وترجع حاجة البشر إلى الرسالة:
(أ) التعريف
بحقائق الدين وأحكام الشريعة، ليقوم الناس بالعدل كقوله تعالى: {لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلۡنَا
مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِۖ} [الحديد ٣٥].
(ب) قطع الحجة
على الناس لقوله تعالى: {رُّسُلٗا
مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ
بَعۡدَ ٱلرُّسُلِۚ} [النساء١٦٥].
(جـ) إن العقل وحده في قصور عن إدراك المعرفة المتصلة
برب العالمين، كما أنه يضل تحت ضغط تأثير ودافع التقليد.
(د) حاجة
الإنسان للرسل؛ لكي يتم التوفيق بينه وبين الكون المسبح لربه. قال تعالى: {تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبۡعُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن
فِيهِنَّۚ وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمۡدِهِۦ} [الإسراء٤٤].
ولقد دعا
الإسلام إلى الإيمان بجميع الرسل دون التفريق بينهم، فمن كفر بواحد كمن كفر بالجميع
على حد سواء {إِنَّ ٱلَّذِينَ
يَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيۡنَ ٱللَّهِ
وَرُسُلِهِۦ وَيَقُولُونَ نُؤۡمِنُ بِبَعۡضٖ وَنَكۡفُرُ بِبَعۡضٖ وَيُرِيدُونَ أَن
يَتَّخِذُواْ بَيۡنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا} [النساء١٥٠ - ١٥١].
وهم من
الكثرة، بحيث لا يعد عددهم، ولا يحصى ولا يعلم عددهم إلا الله سبحانه وتعالى، وإن
كان القرآن ذكر ما يربو على خمسة وعشرين رسولا، إلا أنه خاطب رسوله محمدا -صلى
الله عليه وسلم- بقوله: {وَرُسُلٗا
قَدۡ قَصَصۡنَٰهُمۡ عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُ وَرُسُلٗا لَّمۡ نَقۡصُصۡهُمۡ عَلَيۡكَۚ} [النساء١٦٤].
وهؤلاء الرسل
والأنبياء الذين ذكروا في القرآن يجب الإيمان برسالتهم ونبوتهم تفصيلا، بمعنى أن
الإنسان لو عرض عليه واحد منهم، لا ينكر نبوته ولا رسالته إن كان رسولا، فمن أنكر
نبوة واحد منهم، أو أنكر رسالة من بعث منهم برسالة كفر. وأما الأنبياء والرسل
الذين لم يقصهم القرآن علينا، فقد أمرنا أن نؤمن بهم إجمالا، وليس لنا أن نقول
برسالة أحد من البشر أو نبوته ما دام القرآن لم يذكره في عدد الأنبياء والرسل، ولم
يخبرنا به رسول الله -صلى الله عليه وسلم.
ومن لوازم الإيمان بالرسل وجوب الاعتقاد بعلو فطرتهم
وصحة عقولهم وصدقهم في أقوالهم وأمانتهم في تبليغ ما عهد إليهم أن يبلغوه؛ ورسل الله هم القدوة للناس في زمانهم والكواكب الساطعة في
الليالي المظلمة، بهم يهتدون، وبأخلاقهم يتأسون، وبأفعالهم يقتدون؛ قال تعالى:
{وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَئِمَّةٗ
يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِمۡ فِعۡلَ ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَإِقَامَ
ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءَ ٱلزَّكَوٰةِۖ وَكَانُواْ لَنَا عَٰبِدِينَ}
(الأنبياء٧٣)؛ وقوله: {لَّقَدۡ
كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ
ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا} [الأحزاب ٢١].
ولقد اقتضت حكمة الله وسنته في البشرية أن يرسل إلى كل
أمة رسولا بلسان قومه، قال تعالى: {وَمَآ
أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوۡمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمۡۖ} [إبراهيم ٤]؛ وقوله: {وَإِن مِّنۡ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٞ} [فاطر ٢٤].
ولقد علم الله
أنبياءه ورسله أسماءه وصفاته، وحدد ذلك تحديدا دقيقا؛ أصبح على المسلم بعدها أن
يتبع ولا يبتدع، صحيح يمكن أن نستخلص بعض صفات الخالق سبحانه وتعالى بعقولنا بدون
رسل بعد أن نرى آثارها في أرجاء الكون، فمثلا آثار الخلق تشهد أنها من صنع الخالق،
وآثار الحكمة تشهد أنها من صنع الحكيم. وهناك قاعدة تقول إن الآثار تدل على
الأسماء، والأسماء تدل على الصفات، والصفات تدل على الذات، فالكون من آثار الله،
وحوادثه من آثار الله كذلك، قال تعالى: {فَٱنظُرۡ
إِلَىٰٓ ءَاثَٰرِ رَحۡمَتِ ٱللَّهِ كَيۡفَ يُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ} [الروم ٥٠].
ولكن مع هذا
يستمر عجزنا عن الإحاطة بهذه الصفات إلا بما أخبرنا به الوحي، فلا يستطيع الإنسان
أن يحدد تحديدا كاملا، أو يحصى إحصاء شاملا، لا دخل فيه ولا دخن، وإلا لوصفنا الله
بغير صفاته، وسميناه بغير أسمائه. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.