قال ابن عباس: "أتيت عليًا قبل صلاة الظهر فقلت:
أبرد بالصلاة لعلي أدخل على هؤلاء القوم فأكلمهم، فقال: إني أخاف عليك، فقلت: كلا،
-وكنت رجلًا حسن الخلق لا أوذى أحدًا- فأذن لي، فلبست حلة من أحسن ما يكون من
اليمن، وترجلت فدخلت عليهم نصف النهار، فدخلت على قوم لم أر قط أشد منهم اجتهادًا،
جباههم قرحة من السجود، وأياديهم كأنها ثفن [الثفن
جمع ثفنة ركبة البعير وغيرها مما يحصل فيه غلظ من أثر البروك] الإبل،
وعليهم قمص مرحضة مشمرين، مسهمة وجوههم من السهر، فسلمت عليهم فقالوا: مرحبا بابن
عباس، ماجاء بك، فقلت: أتيتكم من عند المهاجرين والأنصار، ومن عند صهر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعليهم نزل القرآن وهم أعلم بتأويله منكم، فقالت طائفة منهم:
لاتخاصموا قريشًا فإن الله عز وجل يقول: {بَلۡ هُمۡ
قَوۡمٌ خَصِمُونَ} [الزخرف: ٥٨].
فقال اثنان أو
ثلاثة: لنكلمنه، فقلت: هاتوا ما نقمتم على صهر رسول الله والمهاجرين والأنصار
وعليهم نزل القرآن وليس فيكم منهم أحد وهم أعلم بتأويله.
قالوا:
ثلاثا، قلت: هاتوا، قالوا: أما إحداهن فإنه حكم الرجال في أمر الله، وقد قال الله
عز وجل: {إِنِ
ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِ} [يوسف: ٤٠]، فما
شأن الرجال والحكم بعد قول الله عز وجل؟
فقلت:
هذه واحدة وماذا؟، قالوا: وأما الثانية، فإنه قاتل وقتل ولم يسب ولم يغنم، فإن
كانوا مؤمنين فلم حل لنا قتالهم ولم يحل لنا سبيهم؟
قلت:
وما الثالثة؟ قالوا: فإنه محا عن نفسه أمير المؤمنين، فإنه إن لم يكن أمير
المؤمنين فإنه لأمير الكافرين؟
قلت:
هل عندكم غير هذا؟ قالو: كفانا هذا.
قلت
لهم: أما قولكم حكم الرجال في أمر الله: أنا أقرأ عليكم في كتاب الله ما ينقض هذا،
فإذا نقض قولكم أترجعون؟ قالوا: نعم، قلت: فإن الله قد صير من حكمه إلي الرجال في
ربع درهم ثمن أرنب، وتلا هذه الآية: {لَا تَقۡتُلُواْ ٱلصَّيۡدَ
وَأَنتُمۡ حُرُمٞۚ} [المائدة: ٩٥]، إلى
آخر الآية، وفي المرأة وزوجها: {وَإِنