الدولة السعدية إحدى أقوى الدول الإسلامية في بلاد المغرب، نشأت على خلفية الجهاد ضد الغزو الأوروبي، وامتدت في أوجها من مراكش حتى السودان.
الدولة السعدية إحدى أقوى الدول الإسلامية في بلاد المغرب، نشأت على خلفية الجهاد ضد الغزو الأوروبي، وامتدت في أوجها من مراكش حتى السودان.
يعود نسب السعديين لآل البيت النبوي، فهم من الأشراف، ونسبهم يمتد إلى محمد النفس الزكية، وهم بذلك أبناء عمومة مع العلويين؛ هذا ما أكده مؤرخ الأسرة العلوية أبو القاسم الزيّاني على لسان السلطان العلوي محمد بن عبد الله، الذي أكد للزيّاني أن السعديين أبناء عمومتهم، وأنهم يجتمعون في جد واحد هو محمد بن القاسم بن محمد، وأن أصلهم من قرية بني إبراهيم إحدى قرى ينبع.
أمَّا عن مجيئهم لبلاد المغرب فكان أوائل القرن الثامن الهجري الرابع عشر الميلادي، أي أثناء حكم بني مرين لبلاد المغرب، ويروى أن مجيئهم كان بطلب من أهالي بلدة درعة المغربية، أثناء أدائهم لمناسك الحج، وذلك تيمنًا بهؤلاء الأشراف في استصلاح زروعهم وثمارهم، فقد كان لا يصلح لهم زرع، وتعتري العاهات ثمارهم، فقيل لهم: لو أتيتم بشريف إلى بلادكم، كما أتى به أهل سجلماسة لصلحت حالكم وثماركم كما صلحت ثمارهم، فكان ذلك سبب قدومهم إلى بلاد المغرب.
واستقروا في بلدة تاكمدارت، ولذلك تعرف دولتهم بالدولة السعدية التاكمدارتية، ولأن نسب السعديين يعود لآل البيت اكتسبوا في نفوس سكان بلاد المغرب مكانة وحظوة بسبب شرفهم؛ فقد ساعدهم ذلك كثيرًا في إقامة دولتهم، ومنذ قدوم السعديين إلى بلاد المغرب، لم يمارسوا في عهد الدولة المرينية أو الوطاسية أية سلطة رسمية، لكنهم كانوا مع ذلك يتمتعون بمكانة وحظوة في نفوس السكان.
أما عن قيام دولتهم فكان مرتبطًا بشكل مباشر بأحوال بلاد المغرب في تلك الفترة؛ ففي مطلع القرن العاشر الهجري السادس عشر الميلادي، كانت بلاد المغرب قد تأثرت بشكل كبير بالحروب والفتن الداخلية، التي عملت على تقلص السلطة المركزية في كثير من نواحيه، وتوطدت في المقابل السلطات الإقليمية، علاوة على ذلك فقد مزق الغزاة أوصال البلاد وبخاصة الغزو البرتغالي والأسباني.
وتزامنت تلك الأحوال مع فشل الدولة الوطاسية في ضم بلاد المغرب في وحدة سياسية واحدة، بل عمدوا مع ذلك لمهادنة العدو المحتل ففقدوا بذلك هيبتهم بين المغاربة، وبدأوا يبحثون عن زعامة قادرة على توحيد قوتهم وقيادتهم للجهاد ضد المحتل.
وكانت بداية توحيد الجهود من الجنوب المغربي، وخاصة وادي درعة، الذي كان بمثابة بارقة الأمل لدى المغاربة في جمع شملهم ومقاومة البرتغاليين، فكان أن بحث المغاربة عن قيادة يقبلها الجميع بعد أن فشل الوطاسيون في توحيد بلاد السوس واكتفوا بأن تكون تبعيتها للدولة اسمًا فقط.
توجه سكان بلاد السوس لأحد زعماء الصوفية الشيخ أبي عبد الله محمد بن مبارك، وعرضوا عليه ما آلت إليه البلاد، وطلبوا منه أن يجمع كلمتهم بقيادته، على أن يعقدوا البيعة له بذلك، فأشار عليهم بالتوجه لمبايعة رجل من الأشراف في وادي درعة يسمى أبا عبد الله محمد بن عبد الرحمن، وأرسل فقهاء وزعماء القبائل والصلحاء مندوبين عنهم لمبايعته، وذلك في عام (٥١٥هـ / ١١٢١م) وتمت مبايعته في قرية تيدسي قرب قرية تارودانت، وتلقب بالقائم بالله، وتولى محمد القائم حركة الجهاد ضد البرتغاليين، فزاد ذلك من شعبيته، والتفاف المغاربة حوله، فعقد البيعة لابنه أبي العباس الأعرج وليًا للعهد في عام (٨١٣هـ / ١٥١٣م) بقرية تيدسي التي تمت فيها بيعته من قبل، وكان أن أرسلت له بلاد الشياظمة وحاجة للقدوم إليها لقيادتهم للجهاد ضد البرتغال، فخرج للجهاد بتلك النواحي، وترك ولده محمد المهدي يدير أمور بلدة سوس.
