Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

المورسكيون

الكاتب

أ.د/ عبد الله محمد جمال الدين

المورسكيون

المقصود بهذا الموضوع الحديث عن المورسكيين، وهم المسلمون الذين بقوا في الأندلس بعد سقوط الحكم الإسلامي، وتعرضوا للاضطهاد والتمييز من قبل النصارى، وتم نفيهم من بلادهم على مرحلتين في القرن السابع عشر الميلادي.

التعريف بالمورسكيين

جمع مفرده المورسكي، والكلمة تصغير لكلمة (المورو) El moro بمعنى المسلم، فالمورسكي كلمة يقصد بها المسلم الصغير أو الوضيع الذليل.

وقد انتهى حكم المسلمين للأندلس سنة ٨٩٧هـ/١٤٩٢م، وبقي شعب مسلم يعيش بهذه البلاد في حماية المملكة النصرانية.

ولم تغفل معاهدة التسليم حقوق هذا الشعب، بل كفلتها له وثيقتان: الأولى: محفوظة في دار المحفوظات في (سيمانقا)، والثانية: موجودة في بلدية غرناطة، وقد نشرها (ميجيل خريدو آتنشا) في كتابه (وثائق تسليم غرناطة) المنشور سنة ١٩١٠م.

ويعنينا هنا أن نبرز تعهد الملكين النصرانيين (فرناندو وإيزابيلا) بترك أبي عبد الله - آخر ملوك غرناطة - وكذا القادة والوزراء والعلماء والفقهاء والفرسان وسائر الشعب تحت حكم شريعتهم الإسلامية، وألا يؤمروا بترك شيء من مساجدهم وصوامعهم، وأن تترك لهذه المساجد مواردها، وأن يقضى بينهم وفق شريعتهم وعلى أيدي قضاتهم، وأن يحتفظوا بتقاليدهم وعوائدهم، وألا يؤخذ منهم خيلهم أو سلاحهم الآن أو فيما بعد.. ولا يُسْمَح لنصراني بدخول أماكن عبادة المسلمين بدون ترخيص، ومن يفعل ذلك يتعرض للعقاب، ولا يرغم مسلم ولا مسلمة قط على اعتناق النصرانية، ويتمتع اليهود بكل هذه الامتيازات.

وقد أقسم الملكان بدينهما وشرفهما الملكي بأن يحافظا ويأمرا بالمحافظة على هذا التعهد بكل بنوده، ووقَّعا على ذلك ومعهما جمع كبير من الأحبار والأمراء والأشراف والعظماء.

والسؤال الآن: هل حافظ الملكان ورجالهما الدينيون والمدنيون على تلك البنود التي تعهدوا بالمحافظة عليها مقسمين على ذلك بدينهما وشرفهما الملكي؟ العكس هو الصحيح.

لقد سلبت الحقوق والضمانات وأغلقت المساجد، وحظر على المسلمين إقامة شعائرهم، وانتهكت عقيدتهم، وأصبح الواحد منهم يُعرف بين الناس بلقب (المورسكي) الذي يشير إلى حقارتهم والتقليل من شأنهم.

لقد فرضت الضرائب القاسية عليهم، وكان يتم تحصيلها على الأحياء والأموات والصغار والكبار والفقراء والأغنياء، وقد أرهقهم القضاة الظلمة ولم يفلت من ظلمهم أحد، فألقى بهم في غياهب السجون فعذُّبوا وحملوا على التنصُّر، وهشم العدو أشلاءهم، ثم حملت هذه إلى الميدان لتحرق أمام الجمع الحاشد، وهكذا تفنن النصارى في ضروب الاضطهاد.

وكل هذا دفع الشعب إلى طلب النجدة من الدول الإسلامية في المشرق والمغرب، فهل كان لصراخهم صدى أو استجاب لهم أحد؟ هل هذا الذي كانوا يتعرضون له هو ما أقسم عليه الملك بدينه وشرفه الملكي هو ومن حوله؟

ولما تجاوزت الأمور حدها، قام المورسكيون بالثورة مطالبين بما لهم من حقوق فقوبلت حركتهم بأقسى ألوان الشدة وتم تحريقهم هم وكتبهم وتراثهم.

جاءت الطامة الكبرى بعد ذلك متمثلة في حمل من سلم منهم على مغادرة مواطنهم ونفيهم قسرًا من بلادهم، وتم ذلك على مرحلتين.

