Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

دولة (الطولونيون)

الكاتب

أ.د/ حسن علي حسن

دولة (الطولونيون)

تولى أحمد بن طولون حكم مصر في القرن التاسع الهجري، مؤسسًا الدولة الطولونية التي مثلت أول استقلال فعلي لمصر بعد الفتح الإسلامي، وقد شهدت مصر في عهد الطولونيين نهضة سياسية واقتصادية وحضارية كبيرة.

لمحة تاريخية عن مصر

أتم المسلمون فتح مصر على يد القائد عمرو بن العاص، وبذلك صارت ولاية تابعة للحكومة المركزية في المدينة، ثم توالى عليها الولاة في عهد الدولة الأموية ثم الدولة العباسية التي قامت سنة ١٣٢ هـ/٧٤٩م، وكان خلفاء بني العباس يرسلون الولاة إلى مصر لإدارة شئونها، وبعد انقضاء القرن الأول الهجري من حكم العباسيين، وهو الذي يعدّ العصر الذهبي للخلافة العباسية حيث تولى مجموعة من الخلفاء العظام من أمثال أبي جعفر المنصور والمهدي والرشيد والمأمون وهؤلاء كانوا يحكمون قبضتهم على الولايات المختلفة التابعة للخلافة العباسية - بعد انقضاء هذا العصر أسهمت ظروفُ كثيرة عاشتها الخلافة العباسية في إضعافها، وفي مقدمتها ضعف الخلفاء العباسيين، مع سيطرة عناصر جديدة على مركز الخلافة في بغداد، وأعني بهم الأتراك الذين استعان بهم العباسيون في مواجهة العناصر الأخرى، من فرس وعرب، وجلبوهم من مواطنهم الأصلية في بلاد ما وراء النهر، حيث اشتهروا بالطاعة وحب النظام والشجاعة، ولم يلبث هؤلاء الأتراك أن تسللوا إلى قلب الخلافة العباسية، وتقلدوا المناصب الكبرى والإدارة في الدولة فصار منهم الوزراء والولاة، وإلى العنصر التركي هذا ينتمي أحمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية في مصر.

ولم يكن أحمد بن طولون أول من تولى ولاية مصر من الأتراك؛ بل سبقه إلى هذا المنصب مجموعة من الأتراك منهم أشناس التركي (٢١٩هـ ـ ٢٣٠هـ/٨٣٤- ٨٤٤م)، وإيتاخ التركي (٢٣٠- ٢٣٥هـ/٨٤٤- ٨٤٩م)، والفتح بن خاقان بن أرتق (٢٤٢هـ - ٢٤٧هـ / ٨٥٦- ٨٦١م) ومزاحم بن خاقان (٢٥٤هـ / ٨٦٨م). ويشير أحد المؤرخين إلى مدى الانحلال الذي عاشته الخلافة العباسية، متمثلًا ذلك في نظام إدارتها للولايات ومنها مصر، فيذكر أن كثيرًا من الولاة الذين عينهم الخليفة العباسي في الأمصار المختلفة كانوا يفضلون البقاء في العاصمة قرب الخليفة، وينيبون عنهم بدورهم نوابًا يحكمون البلاد باسمهم ويدعون لهم بعد الخليفة على المنابر، وينقشون اسمهم على السكة، وعلى هذا الأساس فإن بعض هؤلاء الأتراك السابق ذكرهم لم يروا مطلقًا مصر حتى وفاتهم وإنما ظلوا متربعين في بيوتهم على مقربة من الخلافة، واكتفوا بأن أرسلوا إلى مصر من ناب عنهم لإدارة شئونها، ومن هؤلاء الولاة باكباك التركي الذي ولى مصر سنة ٢٥٤هـ- ٨٦٨م، وهذا بدوره اختار أن يرسل إليها أحمد بن طولون لينوب عنه في حكمها، وكان باكباك زوج أم أحمد بن طولون [عبد الرحمن الرافعي وسعيد عاشور: مصر في العصور الوسطى، ص ٨٧].