واستمر جهاد محمد القائم بالله حتى كانت وفاته في عام (٩٢٢هـ / ١٥١٧م)، فخلفه ابنه أبو العباس أحمد الأعرج (٩٢٣-٩٤٦ هـ / ١٥١٧-١٥٥٠م)، الذي واصل حركة الجهاد ضد البرتغاليين، وكان التخلص من يحيي بن تعففت زعيم قبيلة عبدة المغربية، الذي تنصر وحالف البرتغاليين، وعمد إلى إبعاد السعديين إلى الجنوب وأوقف تقدمهم، فلجأ أبو العباس الأعرج إلى الحيلة للتخلص منه فهادن البرتغاليين، ثم دسَّ له لدى قيادات البرتغال، ثم قام بالاجتياح على مدينة آسفي وتمكن من قتل قائدها البرتغالي Lopez Barriga ، وقتل حليفهم يحيي بن تعففت.
وفي الفترة بين عامي (٩٢٨-٩٣٠ / ١٥٢٣-١٥٢٥م) تمكّن أبو العباس من الاستيلاء على مراكش وسمَّى نفسه الأمير أبو العباس، ونقل رفات والده من أفوغال، التي كان قد دفن بها بعد وفاته إلى مراكش، واعترف بالسلطة الاسمية للوطاسيين، حتى يتمكن من تقوية أنصاره.
لم تنزعج السلطة الوطاسية من تحركات السعديين في بداية الأمر منذ مبايعة القائم بأمر الله وحتى دخول أبي العباس الأعرج مراكش، وذلك لعدة أسباب من بينها خروج الجنوب المغربي واقعيًا عن السلطة الوطاسية، وأن التبعية كانت اسمية فقط، كذلك فشلت السلطة الوطاسية في التعامل بجدية مع الجنوب المغربي لمرات عديدة، كما أن تحركات السعديين كانت موجهة بشكل كبير للجهاد ضد البرتغاليين، ولم تكن تسعى في البداية لمواجهة الوطاسيين.
لكن يعتبر دخول السعديين مراكش نقطة التحول الكبرى في العلاقة الوطاسية السعدية، مما جعل السلطان الوطاسي يسارع بالتحرك لحصار مراكش، ولكن سرعان ما رفع الحصار عنها بسبب مناعتها وقيام الثورة ضده في فاس عاصمة دولته، وكان يتزعمها أبناء عمومته.
واستمرت المواجهات بين السعديين والوطاسيين، حتى تم عقد اتفاق بين الجانبين عام (٩٣٥هـ / ١٥٢٩ م)، وكان يقضي باعتراف الوطاسيين بسيادة السعديين على المناطق الواقعة بين تادلا والسوس وسيادة الوطاسيين على المناطق الواقعة بين تادلا والمغرب الأوسط، غير أن ذلك لم يمنع اندلاع الحرب بين الوطاسيين والسعديين مرات عديدة، وكان أن دبَّ الخلاف بين الأخوين أبي العباس الأعرج، وأخيه محمد الشيخ المعروف بالمهدي، الذي كان يباشر أعمال السوس، وتحول النزاع إلى حرب بين الأخوين انتهت بانتصار محمد المهدي، وخلع أبي العباس الأعرج وذلك في عام (٩٤٦ هـ / ١٥٣٩م)، وفي عام (٩٤٨هـ / ١٥٤١م) نجح السعديون في استرداد قاعدة أغادير المغربية المهمة التي كان قد سيطر عليها البرتغاليون من قبل، وكان لك توطيد سلطة محمد المهدي في تلك الجهات.