مرحلة الطرد الأولى

مرحلة الطرد الأولى أو الطرد الداخلي عقب الثورة الغرناطية ٩٧٦- ٩٧٨هـ/ ١٥٦٨- ١٥٧٠م:

وقد بدأت الثورة بحركة عفوية في رجب ٩٧٦هـ /ديسمبر سنة ١٥٦٨م، وكانت قاعدتها جبلية، ثم دخل فيها كل سكان المرتفعات، وانضمت إليها مجموعات من السهل والهضبة، ولم تشترك المدن وما يتصل بها من سهول، وتجمع المورسكيون من كل قرى مملكة غرناطة ولكنهم تعرضوا لهزيمة قاسية، وتم حشدهم في سفينة ضخمة بهدف نفيهم إلى مناطق أخرى، وتم إبعاد الذين حملوا السلاح وأيضًا الذين أطلق عليهم لقب (مورسكيو السلام) الذين لم يشتركوا في الثورة، وتم عزل من رفضوا الهزيمة واختبأوا في شعاب الجبال مواصلين القتال.

وقد تم تقسيم مملكة غرناطة إلى سبع مناطق، وأوكل لعدد من المسئولين تجميعهم من القرى في عدة مراكز للتجمع في (روندا ومالقة وغرناطة وقادش وبياسة وألمرية)، وكلف كل مسئول بجمع سكان عشرة من القرى، وقد استغرقت هذه المهمة أسبوعًا، وعارضها البعض وهرب البعض واختفى آخرون في شعاب الجبال، وبرغم ذلك أمكن جمع أكثر من ٥٠ ألفًا تم حشدهم داخل المستشفيات والكنائس، من هؤلاء:

  • ٥٠٠٠ من مالقة ورنده.
  •  ١٢٠٠ من غرناطة.
  •  ١٢٠٠ من قادش.
  •  ٦٠٠٠ من بياسة.
  •  ٨٥٠٠ من روندا.
  •  ٨٥٠٠ من ألمرية.
  •  ٤٣٥٠ من بسطه.

بين هؤلاء ٢٤٠٠ أعمارهم بين ١٤و٦٠ سنة يرافقهم عدد كبير من النساء والشيوخ والأطفال؛ تلك هي المرحلة الأولى من مراحل إخراج المورسكيين من غرناطة.

أما الخطوة التالية: فتتمثل في السير بطريق طويل باتجاه الشمال أو الغرب، وفيها قسم المورسكيون إلى مجموعات، كل مجموعة تتكون من ١٥٠٠ شخص يتبعهم ٢٠٠ من الجنود و٢٠ من الفرسان، وكان على كل مجموعة أن تسير٢٠ كيلو مترًا يوميًا تتبعها صفوف من العربات تحمل أمتعة هؤلاء الناس وممتلكاتهم، وكانت تصرف لهم يوميًا وجبتان في الصباح وفي المساء.

وقد برر إخراجهم من غرناطة بعدم توفر المحاصيل بها، وبأن الحياة فيها أصبحت مستحيلة بسبب الحروب المتواصلة، فمن المصلحة أن ينفوا إلى قشتالة وإلى المحافظات الأخرى؛ حيث تتوفر المؤن والمحاصيل، وأعطوا أملًا بأنه سيسمح مستقبلًا للمورسكيين بالعودة إلى مواطنهم، وكان من المقرر أن يتجه هؤلاء إلى البسيط وإشبيلية، ولكن سوء الأحوال الجوية والعواصف والأمطار الغزيرة حال دون ذلك، وأيًا كان الأمر فقد وصل:

  •  ٥٥٠٠ إلى إشبيلية.
  •  ٢١٠٠٠ إلى البسيط.
  •  ١٢٠٠٠ إلى قرطبة.
  •  ٦٠٠٠ إلى طليطلة.

وكان الهدف توزيعهم بين القرى والمدن؛ لتتم التفرقة بينهم إلى أقصى درجة، ولهذا فقد واصل سبعة آلاف ممن تجمعوا في قرطبة طريقهم نحو (استرامادورا) وذهب آلاف من البسيط إلى وادي الحجارة وإلى طليطلة متجهين إلى ناحية (سيجوبيا) وبلد الوليد وبلنسيه وشلمنقه، والذين طردوا أثناء القتال استوطنوا قرى في الممالك القديمة بإشبيلية وقرطبة وجيان، وتم تشتيت الجميع وفق خطة منظمة، والمهم ألا يُسْمَح لأحد من هؤلاء بالاستقرار في مملكة مرسية، أو في أماكن قريبة من مملكة (بلنسية) حيث يعيش المورسكيون منذ أمد بعيد.

