شهدت الخلافة العباسية بعد وفاة هارون الرشيد تحولات جذرية وصراعات داخلية شكلت ملامح المرحلة التالية، ومن رحم هذا الاضطراب، برزت الدولة الطاهرية في خراسان كأول تجربة حكم شبه مستقل تحت مظلة العباسيين.
شهدت الخلافة العباسية بعد وفاة هارون الرشيد تحولات جذرية وصراعات داخلية شكلت ملامح المرحلة التالية، ومن رحم هذا الاضطراب، برزت الدولة الطاهرية في خراسان كأول تجربة حكم شبه مستقل تحت مظلة العباسيين.
تنسب هذه الدولة إلى القائد العسكري الفارسي طاهر بن الحسين؛ هو طاهر بن الحسين بن مصعب بن زريق، ومما يذكر لأجداد طاهر أنهم شاركوا في الدعوة العباسية، وبعد نجاح الثورة أسند أبو مسلم لبعض أجداد طاهر ولاية هراه وبوشنج فزاد ذلك من شأن الأسرة الطاهرية، [ابن قتيبة Mongl Kabi,les onigines Tahirdes.P١٤٥ المعارف] الذي قاد جيش المأمون في حربه ضد أخيه الخليفة العباسي الأمين الذي تولى أمور الخلافة العباسية بعد وفاة هارون الرشيد (١٩٣هـ/٨٠٨م)، وكان المأمون بحكم التقسيم الإداري واليًا على خراسان [الطبري: تاريخ الأمم، ج٦، ص ٤٧٠] في الشرق الإسلامي، وتذكر المصادر [الطبري، تاريخ الأمم، ج٧، ص ٥٥١، وما بعدها، ٦٨] أن الأحوال ظلت هادئة بين الأخوين لفترة من الوقت.
غير أن الوشاة ورفقاء السوء في جبهة الأمين تمكنوا من الوقيعة بين الأخوين خوفًا على مصالحهم الخاصة، مما دفع الخليفة الأمين إلى خلع أخيه المأمون عن خراسان [الجهشياري نفس المصدر، ص ۲۸۹ وخواندمیر دستور الوزراء، ص ٥٧]؛ غير أن رفقاء المأمون وعلى رأسهم الفضل بن سهل الذي لم تقل أطماعه عن الفضل بن الربيع في جبهة الأمين عمل على دفع الأمور إلى الوقيعة بل والحرب بين الأخوين الأمين والمأمون [ابن طيفور: كتاب بغداد، ص١٧].
وعند ذلك ظهر نجم طاهر بن الحسين ابن مصعب الذي ينتمي إلى إحدى قرى بوشنج؛ - وهي إحدى مدن هراه الهامة التي تشتهر بزراعتها المعتمدة على نهر هراة، وتقوم الصناعة فيها على الأخشاب مما جعلها مزدهرة اقتصاديًا - [الصخري: المسالك، ص ١٥١] في مدينة هراة الكبرى بخراسان وكان آباؤه من قبل بعض دعاة العباسيين في فترة الدعوة العباسية [حمزة الأصفهاني: تاريخ سني ملوك العالم، ص ١٦٤، وما بعدها].
وظلت هذه الأسرة على ولائها للعباسيين حتى عهد المأمون، الذي وجد في طاهر خير من يقود الجيش المأمون عندما زحف جيش الأمين بقيادة علي بن عيسى بن ما هان للحرب، وعلى الرغم مما كان جيش ابن ما هان يتفوق به على جيش طاهر من عدد وعتاد وعدة؛ فإن خبرة طاهر الحربية وخططه العسكرية مكنت جيشه من إلحاق الهزيمة بجيش الأمين، بل وقتل ابن ما هان نفسه في أول معركة بين الطرفين [الدينوري: الأخبار الطوال، ص ٣٩٧].
مما قوى من جبهة المأمون، الذي سارع بإرسال الإمدادات إلى طاهر ومنحه الألقاب الفخرية التي رفعت من شأنه مثل ذو اليمينين تعبيرًا عن الكفاءة والشجاعة، وأطلق عليه كذلك لقب صاحب خيل الدين [البلخي: البدء والتاريخ، ج٦، ص ٠٨ ١]، واستمرت مسيرة طاهر بجيشه ناحية الغرب إلى العراق دون اهتمام بتهديدات الأمين له أو الجيوش التي أرسلها الأمين للتصدي له غير أن خطة طاهر الحربية التي اعتمدت على الخدعة واختيار مكان الحرب مكنته من هزيمة جيش الأمين، بالإضافة إلى استخدام "طاهر العامل النفسي في الإيقاع بين جنود الأمين، مما أدى إلى تخليهم في الحرب عن قادتهم وإلحاق عدة هزائم بجبهة الأمين وارتفاع شأن المأمون [الخطيب: تاريخ بغداد، ج١، ص].
