Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

ملوك الطوائف

الكاتب

أ.د/ عبد الله محمد جمال الدين

ملوك الطوائف

من الفترات الزمنية المهمة في تاريخ الأندلس، تلك التي تُعرف بعصر ملوك الطوائف؛ والتي كانت نتيجة سقوط الخلافة الأموية، والتقسيم السياسي الذي نتج عن ذلك، وتأثيره على الأندلس، مع ظهور الدويلات المختلفة المتصارعة في ظل تربص من الأعداء، إلى جانب الحالة الفكرية، والأدبية التي ازدهرت، رغم التمزق السياسي.

سقوط الخلافة الأموية وبداية عصر الطوائف

بلغت الأوضاع في الأندلس منتهـى السوء، فسقطت الخلافة الأموية سنة ٤٢٢ هــ / ١٠٣١م حين أعلن أبو الحزم بن جهـور انتهـاء رسوم الخلافة؛ لعدم وجود من يستحقهـا، وتم عزل آخر خليفة أموي وهـو الملقب بالمعتمد بالله، وصار الأمر شورى بأيدي الوزراء وصفوة الأمراء في قرطبة بزعامة ابن جهـور وهـو ما عُرف في كتب التاريخ بحكم الجماعة - في نظام أشبه بالحكم الجمهـوري الآن.

 لقد تحولت البلاد كلهـا إلى دويلات متنازعة، فاستقل كل أمير بناحيته، وأعلن نفسه ملكًا عليهـا، ودخلت الأندلس عصرًا جديدًا، هـو ما سمى بعصر ملوك الطوائف، أو عصر الفِرق.

الدويلات المتصارعة: أهل الأندلس، البربر، والصقالبة

وكانت هـناك ألوية ثلاثة يعمل كل منهـا على بسط نفوذه على شبه الجزيرة الأيبيرية:

  • لواء يمثله أهـل الأندلس المستقرون فيهـا منذ زمن قديم، والذين انصهـروا في البوتقة الأسبانية، بصرف النظر عن أصولهـم الجنسية، وعرف هـؤلاء بأهـل الجماعة، ومن هـؤلاء بنو جهـور في قرطبة وبنو عباد اللخميون في إشبيلية، وبنو هـود الجذاميون في سرقسطة وبنو صمادح أو تجيب في ألمرية وبنو برزال في قرمونة وبنو خزرون في أركش وبنو نوح في مورور وبنو عامر في بلنسية.
  • والمجموعة الثانية يمثلهـا المغاربة أو البربر الحديثو عهـد بالأندلس أيام المنصور بن أبى عامر، ومنهـم بنو زيري في غرناطة وبنو حمود الأدارسة العلويون في مالقه والجزيرة.
  • والحزب الثالث يمثله كبار الصقالبة الذين استقلوا بشرق الأندلس، وهـؤلاء من الموالي الذين ينتمون إلى الشعوب السلافية وهـم من مختلف البلدان الأوروبية بما في ذلك الشمال الأسباني المسيحي.

وكان لهـؤلاء دور أثناء تدهـور الخلافة الأموية في الأندلس، وبعد سقوطهـا كونوا دويلات صغيرة قامت في شرق الأندلس، جمعهـا تحالف أطلق عليه اسم الدولة العامرية الصقلبية، فقد كان هـؤلاء من مماليك المنصور بن أبى عامر وأبنائه، وأبرز هـؤلاء خيران رئيس الصقالبة في قرطبة، ومجاهـد العامري الذي استقل بدانية ثم سيطر على جزر البليار الشرقية وغزا جزيرة سرادنية وسواحل إيطاليا بأساطيله التي سيطر بهـا على غربي البحر الأبيض المتوسط.

صراع الشرعية وتعدد الخلفاء الرمزيين

وكل فريق من فرق الطوائف حاول أن يتخذ لنفسه صفة شرعية، فيبايع خليفة يستمد منه سلطانه الروحي.

فبنو عباد جاءوا برجل يشبه هـشام المؤيد وأقاموه على أنه خليفة، والحزب المغربي تزعمته خلافة بني حمود اعتمادًا على أصلهـم العلوي الشريف، وقد انقسم هـؤلاء على أنفسهـم وصار كل فريق منهـم يَدّعِي الخلافة لنفسه، ويتلقب بالمهـدي والعالي والمستعلي والسامي والمتأيد.