وبرغم كل هذا فقد بقي بعض مسلمي غرناطة في مواطنهم بحيلة أو بأخرى، وكان لهؤلاء اتصالات مع إخوانهم في مملكتي بلنسيه وأراجون، وبهذا نستطيع القول بأن المورسكيين الغرناطيين أخرجوا من ديارهم في موجات ثلاث، كانت الثالثة منها والأخيرة - وهي التي بدأت سنة ٩٧٨هـ/١٥٧٠م - هي الأكثر تعقيدًا. ومن المؤكد أن مجموعة كبيرة من هؤلاء تنتمي إلى أماكن إقطاع، وقد حاول رجال الإقطاع الإبقاء عليهم حرصًا على مصالحهم الخاصة، وهناك أصحاب إقطاع في قشتالة ضموا إليهم مورسكيين ممن طردوا من غرناطة وأقاموهم معهم.

والذين شملهم الطرد في هذه المرحلة وصلوا إلى نحو ثمانين ألفًا، وتلك هي النتيجة النهائية لتلك الثورة الغرناطية، وسيكون لها صدى واسع في الحياة الأسبانية وفي الوجهة النهائية لمجموع تلك الأقلية المورسكية. وقد صدر في جمادى الآخرة ٩٨٠هـ/ أكتوبر سنة ١٥٧٢م مرسوم ينظم هؤلاء المقيمين في مواطنهم الجديدة، ويلزم هذا المرسوم قراهم الجديدة بإعداد سجل خاص بهم فيه إشارة إلى ملامحهم المميزة وحالات الميلاد والوفاة مع تنظيم دخولهم وخروجهم، ومع منحهم تصاريح خاصة لممارسة التجارة والعقود.

وفرضت عليهم الإقامة في مناطق خاصة وسط النصارى القدامى، كما فرضت عليهم عقوبات قاسية إذا حاولوا العودة لبلدهم الأصلي، أو حاولوا استخدام اللغة العربية أو الملابس أو التقاليد الإسلامية أو استخدام السلاح، ومنح الأطفال منهم والشباب عناية خاصة، وأكرهوا على العمل في مصانع النصارى، وأعد لهم برنامج يهتم بتربيتهم وفقًا لأساليب الحياة النصرانية، وبيع الكثيرون منهم عبيدًا بلا مبرر.

تلك هي قصة النفي الأولى أو النفي الداخلي؛ لأنه تم فيه تشتيت المورسكيين من بلادهم الأصلية إلى مناطق أخرى داخل الأراضي الأسبانية، والهدف تفريقهم وعدم إعطائهم فرصة لتكوين تجمعات خاصة بهم قد تكون خطرًا على الوضع الأمني والسياسي في البلاد، وهذا يختلف عن النفي الأخير الذي حملوا فيه على مغادرة البلاد وطُردوا قسرًا منها.

مرحلة الطرد الثانية

اعتبرت السلطات الإسبانية أن المورسكيين يمثلون خطرًا يهدد أمن وسلامة البلاد واتهمتهم بأن لهم اتصالات بالدول الإسلامية في القارة الإفريقية والدولة العثمانية وبأعداء أسبانيا من الفرنسيين والبروتستانت المخالفين لهم في المذهب الديني، كما أنهم وراء غارات القراصنة على السواحل الأسبانية، فهم يتعاونون مع الأجانب ويعرضون البلاد للخطر وللغزو الخارجي، ثم إنهم لايزالون يحافظون على هويتهم الإسلامية ويحترمون مظاهر الحضارة الإسلامية إن لم يكن علنًا ففي السر، ولم تفد كل ألوان القسوة ولا وسائل التنصير في جذبهم للعقيدة الكاثوليكية، ولهذا كله لابد من التفكير في وسيلة تجتثهم من جذورهم.

وللوصول لهذا الهدف، عرضت عدة اقتراحات، قد رأى البعض ضرورة القضاء عليهم وقتلهم دفعة واحدة أو قتل البالغين منهم واسترقاق الباقين وبيعهم عبيدًا، ورأى أحد المطارنة أن الأسلوب الأمثل هو ضرب الرق عليهم، وأن يؤخذ منهم في كل عام عدة آلاف للعمل في السفن ومناجم الهند إلى أن تُجتث أصولهم، ومال آخرون إلى نفيهم خارج البلاد.