عمد محمد المهدي زعيم السعديين إلى التوسع في حدود دولته، وتوطيد أركانها فعمل على ضم إقليم تادلا كاملًا، وتمكن في عام (٩٥١هـ / ١٥٤٤م) من الاستيلاء على قلعة فشتالة مفتاح الإقليم الواقعة على طريق مراكش - فاس، وإزاء تحركات الوطاسيين لوقف تقدم السعديين نحو هذه الجهات، قامت معركة قوية بين الجانبين في وادي درنة انتهت بهزيمة الوطاسيين، ووقوع السلطان أحمد الوطاسي في الأسر، ولمعالجة الموقف ومحاولة لم شمل الوطاسيين قام أبو حسون عم السلطان أحمد، والذي كان يحكم باديس، بأن نادى بابن السلطان أحمد حاكمًا مؤقتًا للدولة الوطاسية، واكتفى هو بدور الوصي، وفي نفس الوقت عمل على الاستعانة بالعثمانيين، فأعلن ولاءه للسلطان العثماني سليمان، الذي سارع بإرسال مبعوث عثماني إلى بلاط مراكش، ليكون سفيرًا للعثمانيين لدى السعديين، على غرار ما قام به الوطاسيون من الاعتراف بالتبعية للدولة العثمانية، إلا أن المجس الأعلى الإسلامية رفض ذلك، وفي عام (٩٥٣ هـ / ١٥٤٧م) تم عقد اتفاق بين السلطان أحمد الوطاسي الأسير لدى محمد المهدى يقضي بإطلاق سراحه مقابل التنازل للسعديين عن بعض المناطق مثل المبط والغرب ومكناسة، والاعتراف له بحمل لقب سلطان، كما منح الحق في صك العملة باسم السعديين.
وعقب هذا الاتفاق سعى محمد المهدي للاستيلاء على فاس والقضاء على الوطاسيين نهائيًا، وبعد محاولتين فاشلتين للاستيلاء عليها، قام في عام (٩٥٦ هـ / ١٥٤٩م) بفرض الحصار الشديد عليها، وتمكن من دخولها بالطرق السلمية، حسبما كان يرغب، واستسلمت المدينة، وتم عقد اتفاقية مع السلطان أحمد الوطاسي تقضي بدخول السعديين المدينة مع التعهد من جانبهم بضمان حياة السلطان الوطاسي وأسرته وأهل فاس، وأخذ السلطان الوطاسي أحمد وأسرته إلى مراكش عاصمة السعديين، وَدسَّ له السُّم بعد فترة وجيزة هو وأسرته، بينما نجح عمه أبو حسون في الفرار من فاس غداة دخول السعديين المدينة ورحل عنها إلى باديس، ثم لجأ إلى الأسبان في مليلة.
وفي عام (٩٥٧ هـ / ١٥٥٠م) حاول السلطان السعدي محمد المهدي ضم المغرب الأوسط للدولة السعدية فعمد إلى مهاجمة تلمسان، وكان يحكمها بنو زيان الذين كانوا يتقلبون في ولائهم تارة للأسبان وتارة للأتراك، وأرسل محمد المهدي ابنه الحران بجيش كبير إلى تلمسان، وتمكن من فرض الحصار عليها لمدة تسعة أشهر، وتمكن من دخولها، وفرّ بنو زيان من المدينة ولجأوا إلى الأسبان، لكن سرعان ما وصلت نجدات الأتراك إلى تلمسان، ونجحوا في استردادها من أيدي السعديين، وتمكنوا من قتل حران بن محمد المهدي قائد جيش السعدي، واضطرت قوات السعديين للانسحاب أمام قوة الأتراك، وعندها أدرك محمد المهدي صعوبة ضم المغرب الأوسط لدولته، إلا أن أبا حسون عم السلطان الوطاسي أحمد الذي كان قد نجح في الفرار من فاس، سعى لاستعادة ملك الدولة الوطاسية، فاتصل بالحكومة الأسبانية مباشرة في أسبانيا، وطلب منها المساعدة؛ لكنه لم ينجح في الحصول على مساعدتهم، فاتجه إلى إمبراطور ألمانيا (شارلكان)، لكن مساعيه لم تفلح أيضًا هذه المرة، فاتجه إلى البرتغال، وبالفعل أمده الملك البرتغالي بكمية من المال وست سفن وستمائة جندي، وأثناء عبوره إلى المغرب وقع أبو حسون وحملته في قبضة الأتراك، لكنه نجح في إقناعهم بضرورة العمل على طرد السعديين من فاس، فاقتنعوا بذلك، وأمدُّوه بجيش من الجزائريين والأتراك، وتمكن من طرد السعديين من فاس واستعادة سيطرة الوطاسيين عليها، وذلك في عام (٩٦١هـ / ١٥٥٤م) إلا أن الأتراك لم يُحسنوا معاملة أهل فاس، واستباحوا النساء والأموال، وقبضوا على السلطان أبي حسون، فثارت ثائرة أهل فاس، وحملوا السلاح وحاصروا الأتراك في فاس الجديدة، فاضطروا لإطلاق سراح أبي حسون الذي عقد اتفاقًا مع الأتراك يقضي بجلائهم عن فاس مقابل مبلغ من المال.