وقد انتهـى نفوذ هـؤلاء باستيلاء بني زيري ملوك غرناطة على مالقه، واستيلاء بني عباد على الجزيرة الخضراء، وعاد الحمدانيون إلى مقرهـم الأصلي في العدوة المغربية.

أما الفريق الصقلبي فقد أتى مجاهـد صاحب دانية، والجزر الشرقية برجل قرشي أموي قرطبي، هـو الفقيه أبو عبد الله بن الوليد المعيطي وجعله خليفة، ولقب بالمنتصر بالله، وباسمه صكت العملة، والأعلام، ولكنه لم يلبث أن طرده مجاهـد؛ لعلمه بتآمره عليه أثناء انشغاله بغزو سرادنية.

وهـكذا تعددت الخلافة بتعدد ملوك الطوائف واصطدمت مصالحهـا؛ لقرب المسافات بينهـا، وانتشرت الفتن والفوضى، وفي ذلك يقول أبو محمد بن حزم - وهـو شاهـد عيان: "اجتمع عندنا في الأندلس في صقيع واحد خلفاء أربعة، كل واحد منهـم يُخطب له بالخلافة في موضعه، وتلك فضيحة لم يُر مثلهـا، أربعة رجال في مسافة ثلاثة أيام كلهـم يتسمى بالخلافة وإمرة المؤمنين، وهـم خلف الحصري في إشبيلية على أنه هـشام من بعد اثنتين وعشرين سنة من موت هـشام، وشهـد له خصيان ونسوان، فخُطب له على منابر الأندلس وسُفكت الدماء من أجله، ومحمد بن القاسم خليفة بالجزيرة الخضراء، ومحمد بن إدريس خليفة بمالقة، وإدريس بن يحيى بن علي ببشتر». [ابن الخطيب: أعمال الأعلام ص ١٤٢، ١٤٣]

 ومعظم هـؤلاء قلدوا خلفاء بني العباس والفاطميين في حياتهـم وألقابهـم، يقول أبو الحسن بن رشيق القيرواني:

مما يزهـدني في أرض أندلس * * *    أسماء معتمد فيهـا ومعتضد

ألقاب مملكة في غير موضعهـا * * *  كالهِـر يحكى انتفاخًا صورة الأسد

[المقري: نفح الطيب ج ١ ص١٦٨]

ويرى الدكتور حسين مُؤنس أنّ الطامة الكبرى التي ترتب عليهـا كل ذلك هـو إلغاء الخلافة؛ لأن ذلك يمثل إلغاء لوحدة الأمة، وقد وَجَد عمال الأطراف أنفسهـم بدون خلافة، فاضطر كل منهـم أن يتولى أمره بنفسه، وتحول إلى أمير في ناحيته، فالعمل  الذي قام به القرطبيون بزعامة أبى الحزم بن جهـور كان قضاء على رمز الوحدة  في البلاد، وهـذا أمر لم يحدث قط  في التاريخ، فهـؤلاء لم يكونوا ملوكًا ولا طوائف، وإنما هـم عمال استبدوا بالأمر، ولم يتخذوا ألقابًا ملكية، أو سلطانية، وإنما اتخذوا تسميات مثل المعتضد، والمعتمد، والمستعين .. الخ، ولم يكونوا زعماء لطوائف عربية أندلسية، أو طائفة بربرية، ولا طائفة صقلبية، وإنما زعماء نواحٍ استبدّ كل منهـم بناحيته، وجرت بينهـم حروب.

تدخل النصارى واستغلال ضعف الطوائف

وطمع فيهـم النصارى، وفرضوا عليهـم إتاوات، ولم يكن لديهـم جيش يمكنهـم به دفع أصحاب الممالك النصرانية، بل استعان زعماء الطوائف بهـم في نزاع بعضهـم ضد البعض الآخر.