وهنا تساءل آخرون: كيف يسمح لهذا العدد الكبير بالانتقال إلى إفريقية بعد انخراطهم في العقيدة المقدسة وفي الطقوس النصرانية؟ من يملأ الفراغ ومن يعوض سادة الإقطاع؟ ووجد هؤلاء أنه يمكن إقامة ثلاثة حصون في مملكة بلنسية على نفقة المنصرين أنفسهم ويمنع أي اتصال بينهم وبين المغاربة، كما اقترح إقامة حصن لهم في منطقة أراجون، ويمنع أي اتصال لهم بفرنسا والبروتستانت، ويحرم عليهم حمل السلاح، ويجبرون على تعلم اللغة القشتالية، ويعملون في الزراعة فقط، ويحرم عليهم الزواج إلا من نصرانيات قديمات.

وقد ظهرت فكرة الطرد لأول مرة في اجتماع عقده الملك فيليب الثاني مع مستشاريه في مدينة لشبونة ٩٩٠هـ / ١٥٨٢م، ولكن التنفيذ تأجل، وفي سنة ١٠١٣هـ/ ١٦٠٤م، فرضت المسألة المورسكية نفسها على مناقشات الملك ورجال الدين والدولة، وشعر المورسكيون بأن شيئًا ما سيحدث، فبدأت هجرة اختيارية قام بها الأثرياء ممن يمكنهم الإنفاق على رحلة طويلة، واتجهوا ناحية فرنسا، ومكث بها البعض، وغادرها البعض إلى الشمال الأفريقي وفي سنة ١٠١٧هـ / يناير ١٦٠٩م وبعد بحث المسألة من كافة جوانبها تقرر طرد المورسكيين إلى المغرب، فهذا فيه رفق بهم، واستقر الأمر على ذلك في ٢٢سبتمبر من العام نفسه (١٦٠٩م).

وطلب من المورسكيين الرحيل في ظرف ثلاثة أيام من المدن والقرى إلى الثغور التي عينت لهم، ومن يتخلف يعاقب بالإعدام، وأعدت السفن فعلا لنقلهم، ومنعوا من بيع الماشية والحبوب والزيوت والممتلكات الشخصية، وإذا حاول شخص إخفاء شيء من ذلك أضرمت النيران في المنازل والمحاصيل وعوقب سكان الناحية جميعًا بالموت، ونص المرسوم على بقاء ٦% منهم مع تفضيل الأكبر سنًا ومن ولاؤه شديد للنصرانية، وذلك للانتفاع بهم في صيانة المنازل والعمل بمصانع السكر ومحصول الأرز وتنظيم الري وإرشاد السكان الجدد.

والأطفال دون سن الرابعة يسمح لهم بالبقاء بموافقة أولياء أمورهم، ومن دون السادسة يسمح لهم بالبقاء شريطة أن يكونوا من أبناء النصارى القدماء، ويسمح لأمهم المورسكية أن تبقى معهم، أما إذا كان الأب مورسكيًا والأم نصرانية، فإنه يُنفى الأب ويبقى الأولاد مع أمهم - وقد اضطرب المسلمون المنصرون بعد أن وصلهم الخبر، وحدثت مشاكل لكنها جوبهت بكل قسوة، ولم يجد القوم حيلة واضطروا للخضوع، واجتمع زعماؤهم وفقهاؤهم وقرروا الرحيل ولا يبقى منهم أحد حتى نسبة ال٦% المسموح ببقائها.

وفي التنفيذ تقرر البدء بمورسكيي بلنسية، وتجمع منهم أربعة آلاف في نحو٥٠ سفينة، وكلفت مدفعية

قشتالة بمراقبة الحدود، وسفن الأسطول بمراقبة الشواطئ الأسبانية، ومن ثغر دانية وبعض الثغور القريبة خرجت السفن متجهة إلى (وهران) بالجزائر - وكانت تحت سيطرة الأسبان - ومن هناك يممت شطر (تلمسان) في حماية فرقة من الجنود المرتزقة.

وقد تعرض بعض المنفيين لعنف بعض العصابات مما جعل قسمًا منهم يهرب إلى المناطق الجبلية ببلنسية، واجتمعوا بقمم جبال يزيد ارتفاعها عن ألف متر، لكن القوات النصرانية حاصرت هؤلاء وعاملتهم أسوأ معاملة.

أما في قشتالة، فقد صدر قرار النفي سنة ١٠١٨هـ / ١٦٠٩م، ونفذ في العام نفسه ومنح المورسكيون شهرًا لمغادرة البلاد بنفس الشروط، وقد سمح لمورسيكي الأندلس ومرسية فقط ببيع بعض الممتلكات مع مصادرة الأصول لصالح الملك، ويمكن رحيل صغار السن ممن تقل أعمارهم عن سبع سنوات لكن إلى أراض نصرانية، ولذا اتجه بعضهم ناحية فرنسا أو إيطاليا.