واستطاع طاهر أخيرًا فرض الحصار على بغداد بل واقتحامها بجيوشه وقادته، فاستسلمت أغلب المدن التي كانت تابعة للأمين، ثم تخلى أغلب جند الأمين عن مناصرته، وأخيرًا تمكن طاهر من القبض على الأمين، والإقدام على قتله، بعد أن صدرت له أوامر المأمون بذلك [الطبري: تاريخ الأمم، ج٧، ص ٨٤]، وقد رفعت هذه الانتصارات المتتالية من قدر طاهر وأسرته، وخاصة بعد أن صدرت لطاهر أوامر المأمون بالاستمرار في قيادة الجيش العباسي للقضاء على حركة نصر بن شبث في الرقة وولاية طاهر للجزيرة والشام نيابة عن المأمون، وانصياع طاهر لأوامر المأمون، فزادت الثقة بينهما [الذهبي: تاريخ الإسلام، ج٩، ص ٢٢٩]، ولكن الظروف تغيرت في بغداد وبين أبناء البيت العباسي أنفسهم الذين رفضوا بإصرار استمرار المأمون في خراسان، والتخلي عن عاصمة الآباء بغداد، وكان ذلك هو نفس الرأي الذي اهتدى إليه طاهر بن الحسين، مما دفع المأمون إلى سرعة تصفية مشاكله في خراسان وسرعة العودة إلى بغداد التي رحبت بقدومه، وتم إعلان خلافته منفردًا دون منازع في ٢٠٤هـ/٨١٩م [الأصفهاني: مقاتل الطالبيين، ص ٥٢١].
وكان طاهر بن الحسين من أول المستقبلين للمأمون، والذي اصطحابه في دخوله بغداد، حيث ولاه المأمون شرطة بغداد [الطبري: تاريخ الأمم، ج٧، ص ١٥٥] وهو منصب له قدره آنذاك، ولكن قدوم المأمون إلى بغداد، واستقراره بها ترك من خلفه ما يشبه الفراغ السياسي في خراسان والمشرق، وكان مظهر هذا الفراغ ظهور بعض الحركات العصيانية ضد الخلافة العباسية في عهد المأمون مثل حركة غسان بن عباد الذي ولاه المأمون خراسان قبل عودته إلى بغداد [ابن خلدون: العبر، ج٣، ص٥٢١]، وغيرها من الحركات الفارسية المزدية المتعصبة ومثل حركة بابك الخرمي الخطيرة [نظام الملك، سياسة نامة، ص ٢٣٧] وغيرها، فاضطربت أحوال المشرق، فكان على المأمون أمام هذه الأخطار أن يتخذ خطوة من جانبه يضمن بها هدوء المشرق وسلامته، وحيث إنه كان يثق في قيادة طاهر العسكرية وخبرته بأمور المشرق وخراسان خاصة وأنه ينتمي إليها، فقد أصدر المأمون قراره أن يؤول حكم خراسان إلى طاهر وأسرته حكمًا وراثيًا لضمان الأمان، والاستقرار، وهي الخطوة التي أطلق عليها قيام الدولة الطاهرية سنة٢٠٥هـ/ ٨٢٠م [الكريز، زين الأخبار، ص١]، وعندما ننظر لقيام هذه الدولة حيث تعتبر أولى الدول الفارسية المستقلة في المشرق، كما يتصور بعض الباحثين، نجد أن هناك تفاوتًا كبيرًا بين ما وصفت به من دولة مستقلة وما كانت عليه بالفعل أو تأسس بنيانها عليه.
فقد ارتبط هذا الكيان الطاهري ارتباطًا وثيقًا بالخلافة سواء من الناحية الإدارية أو الاقتصادية، وبالتالي فمصطلح الاستقلال لا ينطبق عليها، حيث حرص المأمون على أن يلتزم أمراء هذه الدولة وعلى رأسهم طاهر المؤسس بدفع ضرائب سنوية للخلافة تعبيرًا عن التبعية الاقتصادية [عبد العزيز الدوري: الجذور التاريخية للشعوبية، ص٥٢].
كما ارتبطت إمارة الطاهريين في المشرق بالالتزام العسكري والتعاون مع الخلافة كلما طلبت الخلافة هذه المعونة، فتجلى مظهر آخر عسكري من مظاهر التبعية، كذلك ليس من حق الأمير الطاهري إسناد وراثة حكمه لأخيه أو ابن من أبناء البيت الطاهري إلا بعد الحصول على موافقة الخلافة، ولضمان تنفيذ هذا الاتفاق قسمت الخلافة البيت الطاهري إلى قسمين: قسم يحكم في خراسان، وقسم آخر في بغداد يتولى الشرطة [المنجي الكعبي: الدولة الطاهرية، ص١٢١] ليكون الطاهري في بغداد رهينة للطاهري في خراسان.
ومن هنا يمكن أن نصف وضع الدولة الطاهرية أنها دولة تابعة للخلافة شبه مستقلة، وذلك لكونها أولى التجارب التي سمحت بها الخلافة في المشرق الإسلامي، وقد عبر بعض المستشرقين عن ذلك الوضع الإداري للدولة الطاهرية بدقة عندما وصفه "Simi Independent" أي: شبه استقلال، وبمقتضى ما ورد في كتب النظم الإسلامية [الماوردي: الأحكام السلطانية، ص ٣٠] عن إمارتي الاستكفاء والاستيلاء، فلعل إمارة الطهاريين جمعت في وضعها الإداري بين مظاهر كل منهما.
وقد اتخذت الدولة الطاهرية عند تأسيسها مدينة مرو الكبرى - مرو الكبرى أو الشاهكان أي مركز السلطان وهي من أهم مدن خراسان، حيث ظلت عاصمة للإقليم إلى بداية الحكم الطاهري عنها – [المقدسي: أحسن التقاسيم، ص ٢٩٤] عاصمة للدولة في خراسان في عهد طاهر، ثم انتقلت العاصمة بعد ذلك إلى مدينة "نيسابور" - من مدن خراسان الهامة، يقول عنها ياقوت: لم ير مدينة مثلها في المشرق بهاء وحسنا، وكانت عاصمة للطاهريين - [معجم البلدان، ج ٨، ص ١٢ ] التي استمرت عاصمة للدولة حتى سقوط الدولة الطاهرية وتحدثنا المصادر [الطبري، تاريخ الأمم، ج ٧، ص ١٨٨]عن التزام الدولة الطاهرية في فترة حكم أمراء الدولة الأول أمثال طاهر وطلحة وعبد الله عن مدى انضباط النظم الإدارية والاقتصادية والعسكرية، ومدى التزام الدولة باتفاقية التعاون المشترك بين الخلافة وبين الطهاريين الذي عبر عن نفسه بمشاركة الطهاريين الفعالة في القضاء على حركات العصيان الفارسية مثل حركة بابك الخرمي في أذربيجان أو حركة المازيات بن قارن في طبرستان أو حركات العلويين المضادة للخلافة العباسية السنية، فأثبت الطاهريون بذلك مدى تعاونهم وارتباطهم بالخلافة العباسية.
ومن القضايا الشائكة على الجانب السياسي، التي تخص الطهاريين محاولة بعض المؤرخين [كريزي: زين الأخبار، ص ١] اتهام طاهر بن الحسين مؤسس الدولة في أيام حكمه الأخيرة، بخلع طاعة الخليفة المأمون، وهو اتهام أغلب الظن لا يقف على قدميه فقد ظلت العلاقة بين الجانبين - الخلافة والطاهريين- وطيدة، يدل على ذلك إسناد الخليفة المأمون إمارة الطهاريين إلى أبناء طاهر بعد تعزيتهم في وفاة أبيهم [ابن طيفور: كتاب بغداد، ص ٧٤]، ثم قيام الأسرة الطاهرية سواء في بغداد أو على مستوى العالم الإسلامي ككل - بدور فعال في الخلافة، مما يدل على استمرار التوافق بين الجانبين [ابن طيفور: كتاب بغداد، ص ٢٦].
ومن الجدير بالذكر أن ننوه بالدور الإيجابي والفعال الذي قام به الطاهريون في حراسة الثغور الشرقية في فترة قوتهم مثل بلاد ما وراء النهر، أو الند نيابة عن الخلافة حيث أسند الطاهريون لبني سامان كولاة من قبلهم، واستمرت هذه العلاقة قائمة طوال فترة قوة الحكم الطاهري، فحافظ السامانيون على بلاد ما وراء النهر [النرشخي: تاريخ بخاري، ص ١٠٦].
ومن ناحية أخرى اتسمت سياسة الطهاريين بالهند بالهدوء الذي عبرت عنه سياسة الخلافة العباسية في فترة الحكم الطاهري بالمشرق، فلدينا رسائل متبادلة بين بعض خلفاء العباسيين كالمأمون وبعض ملوك الهند تحمل في طياتها المودة [ابن النديم: الفهرست، ص ٣٤٥]، وعلى هذا فمن المرجح أن تكون العلاقة بين الدولة الطاهريين والهند هادئة في بعض الأوقات.