ويُقسّم د. حسين مؤنس عصر الطوائف إلى ثلاث فترات تاريخية:

  1. الفترة الأولى فترة الانتظار والترقب بين سقوط العامريين، وإلغاء الخلافة القرطبية ٤٢٢هــ/ ١٠٣١م.
  2. الفترة الثانية تمتد من ٤٢٢هــ إلى ٤٧٨هــ - ١٠٨٥م وهـي السنة التى سقطت فيهـا طليطلة في يد ألفونسو السادس ملك قشتالة وليون وهـي فترة حروب طويلة بين الطوائف بعضهـم ضد البعض الآخر، مع الاستعانة بقوات من النصارى، ودفع إتاوات لهـم. واشتهـر في هـذه ـ الفترة بنو عباد أصحاب إشبيلية وبنو ذي النون أصحاب طليطلة والصقالبة في بلنسية والتجيبيون ثم بنو هـود في سرقسطة وبنو زيري في غرناطة وبنو صمادح في ألمريه وبنو الأفطس في بطليوس... وكل هـؤلاء تسلطوا على رعاياهـم، وظلموهـم، وأفقروا البلاد؛ مما كان سببًا في عبور المرابطين إلى الأندلس.
  3. بعد ذلك تأتي فترة حكم وجهـاد المرابطين ثم الموحدين في الأندلس [د. حسين مؤنس: معالم تاريخ المغرب والأندلس ص ٤١٥وما بعدهـا، القاهـرة ٢٠٠٤، ضمن مشروع مكتبة الأسرة، الأعمال الفكرية.]، كل هـذا يمثل الضعف السياسي، والاجتماعي على الجانب الإسلامي خلال فترة الطوائف، بينما الجانب الآخر، جانب أسبانيا المسيحية في الشمال، يعمل على توحيد قواه بمساندة فرنسا والبابوية.

 فقد كان ألفونسو السادس - ملك قشتالة وليون- يعمل جاهـدًا على تحقيق أطماعه، وتوسيع ملكه، ولكنّ مشيئة الله هـي الغالبة، فقد كان يتولى على المغرب في هـذه الظروف العصيبة قوة فتية هـي قوة المرابطين الملثمين التي استطاعت إنقاذ الأندلس من سقوط محقق على يد الأسبان.

 ونأخذ الآن في بيان كل مملكة، وذكر عاصمتهـا وبدايتهـا ونهـايتهـا:

  • بنو جهـور في قرطبة: من ٤٢٢ إلى ٤٦٣هـ/١٠٣١- ١٠٧٠م، ثم ضمت إلى حكم بني عباد في إشبيلية.
  • بنو عباد في إشبيلية: من ٤١٤ إلى ٤٨٤هــ/١٠٢٣- ١٠٩١م.
  • بنو زيري في غرناطة: من ٤٠٣ إلى ٤٨٣هـ/١٠١٢- ١٠٩٠م.
  • بنو برزال في قرمونة: من ٤٠٤ إلى ٤٥٩هــ/ ١٠١٣- ١٠٦٧م.
  • دولة بني يفرن (ابن أبى قره) في رندة: من ٤٠٦ إلى ٤٥٧هــ/١٠١٥- ١٠٦٥م. ثم ضمت إلى مملكة إشبيلية.
  • بنو نوح (بنو دمر) في مورور: من ٤٠٣ إلى ٤٥٨هــ/ ١٠١٢- ١٠٦٦م.

ثم ضمت إلى مملكة إشبيلية:

  • بنو خرزون في أركش: من ٤٠٢ إلى ٤٦١هـــ/١٠١١- ١٠٦٨م
  • دولة بني البكري (بنو أيوب)، في ولبة وجزيرة شلطيش: من ٤٠٣- ٤٤٣هــ/١٠١٢- ١٠٥١م.

ثم ضمت لمملكة إشبيلية:

  • بنو يحيى في لبله: من ٤١١ إلى ٤٤٥هــ/١٠٢٠- ١٠٥٣م.
  • بنو مرين في باجة وشلب: من ٤٢٣ إلى ٤٥٥هــ/١٠٣٢- ١٠٦٣م.
  • بنو هـارون في شنتمرية الغرب: من ٤١٧ إلى ٤٤٣هــ/١٠٢٦- ١هـ١٠م.

ثم ضمت إلى إشبيلية:         

  • بنو الأفطس في بطليوس: من ٤١٣ إلى ٤٨٨هــ/١٠٢٢- هـ١٠٩م. ثم سقطت بطليوس في أيدي المرابطين.
  • بنو ذي النون في طليطلة: من ٤٢٧ إلى ٤٧٨هــ/١٠٣٦- ١٠٨٥م. ثم سقطت طليطلة على يدي ألفونسو السادس.
  • بنو هـود (بنو يحيى) في سرقسطة: من ٤٠٨ إلى ٥٠٣هــ/١٠١٧- ١١٠٩م.

ثم استولى عليهـا المرابطون.

  • بنو رزين في السهـلة (شنتمرية الشرق): من ٤٠٣إلى ٤٩٧هــ/١٠١٢- ١١٠٣م.
  • بنو القاسم في البونت: من ٤٠٠ إلى ٤٩٥هــ/١٠٠٩- ١١٠١م. ثم استولى عليهـا المرابطون.
  • الصقالبة في بلنسية: من ٤٠٠ إلى ٤٥٧هــ/١٠٠٩- هـ١٠٦م.
  • وكذلك بنو المنصور في بلنسية: من ٤١١- ٤٥٧هــ/١٠٢٠- هـ١٠٦م:
  • ثم ضمت بلنسية لمملكة طليطلة.
  •  المأمون بن ذي النون في بلنسية: من ٤٥٧ إلى ٤٨٥هــ/١٠٦٥- ١٠٩٢م.
  •  ثم صارت بلنسية جمهـورية يرأسهـا ابن جحاف: من ٤٨٥ إلى ٤٨٧هـ/١٠٩٢- ١٠٩٤م.
  • السيد القمبيطور والقشتاليون في بلنسية: من ٤٨٧ إلى ٤٩٥هــ/١٠٩٤- ١١٠٢م. ثم استولى المرابطون عليهـا.
  • مجاهـد في دانية والجزائر: من ٤٠٠ إلى ٤٦٨هـ/١٠٠٩- ١٠٧٥م.

ثم انضمت دانية إلى سرقسطة.

  • المقتدر بن هـود في سرقسطة: من ٤٦٨ إلى ٤٨٣ هـ/١٠٧٥- ١٠٩٠م.
  • خيران وزهـير في مرسية: من ٤٠٣ إلى ٤٧١هـ/١٠١٢- ١٠٧٨م.
  • الطاهـريون في مرسية: من ٤٢٩- ٤٧١هـ/١٠٣٨- ١٠٧٨م.
  • ابن عمار وابن رشيق في مرسية: من ٤٧١ إلى ٤٨٤هـ/١٠٧٨- ٠٩١ ١م.
  • خيران وزهـير في ألمرية: من ٤٠٥ إلى ٤٢٩هـ/١٠١٤- ١٠٣٨م.
  • بنو صمادح في ألمرية: من ٤٣٣ إلى ٤٨٤هـ/١٠٤١- ١٠٩١م.
  • بنو حمود في مالقة: من ٤٢٧ إلى ٤٤٩هــ/١٠٣٦- ٠٥٧ ١م.

ثم ضمت مالقة إلى غرناطة.

  • بنو حمود في الجزيرة: من ٤٢٧ إلى ٤٥٠هــ/١٠٣٦- ١٠٥٨م.
  • بنو طيفور في مرتلة: ٤٣٦هــ/١٠٤٤م.

ثم ضمت إلى مملكة إشبيلية. [لمزيد من التفاصيل راجع جداول ملوك الطوائف الموجودة عند كل من: دوزي: ملوك الطوائف ونظرات في تاريخ الإسلام ترجمة كامل كيلاني ص ٣١٥ وما بعدهـا طبع عيسى البابي الحلبي - القاهـرة. بدون تاريخ. محمد عبد الله عنان: تاريخ الإسلام في الأندلس، دول الطوائف منذ قيامهـا حتى الفتح المرابطي ص٤٦٠ وما بعدهـا طبعة مكتبة الأسرة بالقاهـرة سنة ٢٠٠١م]