نشأة أحمد بن طولون

تشير المصادر إلى أن طولون والد أحمد كان مولى لنوح بن أسد بن سامان عامل بخاري وخراسان، أهداه نوح إلى المأمون الخليفة العباسي، ثم ترقى طولون وصار من جملة الأمراء، وولد له ابنه أحمد ٢٢٠هـ/٨٣٥م ببغداد، وقد نشأ أحمد في كنف أبيه ورعايته وتلقى منه كل اهتمام، وكان منذ صغره قويم الخلق متصفًا بالرزانة والذكاء، مكثرًا من الدرس والحفظ، فحفظ القرآن والحديث وطلب العلم وتعلم الفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة، ولم يغفل والده في تربيته الجانب العسكري؛ فقد كان قريبًا من منصب الخلافة بحكم منصبه، ويعلم أن الخلافة لديها مجموعة من الأتراك تعتمد عليهم في الإدارة والشئون العسكرية، وأن هؤلاء سيطروا على الخلافة وحولوها إلى منصب شكلي.

 ولما مات طولون سنة ٢٤٠هـ /٨٥٤م تولى ابنه أحمد ما كان يتولاه أبوه من قبل، وأثبت كفاءة ممتازة ونال إعجاب الجميع [حسن على حسن: تاريخ مصر الإسلامية، ص ١٢٣]، ويشير أبو المحاسن إلى صفات أحمد ابن طولون بقوله: نشأ على مذهب جميل، وحفظ القرآن وأتقنه، وكان من أطيب الناس صوتًا به مع كثرة الدرس وطلب العلم وكانت جميع خصال ابن طولون محمودة إلا أنه كان حاد الخلق والمزاج [النجوم الزاهرة، ج٣ ص ٣]، ومن الأمور التي أدت إلى إكبار العباسيين لابن طولون تلك الحادثة التي أشار إليها المؤرخون، إذ تصادف وقوع نزاع بين الأتراك حول من يتولى الخلافة، فرشحت جماعة من الأتراك "المستعين" بينما رشحت طائفة أخرى "المعتز"، ثم تقرر تعيين "المعتز" ونفي "المستعين" إلى واسط، وعين ابن طولون حارسًا عليه؛ وفي محاولة من أنصار المعتز القضاء على المستعين نهائيا طلبوا من ابن طولون أن يقتله فرفض قائلًا: لا أقتل خليفة له في عنقي بيعة، ومع ذلك انتهزوا فرصة غفل فيها ابن طولون وقتلوا المستعين، وهذه الحادثة تدل على أن ابن طولون كان يتمتع بثقافة حربية وأخرى دينية، كما نشأ على احترام الخلافة ولم يشترك مع غيره من الأتراك في المؤامرات التي كانت تحاك ضدها [تاريخ مصر الإسلامية، ص ١٢٤].

تولى الخليفة المعتز منصب الخلافة في بغداد، وكالعادة استخلف القادة الأتراك على أقاليم الدولة العباسية ومنها مصر الذي عين عليها القائد التركي، الذي آثر كالعادة البقاء في العاصمة بغداد قريبًا من مركز السلطة، وخوفًا من العزل والتشريد، وطمعًا في ثروات العاصمة، ثم وجدناه يختار أحمد بن طولون؛ لما عُرف عنه من حسن سيرته ولقرابته فهو زوج أمه ليكون نائبا عنه في مصر.

الأوضاع السياسية

سار ابن طولون على رأس جيش إلى مصر ليتولى إدارتها فدخلها في ٢٣ رمضان سنة ٢٥٤هـ الموافق ١٥سبتمبر٨٦٨م، وتحددت وظيفته بالولاية على الفسطاط، وكانت السياسة السائدة آنذاك ألا يتولى مصر شخص واحد، وإنما كانت السلطة في مصر موزعة بين عدة مناصب ليكون كل منصب عينًا على المناصب الأخرى، وتتمثل هذه القوى المختلفة آنذاك في عامل الخراج ابن المدبر، وعامل البريد شقير الخادم الذي يراقب تصرفات رجال الإدارة، ويخبر الخلافة في بغداد بكل كبيرة وصغيرة، وعلى القضاء بكار بن قتيبة، وعلى الإسكندرية إسحاق بن دينار، وعلى برقة أحمد بن عيسى.