وفي أواخر عام (٩٦١هـ / ١٥٥٤م) تمكن السلطان السعدي محمد المهدي من استعادة فاس وهزيمة الوطاسيين، وقتل أبي حسون وبقايا الأسرة الوطاسية في فاس وأمعن في القبض على المدينة هذه المرة، وبعد دخول السعديين فاس للمرة الثانية فضل محمد المهدي مغادرتها للإقامة في العاصمة مراكش، عاصمة الجنوب، وعمل محمد المهدي على رسم السياسة العامة الداخلية والخارجية لدولته بعد استكمال تأسيسها بضم فاس، فاتجه في سياسته الخارجية لمعاداة الأتراك، ودفعه ذلك إلى التحالف مع الأسبان، وكان السلطان العثماني قد أرسل رسالة إلى السلطان السعدي محمد المهدي عقب دخوله فاس للمرة الثانية، تقضي باعتراف السعديين بالتبعية للعثمانيين، والدعاء للسلطان العثماني على منابر بلاد المغرب، فرد محمد المهدي على رسالة السلطان العثماني: لأُجيبنَّة حينما أكون بمصر إن شاء الله (يقصد محمد المهدي أنه سوف يعمل على ضم البلاد حتى مصر للدولة السعدية)، وإزاء هذا الرد من جانب السلطان السعدي قرر السلطان العثماني التخطيط للتخلص من محمد المهدي فأعد خطة لذلك يديرها حاكم الجزائر حسن باشا بن خير الدين، وبعث بأحد ضباطه الأتراك ويُدعى صالح بن الكاهية إلى المغرب، متظاهرًا بفراره من الجيش العثماني، واتصل بمحمد المهدي فألحقه بحاشيته، وقربه منه، ثم أبلغ صالح بن الكاهية السلطان السعدي بعد فترة أن مجموعة من الضباط الأتراك فروا من الجزائر ويرغبون في الالتحاق بحاشيته، فقربهم منه حتى كانت هجمتهم عليه واغتياله في بلدة أكلكال، بالقرب من تارودانت وذلك عام (٩٦٤هـ / ١٥٥٧م)، وحملوا رأسه إلى السلطان العثماني، وظلت معلقة بباب القلعة بالعاصمة العثمانية حتى أرسل ابناه: أحمد المنصور وعبد الملك إلى السلطان العثمانى في تسليمها إليهم فسلمهم إياها.
أبو عبد الله محمد الغالب بالله (٩٦٤-٩٨١ هـ / ١٥٧٨-١٦٠٣م): كان عبد الله بن محمد المهدي حاكمًا على فاس في حياة والده، وبعد وصول خبر مقتل والده محمد المهدي تمت مبايعته من أهل فاس وسائر البلاد السعدية وسمى بالغالب بالله، وعقب مبايعته انتقل من فاس إلى العاصمة السعدية مراكش، لكثرة مؤيدي الأتراك في فاس وخوفه منهم، كما أنه عهد إلى ولده محمد بولاية العهد بعد أن قتل بعض أفراد أسرته وفر ثلاثة من إخوته، هم عبد الملك، وأحمد، وعبد المؤمن، إلى الجزائر.
ولم يمض عام على تنصيب السلطان السعدي عبد الله، حتى شن الأتراك هجومًا على بلاد المغرب، وكانت القوة التركية بقيادة حاكم الجزائر حسن باشا، ودارت معركة قوية بين الجانبين عند منطقة وادي اللبن، انهزم فيها الأتراك، وانسحبوا إلى المغرب الأوسط، وفي عام (٩٦٧هـ / ١٥٩١م) شن الغالب بالله هجومًا على تلمسان مستغلًا النزاع بين الأتراك، وزعماء القبائل في تلك الفترة، وفي نفس الوقت كان الأسطول الأسباني حلفاء السعديين قد وصل إلى المياه الجزائرية حسب الاتفاق الذي كان قد عقده معهم الغالب بالله لمهاجمة الأتراك بها، ولكن عقب هزيمة الأسطول الأسباني في مياه الجزائر أمام القوات التركية والجزائرية اضطر السعديون للانسحاب من تلمسان.
وفي رمضان عام (٩٨١ هـ / ١٥٧٤م) توفي الغالب بالله، وكان أهم ما يميز فترة حكمه، هو النشاط والحركة التجارية في بلاد المغرب مع كل من إنجلترا وفرنسا، وكان ذلك سببًا في تسلح قوات السعديين في عهده بأحدث الأسلحة الإنجليزية والفرنسية، وكذلك أحدث أنواع الذخيرة، مما مكّنه من كسر الاحتكار البرتغالي لتجارة بلاد المغرب.