وهـذه القوائم تؤكد أن عصر الطوائف الذي امتد نحو ثمانين سنة، كان عصر تفكك، وانحلال سياسي واجتماعي شامل، ولم يستنكف هـؤلاء الملوك من الارتماء في أحضان ملوك النصارى، وأن يستعينوا بهـم في حروبهـم المتبادلة؛ لاقتطاع حصن من مملكة مجاورة، أو التنكيل بأمير مجاور، ودفعوا في سبيل ذلك الجزية، والإتاوات لهـؤلاء النصارى، ويكفي أن نستعيد وقوفهـم في ذلة لدى ملك قشتالة وقت تنازلهـم عن طليطلة قبيل سقوطهـا، بل إنه حتى فرسان النصارى من أمثال السيد القمبيطور، أمكنهـم التسلط على بعض بلاد الإسلام، وأذلوهـا، وأهـانوا أهـلهـا، ورأى سكانهـا منهـم الويلات.

أضف لهـذا قسوة هـؤلاء الطوائف مع رعيتهـم، وإثقال كواهـلهـم بالضرائب والمغارم؛ بهـدف ملء خزائنهـم، لا يحول دون ذلك خُلق، ولا دين.

والمؤلم أن فقهـاء العصر كانوا أكبر معاضد لهـؤلاء في تبرير ظلمهـم وطغيانهـم، أضف لهـذ ا اقتناء الجواري، والعبيد، والانهـماك في الترف، والانحلال لأقصى مدى.

ومهـما يكن من أمر فإنه من الممكن أن نميز عددًا من هـؤلاء الممالك هـم الأكثر أهـمية من بينهـم وهـي:

  • مملكة سرقسطة في الثغر الأعلى وكان الحكم فيهـا لبني هـود.
  • وإمارة قرطبة في وسط الأندلس ويحكمهـا بنو جهـور.
  • وإمارة طليطلة في الثغر الأدنى ويحكمهـا بنو ذي النون.
  • ومملكة إشبيلية غربي الأندلس ويحكمهـا بنو عباد.
  • ومملكة بلنسية شرقي الأندلس، وقد تداولهـا عدد من الحكام.
  • ومملكة غرناطة جنوبي الأندلس، ويحكمهـا بنو زيري.
  • وكذلك إمارة بني الأفطس حكام بطليوس في الثغر الأدنى.

وربما كان من المفيد أيضًا أن نختار ثلاثًا من هـذه الممالك نتحدث عنهـا بإيجاز شديد؛ لتكون نموذجًا لغيرهـا، هـذه الثلاث هـي:

  • مملكة سرقسطة ومملكة بلنسية ومملكة إشبيلية.
  • مملكة سرقسطة

أعظم ملوك الطوائف من حيث سعتهـا، وموقعهـا بين الدول النصرانية في الشمال وهـي عاصمة ولاية الثغر الأعلى.

وقد حكم هـذه المملكة بنو تجيب ثم أسرة بني هـود وأولهم المستعين بالله (٤٣١- ٤٣٨هـ/١٠٣٩- ١٠٤٦م)، ثم المقتدر بالله الذي قسم المملكة بين ولديه فجرت بينهـما حروب، واستعان كل منهـما بملوك النصرانية، نظير تقديم أموال، وحصون، وامتيازات.

وقد حاول ألفونسو السادس، الاستيلاء على سرقسطة، وحاصرهـا بعد نجاحه في الاستيلاء على طليطلة، ولكن المرابطين نجحوا في إنقاذهـا.

وفي عهـد أبى مروان عبد الملك عماد الدولة، تركهـا هـذا الأمير؛ ليلتحق بحصن روطة أو روطة اليهـود - أحد معاقل سرقسطة - لكن الأخيرة سقطت في يد رودمير ملك أراغون ٥١٢هـ/١١١٨م، ثم قام آخر حكام بني هـود بتسليم روطة اليهـود إلى ملك قشتاله وتخلى عنهـا للطاغية أذفونس بن رمند المعروف بالسليطين.

وقد جرت أحداث مأساة "بريشتر" في زمن بني هـود ٤٥٦هـ/ ١٠٦٤م وتم استردادهـا ٤٥٧هـ/١٠٦٥م.