وحين استقر ابن طولون في منصبه في مصر أدرك خطورة هؤلاء الموظفين، خاصة أن كل واحد منهم يستند في منصبه في مصر إلى سند له في بلاط الخلافة يساعده ويحميه؛ لذا وجدنا ابن طولون يعمد إلى محاربة خصومه في بلاط الخليفة العباسي عن طريق جواسيسه تارة، وعن طريق عملائه في بلاط الخليفة الذين غمرهم بهداياه تارة أخرى [سيرة ابن طولون، ص ٥٦].

ومن المشكلات الخطيرة التي واجهت ابن طولون مشكلة ابن المدبر، وكان واليًا على خراج مصر منذ سنة ٢٤٧هـ/ ٨٦١م، وتصفه المصادر بأنه كان قاسيًا ظالمًا في جمع الضرائب، كما فرض ضرائب جديدة مما أثقل كاهل المصريين؛ وحين تولى ابن طولون ولاية مصر حاول ابن المدبر التقرب إليه، وذلك بإرسال هدية كبيرة إليه في محاولة منه لاستمالته، لكن ابن طولون أدرك ظلم ابن المدبر وكراهية المصريين له فردها عليه ولم يقبلها منه، وبدلًا من ذلك طلب ابن طولون من عامل الخراج العدول عن سياسة الشدة التي يتبعها في جمع الأموال واستنزاف أموال المصريين.

لم يقبل ابن المدبر هذا الطلب وأخذ في الدس والوقيعة ضد ابن طولون في مركز الخلافة مدعيًا أن ابن طولون عزم على الاستقلال بمصر؛ وقد علم ابن طولون بهذا الأمر عن طريق عيونه وجواسيسه ومن ثم بادر بإرسال الهدايا والأموال لمعالجة الموقف، وفي نفس الوقت طالب الخلافة بإسناد وظيفة الخراج إليه وعزل ابن المدبر، وقد استجابت الخلافة لذلك وبذلك تخلص ابن طولون منه.

وكذلك شكل ابن شقير عامل البريد مشكلة أخرى لابن طولون بكثرة دسائسه ودعايته السيئة في بلاط الخلافة ضد ابن طولون، مما دفع ابن طولون إلى مخاطبة الخلافة في عزله وقد تم له ذلك.

ومن المشاكل التي واجهها ابن طولون ثورات بعض الشيعة المقيمين في مصر، وكانت إحدى هذه الثورات في مكان يسمى الكنائس بين الإسكندرية وبرقة واندلعت سنة ٢٥٥هـ /٨٦٩م، إلا أن ابن طولون نجح في إخمادها؛ والثورة الأخرى للشيعة قامت في منطقة إسنا بصعيد مصر، وتزعمها شخص يُدعى إبراهيم بن محمد المعروف بالصوفي، وتسببت هذه الثورة في كثير من الاضطرابات والنهب والقتل، وقد أرسل إليها ابن طولون عدة حملات حتى قضت عليها، والثورة الأخيرة قامت في أسوان بزعامة شخص يدعى العمري، إلا أنها انتهت بفشلها ومقتل زعيمها.

وكانت أخطر هذه الثورات ثورة العباس بن أحمد بن طولون، وذلك بسبب أن القائم بها ابنه العباس ولأنها استمرت ثلاث سنوات (٢٦٥هـ- ٢٦٨هـ/٨٧٨- ٨٨١م)، كما أن هذه الثورة نشبت في وقت حرج لانشغال ابن طولون بثورات في الشام حيث خرج للقضاء عليها، وتشير المصادر إلى أن سببها تولية العباس إمرة مصر في غياب والده ابن طولون في الشام، ووقوع خلاف بينه وبين الواسطي الذي يساعده في إدارة مصر، واستغل أتباع العباس وبطانته هذا الخلاف وحرضوه على التضييق على الواسطي الذي قام بدوره فأخبر ابن طولون في الشام بما حدث له، وهنا لعبت الدسائس دورها في تزيين الثورة والوقيعة بين العباس وأبيه والعصيان له والخروج عليه، فحمل العباس أموالًا كثيرة وخرج متوجهًا إلى برقة طامعًا في تكوين إمبراطورية في شمال إفريقيا، لكنه لم يوفق إذ اصطدم بقوة الأغالبة والبربر.

وقد حاول ابن طولون استمالة ابنه بالرسائل وغيرها؛ إلا أن العباس استمر في عناده وعصيانه؛ مما دفع ابن طولون إلى إرسال جيش استطاع هزيمة العباس الذي هرب، ثم قبض عليه وعلى بعض أتباعه وحملوا إلى مصر حيث سجن العباس ومات في سجنه في عهد أخيه خمارويه.

