Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الرستميون

الكاتب

أ.د/ محمد عيسى الحريري

الرستميون

شهدت بلاد المغرب الأوسط ولادة كيان سياسي جديد له أهميته في تاريخ المنطقة، تَمثَّل في الدولة الرستمية، قام بها الخوارج الإباضية، الذين سعوا إلى بناء مجتمع مثالي وفق مبادئهم، حيث قاد عبد الرحمن بن رستم هذا المسعى، وتمكن من تحويل الدعوة الإباضية إلى واقع سياسي ملموس، مؤسسًا دولة ترتكز على مبادئ العدل والمساواة.

قيام دولة الرستميين في بلاد المغرب العربي

يُمثّلُ قيام "الدولة الرُّسْتَمِيَّة" في بلاد المغرب ظاهرة لها أهميتها الحيوية في تاريخ تلك المنطقة من العالم الإسلامي، فهذه الدولة قامت نتيجة للجهود المضنية التي قام بها الخوارج الإباضية، بعد أن انتقلت إليهم مقاليد الصراع من فرقة أخرى من الخوارج وهي فرقة الصفرية. [اليعقوبي: كتاب البلدان، ص٣٥٣، ابن خُرْداذْبُه: المسالك والممالك، ص٨٧، المسعودى: مروج الذهب ومعادن الجوهر، ت: يوسف أسعد داغر، دار الأندلس، بيروت، ط.٥ ١٩٦، ص ١٨٦، ابن عذاري: البيان المغرب، ص ٢٢٥، ٢٤٦، يقول السمعاني في ضبط الاسم: رستم الذي ينسب إليه الدولة الرستمية (الرُّسْتَمِيّ): بضم الراء وسكون السين وفتح التاء المنقوطة باثنتين من فوقها وفي آخرها الميم، هذه النسبة إلى رستم، وهو اسم لبعض أجداد المنتسب إليه، والمشهور بهذا الانتساب جماعة من أهل أصبهان قديمًا وحديثًا، وقد ذكر الطبري الاسم رستَم فتح التاء، ويؤيد الطبري والسمعاني في ضبط النسب الرستمي على هذا النحو ابن خرداذبه؛ حيث يقول: وفي يدي "الرستَمي" وهو ميمون بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، وهو من الفرس، السمعاني: الأنساب، مخطوط، نسخة مصورة، نشر المستشرق د.س. مرجليوث، ليدن سنة ١٩١٢، ورقة ٢٥٢، الطبرى: تاريخ الرسل والملوك، بتحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، ج٤، ص٢٩٤، ابن خرداذبه: المسالك والممالك، ص٨٧].

وعلى هذا الأساس، يمكن القول بأن جهود "الخوارج الإباضية" هي المقدمات الحقيقية للبناء السياسي للمغرب الإسلامي؛ لأن الإباضية في سنة (١٦٠هـ /٧٧٦م)، تمكنوا من الانتقال بمذهبهم من مرحلة الدعوة إلى مرحلة التطبيق العملي لمبادئهم؛ حيث أسس عبد الرحمن بن رستم -زعيم الإباضية- الدولة الرُّسْتَمِية في المغرب الأوسط، وأصبح هذا الزعيم الإباضي ممثلًا لنظام حكم مثالي، عملي لا نظري، ملتزم بقواعد الدين الإسلامي.

والحديث عن الدولة الرُّسْتَمِية يشدنا إلى الحديث عن مؤسسها عبد الرحمن بن رستم الذي أجمعت المصادر على أنه فارسي الأصل، وإن اختلفت هذه المصادر فيما بينها في تحديد طبيعة هذا الأصل الفارسي.

