Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

حكم الحلف بغير الله تعالى عند الفقهاء والمحدثين

الكاتب

أ. د أحمد نبوي الأمين العام للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية

حكم الحلف بغير الله تعالى عند الفقهاء والمحدثين

مقدمة: في ظل حالة السيولة الفكرية والاندفاع نحو الأحكام الحدّية التي تمس عقائد المسلمين، يبرز التساؤل حول المسافة الفاصلة بين ظاهر النص ومقاصده، وبين زجر الشارع الحكيم وتكفير العباد وعليه هل يُعد الحلف بغير الله شركًا مُخرجًا من الملة، أم هو زجرٌ نبوي يُحمل على الكراهة والتحريم ما لم يقترن بتعظيمٍ تعبدي يُساوي عظمة الخالق؟

سبب النهي عن الحلف بغير الله ومقصده

كان المشركون وأهل الجاهلية قبل الإسلام يعظّمون معبوداتهم الباطلةَ، وكانوا يفتخرون بآبائهم وأنسابهم جاعلين موالاتهم ومعاداتهم على ذلك، وكان من مظاهر هذا التعظيم والافتخار: جعلُ ما سبق موضوعًا للحلف، فجاءت الأحاديث الشريفة، لتنهى عن الحلف بغير الله.

 هذا وقد فهم بعضُ الناس - من السطحيين والمتنطّعين - من النصوص أن كل ما كان على صورة الحلف بغير الله فإنه يكون شركًا بالله، ويُدخلون في هذا الوعيد أيضًا ما يجري على ألسنة عموم الناس من الترجي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وما لم يقصد به أصل اليمين.

 والحقيقة - كما ستأتيك الآن من خلال نصوص المحدثين - أن هذا الفَهم مغايرٌ تمامًا لما استقر عليه أهل العلم والإيمان، الذين قرروا أن الحالف بغير الله، لا يكون كافرًا أو مشركًا، إلا إذا انضم إلى حلفه معنى قلبيٌّ زائد، وهو تعظيم المحلوف كتعظيم الله، فيكون حينئذ كافرًا باعتقاده الفاسد، لا بمجرد الحلف" [انظر: الرد على خوارج العصر، (مسائل من علمي أصول الفقه والقواعد الفقهية)، لفضيلة الدكتور: أحمد ممدوح سعد (٤/١٦٠)].

رأي الحفاظ والمحدثين في شرح حديث الحلف بغير الله

نصوص المحدثين الناطقة بأن المراد بحديث «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ» هو الزجر والمبالغة:

١-    قال مجدد القرن الثامن الإمام الحافظ المجتهد ابن دقيق العيد (ت ٧٠٢)، في (إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام) (٢/٢٥٦): "الحديث دليل على المنع من الحلف بغير الله تعالى، واليمين منعقدة عند الفقهاء باسم الذات وبالصفات العلية، وأما اليمين بغير ذلك: فهو ممنوع، واختلفوا في هذا المنع هل هو على التحريم، أو على الكراهة؟

والخلاف موجود عند المالكية، فالأقسام ثلاثة:

الأول: ما يباح به اليمين وهو ما ذكرنا من أسماء الذات والصفات.

والثاني: ما تحرم اليمين به بالاتفاق، كالأنصاب والأزلام، واللات والعزى، فإن قصد تعظيمها فهو كفر كذا قال بعض المالكية معلقًا للقول فيه، حيث يقول: فإن قصد تعظيمها فكفر، وإلا فحرام.

الثالث: ما يختلف فيه بالتحريم والكراهة، وهو ما عدا ذلك مما لا يقتضي تعظيمُه كفرًا".

