كان
العباس بن عبد المطلب عمّ النبي
صلى الله عليه وسلم قد خرج من مكة مهاجرًا إلى الله، فَلَقِيَ النبي فأسلم قُرْبَ
رابغ وسُرَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أيما سرور بإسلامه، كما أسلم بعض أقرباء النبي -صلى الله عليه وسلم- الذين رَقَّ لهم، وقَبِل إسلامَهم، منهم أبو سفيان بن الحارث، أخو النبي من الرضاعة،
وكان شديد الأذى للرسول في مكة، ولكن حَسُنَ إسلامه وثبت مع النبي صلى الله عليه
وسلم يوم حنين.
يَروي
ابن إسحاق
قال: لقي النبي -صلى الله عليه وسلم- أبا
سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الله بن أبي أمية بين مكة والمدينة والتمسا
الدخول عليه فكلمته أم سلمة فيهما، فقالت: يا رسول الله ابن عمك وابن عمتك
وصهرك، قال: لا حاجة لي فيهما، أما ابن عمي فهتك عِرضي، وأما ابن عمتي فهو الذي
قال بمكة ما قال وكان قد قال: "والله لا آمنت بك حتى تتخذ سلمًا إلى السماء
فتعرج فيه وأنا أنظر ثم تأتي بصك وأربعة من الملائكة يشهدون أن الله قد أرسلك".
فلما
خرج الخبر إليهما بما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان مع أبي سفيان بُنَيّ
له، فقال: ليأذن لي أو لأخذن بيدي بُنَيّ هذا لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشًا وجوعًا،
فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم رق لهما، ثم أذن لهما فدخلا عليه فأسلما،
وأنشده أبو سفيان بن الحارث شعرًا يتحدث فيه عن إسلامه، ويعتذر مما كان مضى معه
[صفوة ابن كثير ج٣، ص ٢٣٥].
لَعَمْرُكَ إنِّي يَوْمَ
أَحْمِلُ رَايَةً … لِتَغْلِبَ خَيْلُ اللَّاتِ خَيْلَ مُحَمَّدِ
لَكَ الْمُدْلِجِ الْحَيْرَانِ
أَظْلَمَ لَيْلُهُ … فَهَذَا أَوَانِي حِينَ أُهْدَى وَأَهْتَدِي
وقد
أراد العباس بن عبد المطلب أن يُخْرِج أهل مكة فيستأمنوا رسول الله صلى الله
عليه وسلم قبل أن يهلكوا، وبينما قريش في حيرة من أمرها لا تدري ماذا تفعل، خرج أبو سفيان بن حرب وحكيم
بن حزام وبديل بن ورقاء
يستطلعون الأمر: الأولان لقريش، والأخير للتعمية على قريش.
وكان
رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر أصحابه أن يوقدوا نارًا ففعلوا، فقال أبو سفيان: والله ما رأيت كالليلة نارًا ولا
عسكرًا، ودخل في حوار مع بديل الذي
حاول إخفاء الأمر قائلًا: إن هذه النيران نيران خزاعة، فقال أبو سفيان: خزاعة أقل
وأذل من أن تكون لها هذه النيران.
ودخل
عليهما العباس فقال: ويحك يا أبا سفيان! هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في
الجيش، فقال أبو سفيان: فما الحيلة
فداك أبي وأمي؟ فقال: العباس: اركب في
عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمنه لك، وركبا،
ولقيهما عمر بن الخطاب وأراد قتل أبي
سفيان قائلًا: عدو الله قد أمكن
الله منك بلا عقد ولا عهد.
واستأذن
الرسول صلى الله عليه وسلم في قتله، لكن العباس
كان قد سبق قبله على بغلته وقال: أنا أَجَرْته، وبعد نقاش بينهما قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم للعباس: «اذهب به يا عباس إلى رحلك – أي خيمتك – فإذا أصبحت فأتني به»،
أما حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء
فقد أسلما.
ورأى
أبو سفيان تسابق المسلمين في الاقتداء
برسول الله صلى الله عليه وسلم ورآهم يبتدرون وضوءه فقال: يا عباسُ ما رأيتُ كالليلة ولا ملك كسرى وقيصر.
وفي
الصباح غدا العباس إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم ومعه أبو سفيان، فقال
له النبي صلى الله عليه وسلم: «ويحك يا أبا سفيان!
ألم يَأْنِ لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟»، فقال أبو
سفيان: بأبي أنت وأمي! ما أحلمَك وأكرمَك وأوصلَك! والله لقد ظننت أن
لو كان مع الله غيره، لقد أغنى عني شيئًا بعد.
قال
الرسول صلى الله عليه وسلم: «ألم يَأْنِ لك أن تعلم أني رسول الله؟» قال أبو سفيان: أمَّا هذه ففي النفس منها حتى الآن شيء،
فقال له العباس: ويحك! أسلم واشهد أن
لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله .. فشهد شهادة الحق وأسلم.
فقال
العباس: إن أبا سفيان رجل يحب الفخر
فاجعل له شيئًا، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون هذا الشيء مما يتعلق
بحقن الدماء ونشر الأمان حتى يأمن عدد كبير من الناس، فقال صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، ومَنْ
دَخَلَ دَارَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ - أي الكعبة - فَهُوَ
آمِنٌ».
ومهما
يكن من أمر فقد رأى الرسول بحكمته أن يوقف أبا
سفيان بمضيق الوادي عند خطم الجبل
حتى تمر به جنود الله فيراها، فيكون ذلك نذيرًا لقريش حتى تجنح إلى السلام إبقاءً
على نفسها.
فقال
العباس: هؤلاء الأنصار عليهم سعد ابن عبادة مع
الراية، وقد قال سعد: اليوم يوم
الملحمة، اليوم تُسْتَحَلُّ الكعبة، فاشتكى أبو
سفيان للنبي -صلى الله عليه وسلم- من قول سعد،
فقال أبو سفيان وقد خشي على قريش من الاستئصال: حبذا يوم الذِّمَار؛ أي يوم
الحرمة ورعاية العهد.