أسفرت حركة الفتح الإسلامي في بلاد فارس، عن انتقال أعداد من الفرس إلى أنحاء الجزيرة العربية؛ ليعيشوا ضمن المجتمع الإسلامي تحت اسم الموالي، وكان بهرام جد عبد الرحمن بن رستم من هؤلاء الموالي، إذ كان مولى لعثمان بن عفان. [البكري: المغرب في ذكر إفريقية والمغرب، مكتبة المثنى ببغداد، ص٦٧]، وطبيعي أن تتدخل علاقة عثمان ببهرام على هذا النحو في تحديد المدينة مكانًا طبيعيًا لإقامة بهرام، حيث يكون قريبًا من مولاه عثمان بن عفان، وبالتالي فإن رستم بن بهرام أقام في المدينة، وتعتبر إقامة البيت الرستمي على هذا النحو في المدينة، دعمًا لأركانه الإسلامية؛ حيث يحتمل أنه درج في بيت الخلافة، فنهل من فيضها الإسلامي الرفيع، وغدا ذلك مهيئًا عظيمًا لشخصية عبد الرحمن بن رستم.

لقد سلك البيت الرستمي طريقه إلى المغرب ممثلًا في شخص عبد الرحمن بن رستم الذي لم يكن شب عن الطوق عندما دخل القيروان، التي أصبحت موطنًا جديدًا له، حيث تفتحت مواهبه في رحابها على يد فقهائها وعلمائها؛ فقد كانت القيروان من الأمصار الإسلامية الهامة، وقد مال عبد الرحمن بن رستم إلى تعاليم الخوارج كما يقول ابن خلدون: وأخذ عبد الرحمن بن رستم بدين الخارجية والإباضية منهم، وكان ذلك بتأثير من سلمة بن سعيد داعية الإباضية الذي كان يجتهد آنذاك في نشر المذهب الإباضي في ربوع المغرب. [ابن خلدون: العبر، ط دار الكتاب اللبناني، ج٦، ص٤٦، الشامخي: السير، طبع حجر بالجزائر، ص١٢٣].

وانضم عبد الرحمن بن رستم إلى حَمَلة العلم الذين أرسلهم داعية الإباضية سلمة بن سعيد إلى أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة بالبصرة وهم عاصم السدراتي، وإسماعيل بن درار الغدامسي، وأبو داود النفزي. وراعى سلمة بن سعيد في هذا الاختيار أن يكونوا من أماكن متفرقة؛ حتى يتيح للدعوة فرصة الانتشار في أكبر مساحة ممكنة، وانضم لهم في البصرة أبو الخطاب عبد الأعلى بن أبي السمح المعافري من أهل اليمن.

وقد نجح عبد الرحمن بن رستم عقب عودته من المشرق ومشاركته الإباضية في صراعهم مع الولاة في المغرب في توحيد صفوفه، واستقطاب أعداد من الخوارج الصفرية والواصلية إليه عن طريق دعايته التي تقوم على تحقيق المساواة والتسامح الديني بين سكان المغرب الأوسط حتى بايعوه عام (١٦٠هـ /٧٧٦م) إمامًا للظهور، وقد شرع بعد مبايعته في تأسيس مدينة تاهرت؛ لتكون عاصمة دولته الإباضية.