ومن المشاكل التي واجهها ابن طولون علاقته بالحكومة المركزية في بغداد التي كانت تعاني من الضعف والتفكك، وقد انقسمت السلطة في بغداد بين الخليفة المعتمد وأخيه الموفق؛ حيث قسمت الدولة من الناحية الإدارية إلى قسمين: قسم شرقي يخضع لرئاسة الموفق أخي الخليفة نيابة عنه، وآخر غربي وينوب عن الخليفة فيه ابنه المفوض جعفر ابن المعتمد، وكانت مصر والشام خاضعتين للمفوض جعفر ضعيف الشخصية كأبيه بعكس الموفق الذي تميز بقوة الشخصية.

ونظرًا لمواجهة الموفق ثورات الزنج كان في حاجة إلى أموال كثيرة، وقد طلبها الموفق من خزانة مصر فأرسل إليه ابن طولون مبلغًا كبيرًا، لكنه طمع في المزيد من الأموال مما أدى إلى وقوع شقاق بين الموفق من جهة وابن طولون من جهة أخرى، وتصاعد الخلاف بين الطرفين حتى أعد الموفق جيشًا لغزو مصر فبادر ابن طولون وأعد بدوره جيشًا كبيرًا لمواجهة الموفق وهذا الخطر القادم إليه من مركز الخلافة؛ لكن الظروف ساعدت ابن طولون إذ دبت الفرقة في صفوف جيش الموفق نظرًا لتأخر رواتب الجند مما أفشل خطة الموفق في الجوم على مصر، ولكن الموفق ظل يضغط على الخليفة المعتمد لعزل ابن طولون عن مصر؛ لكن هذه المحاولات فشلت، وقد حاول ابن طولون من جانبه استقطاب الخليفة المعتمد إلى جانبه، وخاصة بعد شكوى الخليفة من استبداد أخيه الموفق، وزين له المجيء إلى مصر إلا أن هذه المحاولة باءت بالفشل، وهكذا مضى الصراع بين ابن طولون والموفق، وفي كل حلقة من حلقاته تزداد قَدَمُ ابن طولون رسوخًا وثباتًا مما يدعم استقلاله بمصر، وأخيرًا تم الصلح بينهما وتم لابن طولون الاستقلال بمصر [مصر في العصور الوسطى، ص ٩٣].

صفات أحمد بن طولون

مما سبق يتضح تمتع ابن طولون بذكاء وشجاعة في مواجهة العديد من المشاكل، سواء أكانت في الداخل أم في الخارج، وأنه بنى سياسته على عدة قواعد أهمها حرصه على تأليف القلوب بالأموال والصدقات، فكان يرسل الصدقات إلى دمشق والعراق والجزيرة، فضلًا عن إنفاقه الأموال على طبقات المحتاجين في مصر، كذلك من قواعد سياسته اعتماده على الجواسيس سواء داخل مصر أو خارجها في بلاط الخلافة العباسية الذين كانوا يمدونه بالأخبار والمعلومات.

وما أن حلت سنة ٢٦٩هـ /٨٨٢م حتى خرج ابن طولون على رأس جيشه لمواجهة بعض الاضطرابات في الشام، ولكنه لم يمكث طويلًا في منطقة الثغور، وعاد إلى مصر بسبب مرضه حيث توفي في عام ٢٧٠هـ / ٨٨٣م وتولى خلفًا له ابنه خمارويه.

تولي خمارويه مقاليد الحكم

خمارويه (٢٧٠- ٢٨٢هـ/٨٨٣- ه٨٩م)

أدرك خمارويه أن نجاحه في حكم مصر في الميدانين الداخلي والخارجي يتوقف على تماسك البيت الطولوني والحيلولة دون حدوث أي انشقاق داخل الأسرة فضلًا عن الاعتماد على عصبية قوية وجيش كبير يحمى المكاسب والانتصارات التي حققها والده أحمد بن طولون مؤسس الدولة، وفي سبيل تحقيق هذا الهدف نراه يلجأ إلى قتل أخيه العباس الذي امتنع عن مبايعته تنفيذًا لوصية والده.

لقد واجه خمارويه عدة مشاكل لكن أبرزها علاقته بالخلافة العباسية، تلك العلاقة التي اتسمت بالعداء حتى وصلت إلى مرحلة القتال في عهد والده ابن طولون؛ ومن ثم وجدنا خمارويه يبدأ هذه العلاقة بالمسالمة تجاه الخلافة العباسية ويخاطب الخلافة مطالبًا إياها بإصدار قرار بتوليته إمرة مصر؛ لكن الخليفة العباسي انتهز الفرصة ورفض ذلك، بل أمر الخليفة بتولية أمير الموصل إمارة مصر، وهذا بدوره خرج على رأس جيش للاستيلاء على الشام ومصر وخلعها من سيطرة الطولونيين، وشارك في ذلك الموفق أخو الخليفة وهو الذي لعب دورًا كبيرًا في معاداة ابن طولون من قبل.

إزاء هذه الأخطار أرسل خمارويه جيشين للتصدي لجند الخلافة، ولكنهما فشلا في تحقيق النصر مما اضطر معه خمارويه إلى الخروج بنفسه وملاقاة جند الخلافة حيث انتصر عليهم؛ وكانت نتيجة هذه الانتصارات أن ارتفع قدر خمارويه في أعين قادة الخلافة العباسية أو كما يقول أحد الباحثين: "وتمكن من البلاد والعباد، وملك الديار المصرية والبلاد الشامية، ومد يده لبلاد الجزيرة، وتأثل سلطانه المتوارث" [تاريخ مصر الإسلامية، ص ١٣٦].

وهنا استجاب الخليفة العباسي إلى طلب الصلح الذي سبق أن طلبه خمارويه وكتب له بولايته على مصر والشام والثغور ثلاثين سنة؛ وحرصًا من خمارويه على توطيد علاقته السلمية بالخلافة العباسية عرض على الخليفة تزويج ابنته قطر الندى لابن الخليفة، فلما علم بذلك قال: أنا أتزوجها لنفسي، وتزوجها في سنة ٢٨١هـ /٨٩٤م بعد أن دفع لها صداقًا مقداره مليون درهم، ومن جانب خمارويه فقد أنفق على جهاز ابنته وإعدادها للسفر إلى بغداد الأموال الطائلة، تلك الأموال التي خربت خزانة مصر وأفقرتها.

خرج خمارويه إلى دمشق (سنة ٢٨٢هـ /٨٩٦م) وهناك بلغه أن بعض جواريه قد اتخذت كل واحدة منهن خليلًا من الخدم، ولما همّ خمارويه في التحقيق في ذلك تآمر عليه الخدم وقتلوه سنة ٢٨٢هـ، بعد أن حكم مصر والشام اثنتي عشرة سنة ثم حمل جثمانه إلى مصر حيث دفن بجوار أبيه.

حكم مصر بعد مقتل خمارويه ثلاثة من آل طولون، ولم يزد حكمهم على عشر سنوات سقطت بعدها الأسرة الطولونية، وشهدت هذه السنوات العشر الأخيرة من تاريخ الدولة الطولونية انحلالًا واسعًا وتدهورًا كبيرًا بعد أن بلغت الدولة أوج مجدها وعظمتها على عهد خمارويه.

عوامل سقوط الدولة الطولونية

ويمكننا الإشارة في إيجاز إلى العوامل التي أدت إلى انهيار صرح الدولة الطولونية وسقوطها:

  • البذخ والإنفاق على مظاهر الرفاهية في عصر خمارويه، وخاصة بعد إنفاق الأموال الضخمة على جهاز قطر الندى ابنة خمارويه.
  • تعوّد الجيش على مرتبات كبيرة فلما قتل خمارويه كانت الخزانة خاوية فلم تستطع الدولة الوفاء بالتزاماتها تجاه الجند الذين قاموا بالثورة.
  • سوء الإدارة، فقد عزل خمارويه قادة أبيه وولى جماعة من الشباب قليلي الخبرة.
  • تنافس أفراد البيت الطولوني على مقعد الحكم، وترتب على ذلك ضعف الجيش وتراخى قبضة الحكومة.

وغير ذلك من العوامل التي ساهمت بشكل كبير في سقوط الدولة الطولونية ٢٩٢هـ/٩٠٥م.