أبو عبد الله محمد المتوكل (٩٨١ هـ / ١٥٧٣م): كان أبو عبد الله محمد ولي العهد في عهد والده الغالب بالله، وعقب وفاة والده بويع بفاس ثم بمراكش، ولقّب المتوكل، لكنه لم يهنأ بالملك طويلًا، فقد عمل عمّاه أحمد، وعبد الملك اللذان فرَّا إلى الجزائر من قبل خوفًا من بطش والده على خلع المتوكل، وتولى عبد الملك عمه بدلًا منه، ولتنفيذ ذلك اتصلا بالسلطان العثمانى لإمدادهما بالعون، وفي المقابل يساعدانه في تخليص تونس من يد الأسبان.
وكان قد عملا على مساعدة الأتراك في تخليص تونس، فأمر السلطان العثماني والي الجزائر بتولي تقديم المساعدة لهما مقابل تحملهما نفقات، وتكلفة الحملة، وبالفعل تم إمدادهما بحملة مكونة من خمسة آلاف مقاتل، ودارت بين هذا الجيش وجيش المتوكل عدة معارك، تمكن عبد الملك فيها من هزيمة المتوكل، ودخول فاس في أواخر عام ٩٨٣ هـ / ١٥٧٥م وفر المتوكل للجوء للبرتغاليين في طنجة.
أبو مروان عبد الملك المعتصم (٩٨٣-٩٨٦ هـ / ١٥٧٥-١٥٧٨م): بعد فرار المتوكل من فاس، ودخول القوات التركية، وقوات عبد الملك بن محمد المهدي إليها تمت مبايعة أبي مروان عبد الملك، وذلك في أواخر ذي الحجة عام (٩٨٣ هـ / ١٥٧٦م)، وعمد أبو مروان عبد الملك في سياسته الخارجية إلى التفاهم مع الأسبان، ليمنع مساعدة الأسبان لابن أخيه المتوكل الذي كان قد لجأ إليهم في بادئ الأمر، ثم اتجه للجوء إلى البرتغال في طنجة بعد ذلك، وفي سياسته مع الأتراك عمل على تجنب الصدام وإثارتهم ضده، لذلك قام بدفع مبالغ كبيرة من المال ثمنًا لمساعدتهم له، وسماح بالدعاء للسلطان العثماني على منابر بلاد المغرب، كما اتصل بكل من فرنسا وإنجلترا للتفاوض معهما لإمكانية عقد تحالف، وإن لم يتحقق ذلك إلا أنه سمح بوجود قنصل فرنسي في بلاد المغرب، وتقرب من ملكة إنجلترا "إليزابيث"، وحقق التجار الإنجليز في عهده مكاسب طائلة.
معركة وادي المخازن (٩٨٦ هـ / ١٥٧٨م): كان أبو عبد الله محمد المتوكل قد لجأ إلى ملك البرتغال جون سبستيان (٩٦٤-٩٨٦ هـ / ١٥٥٧-١٥٧٨م) الذي كان يحلم بمشاريع توسعية برتغالية في بلاد المغرب، وقد سنحت له الفرصة بلجوء المتوكل إليه، وتم عقد اتفاقية بين المتوكل وملك البرتغال، وقدم له المتوكل عدة تنازلات في حالة استرداد ملكه، فتنازل عن كل الساحل المغربي المطل على الأطلسي على أن يحكم الداخل، ويعترف كذلك بالتبعية لملك البرتغال، وفور علم أبو مروان عبد الملك بقدوم هذه الحملة عمل على وقفها بشتى الطرق الدبلوماسية لكنه لم يتمكن من ذلك، وعبرت القوات البرتغالية إلى طنجة، وإن كانت هذه الحملة في ظاهرها حملة برتغالية بهدف التوسع، إلا أنها كانت حملة صليبية جديدة على البلاد الإسلامية، فقد شاركت فيها قوات إسبانية وإيطالية وحظيت بمباركة البابوية، ومساعدتها المادية والعسكرية والمعنوية، ووصلت القوات إلى ميناء طنجة، ومنها توجهت نحو الداخل إلى صيلا وعسكرت بها.