وهكذا تتالت قرارات النفي من كل البلاد الأسبانية، وكان آخرها الذي صدر سنة ١٠٢٣ هـ /١٦١٤م خاصًا بمورسكيي (وادي ريكوتي) الذين غادروا إلى إيطاليا وفرنسا ومنها أبحروا إلى مصر والشام والقسطنطينية. وهذا الذي تعرض له المورسكيون وصلت أخباره إلى مسامع السلطان أحمد العثماني، الذي أرسل إلى مملكة فرنسا التي لجأ إليها بعضهم، يحتج على ما يتعرضون له، ويطلب حماية هؤلاء المسلمين؛ لكن ما عدد من نالهم قرار الطرد؟ البعض يصل بهم إلى مليون نسمة، والبعض يهبط إلى مائة ألف، لكن الرواية العربية تقول إنهم كانوا نحو٦٠٠ ألف نسمة، وهذا الرقم هو الأقرب للصواب وهنا يأتي سؤال: ما هي المبررات التي حملت السلطات الإسبانية على نفي المسلمين؟

مبررات نفي المسلمين من أسبانيا

هذه المبررات غير واضحة تمامًا، والقرار اتخذ بعد عدة سنوات من التردد طرحت خلالها آراء عديدة:

هل الكنيسة وراء هذا القرار؟ لا ينبغي أن نهمل دور بعض كبار رجال الدين، وقد كانت قلوب بعضهم مشحونة بالغيظ تجاه هذه الفئة؛ لأن مهمتهم لتنصيرهم فشلت، وقد نصحتهم قيادات الكنيسة في روما بالاستمرار في محاولات التنصير، وتعليم المورسكيين أصول العقيدة الكاثوليكية. نعم، فكرة الطرد لم تنطلق من الكنيسة ولكن هذا لا يمنع مشاركة بعض رجال الدين فيها، بل إن بعض مفتشي التحقيق لم يميلوا إلى الفكرة؛ لأنهم وجدوا أن إيراداتهم ستنخفض بشدة عندما لا يجدون ضحاياهم الذين يمارسون معهم إرهابهم وقسوتهم ومصادرتهم.

هل كان وراء النفي وحدة أسبانيا الكاثوليكية؟ وهل كان لزامًا عليها أن تتخلص من البقية الباقية من الإسلام الذي ولى؟ هذه النظرية تتضمن جزءًا من الواقع، لكنها غير صحيحة بنسبة ١٠٠% هل كان الطرد وراءه الحرص على أمن البلاد والخوف من التدخل الخارجي؛ لأن المورسكيين يتعاونون مع أعداء البلاد من الإنجليز والفرنسيين والعثمانيين، خاصة في منطقة بلنسية وأرجون؟ إن احتمال قيام الأتراك العثمانيين بعملية إنزال على الشواطئ الأسبانية كان احتمالًا ضعيفًا آنئذ، ويقال: إن تهريب الأسلحة بحرًا إلى مناطق المورسكيين، واحتمال أن يأتيهم دعم من الخارج كان يكفي لجعلهم يمثلون خطرًا، وهناك شبه اتفاق على أن هذا كان واحدًا من الأسباب التي أدت إلى طردهم.

هل طردت أسبانيا المورسكيين لأن للمورسكي حضارة ودينًا مختلفًا، ولأنه بقي بعد مرور السنوات محافظًا على إسلامه وعاداته، وما يميزه من اللباس واللغة والدين والمساكن المحكمة والحمامات الإسلامية؟ نعم لبس بعضهم في المدن ملابس النصارى، لكن هذا لم يغير من عمق الأشياء شيئًا؛ لأن المورسكي كان يرنو ببصره نحو العالم الإسلامي البعيد، لذا كله كان اختيار أسبانيا لأكثر الحلول راديكالية: النفي والاستئصال الكامل من التراب الأسباني.

آثار ونتائج الطرد

مهما يكن من أمر فقد حدث النفي، وكانت له آثاره ونتائجه، وهذا ما تعالجه السطور التالية:

آثار ونتائج نفي المسلمين المتنصرين:

لا أحد ينكر جد وكد هؤلاء، يعبر عن ذلك (ثيرفنتس) - أديب أسبانيا الأكبر- في فقرة من عمله الأدبي (حوار الكلاب) يقول فيها:

"كل فرد من المورسكيين هدفه الحصول على المال والمحافظة عليه، ومن أجل ذلك يعملون ولا يأكلون ويحرصون على أقل القليل... يكسبون الكثير ولا ينفقون قط... الكل يسعى إلى المال ويخفيه قل أو كثر... يسرقوننا بأقدام ثابتة، ويحصلون على ثمار مزارعنا ويبيعونها لنا من الباطن ويصبحون أغنياء".