المظاهر الحضارية في الدولة الطولونية

لقد شهدت مصر عصرًا مزدهرًا في ظل الحكم الطولوني الذي امتد من سنة٢٥٤هـ إلى ٢٩٢هـ، وهناك عدة عوامل ساهمت في هذا التطور والتقدم، منها هذا الاستقلال الذي تحقق لمصرفي ظل الطولونيين، وسيطرة الطولونيين على بلدان كثيرة ابتداءً من برقة والشام وتخوم العراق، فضلًا عن مصر، والجمع بين هذه البلاد في نظام سياسي موحد، والثراء الذي حققه هذا الاستقلال والتوسع، ومنها إنفاق تلك الأموال التي كانت تجيئ من هذه المناطق داخل مصر، وعلى شعب مصر بد لًا من إرسالها إلى مقر الخلافة في بغداد؛ كذلك حرص ابن طولون ومن جاء بعده على الأخذ بأسباب النهضة، وأن تصبح القطائع عاصمة الطولونيين منافسة لسامراء أو بغداد، وأن يبدو البلاط الطولوني في مستوى لا يقل عن مستوى البلاط الخلافي.

ففي الجانب الإداري: صارت مصر بعد قيام الدولة الطولونية - ولأول مرة في تاريخها منذ الفتح الإسلامي - وحدة مستقلة مكتملة الكيان، وأخذ الطولونيون يشكلون النظم الجديدة مستفيدين من النظم السابقة.

 ويشير أحد الباحثين إلى أن أحمد بن طولون أول من أخذ في ترتيب الملك، وإقامة شعائر السلطنة بالديار المصرية فأنشأ ديوان الإنشاء لما يحتاج إليه في المكاتبات والولايات كما اتخذ الحُجَّاب والكُتَّاب والمواكب؛ ولم ينس ابن طولون أن يضع اسمه في الخطبة بعد الخليفة العباسي مباشرة كما وضع اسمه على السكة [تاريخ مصر الإسلامية، ص ١٤٣].

كذلك اهتم الطولونيون بوظيفة القضاء ورجاله، وأجزلوا لهم المرتبات والهبات.

وفي المجال الاقتصادي: أشار المؤرخون إلى الازدهار والانتعاش الاقتصادي الذي عاشه المجتمع المصري، وبخاصة الطبقة الخاصة بإدارة البلاد والتي تتمثل في الأمراء وقادة الجيش ورجال الإدارة، وهؤلاء جمعوا الكثير من الثروات واقتنوا الدور والقصور، وعاشوا حياة مرفهة.

وقد أدرك ابن طولون أهمية إصلاح الجهاز الإداري المسئول عن جباية الخراج والضرائب فشغل الإدارة المالية بموظفين يدينون له بالولاء، وفرض عليهم رقابة صارمة بحيث لا يستطيعون أن يفرضوا ما شاءوا من الضرائب كما كانوا يفعلون من قبل، كما اهتم ابن طولون بالزراعة والري ووسائله وشق الترع وإقامة الجسور، وكانت الدولة تمد الفلاح بحاجته من البذور والآلات الزراعية، وبعد انتهاء المحصول وجمعه كانت تتقاضى أثمان هذه الخدمات، كما أولى الطولونيون اهتمامًا بغرس البساتين وبخاصة في عهد خمارويه؛ كل هذا أدى إلى وفرة المحاصيل وزيادة أموال الخراج.

وفي مجال الصناعة: ازدهرت الصناعات القديمة واستحدثت بعض الصناعات التي احتاجها المجتمع المصري في العصر الطولوني، ومن هذه الصناعات صناعة النسيج حيث اشتهرت البلاد بصناعة الكتان والقطن والحرير، وأيضًا راجت بعض الصناعات الأخرى كصناعة السكر وصناعة الذهب والنحاس وغيرها من المعادن، وصناعة الأسلحة وصناعة الأخشاب وصناعة الورق، كما استحدثت أسواق كثيرة بعد خضوع بلاد الشام وبرقة، بالإضافة إلى مصر، تحت سيطرة الحكم الطولوني، وترتب على ذلك ازدهار هذه الأسواق وكثرة الأموال.