إلا أن الدولة الطاهرية كانت تقوم بمسئوليتها في حراسة ما افتتح من ثغور ومدن في السند، ذلك لأن الأمراء العنادية كانوا يغتنمون كل فرصة لاقتطاع أراض من أملاك المسلمين السندية وضمها إلى إماراتهم [السادات: تاريخ المسلمين في شبه القارة الندية، ص ٧٢ - ٧٤]، وظلت السند تابعة للخلافة العباسية طوال الفترة التي كانت الدولة الطاهرية في المشرق تزاول فيها نشاطها الحربي، واستمر الحال على ذلك إلى أن تم منح السند إلى الصفارين في عهد الخليفة المعتمد ٢٥٦- ٢٧٩هـ /٨٧٠- ٨٩٢م [فتحي أبو سيف، المشرق، ص ١٨٢].
ربما يكون ما قدمناه أهم الجوانب السياسية في عصر الطهاريين ولكن العناصر الحضارية بشكل عام، والثقافية بشكل خاص تعطي لهذا العصر أهميته، حيث ينطبق عليه من ناحية عنصر السكان، التعددية وبشكل خاص الثنائية، ونقصد بها: العربية والفارسية، فكل من هذين العنصرين لعب دوره الفعال في خدمة الدولة الطاهرية، ووصلت المشاركة الازدواجية إلى أمراء الطهاريين أنفسهم، فلم تمنعهم فارستيهم عن عروبة الولاء وهو ما لاحظناه في لقب طاهر الخزاعي نسبة إلى خزاعة، العربية [ابن الأثير: الكامل، ج٣، ص ٢٧].
بالإضافة إلى انتشار الطهاريين كفرس على مستوى ونطاق العالم الإسلامي مشرقه ومغربه، ومن قبيل الطرائف أنه في فترة حكم عبد الله بن طاهر لمصر (٢١١هـ/٨٢٦م) عمل على إدخال زراعات جديدة بها مثل القطن والبطيخ الذي نسب إليه وعرف بالعبدلي، وهو مازال معروفًا باسمه حتى ذلك الوقت [الكندي: الولاة والقضاة، ص ١٨٥]، بالإضافة إلى أعمال عمرانية متعددة، وعلى رأسها تحسينات عمرانية في بناء الجامع العتيق (جامع عمرو بن العاص). [الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد، ج ٩، ص٤٧٤].
أما عن الجانب الثقافي زمن الطهاريين فقد أثرت الظروف التي عاصرت قيام الدولة (٢٠٥ – ٢٥٩هـ/ ٨٢٠- ٨٧٣م) على طبيعة ونمط الحالة الثقافية، حيث أدت سيادة اللغة العربية في العالم الإسلامي، بالإضافة إلى الروابط القوية التي ربطت الطهاريين بالخلافة إلى جعل الطهاريين اللغة العربية والأدب العربي لغة وأدب ثقافتهم [ابن النديم: الفهرست، ص ٢٤٤].
كما أن الطهاريين تفاعلوا بحكم إنسانية وعالمية الثقافة الإسلامية حيث أدت حركة الترجمة التي سادت آنذاك إلى ازدهار الحركة الثقافية أدبًا وعلمًا.
غير أن لكل دولة دورة وهو ما ينطبق على الطهاريين؛ ذلك أن ضعف الخلافة العباسية في بغداد وهي الخلافة الأم التي كانت تعتمد عليها الدولة الطاهرية، كذلك الصراع الذي احتدم بين أبناء البيت الطاهري على إمارة الدولة في نيسابور أضعف من قوتهم.
أما آخر العوامل وأخطرها فهو ظهور قوى خارجية مجاورة مثل الصفارين في سجستان أو الزيديين في طبرستان، فأدى ذلك إلى سقوط الدولة في (٢٥٩هـ/٨٧٣م)، زمن محمد بن طاهر آخر أمرائهم في خراسان.
مراجع للاستزادة:
مثّلت الدولة الطاهرية تجربة سياسية فريدة جمعت بين الولاء للخلافة والسعي نحو الاستقلال الإداري، ورغم محدودية عمرها، كان لها أثر عميق في استقرار المشرق العباسي ومواجهة التحديات الإقليمية، وسقوطها لم يكن نهاية نفوذها، بل بداية لمرحلة جديدة في تاريخ الفرس داخل الدولة الإسلامية.
تعرضت اليمن خلال العصر الطاهري لفترة من أعصب الفترات التي مرت بها عبر التاريخ.
هي إحدى أبرز الدول المستقلة التي نشأت في المشرق الإسلامي.
الدولة الزيارية إحدى أهم الدول الفارسية الإسلامية خلال العصور الوسطى.