ومن يقصدهم ذلك الأديب هم الغرناطيون المشتتون في مناطق قشتالة، وكثير منهم كانوا يعملون بالتجارة، إنهم يمثلون نسبة قوية من السكان النشطين، فهم أيد عاملة فعالة ورخيصة، ولذلك تأثر الكل من جراء طردهم.

وهناك ما يشبه الإجماع على أن طرد المورسكيين هو السبب الجوهري في التدهور الأسباني ابتداءً من القرن الحادي عشر الهجري / السابع عشر الميلادي، وأثبتت دراسات الباحث الفرنسي (لا بيري) أن الفاقد الإنساني مثل نسبة ٤ % من السكان، قد تبدو هذه النسبة ضئيلة، لكن لأن المورسكيين عنصر فعال نشط وليس بينهم نبلاء ولا صعاليك ولا رهبان ولا جنود، فإن فاعليتهم كانت كبيرة.

لقد ترتب على نفيهم إخلاء ضيعات وقرى كثيرة، وانخفضت الضرائب وتضررت التجارة، وتدهورت زراعة الأراضي، بل إن (قشتالة) تدهورت تمامًا بعد عدة سنوات.

لقد كان الخراب عظيمًا والتعمير صعبًا بطيئًا، وتراكمت مشكلات أغرقت الاقتصاد في مملكتي أراجون وبلنسية وغيرهما.

يقول واحد من كبار المؤرخين للمشكلة: "إنكار أن طرد المورسكيين الأسبان كانت له نتائج مشئومة على النظام الاقتصادي يساوي في مجموعه إنكار أمر بديهي".

ومؤرخ آخر معاصر يروي أن إقليم بلنسية الحزين - الذي كان من أكثر الأقاليم خصوبة - قد تحول إلى صحراء قاحلة، وعانت محاصيل قصب السكر والقمح والأرز من ضربة قاصمة بعد أن كانت من المحاصيل الرئيسية منذ الفتح الإسلامي، كما تأثرت صناعة الحرير؛ بل إن محاكم التفتيش فقدت إيراداتها من المصادرات والغرامات الشديدة، وعانى الجميع من الملك حتى آخر عبد، فالمشكلة كانت عميقة، وبسببها تحولت البلاد إلى صحراء مجدبة.

إن مشاكل الطرد من إقليم (أراجون) كانت أشد خطورة؛ لأن المورسكيين كانوا يمثلون ثلث سكان هذا الإقليم.

كتب البطريرك (ريبيرا) إلى الملك يقول: "إن آثار الطرد ستكون خطيرة.. ومع ذلك فنحن نؤثر الفقر على الهرطقة والإلحاد".

وفي (قطالونيا) أغلقت المصانع والورش وتضاءلت الزراعة والري وانخفضت الأجور وفرضت ضرائب جديدة وأفلست البنوك، حدث نفس الشيء في قشتالة، أما في مرسية فقد كانت الآثار أكثر خطورة سواء في العاصمة أو في المناطق الريفية، ومن الطبيعي أن تعاني مملكة غرناطة أكثر من غيرها، لأن نسبة المورسكيين لم تكن عالية في أي مكان مثلما كانت في هذا الإقليم.

وهكذا يمكن أن نقرر مطمئنين أن الاضطراب والخراب قد سيطر على كل إقليم أسبانيا، وكثرت الشكاوى من ندرة الأيدي العاملة وغلاء الأجور، ووصلت العمالة الأجنبية إلى أقصى مستوى لها.

ومن النتائج المهمة لخروج المورسكيين إخفاء وتزييف العملة، بسبب الكميات التي خرجت من البلاد بطريقة قانونية أو غير قانونية، كما كنز بعضها حتى لا يستفيد منها العدو الكافر، وربما على أمل العودة إلى البلاد يومًا.

كما انتشرت العملة الفضية الزائفة التي برع المورسكيون في صنعها وتركوا منها كميات هائلة، مما سبب اضطرابًا شديدًا في المعاملات، الأمر الذي جعل الحكومة توقع عقوبات وصلت إلى حد الإعدام لمنع تلك الظاهرة التي استمرت أعوامًا، وعانى منها التجار والشعب كثيرًا.

