اتسم نظام الحكم في مطلع الدولة الرستمية
بالبساطة الشديدة، فاتخذ حاكم الدولة لنفسه لقب "إمام"، وبمقتضى
ذلك أصبح رئيس الدولة مصدرًا لجميع السلطات دينية كانت أم سياسية، ويظهر ذلك من
خلال حوار البيعة الذي دار بين رؤساء الإباضية وشيوخهم، وبين عبد الرحمن بن
رستم؛ حيث قالوا له: "ونحن الآن نرضى بك ونقدمك على أنفسنا، فقد علمت أنه
لا يُصلح أمرَنا إلا إمام نلجأ إليه في أمورنا، ونحكم عنده فيما ينوب من أسبابنا،
فقال لهم: إن أعطيتموني عهد الله وميثاقه لتستطيبوا إلي، ولتطيعوني فيما وافق الحق
وطابقه، قبلت ذلك منكم، فأعطوه عهد الله وميثاقه على ذلك".[نفس المصدر، ص٩-١٠].
وقد راعى رؤساء الإباضية وشيوخهم -عندما
اختاروا عبد الرحمن بن رستم إمامًا للدولة- كل القواعد التي قننت في المذهب
الإباضي حول اختيار رئيس الدولة، وطبقوا شروط البيعة تطبيقًا يكاد يكون حرفيًا.
فيروى الشماخي: أن رؤساء الإباضية
اتفق رأيهم على عبد الرحمن؛ لفضله؛ وكونه من حملة العلم؛ ولكونه عامل أبي
الخطاب على إفريقية وما والاها؛ ولأنه لا قبيلة له تمنعه إذا تغير عن طريق
العدل. [الشماخي: السير، ص١٤٠]، ويبدو أن
فقهاء الإباضية أرادوا أن يضعوا شروطًا مثالية لاختيار إمام دولتهم، فالفضل الذي
تحدث عنه الإباضية في هذا النص، يوازي العدالة، التي تعني الكمال الأخلاقي بسلامة
الاعتقاد والجوارح، والنزاهة في التصرفات الشخصية. [سعد زغلول عبد الحميد: تاريخ المغرب العربي، ص٣٨٤].
وأما كونه من حملة العلم، فالعلم شرط أساسي
يجب توافره في الشخص المرشح للإمامة، وأيضًا في طبقة أهل الاختيار، أصحاب الحق في
انتخاب الإمام أو الخليفة في البيعة الخاصة. [نفس المرجع، ص٣٨].
أما الشرط الثالث، وهو كونه
عامل أبي الخطاب على إفريقية فهو شرط يمثل فكرة التعيين أو الوصية، التي
تحولت إلى مبدأ الوراثة بعد ذلك في تسلسل منصب الإمامة في أبناء عبد الرحمن بن
رستم إلى نهاية الدولة.
أما المبدأ الرابع، وهو أنه لا
قبيلة له تمنعه إذا تغير عن طريق العدل، فهو شرط سياسي، يهدف إلى حماية الجماعة
الإباضية من الاستبداد، كما يطمح إلى تحقيق الإمامة المثالية، التي يكون العدل عصبتيها
[ابن الصغير، سيرة الأئمة،
ص٩]، وقد ذكر شيوخ المذهب الإباضي ذلك صراحة حين قالوا: فإن عَدَلَ
(عبد الرحمن بن رستم) فذلك الذي أردتم، وإن سار فيكم بغير العدل عزلتموه
ولم تكن له قبيلة تمنعه، ولا عشيرة تدفع عنه [محمود إسماعيل: الخوارج في المغرب، ص ١٩٨].
وتعني هذه القواعد السابقة تطورًا واضحًا في
بناء الفكر السياسي للخوارج في بلاد المغرب، فقد تطرق إلى مبدأ الانتخاب العام -الذي
اشتهرت به جماعات الخوارج- بعض المؤثرات، كتسلل فكرة التعيين أو الوصية -التي
ازدهرت في المشرق الإسلامي لدى الشيعة- إلى نظام الحكم في الدولة الرستمية،
فبدأت هذه المؤثرات بسيطة في ذهن الإباضية، متمثلة في أن عبد الرحمن بن رستم
كان عاملًا لأبي الخطاب على القيروان في إفريقية، وتطورت هذه الفكرة إلى أن
أصبحت في الدولة الرستمية فكرة توريث مطلق، وهذا ما يلفت النظر؛ إذ إن
الإمامة انحصرت إلى نهاية الدولة الرستمية في خلف عبد الرحمن بن رستم؛
وذلك بالطبع يؤكد تغلب فكرة التوريث والتعيين على مبدأ الانتخاب العام، ويعني هذا
من ناحية أخرى التغلب على الطابع الديني في نظم الحكم الرستمية، وتحول الإمامة
الرستمية إلى سلطة مركزية أشبه ما تكون بالملكية المطلقة.