  • مملكة بلنسية

 تقع شرقي الأندلس وتجاور سرقسطة حكمهـا الصقالبة أولًا، ثم بنو ذي النون، وكان ألفونسو السادس قد وعد حاكم طليطة أن يعاونه في الاستيلاء على بلنسية، بعد أن يتسلم منه طليطلة، وبالفعل سارت قوات القادر بالله - حاكم طليطلة- يعاونهـا جيش ألفونسو الذي تم له الاستيلاء على طليطلة، وتسلم القادر بالله بلنسية.

وقد ساءت أحوال تلك الولاية  في زمنه، وأرهـق أهـلهـا بالضرائب؛ لإرضاء مطالب، ورغبات القشتاليين وألفونسو معًا ، ثم شاءت إرادة الله أن يأتي المرابطون وأن يحققوا نصرًا مبينًا  في موقعة الزلاقة ٤٧٩هـ/ ١٠٨٦م ، وتم إنقاذ بلنسية، ولكنهـا نكبت مرة أخرى على يد المغامر النصراني المعاصر السيد القمبيطور، وقد نجح  في الإيقاع بين بعض المسلمين والبعض الآخر، وتآمر وغدر حتى استسلمت له بلنسية ولقيت ويلات من التعذيب والإيذاء والحصار الشديد مع نقض العهـود و كثير من الإهـانات، بل إنه حول مسجد المدينة إلى كنيسة، وأحرق قاضيهـا وقائدهـا ابن جحاف وأحرق معه غيره، وكل ذلك ابتداء من ٤٨٧ هـ /١٠٩٤م.

وشاء الله أن يسترد المسلمون بلنسية، بعد أن هـال المرابطين وآلمهـم ما جرى لهـا، فكان عبورهـم الثالث من عدوة المغرب إلى عدوة الأندلس يقودهـم محمد بن عائشة بن يوسف بن تاشفين، الذي استرجع المدينة في ٤٩٥هـ / ١١٠٢م.

  • مملكة إشبيلية

تتميز هـذه المملكة بسعتهـا وتفوقهـا السياسي، وقد حكمهـا بنو عباد عقب سقوط الخلافة الأموية بالأندلس، وظلوا يحكمونهـا حتى عبور المرابطين كما أشرنا فيما مضى.

وأول من وليهـا منهـم القاضي أبو الوليد إسماعيل بن محمد بن عباد اللخمي، ثم المعتمد أبو القاسم محمد بن إسماعيل، ثم المعتضد، ثم ابنه الملقب بالمعتمد، والأخير هـو الذي ضم قرطبة إلى مملكة إشبيلية، وفي عهـده كانت خطوب على رأسهـا سقوط طليطلة في أيدي ألفونسو السادس، فتبلورت فكرة استدعاء المرابطين إلى الأندلس، وكان المعتمد بن عباد على رأس المطالبين بذلك قائلًا: رعى الجمال أحب الينا من رعى الخنازير.

وبالفعل عبر المرابطون واستقبلهـم ملوك الطوائف ومنهـم المعتمد بن عباد الذي عانق زعيم المرابطين يوسف بن تاشفين، وتوجه الجميع من إشبيلية إلى بطليوس، حيث جرت أحداث واقعة الزلاقة وانتصار المسلمين على جموع النصارى وجيوشهـم وفرسانهـم المتطوعين من إيطاليا ومن جنوب فرنسا، وكان ذلك النصر المبين في ٤٧٩هـ/ ١٠٨٦م.

  • الحركة الفكرية والأدبية في ظل ملوك الطوائف:

رغم الانقسام والتمزق السياسي والاجتماعي الذي شهـدته فترة الطوائف، إلا أن هـذا لم يمنع أن تكون قصورهـم منتديات للعلوم، والآداب، ومجامع للفنون.

وكان من بينهـم بعض قادة الفكر الأندلسي، ومنهـم الأدباء، والشعراء المتميزون، وبرغم استهـتارهـم وانحلالهم، فإنهـم تسابقوا في جذب رجال الفكر والآدب، وفي الإغداق عليهـم من عطاياهـم.