وقدم محمد المتوكل السعدي نصيحة للقوات البرتغالية بمهاجمة تطوان والعرائش قبل التوغل نحو الداخل، ولكنهم لم يستجيبوا لذلك، وفضلوا الاتجاه للداخل لملاقاة عبد الملك مباشرة، ولوعورة الطرق وكثرة العربات المرافقة للجيش البرتغالي كان تحركه بطيئًا، وكان ذلك بمثابة مهلة للسعديين للاستعداد الكامل لملاقاة القوى المهاجمة، وبالفعل نجح عبد الملك في استدراجهم إلى الداخل، بعد أن نجح في حشد العديد من القوات ضمن جيشه، من البربر والعرب والأتراك، كما انضم إليه العديد من العلماء والفقهاء حبًا في الجهاد، كما حضر أخوه أحمد المنصور، إلا أن عبد الملك المعتصم كان مريضًا في تلك الفترة، وقيل: إن السبب في ذلك هو دَس السُّم له بتدبير من المتوكل أو من الأتراك، وعلى الرغم من ذلك حمل إلى المعركة لتحفيز الجنود على القتال.
ولما توفي أثناء المعركة تم إخفاء الخبر عن الجميع، إلا عن أخيه المنصور فكان ذلك أحد أسباب النصر.
وبتقدم القوات البرتغالية إلى الداخل كانوا قد ابتعدوا بذلك عن حماية الأسطول المرابط بالبحر المتوسط، واستمروا في التقدم، حتى وصلوا إلى قنطرة وادي المخازن فعبروها، وهي منطقة مستنقعات مما يحول دون تراجعهم في حالة الهزيمة.
ومع ذلك عمد السعديون إلى دك القنطرة، حتى لا تتمكن القوات المهاجمة من الانسحاب، وعندما التقى الجيشان المغربي بزعامة السعديين والأوروبي بزعامة البرتغاليين، أمعن المغاربة القتل في صفوفهم، وعندما حاولوا الفرار والتراجع إلى الخلف، وجدوا القنطرة قد دكت فغرق الكثير من الجند في الماء، وتم أسر الكثير منهم، وكان الملك «جون سبستيان» من بين الغرقى، ومعه محمد المتوكل.
وتعد معركة وادي المخازن من أهم المعارك في تاريخ بلاد المغرب، لما لها من أهمية في تاريخهم، فقد عملت على تخليد اسم أحمد المنصور السعدي الذي بويع عقب المعركة سلطانًا للسعديين، وأوقفت التقدم المسيحي في بلاد المغرب، كما بدأ الأوروبيون ينظرون إلى بلاد المغرب كقوة كبرى في المنطقة.
أحمد المنصور (٩٨٦-١٠١٢ هـ / ١٥٧٨-١٦٠٣م): يعد عصر أحمد المنصور أزهى، وأقوى عصور الدولة السعدية في بلاد المغرب، وذلك لارتباط اسمه بانتصار المغاربة في معركة وادي المخازن، وتمت مبايعته عقب المعركة ولقب بالمنصور، وحقق بهذا النصر العديد من المكاسب الداخلية والخارجية، وشهدت بلاد المغرب في عهده الاستقرار أكثر من أسلافه، وكانت نقطة البداية في سياسته الداخلية أنه عمل على تقريب الفقهاء والعلماء المغاربة منه، حتى وصف بأنه: خليفة العلماء وعالم الخلفاء؛ فقد كان واسع الثقافة ملمًّا بالعديد من العلوم.
وكان المنصور من أنجح الإداريين، فقد اهتم بكافة النواحي الإدارية، واهتم كذلك بالعمران والجيش والأسطول، وأوكل قيادة الأسطول إلى رجل من أبرز رجالات البحر وهو إبراهيم النشط، وعلى الصعيد الخارجي اهتم المنصور بسياسته الخارجية التي كانت معركة وادي المخازن قد رسمت الكثير من معالمها، وكانت أوروبا في تلك الفترة تعيش في حالة صراع بين أسبانيا من جهة وإنجلترا وفرنسا من جهة أخرى، مما عمل على الحد من تحركات أسبانيا في بلاد المغرب، كما انشغل الأتراك بالصراع في أوروبا والصراع مع إيران، وكذلك التغيرات والاضطرابات في البلاد العربية.
وبناء عليه فقد مضت العلاقة بين الأتراك والمنصور في طريق المهادنة، حيث تبودلت السفارات والهدايا بين الجانبين، وفي عام (٩٨٧هـ / ١٥٧٩م) أرسل السلطان العثماني مراد رسالتين للسلطان المنصور السعدي يقترح فيهما التحالف بين الدولتين على أن يقوموا بمهاجمة أسبانيا في عقر دارها، على أن تقدم الدولة العثمانية ثلاثمائة سفينة حربية، علاوة على القوات العثمانية، لمساعدة المنصور في إتمام هذه المهمة، وكان السبب في رغبة العثمانيين في الجوم على أسبانيا هو رغبة أسبانيا المتكررة في الاستيلاء على ميناء العرائش، بعد نجاحها في ضم البرتغال إليها في عام (٩٨٧ هـ/ ١٥٧٩م)، وكان هذا الإلحاح السبب في تقارب وجهة النظر التركية السعدية في تلك الفترة.