وفي إيجاز فإن هناك نتائج حادة وقاسية في بعض النواحي، ملموسة في البعض الآخر، بسبب إجراء الطرد، كان هذا الإجراء مفيدًا من جوانبه السياسية والدينية، لكنه مضر تمامًا من الوجهة الاقتصادية والديموجرافية، وهو وراء فقر وخراب أسبانيا.

مصير المورسكيين بعد الطرد

نأتي بعد ذلك إلى السؤال الأخير:

أين توجه المورسكيون بعد طردهم من الأندلس؟

لقد كان الأسبان يحتلون طنجة وسبتة وميليه من بلاد المغرب، ومن هذه البلاد تسرب المورسكيون إلى الداخل، وهؤلاء ينتمون إلى بلنسية والجنوب، أي غرناطة ومرسية خاصة، وإلى منطقة قشتالة، وبعض العناصر من أراجون وقطالونيا، كذلك نقل الكثيرون إلى (وهران) في الجزائر، وعندما ضاقت بهم هذه المدينة انتقل بعضهم إلى المغرب، وتجمع العديدون منهم في تطوان والقصر الملكي والعرائش؛ ليكونوا على مقربة من أسبانيا، وبلغ عدد من استقر بالمغرب من٤٠ إلى٦٠ ألفًا، أما المهاجرون إلى الجزائر فقد وصل عددهم إلى ٢٥ ألف نسمة توجه بعضهم إلى تلمسان.

والمهاجرون من قرية (هورناتشوس) في إقليم (استرمادورا) قصدوا طنجة وقصبة الرباط ومعهم نضالهم السياسي وخبرتهم الصناعية والتجارية ونشاطاتهم في الزراعة والنقل، وكانوا ما بين أربعة إلى خمسة آلاف نسمة.

وكان لهؤلاء قبل الطرد مراسلات مع السلطان العثماني ومولاي زيدان حاكم المغرب ومع الفرنسيين، وقد سعى السلطان العثماني أحمد الأول لدى فرنسا وبريطانيا والبندقية لتسهيل مهمة تحويل المورسكيين إلى أراضي الدولة العثمانية فلبت فرنسا الطلب واعتذرت بريطانيا.

وبعض الذين هاجروا إلى المغرب سكنوا أحياء خاصة بهم، وكان إقبالهم أكثر على الجانب العلمي، فبرعوا في ميادين الحساب والهندسة والفلك والطب وتميزوا بالحماس الديني الشديد، ولكنهم ما لبثوا أن اندمجوا في المجتمع المغربي من أواخر القرن الثاني عشر الهجري / السابع عشر الميلادي.

وهناك بيوت أندلسية في الرباط ومثلها في سلا ومكناس وفاس، ولهؤلاء مكانتهم وإسهاماتهم العلمية والأدبية والسياسية، كما توافد المورسكيون إلى مراكش، وأصبحت اللغة الأسبانية تداني اللغة العربية في انتشارها، أما (تطوان) فكان المهاجرون بها من أصل غرناطي؛ نظرًا لقربها من الرباط حيث ميادين الحرب والقتال، لكن هذا لا ينفي تأثيرهم في الحياة وفي مظاهر الرقي، وفي مدينة (شنشاون) جالية أندلسية ظهر تأثيرها الأندلسي في أشكال البناء وفي صحون المساجد وفي العناية بالزهور، وفي مدينة (آسفي) جالية أندلسية وبها بعض البيوتات حتى اليوم  [راجع تفصيل ذلك عند: محمد رزوق: الأندلسيون وهجرتهم إلى المغرب خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين، ص٣٠٢، وما بعدها، الدار البيضاء بالمغرب سنة ١٩٩١م].

وقد أكد الشهاب الحجري [انظر: ناصر الدين على القوم الكافرين، ص ٥٥، ونفح الطيب للمقري ص٥٢٨] أن جل المورسكيين انتقل إلى تونس حيث بلغ عددهم نحو ٨٠٠ ألف، وهذا ما يقول به المقري، أما حسن حسني عبد الوهاب فيرى أن تونس استقبلت أكبر عدد من المورسكيين يقدرون بما ذكرناه، ومعظم هؤلاء من (أراجون) بالإضافة إلى بعض البلنسيين والقشتاليين، وهذه هي المجموعة المتعلمة التي كان لها دورها في تطوير الحياة الثقافية والاجتماعية والفكرية والاقتصادية في تونس، بينما من استقروا بالمغرب كانوا - كما أشرنا - من المجاهدين الذين رغبوا في الانتقام من أسبانيا.