٢- وقال الحافظ ابن الحافظ أبو زُرعة العراقي (ت ٨٢٦)، في (طرح التثريب في شرح التقريب) (٧ / ١٤٢): "وقد اختلف العلماء في أن الحلف بمخلوق حرام أو مكروه؟

والخلاف عند المالكية والحنابلة لكن المشهور عند المالكية الكراهة، وعند الحنابلة التحريم، وبه قال أهل الظاهر... وقال إمام الحرمين: المذهب القطع بأنه ليس بحرام بل مكروه، ولذا قال النووي في شرح مسلم: هو عند أصحابنا مكروه، وليس بحرام، ويوافقه تبويب الترمذي عليه: (باب كراهية الحلف بغير الله).

وقيد ذلك والدي رحمه الله - في شرح الترمذي: بالحلف بغير اللات والعزى وملة غير ملة الإسلام، فأما الحلف بنحو هذا فهو حرام، وكأن ذلك لأنها قد عظمت بالعبادة، وقد قال أصحابنا: إنه لو اعتقد الحالف بالمخلوق في المحلوف به من التعظيم ما يعتقده في الله تعالى كفر، وعلى هذا يحمل ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ» انتهى.

فمعظِّم اللات والعزى كافر؛ لأن تعظيمها لا يكون إلا للعبادة، بخلاف معظِّم الأنبياء والملائكة والكعبة والآباء والعلماء والصالحين؛ فالمعنى غير العبادة: لا تحريم فيه، لكن الحلف به مكروه أو محرم على الخلاف في ذلك، لورود النهي عنه".

٣- وقال شيخ الإسلام ابن حجر (ت ٨٥٢)، في (فتح الباري) (١١/٥٣١): "والتعبير بقوله: «فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ» للمبالغة في الزجر والتغليظ في ذلك"، وهذا هو فَهم أهل العلم على الحقيقة.

٤- وقال الإمام الكوراني (ت ٨٩٣) في (الكوثر الجاري) (١٠/٢٥٨): "فإن قلت: ففي رواية الترمذي: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ»؟ قلت: أجاب شيخنا (يقصد الحافظ ابن حجر) بأنه من باب الزجر والتغليظ، والأولى عندي التفصيل، وهو أن يقال: إن اعتقد المساواة فقد كفر، وإن لم يعتقد ذلك وجرى على لسانه فلا".

٥- وقال الإمام القسطلاني (ت ٩٢٣)، في (إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري) (٤/٤٠٩): "فإن اعتقد في المحلوف بغير الله ما يعتقده في الله كفر"، أي: وما لم يعتقد فلا كفر.

وقال (٩/٣٧٥): «وفي حديث ابن عمر عند الترمذي وقال: حسن، وصححه الحاكم: أنه سمع رجلًا يقول: لا والكعبة. فقال: لا تحلف بغير الله فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ»، والتعبير بذلك للمبالغة في الزجر والتغليظ.

وهل النهي للتحريم أو التنزيه؟

المشهور عند المالكية: الكراهة، وعند الحنابلة: التحريم، وجمهور الشافعية: أنه للتنزيه، وقال إمام الحرمين: المذهب القطع بالكراهة، وقال غيره: بالتفصيل؛ فإن اعتقد فيه من التعظيم ما يعتقده في الله حرم الحلف به وكفر بذلك الاعتقاد، أما إذا حلف بغير الله لاعتقاده تعظيم المحلوف به على ما يليق به من التعظيم فلا يكفر بذلك ولا تنعقد يمينه".

٦- وقال الإمام محمد بن عَلّان الصديقي الشافعي (ت ١٠٥٧)، في (الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية) (٧/١١٣): "نعم إن اعتقد في المحلوف به من التعظيم ما يعتقده في الله تعالى كفر، وعليه يحمل خبر الحاكم: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ».

٧- وقال العلامة عبد الرحمن المباركفوري (ت ١٣٥٣)، في (تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي) (٥/١١٣): "وقال الحافظ في الفتح: والتعبير بقوله «فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ»؛ للمبالغة في الزجر والتغليظ في ذلك، وقد تمسك به من قال بتحريم ذلك".