ولا يرجع نجاح الإباضية في تكوين دولتهم إلى مهارة عبد الرحمن بن رستم وكفايته الشخصية فحسب، بل يرجع كذلك إلى التنظيم والتنسيق الذي اعتمد عليه الإباضية في حركتهم بين المشرق والمغرب، ولاستفادتهم من أخطائهم، فلقد استوعبوا أسباب هزيمة طالب الحق في حضرموت والتي ترجع إلى تسرعه في إعلان ثورته دون التأكد من تدعيم مذهبهم في اليمن، كما كانت إمكانياتهم البشرية والاقتصادية محدودة، علاوة على ذلك، فقد تقدمت جميع قياداتهم للقتال فلم يجدوا كوادر جديدة قادرة على تولى مهمة الدعوة بعد فشل ثورتهم، وهذا ما أدركه تمامًا إباضية المغرب فلم يبادروا بإعلان ثورتهم؛ حتى تأكدوا من تغلغل مذهبهم بين قبائل طرابلس والمغرب الأوسط، كذلك تمكنوا من تأمين مواردهم البشرية والاقتصادية؛ وهو ما أكده عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم حينما قال: "إنما قام هذا الدين بسيوف نفوسة وأموال مزاته"، وتفادوا خروج جميع قياداتهم إلى القتال دفعة واحدة، فبينما كان أبو الخطاب في المواجهة كان عبد الرحمن بن رستم في القيروان مما مكنه من الفرار في الوقت المناسب؛ ليتحمل مسئولية الدعوة في المغرب الأوسط، ويكون دولته تلك التي تقف في طليعة الحركات الاستقلالية عن الخلافة العباسية في بلاد المغرب، وكان قيامها في بلاد المغرب الأوسط سنة (١٦٠ هـ/٧٧٦م)، نذيرًا بتغيير موازين القوى في المنطقة. [اشتملت الدولة الرستمية على المغرب الأوسط - بلاد الجزائر الحالية - والأجزاء الجنوبية من إفريقية – المعروفة الآن بتونس - المتصلة بإقليم جبل نفوسة، وطرابلس في غرب المغرب الأدنى، وهما في ليبيا الآن]، حيث إن قيامها أجبر الرشيد العباسي على إعطاء أسرة الأغالبة الحق في إقامة دولة تحمل اسمهم، يتوارثها أبناء هذه الأسرة خالفًا عن سالف.

كما أصبح المغرب الأقصى بعد قيام دولة الرُّسْتَمِيين في المغرب الأوسط، منطقة منعزلة بعيدة عن بطش العباسيين وسطوتهم، فأقام فيه الأدارسة الهاشميون دولتهم سنة (١٧٢هـ/٧٨٩م). [ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ط. دار صادر ودار بيروت ١٩٦٥، ج٦، ص١٥٦- ١٥٧، ابن خلدون: العبر، ط بيروت، ج٤، ص٤١٩] وفوق هذا كله أصبحت بلاد الأندلس أكثر أمانًا وعزلة عن العباسيين، مهيأة لأن يقيم فيها عبد الرحمن الداخل الدولة الأموية الثانية.

وإذا كانت هذه هي النتائج الحاسمة لقيام دولة الرستميين، فإن تعدد هذه القوى الجديدة في بلاد المغرب، واختلاف اتجاهاتها ومشاربها الفكرية والسياسية، قد خلق نوعًا من التوازن والاستقرار السياسي والحضاري، فلم تحاول أي من هذه القوى إقلاق القوى الأخرى، وإنما كان وجودها طليعة للتنافس في جميع مجالات الإنتاج الثقافي، وفي كل أسباب الحضارة ومظاهرها، ولندع القوى الأخرى جانبًا؛ لنتحدث عن أهم مظاهر الحضارة في دولة الرستميين بالمغرب.

نظام الحكم والإدارة في الدولة الرستمية

اتسم نظام الحكم في مطلع الدولة الرستمية بالبساطة الشديدة، فاتخذ حاكم الدولة لنفسه لقب "إمام"، وبمقتضى ذلك أصبح رئيس الدولة مصدرًا لجميع السلطات دينية كانت أم سياسية، ويظهر ذلك من خلال حوار البيعة الذي دار بين رؤساء الإباضية وشيوخهم، وبين عبد الرحمن بن رستم؛ حيث قالوا له: "ونحن الآن نرضى بك ونقدمك على أنفسنا، فقد علمت أنه لا يُصلح أمرَنا إلا إمام نلجأ إليه في أمورنا، ونحكم عنده فيما ينوب من أسبابنا، فقال لهم: إن أعطيتموني عهد الله وميثاقه لتستطيبوا إلي، ولتطيعوني فيما وافق الحق وطابقه، قبلت ذلك منكم، فأعطوه عهد الله وميثاقه على ذلك".[نفس المصدر، ص٩-١٠].

وقد راعى رؤساء الإباضية وشيوخهم -عندما اختاروا عبد الرحمن بن رستم إمامًا للدولة- كل القواعد التي قننت في المذهب الإباضي حول اختيار رئيس الدولة، وطبقوا شروط البيعة تطبيقًا يكاد يكون حرفيًا.