فتوحات المنصور الخارجية: أرسل المنصور جيشًا إلى المناطق الصحراوية التي كانت قد ضعفت سلطة الدولة السعدية عليها في عهد أسلافه، ونجح في استعادة سيطرة الدولة عليها في عام (٩٨٩هـ / ١٥٨١م)، وفي عام (٩٩٩هـ/ ١٥٩١م) عمد المنصور إلى فتح بلاد السودان بقصد التوسع في حدود دولته، وفتح البلاد الجنوبية، والعمل على سد حاجات الدولة لكثرة نفقاتها، لأن معادن الذهب متوفرة في الجنوب، وأرسل ملك برنو في عام (٩٩٠هـ/ ١٥٨٢م) رسالة إلى المنصور يطلب منه إمداده بقوات تمكنه من السيطرة على بعض القبائل السودانية وإخضاعها له، فأرسل المنصور إليه وفدًا يطلب منه الاعتراف بطاعة المنصور أولًا قبل تقديم العون له.
وبالفعل وافق بعدها على الدخول في طاعة المنصور، وأرسل ما يفيد بذلك، وبعد ذلك أرسل المنصور عدة مراسلات إلى "آل سكية" في بلاد السودان، وكانت مملكتهم تجاور نهر النيجر، ولكنهم لم يستجيبوا إلى رسائله، فقرر غزوها في عام (٩٩٩ هـ / ١٥٩١م) بعد أن استمر تجهيز الحملة ثلاث سنوات نظرًا لطول الطريق ووعورته، وبعد أربعة أشهر ونصف وصلت الحملة السعدية إلى كاغو عاصمة مملكة آل سكية، وكان ملكهم قد عمل على التجهيز لصد قوات السعديين، وعلى مقربة من العاصمة التقى الجيشان في جمادى الأول (٩٩٩هـ / مارس ١٥٩١م)، وكان الجيش السعدي يتسلح بأحدث الأسلحة، أهمها المدافع، فقتلت من السودانيين العدد الكبير، وهزم جيشهم، واستباح مغانم المدينة، ودارت عدة معارك أخرى بين الجانبين انتصر فيها الجيش السعدي، وبذلك خضع السودان لسيطرة السعديين.
وفي عام (١٠١٢هـ/ ١٦٠٣م) توفي أحمد المنصور سلطان السعديين بعد إصابته في الوباء الذي حل ببلاد المغرب في الفترة من (١٠٠٧ هـ - ١٥٩٩م)، واستمر حتى عام (١٠١٦هـ/ ١٦٠٧م)، وتسبب في هلاك الكثيرين من سكان المغرب كان من بينهم السلطان السعدي أحمد المنصور، ودفن بفاس، ونَقَلَ رفاته ابنه زيدان الذي خلفه، إلى مراكش، حيث دفن بمقبرة الأشراف.
ضعف الدولة السعدية ونهايتها (١٠١٢-١٠٦٩ هـ / ١٦٠٣-١٦٥٨م): بعد وفاة أحمد المنصور أشهر وأقوى خلفاء السعديين بدأت الدولة مرحلة من الضعف استمرت حتى نهايتها. بدأت هذه الفترة بتولي زيدان بن المنصور الحكم (١٠١٢-١٠٣٧ هـ / ١٦٠٣-١٦٢٧م)، وشهد عصره العديد من الثورات التي عملت على إضعاف الدولة السعدية، وبدأت هذه الثورات بثورة أخيه أبي فارس عبد الله الذي بايعه أهل مراكش؛ لأنهم لم يوافقوا على تولي زيدان الحكم، فكان ذلك سببًا في قيام الحرب بين الجانبين، وكان أن أطلق أبو فارس سراح أخيه، وولي عهد أبيه محمد المأمون الملقب بالشيخ - الذي كان قد سجنه زيدان في مراكش - وجعله على رأس الجيش الذي أرسله لمحاربة جيش أخيه زيدان، وتمكن من هزيمته، لكن تمكن زيدان من الفرار إلى فاس، لكنها تخلت عنه وبايعت أخاه محمد المأمون الملقب بالشيخ، ومنذ ذلك التاريخ انقسمت المملكة السعدية إلى مملكتين: واحدة بفاس والأخرى بمراكش، وبخروج فاس ومراكش من قبضة زيدان سارع بالفرار إلى تلمسان.