أقوال المذاهب الأربعة في الحلف بغير الله

جاء في (الموسوعة الفقهية الكويتية): "لا خلاف بين الفقهاء أيضًا في أن الحلف بغير الله منهي عنه لكن في مرتبة هذا النهي اختلاف؛ والحنابلة قالوا: إنه حرام إلا الحلف بالأمانة، فإن بعضهم قال بالكراهة وهناك رواية في المذهب بجواز الحلف بالنبي - صلى الله عليه وسلم - والحنفية قالوا: مكروه تحريمًا، والمعتمد عند المالكية والشافعية: أنه تنزيهًا.

وصرح الشافعية أنه إن كان بسبق اللسان من غير قصد فلا كراهة وعليه يحمل حديث الصحيحين في قصة الأعرابي - الذي قال لا أزيد على هذا ولا أنقص - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ» [انظر تفصيل الأقوال في الموسوعة الفقهية الكويتية (٧/٢٦٥)].

وقد تبين مما سبق أن أئمة الحديث وفقهاء المذاهب لم يتفوه منهم أحد بالحكم بالشرك أو الكفر إلا في حق من قصد مساواة المحلوف بالله، وهذا ما لا يعتقده واحد من المسلمين كما هو معلوم، والقول بالحرمة لا يعني بأي حال الاعتداء على عقائد الناس واستباحتهم بهذه الصورة المفزعة التي انتشرت على يد شيوخ وأبناء الدعوة الوهابية وأتباعِها، ومن تأثر بهم.

الترجي بالنبي ليس من باب الحلف بغير الله

أما ما اعتاده المصريون من جريان عبارة (والنبي) على ألسنتهم، فخارج عن محل النزاع؛ لأنه ليس من الحلف المنهي عنه، وإنما هو من باب (الترجي) أو تأكيد الكلام بالنبي، وهو أمر جائز ولا حرج فيه، وقد جرى مثله على لسان النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة الكرام من قولهم: «وَأَبِيكَ» «وَأَبِيهِ»، مما كانوا لا يقصدون به الحلف.

وإليك بعض نصوص المحدثين الدالة على ذلك:

١- قال الإمام النووي (ت ٦٧٦)، في (شرح صحيح مسلم) (١/ ١٦٨): "قوله - صلى الله عليه وسلم  «أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ»، هذا مما جرت عادتهم أن يسألوا عن الجواب عنه مع قوله - صلى الله عليه وسلم : «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ» وقوله - صلى الله عليه وسلم :«إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ»، وجوابه: أن قوله - صلى الله عليه وسلم : «أَفْلَحَ وَأَبِيهِ» ليس هو حلفًا، إنما هو كلمة جرت عادة العرب أن تدخلها في كلامها، غير قاصدة بها حقيقة الحلف، والنهي إنما ورد فيمن قصد حقيقة الحلف؛ لما فيه من إعظام المحلوف به ومضاهاته بالله سبحانه وتعالى، فهذا هو الجواب المرضي".

٢- وقال الإمام البدر العيني (ت ٨٥٥)، في (عمدة القاري) (١٦/٢٩٢) "وفي رواية مسلم: «إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ»، وفي رواية: «لَا تَحْلِفُوا بِالطَّوَاغِيتِ وَلَا بِآبَائِكُمْ».

قال النووي: فإن قيل: هذا الحديث مخالف لقوله - صلى الله عليه وسلم: «أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ»، فجوابه: إن هذه كلمة تجري على اللسان، لا يقصد بها اليمين.

وقال غيره: بل هي من جملة ما يزاد في الكلام لمجرد التقرير والتأكيد، ولا يراد بها القسم كما تزاد صيغة النداء لمجرد الاختصاص دون القصد إلى النداء".

٣- وقال الإمام الكوراني (ت ٨٩٣)، في (الكوثر الجاري) (١/١١٦): "وفي مسلم: «أَفْلَحَ وَأَبِيهِ»، واستُشكل؛ فإنه نهى عن الحلف بالآباء - كما سيأتي في البخاري في حلف عمر بأبيه - وليس بمشكل؛ لأَنه لم يرد به معنى الحلف، وهو تعظيم المحلوف به، لبُعْدِ مقامه عن الحلف برجل مجهول، بل هذا وأمثالُه كلمات تجري في المحاورة من غير قصد إلى معناه".