فيروى الشماخي: أن رؤساء الإباضية اتفق رأيهم على عبد الرحمن؛ لفضله؛ وكونه من حملة العلم؛ ولكونه عامل أبي الخطاب على إفريقية وما والاها؛ ولأنه لا قبيلة له تمنعه إذا تغير عن طريق العدل. [الشماخي: السير، ص١٤٠]، ويبدو أن فقهاء الإباضية أرادوا أن يضعوا شروطًا مثالية لاختيار إمام دولتهم، فالفضل الذي تحدث عنه الإباضية في هذا النص، يوازي العدالة، التي تعني الكمال الأخلاقي بسلامة الاعتقاد والجوارح، والنزاهة في التصرفات الشخصية. [سعد زغلول عبد الحميد: تاريخ المغرب العربي، ص٣٨٤].

وأما كونه من حملة العلم، فالعلم شرط أساسي يجب توافره في الشخص المرشح للإمامة، وأيضًا في طبقة أهل الاختيار، أصحاب الحق في انتخاب الإمام أو الخليفة في البيعة الخاصة. [نفس المرجع، ص٣٨].

أما الشرط الثالث، وهو كونه عامل أبي الخطاب على إفريقية فهو شرط يمثل فكرة التعيين أو الوصية، التي تحولت إلى مبدأ الوراثة بعد ذلك في تسلسل منصب الإمامة في أبناء عبد الرحمن بن رستم إلى نهاية الدولة.

أما المبدأ الرابع، وهو أنه لا قبيلة له تمنعه إذا تغير عن طريق العدل، فهو شرط سياسي، يهدف إلى حماية الجماعة الإباضية من الاستبداد، كما يطمح إلى تحقيق الإمامة المثالية، التي يكون العدل عصبتيها [ابن الصغير، سيرة الأئمة، ص٩]، وقد ذكر شيوخ المذهب الإباضي ذلك صراحة حين قالوا: فإن عَدَلَ (عبد الرحمن بن رستم) فذلك الذي أردتم، وإن سار فيكم بغير العدل عزلتموه ولم تكن له قبيلة تمنعه، ولا عشيرة تدفع عنه [محمود إسماعيل: الخوارج في المغرب، ص ١٩٨].

وتعني هذه القواعد السابقة تطورًا واضحًا في بناء الفكر السياسي للخوارج في بلاد المغرب، فقد تطرق إلى مبدأ الانتخاب العام -الذي اشتهرت به جماعات الخوارج- بعض المؤثرات، كتسلل فكرة التعيين أو الوصية -التي ازدهرت في المشرق الإسلامي لدى الشيعة- إلى نظام الحكم في الدولة الرستمية، فبدأت هذه المؤثرات بسيطة في ذهن الإباضية، متمثلة في أن عبد الرحمن بن رستم كان عاملًا لأبي الخطاب على القيروان في إفريقية، وتطورت هذه الفكرة إلى أن أصبحت في الدولة الرستمية فكرة توريث مطلق، وهذا ما يلفت النظر؛ إذ إن الإمامة انحصرت إلى نهاية الدولة الرستمية في خلف عبد الرحمن بن رستم؛ وذلك بالطبع يؤكد تغلب فكرة التوريث والتعيين على مبدأ الانتخاب العام، ويعني هذا من ناحية أخرى التغلب على الطابع الديني في نظم الحكم الرستمية، وتحول الإمامة الرستمية إلى سلطة مركزية أشبه ما تكون بالملكية المطلقة.

وأخذت الدولة الرستمية منذ قيامها بالأساليب المعروفة لإدارة الدول، وإن غلب على هذه الأساليب طابع البساطة، الذي يتناسب وأوضاع القبائل التي حكمت الدولة، والتي غلب على معظمها الطابع البدوي؛ فقد وضع عبد الرحمن بن رستم نظامًا بسيطًا للقضاء، والشرطة، وجباية الأموال، والصدقات، وكان الناتج من أموال الجباية والصدقات، يوزع بصفة خاصة على الفقراء والمساكين، وقد يقوم الإمام بشراء الأكسية والجباب الصوفية والفراء والزيت لهؤلاء الفقراء، أما رواتب الإمام ورجال الإدارة في الدولة والعمال، فكانت تدفع من مال الجزية وخراج الأرض كما يقول ابن الصغير.