وفي مجال التجارة: كان من الطبيعي تبعًا لتطور الزراعة وتقدم الصناعة أن تنشط التجارة وتزدهر وذلك عن طريقين: الأول: دعم مركز مصر الاقتصادي ومركزها التجاري، ومكانتها في الأسواق العالمية بعد سك الدينار الذي ينسب إلى أحمد بن طولون، والذي كان من أحسن الدنانير الإسلامية وأثقلها وزنًا.

والثاني: إصلاحات أحمد بن طولون الإدارية وقضاؤه على الفتن والثورات وجهوده في استتباب الأمن مما وفّر للتجارة بشقيها الداخلية والخارجية أسباب الحماية، ويشير المؤرخون إلى ازدحام أسواق مدينة القطائع عاصمة الطولونيين، ومنها سوق العطارين وسوق الحبوب وسوق الجزارين والبقالين وغير ذلك من الأسواق.

وفي مجال البناء والتعمير: أنشأ أحمد ابن طولون مدينة القطائع، ويشير أحد الباحثين إلى أن مدينة العسكر ضاقت ببلاط أحمد بن طولون وحاشيته فاختار مكانًا من مدينة الفسطاط والمقطم إلى الشرق من مدينة العسكر، وإلى الشمال الشرقي من الفسطاط حيث ميدان صلاح الدين، ومن الجنوب أطلال مدينة العسكر، وبنى أحمد بن طولون لنفسه قصرًا فخمًا واتخذ له ميدانًا كبيرًا، وكان هذا القصر والعمائر التي أقامها ابن طولون في حاضرته الجديدة عراقية الأسلوب والطابع.

وأنشأ ابن طولون بجوار هذا القصر مسجده الذي لا يزال باسمه، كما أقام دور الحكومة إلى الجنوب من هذا المسجد وكان يفصلها عنه ميدان فسيح، وأخذ رجال الدولة يبنون دورهم جوار المسجد ودار الإمارة، كذلك قسمت القطائع إلى أحياء يسمى كل منها قطيعة، وأُفْرِد كلِّ منها لعنصر من عناصر الجيش الطولوني مثل: قطيعة السودان، وقطيعة الروم ... وهكذا، وقد بدأ البناء في العاصمة الجديدة سنة ٢٥٦هـ/ ٨٧٠م، وجاء تخطيطها تقليدًا لتخطيط مدينة سامراء التي أنشأها المعتصم الخليفة العباسي شمالي بغداد.

وأبرز منشآت القطائع: المسجد الكبير وكانت بداية بنائه في سنة ٢٦٢هـ٨٧٥م والفراغ منه سنة ٢٦٥هـ/٨٧٨م، وأهم ما يمتاز به هذا الجامع هو مئذنته التي تقع في الرواق الخارجي الغربي، وبجانب الصلاة في هذا الجامع فقد كان مدرسة للعلوم الدينية، كما كانت تعقد فيه جلسات القضاء.

ومن المنشآت الهامة التي بناها أحمد بن طولون: المارستان - المستشفى- وذلك نظرًا لاهتمام ابن طولون بطبقات الشعب وبخاصة المرضى منهم، وكان أحمد بن طولون يتفقده كل يوم جمعة لمواساة المرضى وتفقد الخدمات به، وقد أشار المؤرخون إلى أن ابن طولون أنفق على مسجده ومارستانه ما بلغت قيمته مليونا من الدنانير.

الحياة الفكرية: واصل علماء مصر في العهد الطولوني مسيرتهم الفكرية والثقافية، تلك المسيرة التي بدأت في عصر الولاة، وهذه النهضة الفكرية شملت مجالات الأدب والتاريخ والعلوم الدينية وغيرها، وكانت هذه النهضة في حقيقة أمرها جزءًا من النهضة الثقافية التي شملت العالم الإسلامي في القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي، ومن أبرز مظاهرها حركة الترجمة إلى العربية التي قطعت أشواطًا في طريق التقدم.

ومما ساعد على نهضة الحركة الفكرية في الدولة الطولونية تشجيع أمراء الدولة ومساهمتهم في تنشيطها، وعلى رأسهم أحمد بن طولون، وقد اهتم أحمد بن طولون بُحَّفاظ القرآن، وكان هو نفسه من أئمة الحفاظ، كما خصص المسجد الطولوني بعد إنشائه مباشرة لرواية الحديث ودراسته، وكان الربيع بن سليمان تلميذ الشافعي يجلس فيه لرواية الحديث، وكان الأمراء الطولونيون يحضرون مجالسه للاستفادة من علمه، وكما شجع ابن طولون المذهب الشافعي، وأتباعه شجع كذلك المذهب الحنفي، ويذكر ابن تغري بردي أن أحمد بن طولون كان يحضر مجالس فقهاء المذهب الحنفي.

