٤١٧].
وقد
عانى هذا الإمبراطور كثيرًا من إغارات التركمان على بعض أملاكه واندلعت
معهم حروب نجح خلالها في وقف تقدمهم داخل بلاده على مدى نحو ثمانية وعشرين عامًا [Miller:
Op. cit. PP ٥٩-٦٠, Bryer: Turkmens, P. ١٣٥]، بالحرب أحيانًا
وعقد المصاهرات أحيانًا أخرى، وأظهر حماسة كبيرة في حماية إمبراطوريته حتى امتدت
من أونايون حتى باطوم Batoum بحذاء ساحل البحر الأسود، واحتفظت
بعدة موانئ بحرية [Finaly Op cit. Vol. IV, PP ٣٧٦-٨].
وفي
نفس الوقت حافظت طرابيزون على علاقاتها بأباطرة القسطنطينية، وإن
توترت تلك العلاقات أحيانًا حتى وصلت إلى حد الحرب، ولكنها كانت تعود إلى الوئام
من جديد، خاصة وأن هذا الإمبراطور شغلته أحوال إمبراطوريته وما اعتراها
أحيانًا من سوء الأحوال بسبب التشدد في فرض الضرائب، وما ترتب على ذلك من
اضطرابات، فكان يحاول دائمًا تهدئة الأمور لمواصلة حكمه، وأخيرًا توفي هذا الإمبراطور
في سنة ١٣٩٠م تاركًا خلفاء ضعافًا تعرضت إمبراطورية طرابيزون خلال حكمهم
لأخطار كثيرة [Miller: Op. cit. P ٦٩].
فقد
خلف ألكسيوس الثالث كومنين اثنين من أبنائه في الفترة من سنة ١٣٩٠م
حتى سنة ١٤٢٩م واجهت خلالها طرابيزون أخطارًا كثيرة هددت أمنها وسلامها في
عهد مانويل الثالث كومنين (١٣٩٠ - ١٤١٦م) ثم في عهد أخيه ألكسيوس الرابع
كومنين (١٤١٦ - ٤٢٩ ١م) من قبل الأتراك العثمانيين والمغول الذين ظهروا
مرة أخرى تحت قيادة تيمورلنك [Ostrogorsky:
History of Byzance State, P. ٤٥١. Vasiliev: Histoirem, Empire Byzantine, T. II, PP. ٢٩٠-٩.] ، واضطر الإمبراطور مانويل الثالث كومنين
إلى الاعتراف بتبعيته لإمبراطورية المغول ودفع الجزية السنوية لهم"[ Lebeau: Op> cit. T> XX. P ٤٩٩]، حتى وفاة تيمورلنك،
وعندئذ تشجع إمبراطور طرابيزون وتخلص من دفع هذه الجزية مستغلًا الصراع الذي
نشب بين أبناء تيمورلنك من أجل العرش [Hertzbergs: Storia
Bizantin, P ٧٨٠]، وكان المغول قد جنبوه أخطار الأتراك
العثمانيين عندما هزموهم في أنقرة سنة٨٠٥هـ١٤٠٢م وإن لم تنج طرابيزون
من هجمات التركمان من القطيع الأسود مرارًا، ثم توفي مانويل الثالث كومنين
سنة ١٤١٦م وخلفه ألكسيوس الرابع كومنين الذي اشتهر بالضعف وعجز عن
التصدي للمشكلات التي واجهت طرابيزون فأعلن مرارًا الخضوع لزعيم التركمان
من القطيع الأسود، ودفع الجزية لهم مقابل الحصول على السلام، خاصة عند عودة خطر
الأتراك العثمانيين في الفترة ما بين سنتي ٨٢٤- ٨٢٧هـ/١٤٢١، ١٤٢٣م [ Dichl:
Histoier de L, Empire Byzantin, Vol. III. P. (Paris ١٩٢٧). أومان: الإمبراطورية
البيزنطية من ٢٥٧].
وفي نفس الوقت سادت علاقات المودة خلال حكم هذا الإمبراطور
مع البنادقة، ولكن علاقاته بالجنوية شابها العداء الذي ميز النصف الأول من القرن
الخامس عشر الميلادي، على الرغم من ميل هذا الإمبراطور إلى تهدئة الأوضاع
مع الجنوية [Miller: Op Cit P ٧٩.] ثم تعرض الإمبراطور
ألكسيوس الرابع كومنين لثورة فجرها ابنه حنا سنة ٤٢٧ ١م فقد
حياته بسببها وانتهى عهد هذا الإمبراطور سنة٨٦٦هـ/ ١٤٢٩م وانتهت هذ٥ الفترة
القاتمة في تاريخ طرابيزون.