وقد قسَّم الرُّسْتَميون دولتهم إلى عمالات، حصر الباروني بعضها وخاصة ما كان منها في شرق الدولة في المغرب الأدنى، وذكر أهم الولاة والعمال الذين تولوا هذه العمالات، ومن هذه العمالات قفصة، وسرت، ونفزاوة، وقنطرارة، وجبل نفوسة، وقابس، وجبل دمر، وكان الأئمة الرستميون يتابعون العمال والرعية، عن طريق رسائل يكتبونها يشرحون فيها مبادئ المجتمع الإباضي، وكلها تركز على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وطاعة الأئمة.

وسار الرستميون على سنن المشارقة في كافة النظم الإدارية الأخرى، التي تكفل ضبط الأمور في دولتهم، فأنشأوا جهازًا للشرطة يقوم بأعمال الحراسة والمحافظة على الأمن، وأسَسَ الإمام أبو اليقظان فرقة كاملة للقيام بأعمال الحسبة، وكان أفراد هذه الفرقة من قبيلة نفوسة الإباضية، وحدد البرادي وظائفهم التي قاموا بها "بأنهم كانوا يمشون في الأسواق، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فإن رأوا قصابًا نفخ في شاة عاقبوه، وإن رأوا حمالًا حَمَّل على دآبة فوق طاقتها أنزلوا حملها، وأمروا صاحبها بالتخفيف عليها، وإذا رأوا قذرًا في الطريق أمروا من حوله بكنسه". [ابن الصغير: سيرة الأئمة الرستميين في تاهرت، ص ١، ١٦].

وأقام الرستميون نظامًا تمتع القضاة في ظله بالنزاهة التامة، وحظوا بالاحترام الكامل من قِبَل الأئمة، حيث لم يَسمح هؤلاء القضاة لأحد بأن يتدخل في شئونهم، وكان القاضي يرى أن الأئمة وأبناءهم فوق كل الشبهات، وينبغي أن يكون الجميع قدوة طيبة للرعية، لذا نجد القاضي محمد بن عبد الله بن أبي الشيخ يستقيل من منصب القضاء؛ لأن أبناء الإمام أبي اليقظان استغلوا كونهم أبناء الإمام، وارتكبوا بعض الأخطاء، فأصبح هذا القاضي بالغداة كما يقول البرادي: "إلى أبي اليقظان فرمى إليه بخاتمه وقمطره، وقال له: ولِّ على قضائك من تريد، فقال له: ما بك وما عراك؟ فقال: ما نقمت عليك شيئًا، ولكن نقمت على بنيك، قال: تركتهم عالة على الناس، فلما انصرف قال لمن حولهبو اليقظان): اذهبوا إليه، واسألوه عن بَنِيَّ فمن ضمر منه مكروهًا زجرنا، وذهبوا إليه وسألوه فقال: دعوني من موالاته، ما توليت له قضاءً أبدًا" [البرادي: الجواهر المنتقاة، مخطوط، ورقة ٩٠-٩١].

الحياة الاقتصادية في الدولة الرستمية

شهدت بلاد المغرب الأوسط ومناطق كثيرة من المغرب الأدنى في عهد الدولة الرستمية، ازدهارًا تجاريًا كبيرًا، ونموًا عظيمًا في حركة الاقتصاد، حيث ساعد استقرار هذه المناطق تحت حكم الرستميين على ازدهارها، بعد أن عانت زمنًا طويلًا من عدم الاستقرار الاقتصادي بسبب الاضطرابات التي سادت بلاد المغرب في عصر الولاة، تلك الاضطرابات التي دمرت عناصر الاقتصاد المغربي في هذه الفترة، وما تمخض عن الثورات التي قامت خلالها من تخريب للمزارع، وإحراق للأشجار، علاوة على ما أزهق فيها من الأرواح، وما تحدثه حالة الحرب من تهديد مباشر لطرق التجارة، مما كان له أثره السيء في تفاقم أحوال البلاد الاقتصادية. [ابن عذاري: البيان المغرب، ج١، ص١٩٨].