وبرز من بين هـؤلاء ثلاثة عُرفوا بتميز النهـضة الشعرية والأدبية على أيديهـم، هـم بلاط بني عباد في إشبيلية وبني الأفطس في بطليوس وبني صمادح في ألمرية، ومن الأدباء من تولى الوزارة، ومن الشعراء من كان من ندماء الأمير ومستشاريه.

ومن شعراء هـذه الفترة أبو الطيب صالح بن شريف الرندي، وكان بارعًا في النظم والنشر معًا، وله مقامات بديعة.

ومن بين ملوك الطوائف عدد من المؤلفين منهـم المظفر بن الأفطس صاحب - كتاب المظفري في التاريخ والآداب، كذلك كان للنبوغ الفكري حظه خلال هـذه الفترة، فقد ظهـر فيهـا العلامة الفيلسوف أبو محمد على بن حزم، وأبو الوليد الباجي، واللغوي الأعمى أبو الحسن علي بن سيده، واللغوي الجغرافي أبو عبيد البكري، ومن الأعلام  في اللغة وعلوم القرآن مجاهـد العامري صاحب دانية وأبو عبد الرحمن محمد بن أحمد بن طاهـر صاحب مرسية، ومن أكابر الرياضيين والفلكيين أبو اسحاق بن إبراهـيم بن يحيى الزرقالي القرطبي صاحب الجداول الفلكية المشهـورة.

وكان للتاريخ نصيبه من عناية مفكري هـذه الفترة، ويأتي على رأس هـؤلاء أمير مؤرخي الأندلس ابن حيان، وتلميذه أبو عبد الله الحميدي، وابن بسام صاحب المعجم الأدبي التاريخي بالغ الشهـرة الذخيرة في محاسن أهـل الجزيرة.

ومن هـؤلاء ابن الأبار صاحب كتاب الحلة السيراء، وهـو من الكتب القيمة التى تناولت ملوك الطوائف وعصره، ولنفس المؤلف كتاب تكملة الصلة لابن بشكوال، وقد ترجم فيه لأعيان أهـل الأندلس، وعلمائهـا، وشعرائهـا.

وهـناك غير هـؤلاء ابن سعيد المغربي، ومن أقطاب اللغة الذين ظهـروا في هـذه الفترة على بن محمد بن خروف الإشبيلي، وعمر بن محمد الأزدي الإشبيلي.

أما عن الفن زمن ملوك الطوائف فقد تمثل بوضوح في قصور وحدائق بني عباد في إشبيلية، وبني ذي النون في طليطلة وفي قصر السرور الذي أنشأه المقتدر بالله بن هـود في سرقسطة، وهـذه وغيرهـا آيات من البذخ، والترف، والبهـاء.

أما عن الشعر فحدث ولا حرج، وحسبنا أن نذكر الشاعر المعتمد بن عباد، وغيره من الشعراء الملوك، لقد كان الجو أدبيًا شعريًا، وتكفي الإشارة إلى عبارة وردت عند صاحب معجم البلدان ياقوت الحموي عند حديثه عن إحدى المدن الأندلسية؛ يقول: سمعت ممن لا يحصى أنه قال:

"قَلّ أنْ ترى من أهـلهـا من لا يقول الشعر، ولا يعاني الأدب، ولو مررت بالفلاح خلف فدانه - محراثه - وسألته عن الشعر لقرض لك من ساعته ما اقترحت عليه، وأي معنى طلبته.

وكل هـذا لا يروق للدكتور حسين مؤنس الذي يرى أن اهـتمام الطوائف بالعلوم والشعر لا يغفر لهـم ما ارتكبوه.

يقول:" وما الذي يستفيده الإسلام من عناية رجل مثل المعتمد بن عباد بالشعر، ورعايته لشعراء أمجاد مثل: ابن عمار، وابن عبدون، وابن خفاجة إذا كانت النتيجة أن بلاد الإسلام والعروبة نفسهـا ستضيع، وليس فيهـا من يقرأ الشعر.