وتمثل
الفترة ما بين سنتي ١٤٢٩م، ١٤٦١م حين سقطت طرابيزون في أيدي الأتراك
العثمانيين سنة ٨٦٦هـ/ ١٤٦١م آخر السنوات في عمر هذه الإمبراطورية، استشرى
النزاع خلالها حول العرش بين آل كومنين، حتى اعتلى حنا الرابع كومنين
العرش فيما بين سنتي ١٤٢٩، ١٤٥٩م، ثم احتدم الصراع بين طرابيزون والمدن التجارية
الإيطالية: البندقية وجنوة، وعانت امبراطورية طرابيزون خلال ذلك معاناة
شديدة باعتبار النشاط التجاري لطرابيزون عصب حياتها، في الوقت الذي عانت
فيه طرابيزون أيضًا من ضغوط العثمانيين عليها وعلى القسطنطينية، ولهذا
بدأت طرابيزون والقسطنطينية مراسلة البابوية سنة ١٤٣١ م يطلبان
مساعدة الغرب الأوربي للتصدي لخطر العثمانيين [Gill: Chreeks and
Latins in a common council, the Council of Floonce, ١٤٣٨ ١٤٣٩.١ ٢٧٢ (Rome ١٩٥٩]، وعرض وحدة الكنيستين الشرقية والغربية في مجمع كنسي يعقد
بالقسطنطينية، وإن واجه ذلك مصاعب بسبب الظروف التي كان يمر بها الغرب
الأوربي حينئذ من ناحية، وصعوبة تحقيق هذه الوحدة من ناحية أخرى
وبعد محاولات عدة عقد مجمع كنسي في فلورنسا سنة
١٤٣٨م - ١٤٣٩م وانتهى باتحاد الكنيستين الشرقية والغربية وجعل زعامة العالم المسيحي
للكنيسة الغربية باعتبارها المفوضة في الشئون الدينية والسياسية معًا، وأصبح
الاتحاد ساريًا من الناحية الرسمية فقط، ولكن من الناحية الفعلية واجه معارضة
شديدة من شعوب الشرق وبعض رجال الدين الذين رفضوا ما انتهى إليه هذا المجمع [) Brehier: Op. Cit. P ٤٩٧. Gill: Ghurch Union, PP ٢٣٥-٢٥٠].
وتعرضت
طرابيزون لخطر الأتراك العثمانيين والسلطان مراد الثاني
سنة٨٤٦هـ/ ٤٤٢ ١م، وأرسلت السفن التركية لتخريب طرابيزون، وإن انتهت تلك
المحاولة بالفشل، وأعقب ذلك قيام تحالف بين بعض دول البلقان وبيزنطة وأوربا
والبابوية لمحاربة الأتراك العثمانيين وتخليص طرابيزون والقسطنطينية
من ضغوطهم وذلك سنة٨٤٨هـ/ ١٤٤٤م، وإن لم يسفر هذا الحلف عن شيء بل تعرضت حملة
الحلفاء للهزيمة [Diehl: Op. cit. P ٢٠٦].
وفي سنة٨٥٧هـ/ ١٤٥٢م بدأ السلطان العثماني
محمد الثاني حصار القسطنطينية واستمر الحصار ثلاثة وخمسين يومًا انتهت
باستيلائهم عليها والقضاء على الإمبراطورية البيزنطية نهائيًا سنة ١٤٥٣م [Finlay:
Op. Vol. III, P ٥٢٢]،
وفي
سنة ٨٦١هـ/ ١٤٥٦م بدأت مهاجمة طرابيزون ونجح الأسطول التركي في تخريب
شواطئها، واضطر الإمبراطور حنا الرابع كومنين إلى دفع الجزية، ثم
أعقب ذلك وفاة الإمبراطور حنا الرابع كومنين سنة ١٤٥٨م فخلفه شقيقه
داود الذي ورث تركة مثقلة بالهموم ما بين نزاعات أسرية وجزية تدفع للعثمانيين
ورغبة من هؤلاء في الاستيلاء على طرابيزون.
وفعلًا
قام السلطان محمد الثاني سنة ٨٦٥هـ/ ١٤٦٠م بتوجيه جيوشه إلى طرابيزون، ولم
تفلح محاولات داود في وقف تقدم العثمانيين فتم الاتفاق على خضوع داود للسلطان
العثماني، ودخل العثمانيون طرابيزون وسلم داود مفاتيح المدينة لهم في
ذي القعدة ٨٦٥هـ / أغسطس ١٤٦١م وجرى ترحيل داود وأسرته إلى القسطنطينية،
وانتهى بذلك أمر طرابيزون بخضوعها للعثمانيين.
مراجع للاستزادة:
- فايز نجيب اسكندر:
دراسة الاتفاقية تجارية بين امبراطورية طرابيزون والبندقية عام ١٣٦٤م.
الإسكندرية ١٩٨٣.
- نعيم زكي فهمي: طرق التجارة الدولية ومحطاتها
بين الشرق والغرب أواخر العصور الوسطى، الهيئة المصرية العامة للكتاب. القاهرة
١٩٧٣م.
-
Ramsay, W. The Historical Georaphy of Asia Minor
Amsterdam ١٩٦٧.