وباستقرار الأوضاع السياسية بقيام الدولة الرستمية، سارت عناصر الحياة الاقتصادية: الزراعة والصناعة والتجارة، في طريقها نحو التحسن والازدهار، فكان الرستميون يمتلكون مجالات ضخمة من الأراضي الزراعية وفرتها الوديان ومجاري المياه الكثيرة التي تحيط بعاصمتهم تاهرت، وكانت هذه الوديان وفيرة المياه، حيث كان بها كميات ضخمة من الأمطار الغزيرة، [الباروني: الأزهار الرياضية، ج٢، ص١٧] التي كان لها أثر كبير في تكوين السهول الخصبة في المغرب الأوسط، وهي السهول المعروفة باسم سهول السرسو في جنوب تاهرت.

وقد عُنِي الرستميون كثيرًا بكميات المياه الوفيرة المتدفقة إلى عاصمتهم، فشقوا القنوات التي توصلها إلى بساتينهم ومزارعهم ومنازلهم، وكانت أهم المزروعات التي جادت في المنطقة، الكتان والسمسم، والحبوب [ابن حوقل: صورة الأرض، ص٧٢] عدا بساتين الفاكهة التي كان السفرجل من أحسن أنواعها الذي يقال: إنه يتفوق على سفرجل سائر الآفاق، حتى لقد اشتهرت تاهرت بهذا الإقليم الزراعي الخصيب الذي يحيط بها فأطلق عليها عراق المغرب. [الباروني: الأزهار الرياضية، ج٢، ص١].

وازدهرت الصناعة أيضًا في المجتمع الرستمي؛ لتلبي حاجات أفراده، وكان لتوفر المواد الخام اللازمة لمختلف الصناعات أثره في وفرتها، فاشتهرت تاهرت بصناعة المنسوجات على اختلاف أنواعها الصوفية والكتانية والحريرية؛ لتوفر خامات الصوف والكتان من المراعي والمزارع، واشتهرت مدينة قابس بصناعة دبغ الجلود بالقرظ، وصدَّرته إلى أكثر بلاد المغرب.

كما قام الرستميون بدور بارز متفوق في مجال التجارة؛ حيث لم تعق الخلافات السياسية والمذهبية بين الرستميين وجيرانهم حركة التجارة، ومما أعطى الرستميين دفعة قوية في هذا المجال، وقوع عاصمتهم تاهرت على طريقين من أشهر الطرق التجارية في ذلك الوقت: طريق الشرق والغرب، وطريق الجنوب والشمال؛ إذ هيأ لها ذلك أن تكون مركزًا للتبادل التجاري بين بلاد السودان، والمغرب والمشرق، وسواحل البحر المتوسط ، فيروي ابن الصغير أنه في عهد الرستميين: "استعملت السُّبُل إلى بلد السودان وإلى جميع البلدان من مشرق ومغرب بالتجارة وضروب الأمتعة". [د. الحبيب الجنحاني: المغرب الإسلامي، ص١٣٣].

علاوة على ذلك كانت تاهرت مركزًا تجاريًا داخليًا، تلتقي فيه القبائل البدوية لتبيع ماشيتها، وتشتري ما تحتاجه من أسواق تاهرت من الحبوب والتمور والبضائع المستوردة من المشرق والأندلس وبلاد السودان. [د. الحبيب الجنحاني: المغرب الإسلامي، ص١٣٤].