وأعلن محمد الشيخ الحرب ضد أخيه أبي فارس، وأرسل لمحاربته جيشًا كبيرًا بقيادة ابنه عبد الله فاستولى على مراكش، ولكنه نكل بأهلها وأسأ بها السيرة، فأرسل أهل مراكش إلى زيدان بن المنصور الذي كان قد فر إلى تلمسان وبايعوه، ثم خلصها منه جيش عبد الله بن المأمون مرة أخرى بعد هزيمته لجيش زيدان، فاستباح أموالها ونساءها، مما جعلهم مرة أخرى يبايعون زيدان في عام (١٠١٦هـ/ ١٦٠٨م)، وبعدها زحف بجيشه إلى فاس، وتمكن زيدان من دخولها، وفرّ محمد الشيخ إلى الأسبان يطلب منهم نصرته، وفي عام (١٠١٩هـ/ ١٠١١م تمكن عبد الله بن محمد الشيخ من هزيمة جيش زيدان ودخول فاس، فتركها زيدان وشأنها وعمد إلى الإقامة في مراكش والمناطق التابعة لها، وبعد دخول ابنه عبد الله فاس عاد محمد الشيخ إليها بعد غياب عامين.
وفي مطلع عام (١٠٣٧هـ/ ١٦٢٧م) توفي زيدان بن المنصور، ودفن بمقبرة الأشراف بمراكش بجانب والده، وبعد وفاة زيدان تولى ابنه أبو مروان عبد الملك بن زيدان، وبويع بمراكش وتمكن عبد الملك من إعادة فاس إلى مملكته، لكنه لم يهنأ بالملك كثيرًا فقد ثار عليه أخواه أحمد والوليد، واستعان الوليد بقادة الجيش، وعمد إلى الاستيلاء على الملك بالقوة من أخيه، ولمَّا لم يتمكن من ذلك لجأ إلى اغتيال أخيه عبد الملك بمساعدة قادة الجيش، وذلك في عام (١٠٤٠هـ/١٦٣٠م)، وتولى الوليد المملكة، وكان أول ما قام به هو البطش بعدد كبير من أفراد أسرته، واعتقل أخاه الأصغر محمد خوفًا من ثورته عليه، كما أنه كان سيء السمعة وكان سكيرًا، ونجح العلوج الملحقون بجيشه في اغتياله لرفضه دفع رواتبهم، وذلك في عام (١٠٤٥هـ/ ١٦٣٥م) عقب وفاة الوليد تم إطلاق سراح أخيه الأصغر محمد الملقب بالشيخ، الذي سبق أن اعتقله الوليد وتمت مبايعته بمراكش.
وعلى الرغم من استمراره في الحكم من عام (١٠٤٥هـ/ ١٦٣٥م)، وحتى عام (١٠٦٤ه/ ١٦٥٣م)، إلا أن أماكن كثيرة في المملكة كانت قد خرجت من قبضة الدولة السعدية، ولم يعمل على استعادتها لسلطان الدولة مرة أخرى، مما أضعف الدولة، بل استولى الدلائيون على فاس في عام (١٠٤٨هـ/ ١٦٣٨م)، ولم يبق تحت قبضة السعديين سوى المناطق الممتدة بين المحيط الأطلسي، وآسفي، وأزمور، ومراكش.
وتوفي محمد الشيخ بمراكش عام (١٠٦٤هـ/ ١٦٥٣م)، وبعد وفاته تولى آخر ملك للسعديين، وهو العباس بن محمد الشيخ الأصغر، الذي بويع عقب وفاة والده في عام (١٠٦٤هـ/ ١٦٥٣م)، واستمر حكمه خمس سنوات، حيث تمكن أخواله الشبان من اغتياله عام (١٠٦٩هـ/ ١٦٥٨م) وتحويل الْمُلْك إليهم، فاستولى عبد الكريم الشبانى على الملك من ذلك الوقت حتى تم اغتياله عام (١٠٧٩هـ/ ١٦٦٩م)، فخلفه ابنه أبو بكر الذي قامت على أنقاض دولته الدولة العلوية.
برز السعديون كقوة سياسية وعسكرية جمعت بين الشرف النبوي والقيادة الجهادية، فأسسوا دولة قوية بلغت أوجها في عهد أحمد المنصور، وانتصروا في معركة وادي المخازن، ورغم ازدهارهم أضعفتهم النزاعات الداخلية والانقسامات حتى سقطوا وتسلّمت الدولة العلوية الحكم من بعدهم.
دولة بني وطاس فترة حاسمة في تاريخ المغرب الأقصى.
دولة حملت على عاتقها لواء الدفاع عن الأندلس والحفاظ على وحدة المغرب الأقصى.
تأسست مدينة القيروان سنة ٥٠هـ / ٦٧٠م بأمر القائد عقبة بن نافع.