٤- وقال الإمام السيوطي (ت ٩١١)، في (الديباج) (١/١٢): «أَفْلَحَ وَأَبِيهِ» قيل كيف حلف بأبيه مع النهي عنه بقوله - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ»؟

وأجيب بأوجه منها: أن يكون هذا صدر قبل النهي.

ومنها: أنه ليس حلفًا، وإنما هي كلمة جرت عادة العرب أن تدخلها في كلامها غيرَ قاصدة بها حقيقةَ الحلف، كقولهم: تَرِبَتْ يداه، وقاتله الله".

٥- وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري (ت ٩٢٦)، في (منحة الباري بشرح صحيح البخاري) (٩/٢٣٤): «إِنَّ اللَّهَ نَهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ»: لا ينافي ذلك نحو: «أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ»؛ لأن ذاك لم يقصد به القسم، بل هو مما يزاد في الكلام للتقرير ونحوه".

٦- وقال الإمام محمد بن عَلّان الصديقي الشافعي (ت ١٠٥٧)، في (الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية) (٧/١١٣): "فإن سبق لسانه بلا قصد، فلا كراهة، بل هو لغو يمين، وعليه حمل خبر الصحيحين في قصة الأعرابي الذي قال لا أزيد على هذا ولا أنقص: «أَفْلَحَ وَأَبِيهِ»".

٧- وقال شيخ شيوخنا العلامة الدكتور: موسى شاهين لاشين (ت ١٤٣٠)، في (فتح المنعم شرح صحيح مسلم) (١/ ٣٨): "وأحرى الإجابات بالقبول أن قوله - صلى الله عليه وسلم: «أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ» ليس حلفًا، إنما هو كلمة جرت عادة العرب أن تدخلها في كلامهم غير قاصدة بها حقيقة الحلف، والنهى إنما ورد فيمن قصد حقيقة الحلف، لما فيه من إعظام المحلوف به ومضاهاته به سبحانه وتعالى فهي بمثابة قوهم: تربت يمينك".

وبناءً على ما سبق نقول:

الشاهد من هذه النصوص كلها: إثبات أن هناك ألفاظًا تجري على الألسنة صورتها هي الحلف، لكنها ليست من باب الحلف في شيء، فقول القائل (والنبي): إذا كان قصد به الترجي أو تأكيد الكلام وتقريره فلا يعدو أن يكون من هذا الباب.

فإن من حلف بالنبي - صلى الله عليه وسلم: غاية أمره أن نقول عنه: إنه ارتكب حرامًا، أو مكروهًا، هذا إذا لم نأخذ برواية المذهب الحنبلي القائلة بالجواز؛ أما من قصد الترجي به وتوكيد الكلام - وهذا هو الغالب على الألسنة - فهذا أمر جائز (بالاتفاق)، وليس بحرام أو مكروه، وبالله التوفيق.

الخلاصة

اللفظ لا يستقل بالحكم دون القصد، وصيغ الزجر النبوي في الحلف بغير الله جاءت للتغليظ لا للتكفير؛ فالمسألة تدور بين الكراهة والتحريم ما لم يقترن اللفظ بتعظيمٍ تعبدي يُساوي عظمة الخالق، والحكم بالشرك على عموم المسلمين بغير بينة هو اعتداءٌ فقهي يخالف منهج الراسخين في العلم وسعة فقه الأئمة الأعلام.

موضوعات ذات صلة

علم أصول الدين يعبر عن المبادئ الأساسية التي يقوم عليها قاعدة الإيمان في الدين الإسلامي

علم التوحيد هو الركيزة الأساسية التي تقوم عليها العقيدة الإسلامية

العقيدةُ هي ما يعقد عليه القلب والضمير، ويجب أن يكون الاعتقادُ الصحيح قائمًا على الجزم واليقين،

موضوعات مختارة