الحياة الفكرية في الدولة الرستمية

ارتبطت الحياة الفكرية في عصر بني رستم ارتباطًا كبيرًا بالمذهب الإباضي، وإذا كان داعية الإباضية الأول سلمة بن سعيد قد تمكن من اختيار أربعه من معتنقي أفكاره الإباضية، وأطلق عليهم اسم حملة العلم، وأوفد هذه الجماعة إلى البصرة لتلقي العلم على يد داعية الإباضية الأكبر أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، فإن هذه الجماعات حين عادت إلى بلاد المغرب بدأت في نشر ثقافة المذهب الإباضي، وذلك في حلقاتهم التي انتشرت في جهات إفريقية، وفي تلك الحلقات لقن حملة العلم أتباعهم علم الأصول والفروع والسير والتوحيد والشريعة وآراء الفرق وعلوم اللغة والفلك والرياضيات. [البراد: الجواهر المنتقاة، مخطوط، ورقة ١٠٦، د. محمود إسماعيل: الخوارج في المغرب، ص٢١٩]، وكانت هذه الحلقات بمثابة المدارس التي تلقن طلبتها العلوم النقلية والعقلية في وقت واحد، كما كانت مركزًا لتعريب البربر، وتحضيرهم.

وقد أدى نشاط الحركة الفكرية على هذا النحو، إلى أن يتجه الرستميون إلى توثيق علاقاتهم الثقافية بمختلف البيئات العلمية، والاحتكاك بمراكز الثقافة سواء في المغرب والأندلس -في القيروان وفاس وقرطبة، أو في المشرق في بغداد والبصرة ومص- وكان الأئمة الرستميون في طليعة الباحثين عن هذه العلاقات، فتروي بعض المصادر أن الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم أرسل ألف دينار إلى المشرق إلى إخوانه بالبصرة أن يشتروا له بها الكتب، فلما وصلهم الألف اشتروا بها رقًا فنسخوا له فيها وقر أربعين جملًا كتبًا، فلما بلغته تشمر وجد لقراءتها، وقد قال عبد الوهاب نفسه عن هذه الكتب: إنه قرأها فوجد ما فيها محفوظًا في ذهنه عدا مسألتين لو سُئل فيهما لأجاب عنهما قياسًا لما في هذه الكتب.

كما حرص بنو رستم على تأسيس مكتبة ضخمة، أطلق عليها اسم (المعصومة)، حوت ثلاثمائة ألف مجلد في مختلف أنواع العلوم والفنون والآداب، وقد قام الشيعة بحرقها؛ لتدمير كل أثر للفكر الإباضي المعادي لهم، وذلك حين استيلائهم على تاهرت، ولم يتركوا من هذه الكتب إلا ما تعلق منها بالرياضيات والفلك والهندسة والطب، كما وجدت مكتبة أخرى في جبل نفوسة، اشتهرت بخزانة نفوسة، وكانت هي الأخرى تحوي آلافًا من مجلدات العلوم. [الباروني: الأزهار الرياضية، ج٢، ص٢٠٩، د. السيد عبد العزيز سالم: المغرب الكبير، ص٥٧٦، دبوز: تاريخ المغرب].

كما كرَّس الأئمة الرستميون حياتهم لنشر العلم في المجتمع الإباضي، وحرصوا على القيام بذلك بأنفسهم؛ لأنهم كانوا في طليعة العلماء، حيث كان العلم شرطًا أساسيًا لتولي الإمامة، فكان بعضهم يقوم بالتدريس في جامع تاهرت، ومسجد جبل نفوسة [المصدر السابق، ص٢٠٩]، ولم يقف الأمر بهم عند حد التعليم، وإنما اشتركوا أيضًا في حركة التأليف، فيُرْوَى أن عبد الرحمن بن رستم كان له ديوان خطب نفيس، ذكر البرجلاني أنه رآه، وله رسائل متعددة، وجوابات كثيرة في فنون العلم، بعضها موجود وبعضها مفقود، [المصدر السابق، ص٢٠٩] وصنف عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم كتابًا سمَّاه مسائل نفوسة [الشماخي: السير، ص ١٥٩، د. السيد عبد العزيز سالم: المغرب الكبير، ص٥٧٤) وله فتاوى مشهورة في كتب الفقه الإباضي] وله فتاوى مشهورة في كتب الفقه الإباضي، وكان أفلح بن عبد الوهاب عالمًا بالحساب والفلك والتنجيم، كما كان أديبًا شاعرًا، ذكر الباروني أن له عدة مؤلفات ورسائل وأجوبة جامعة لنصائح ومواعظ وحكم. [الباروني: الأزهار الرياضية، ج٢، ص٩٨].