وقد استقبل من رحلوا إلى تونس استقبالًا حسنًا على المستويين العام والرسمي، ويشير ابن أبي دينار إلى حسن استقبال عثمان - حاكم تونس (٥٩٣ ١ - ١٦١٠ م) لهم ومنحهم العديد من الامتيازات، ولذلك عمَّروا البلاد، وصاروا سكان أكثر من عشرين بلدًا بالإضافة إلى بعض المدن، وقد غلب عليهم الاهتمام بزراعة الكروم والزيتون والبساتين، كما أسهموا في تمهيد الطرق، وشكلوا جزءًا من نسيج سكان تونس، وبعضهم مارس جهاد البحر ضد من أخرجوهم من بلادهم، ولكن الشغل الشاغل لهذه المجموعة كان نقل الحضارة الأندلسية علمية وصناعية وزراعية، ولا تزال هذه الفئة محتفظة بكيانها ولها عاداتها وتقاليدها بل وفنونها ولم تذب في المجتمع التونسي كما ذاب غيرها.

وقد اجتاز الحدود الأسبانية نحو ٥٠ ألفًا ممن ينتمون إلى أراجون وقشتالة وغرناطة، وتوجهوا إلى الموانئ الفرنسية ومنها تحولوا إلى تونس والجزائر بعد أن لقوا بعض المعاناة والصعاب من قبل المواطنين الفرنسيين، وقد استقبلت مصر وتركيا أعدادًا من هؤلاء المورسكيين، لكنهم ما لبثوا أن ذابوا في السكان الأصليين.


مصادر ومراجع للاستزادة

عربية:

  • ابن أبي دينار (محمد): المؤنس في أخبار إفريقية وتونس، تونس ١٩٦٧م.
  • جمال الدين (عبد الله محمد) المسلمون المنصَّرون أو المورسكيون الأندلسيون، القاهرة ١٩٩١م.
  • الشهاب الحجري (أحمد بن قاسم): ناصر الدين على القوم الكافرين، الدار البيضاء بالمغرب ١٩٨٧م.
  • عنان (محمد عبد الله): نهاية الأندلس وتاريخ العرب المنصرين، القاهرة ١٩٨٧م.
  • المقري: شهاب الدين أحمد بن محمد التلمساني: نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، طبع بالقاهرة في مجلدين، ثم أعيد نشره في عشرة مجلدات بتحقيق: د. إحسان عباس، بيروت ١٩٦٨م.
  • مجهول، أخبار العصر في انقضاء دولة بني نصر، نشر بعناية الأستاذ ميللر جوتنجن ١٨٦٣م، وهو نفسه (نبذة العصر في أخبار ملوك بني نصر)، نشر بعناية معهد فرانكو سنة ١٩٤٠م.

 أوربية:

  • Boronaty Barrachia (Pascual)
  • Los Moriscos Expnolesy su Expulsion, ٢ vols, Valencia ١٩٠١.
  • Braudel (Fernando):
  • El mediterranceoy el mundo mediterranea en la epoca de Felipe III, ٢ vols, mexico ١٩٥٣
  • مترجم عن الفرنسية. -Julio... Baroja:Los moriscos del Reino de Granada. Madrid ١٩٧٦
  • Bominguez: (Antonio... Ortiz):
  • Historia de los Moriscos: Viday tragedia de una menoria, Madrid ١٩٧٩.

الخلاصة

المورسكيون تم نفيهم من بلادهم على مرحلتين، حيث شملت المرحلة الأولى الطرد الداخلي للمورسكيين من غرناطة وتوزيعهم على مناطق أخرى في إسبانيا، وتم تبرير نفيهم بعدم توفر المحاصيل وبأن الحياة في غرناطة أصبحت مستحيلة بسبب الحروب، قام الإسبان بطرد المسلمين المورسكيين من الأندلس في القرن السابع عشر الميلادي، وكان عددهم حوالي ٦٠٠ ألف نسمة، وتأثرت الزراعة والتجارة والصناعة، كما تسببت هذه الخطوة في مشاكل اقتصادية واجتماعية كبيرة، وتحولت بعض الأقاليم الإسبانية إلى صحراء قاحلة، وخرج المسلمون إلى تونس ومصر وتركيا والجزائر.

موضوعات ذات صلة

هم سلالة أمازيغية من قبائل مصمودة أسسوا دولة إسلامية قوية في المغرب والأندلس .

آخر ما تبقى من دولة المسلمين في الأندلس.

بدأت كدعوةٍ دينيةٍ إصلاحيةٍ في الصحراء الكبرى على يد الفقيه عبد الله بن ياسين.

موضوعات مختارة