النهضة العلمية والأدبية رغم التمزق السياسي

العلم في هـذا العهـد يعتبر امتدادًا لعهـود سابقة، فيه علت الحركة العلمية، وكثر الإنتاج، وقد اهـتم ملوك الطوائف بالأدب، وشجعوا العلماء وقربوهـم، وكان من رجالهـم، ومستشاريهـم، ووزرائهـم عدد كبير من العلماء والأدباء، بل كان بينهـم أنفسهـم مؤلفون، فبنو عباد في إشبيلية عُرفوا بعلمهـم وأدبهـم، وكان منهـم قضاة كمؤسس الأسرة إسماعيل، وابنه، ومنهـم الشعراء والأدباء كعباد المعتضد، وابنه محمد المعتمد، وضم بلاطهـم كثيرًا من رجالات العصر، وكتابه مثل ابن زيدون، وابن عمار... الخ.

 وبنو الأفطس كانوا حماة للأدب، ووضع المظفر أحد أمرائهـم كتابًا أسماه المظفري وبنو صمادح في ألمرية ضم بلاطهـم الوشاح بن القزاز، ومن الأدباء المعتصم وولداه رفيع الدولة، ورشيد الدولة، وابنته أم الكرام، والجغرافي أبو عبيد البكري ٤٠٥/ ٤٨٧هـ عاش في ألمرية.

وفي طليطلة اشتهـر علماء الفلك والزراعة، ومنهـم الزرقالي صاحب الجداول الفلكية، وصاعد الأندلس الطيطلي صاحب كتاب طبقات الأمم، وكانت طليطلة مركزًا لترجمة، ونقل الكثير من الإنتاج الأندلسي إلى الغرب، وفي إمارة سرقسطة عاش ابن دراج القسطلي الذي كان من كتاب المنصور بن أبى عامر، والمقتدر بن هـود وابنه المعتمد وعدد من علماء الفلسفة، والفلك، والرياضيات.

وقد امتلأت مدن الأندلس بالمكتبات العامة والخاصة، واهـتم الأمراء بالمكتبات اهتمامًا كبيرًا، وشهـد العصر موسوعيين من أمثال ابن حزم وابن بسام والبكري... الخ.

 وهـكذا وجد بون شاسع بين الحياة السياسية والاجتماعية وما شهـدته البلاد من تمزق وفرقة وبين الحياة العلمية والأدبية.


مصادر ومراجع للاستزادة:

  • المقري: نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب تحقيق إحسان عباس بيروت ١٩٦٨م.
  • ابن بسام: الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، ۸ مجلدات تحقيق إحسان عباس، بيروت، لبنان ۱۹۷۹م.
  • ابن الخطيب: أعمال الأعلام فيمن بويع قبل الاحتلام، " تاريخ المغرب العربي في العصر الوسيط تحقيق أحمد مختار العبادي وآخر المغرب ١٩٦٤.
  • دوزي ملوك الطوائف ونظرات في تاريخ الإسلام، ترجمة كامل كيلاني القاهرة، عيسى البابي الحلبي، بدون تاريخ.
  • محمد عبد الله عنان: تاريخ الإسلام في الأندلس، دول الطوائف منذ قيامها حتى الفتح المرابطي، وهو الجزء الثالث
  • من موسوعته عن دولة الإسلام في الأندلس، القاهرة ٢٠٠١م.
  • د. حسين مؤنس معالم تاريخ المغرب والأندلس، القاهرة ٢٠٠٤م.

الخلاصة

عصر ملوك الطوائف (٤٢٢-٤٨٤هـ/١٠٣١-١٠٩١م) شهد تفكك الأندلس بعد سقوط الخلافة الأموية، حيث استقل الأمراء بنواحيهم، فظهرت دويلات متصارعة، وتنازعوا الشرعية عبر إقامة خلفاء رمزيين، وسادت الفتن والحروب بين الطوائف، مع استغلال النصارى لهذا الضعف، ففرضوا الإتاوات وسيطروا على مدن مثل طليطلة، رغم ذلك ازدهرت الحركة العلمية، والأدبية في قصور الطوائف، وظهر أعلام كابن حزم والبكري.

موضوعات ذات صلة

فتح المسلمون هذه البلاد بقيادة طارق بن زياد وموسى بن نصير سنة (٩٢ هـ-٧١١م).

هم سلالة أمازيغية من قبائل مصمودة أسسوا دولة إسلامية قوية في المغرب والأندلس.

آخر ما تبقى من دولة المسلمين في الأندلس.

موضوعات مختارة