ومن مظاهر تشجيع الحركة الفكرية الترحيب بالعلماء الوافدين على مصر وإغداق الأموال عليهم، وممن وفد على مصر في هذه الفترة الربيع بن سليمان المرادي (١٧٤- ٢٧٠هـ/٧٩٠- ٨٣٣م) وإليه يرجع الفضل في حفظ المذهب الشافعي، وأما المذهب الحنفي في تلك الحقبة فكان أبو جعفر الطحاوي (٢٢٩ - ٣٢١هـ/٨٤٦- ٩٣٣م) الذي ألف في معاني القرآن كما ألف في التاريخ والفقه، ويضاف إلى ما سبق ارتفاع شأن المذهب المالكي، وظهور علماء بارزين في الفقه المالكي، ومنهم محمد بن عبد الله ابن عبد الحكم الذي انتهت إليه رئاسة المالكية في هذا العصر، ويشير السيوطي إلى أن الناس قصدوه من كافة البلاد، وحضر إليه الطلاب من المغرب والأندلس للاستزادة من فقه الإمام مالك، ولم يقتصر اهتمام الطولونيين على الدراسات الدينية بل امتد اهتمامهم إلى ميدان الأدب، وخاصة بعد إنشاء ديوان الإنشاء الذي ساهم في ارتقاء الكتابة، وكانت اتجاهات الكتابة في هذا العصر تميل إلى الناحية الفنية التي يتكلفها الكاتب مع تعمده تجميلها وزخرفتها، وكذلك شجع ابن طولون وابنه خمارويه الشعراء، وقد أغدق خمارويه عليهم الأموال، وبرز في هذا العصر مجموعة من الأدباء منهم ابن عيد كان، والحسن بن رافع، ويعقوب ابن إسحاق وغيرهم.

وفي مجال الدراسات اللغوية برز الوليد بن محمد التميمي المعروف بولاد، الذي ألف كتاب المنمق في النحو (ت ٢٩٨هـ)، وكذلك أحمد بن جعفر الدينوري صاحب كتاب (المهذب في النحو)، وكذلك أبو جعفر النحاس صاحب كتاب (معاني القرآن ومنسوخه).

وفي مجال الكتابة التاريخية برز يوسف ابن إبراهيم المعروف بابن الداية، الذي كتب سيرة أحمد بن طولون وابنه أبي الجيش خمارويه.


مراجع للاستزادة:

  • البلوي: سيرة أحمد بن طولون.
  • الطبري: تاريخ الأمم والملوك.
  • ابن كثير: البداية والنهاية.
  • ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة.
  • المقريزي: المواعظ والاعتبار.
  • عبد الرحمن الرافعي وسعيد عاشور: مصر في العصور الوسطى.
  • حسن علي حسن: تاريخ مصر الإسلامية.

الخلاصة

بدأ حكم الدولة الطولونية عندما عُين أحمد بن طولون نائبًا على مصر، واستطاع فرض سيطرته على البلاد رغم التحديات الداخلية والصراعات مع خلفاء العباسيين في بغداد، وأسس نظام حكم مستقل عن الخلافة العباسية، واهتم بالإصلاح الإداري والاقتصادي والعسكري، ما أدى لازدهار الزراعة والصناعة والتجارة، وبنى مدينة القطائع وجامع ابن طولون الشهير، معززًا بذلك البناء والتعمير في مصر، وانتهى حكم الدولة الطولونية بسقوطها نتيجة الإنفاق البذخي، وضعف الإدارة، وتنافس أفرادِ الأسرةِ الحكمَ.

موضوعات ذات صلة

 أسرة شيعية علوية إسماعيلية، أسست خلافة منافسة للعباسيين في شمال إفريقيا.

فرقة مشاة خاصة داخل الجيش العثماني.

 يُطلق مصطلحُ الصقالبة (السلاف) على أمةٍ مرجعُها أصلٌ واحد.

موضوعات مختارة