كما نبغ في العصر الرستمي عدد كبير من العلماء، كان شيوخ المذهب منهم بصفة خاصة يمثلون فئة اجتماعية ذات شأن كبير في تاهرت [د. أحمد مختار العبادي: دراسات في تاريخ المغرب والأندلس، ط أولى ١٩٦٨، ص٤٧]، وكان بينهم علماء سنيون مالكيون كإبراهيم بن عبد الرحمن التنسي المالكي، وقاسم بن عبد الرحمن، وزكريا بن بكر، وابن الصغير المالكي [د. الحبيب الجنحانى: المغرب الإسلامى، ص١٣٧]، بل لقد سمح الرستميون للعلماء من غير المسلمين، بمزاولة العلم والتبحر فيه حتى نبغ من بينهم اليهودي يهوذا بن قريش، وألف كتابًا في فقه اللغة المقارن، بين اللغة العربية والعبرية، والبربرية، وحاول يهوذا في هذا الكتاب أن يثبت أن اللغات الثلاث أصلها واحد [المرجع السابق، نفس الصفحة]، ومن العلماء من ألف كتبًا باللغة البربرية كابن سهل الفارسي.

وشاركت المرأة الرستمية في الحركة الفكرية، فكانت أخت الإمام أفلح بن عبد الوهاب عالمة بالحساب والفلك والتنجيم [أحمد توفيق المدني: كتاب الجزائر، ص٧٩]، كما كانت العالمة مارن إحدى العالمات بدقائق المذهب الإباضي في جبل نفوسة. [الباروني: الأزهار الرياضية، ج٢ ص٦٨].

ومن المراكز العلمية الهامة في الدولة الرستمية غير تاهرت، مدينة شروس بجبل نفوسة، ومدينة جادو، وقرية أجناون، وجزيرة جربه، ورجلان، ومن أشهر العلماء الذين اشتهروا بجبل نفوسة: الشيخ مهدي النفوسي، ومحمد بن يانس، وأبو الحسن الأبدلاني، وعمروس بن فتح، وأبو عبيدة عبد الحميد الجناوني، ومعبد الجناوني وغيرهم. [المصدر السابق، ص١٩٤].

وقد أتاح تعايش العلماء على اختلاف مذاهبهم وأفكارهم في تاهرت عاصمة الرستميين الفرصة لتكوين مدرسة لها معالمها الخاصة، وسماتها الواضحة المتميزة في تاريخ الفكر الإسلامي في بلاد المغرب.

الخلاصة

مثلت الدولة الرستمية نموذجًا سياسيًّا وحضاريًّا متقدمًا في بلاد المغرب، حيث تمكن الإباضية من تحويل مبادئهم الفكرية إلى واقع عملي، مستفيدين من أخطاء أسلافهم، وتميزت دولتهم بنظام حكم بسيط، لكنه فعَّال، قائم على أسس دينية وسياسية، وأولت اهتمامًا كبيرًا للقضاء والعدل، وشهدت الدولة ازدهارًا اقتصاديًا ملحوظًا بفضل موقعها التجاري، ونشاطها الزراعي والصناعي، وأسست لمشهد فكري غني ومتنوع، تجلى في مكتباتها الضخمة وحلقات العلم التي ساهمت في تعريب البربر وتثقيفهم، مما جعلها منارة للعلم والثقافة في المنطقة.

موضوعات ذات صلة

استطاع "السادات" حكم "دهلي" سبعة وثلاثين عامًا، ومؤسس دولتهم في الهند هو (خضر خان).

إحدى أقوى الدول الإسلامية في بلاد المغرب.

 فترة حاسمة في تاريخ المغرب الأقصى.

موضوعات مختارة