نصوص المحدثين الناطقة بأن المراد
بحديث «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ» هو
الزجر والمبالغة:
١- قال مجدد القرن الثامن الإمام الحافظ
المجتهد ابن دقيق العيد (ت ٧٠٢)، في (إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام) (٢/٢٥٦):
"الحديث دليل على المنع من الحلف بغير الله تعالى، واليمين منعقدة عند
الفقهاء باسم الذات وبالصفات العلية، وأما اليمين بغير ذلك: فهو ممنوع، واختلفوا
في هذا المنع هل هو على التحريم، أو على الكراهة؟
والخلاف موجود عند المالكية، فالأقسام
ثلاثة:
الأول: ما
يباح به اليمين وهو ما ذكرنا من أسماء الذات والصفات.
والثاني: ما
تحرم اليمين به بالاتفاق، كالأنصاب والأزلام، واللات والعزى، فإن قصد تعظيمها فهو
كفر كذا قال بعض المالكية معلقًا للقول فيه، حيث يقول: فإن قصد تعظيمها
فكفر، وإلا فحرام.
الثالث: ما
يختلف فيه بالتحريم والكراهة، وهو ما عدا ذلك مما لا يقتضي تعظيمُه كفرًا".
٢- وقال
الحافظ ابن الحافظ أبو زُرعة العراقي (ت ٨٢٦)، في (طرح التثريب في شرح
التقريب) (٧ / ١٤٢): "وقد اختلف العلماء في أن الحلف بمخلوق حرام أو
مكروه؟
والخلاف عند المالكية والحنابلة لكن
المشهور عند المالكية الكراهة، وعند الحنابلة التحريم، وبه قال أهل
الظاهر... وقال إمام الحرمين: المذهب القطع بأنه ليس بحرام بل مكروه، ولذا
قال النووي في شرح مسلم: هو عند أصحابنا مكروه، وليس بحرام، ويوافقه
تبويب الترمذي عليه: (باب كراهية الحلف بغير الله).
وقيد ذلك والدي رحمه الله - في شرح الترمذي:
بالحلف بغير اللات والعزى وملة غير ملة الإسلام، فأما الحلف بنحو هذا فهو حرام،
وكأن ذلك لأنها قد عظمت بالعبادة، وقد قال أصحابنا: إنه لو اعتقد الحالف بالمخلوق
في المحلوف به من التعظيم ما يعتقده في الله تعالى كفر، وعلى هذا يحمل ما روي أن
النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ» انتهى.
فمعظِّم
اللات والعزى كافر؛ لأن تعظيمها لا يكون إلا للعبادة، بخلاف معظِّم الأنبياء
والملائكة والكعبة والآباء والعلماء والصالحين؛ فالمعنى غير العبادة: لا تحريم
فيه، لكن الحلف به مكروه أو محرم على الخلاف في ذلك، لورود النهي عنه".
٣- وقال شيخ الإسلام ابن حجر (ت ٨٥٢)، في (فتح
الباري) (١١/٥٣١): "والتعبير بقوله: «فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ» للمبالغة
في الزجر والتغليظ في ذلك"، وهذا هو فَهم أهل العلم على الحقيقة.
٤- وقال الإمام الكوراني (ت ٨٩٣) في (الكوثر
الجاري) (١٠/٢٥٨): "فإن قلت: ففي رواية الترمذي: «مَنْ
حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ»؟ قلت:
أجاب شيخنا (يقصد الحافظ ابن حجر) بأنه من باب الزجر والتغليظ، والأولى
عندي التفصيل، وهو أن يقال: إن اعتقد المساواة فقد كفر، وإن لم يعتقد ذلك وجرى على
لسانه فلا".
٥- وقال الإمام القسطلاني (ت ٩٢٣)، في (إرشاد
الساري لشرح صحيح البخاري) (٤/٤٠٩): "فإن اعتقد في المحلوف بغير الله ما
يعتقده في الله كفر"، أي: وما لم يعتقد فلا كفر.
وقال (٩/٣٧٥):
«وفي حديث ابن عمر عند الترمذي وقال: حسن، وصححه الحاكم: أنه سمع
رجلًا يقول: لا والكعبة. فقال: لا تحلف بغير الله فإني سمعت رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - يقول: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ
أَوْ أَشْرَكَ»، والتعبير بذلك للمبالغة في الزجر والتغليظ.
وهل النهي للتحريم أو التنزيه؟
المشهور عند المالكية: الكراهة،
وعند الحنابلة: التحريم، وجمهور الشافعية: أنه للتنزيه، وقال إمام
الحرمين: المذهب القطع بالكراهة، وقال غيره: بالتفصيل؛ فإن اعتقد فيه
من التعظيم ما يعتقده في الله حرم الحلف به وكفر بذلك الاعتقاد، أما إذا حلف بغير
الله لاعتقاده تعظيم المحلوف به على ما يليق به من التعظيم فلا يكفر بذلك ولا
تنعقد يمينه".
٦- وقال
الإمام محمد بن عَلّان الصديقي الشافعي (ت ١٠٥٧)، في (الفتوحات الربانية
على الأذكار النواوية) (٧/١١٣): "نعم إن اعتقد في المحلوف به من التعظيم
ما يعتقده في الله تعالى كفر، وعليه يحمل خبر الحاكم: «مَنْ
حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ».
٧- وقال العلامة عبد الرحمن المباركفوري (ت
١٣٥٣)، في (تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي) (٥/١١٣): "وقال الحافظ في
الفتح: والتعبير بقوله «فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ»؛ للمبالغة في الزجر
والتغليظ في ذلك، وقد تمسك به من قال بتحريم ذلك".