وأخذت الدولة الرستمية منذ قيامها بالأساليب
المعروفة لإدارة الدول، وإن غلب على هذه الأساليب طابع البساطة،
الذي يتناسب وأوضاع القبائل التي حكمت الدولة، والتي غلب على معظمها الطابع البدوي؛
فقد وضع عبد الرحمن بن رستم نظامًا بسيطًا للقضاء، والشرطة، وجباية
الأموال، والصدقات، وكان الناتج من أموال الجباية والصدقات، يوزع بصفة خاصة على
الفقراء والمساكين، وقد يقوم الإمام بشراء الأكسية والجباب الصوفية والفراء والزيت
لهؤلاء الفقراء، أما رواتب الإمام ورجال الإدارة في الدولة والعمال، فكانت تدفع من
مال الجزية وخراج الأرض كما يقول ابن الصغير.
وقد قسَّم الرُّسْتَميون دولتهم إلى عمالات، حصر الباروني
بعضها وخاصة ما كان منها في شرق الدولة في المغرب الأدنى، وذكر أهم الولاة والعمال
الذين تولوا هذه العمالات، ومن هذه العمالات قفصة، وسرت، ونفزاوة، وقنطرارة، وجبل نفوسة،
وقابس، وجبل دمر، وكان الأئمة الرستميون يتابعون العمال والرعية، عن طريق رسائل
يكتبونها يشرحون فيها مبادئ المجتمع الإباضي، وكلها تركز على الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر وطاعة الأئمة.
وسار الرستميون على سنن المشارقة في كافة
النظم الإدارية الأخرى، التي تكفل ضبط الأمور في دولتهم، فأنشأوا
جهازًا للشرطة يقوم بأعمال الحراسة والمحافظة على الأمن، وأسَسَ الإمام أبو
اليقظان فرقة كاملة للقيام بأعمال الحسبة، وكان أفراد هذه الفرقة من قبيلة
نفوسة الإباضية، وحدد البرادي وظائفهم التي قاموا بها "بأنهم كانوا
يمشون في الأسواق، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فإن رأوا قصابًا نفخ في شاة
عاقبوه، وإن رأوا حمالًا حَمَّل على دآبة فوق طاقتها أنزلوا حملها، وأمروا صاحبها
بالتخفيف عليها، وإذا رأوا قذرًا في الطريق أمروا من حوله بكنسه". [ابن الصغير: سيرة الأئمة الرستميين في تاهرت، ص ١، ١٦].
وأقام الرستميون نظامًا
تمتع القضاة في ظله بالنزاهة التامة، وحظوا بالاحترام الكامل من قِبَل الأئمة، حيث لم
يَسمح هؤلاء القضاة لأحد بأن يتدخل في شئونهم، وكان القاضي يرى أن الأئمة وأبناءهم
فوق كل الشبهات، وينبغي أن يكون الجميع قدوة طيبة للرعية، لذا نجد القاضي محمد
بن عبد الله بن أبي الشيخ يستقيل من منصب القضاء؛ لأن أبناء الإمام أبي اليقظان
استغلوا كونهم أبناء الإمام، وارتكبوا بعض الأخطاء، فأصبح هذا القاضي بالغداة كما يقول
البرادي: "إلى أبي اليقظان فرمى إليه بخاتمه وقمطره، وقال له:
ولِّ على قضائك من تريد، فقال له: ما بك وما عراك؟ فقال: ما نقمت عليك شيئًا، ولكن
نقمت على بنيك، قال: تركتهم عالة على الناس، فلما انصرف قال لمن حوله (أبو
اليقظان): اذهبوا إليه، واسألوه عن بَنِيَّ فمن ضمر منه مكروهًا زجرنا، وذهبوا
إليه وسألوه فقال: دعوني من موالاته، ما توليت له قضاءً أبدًا" [البرادي: الجواهر المنتقاة، مخطوط، ورقة ٩٠-٩١].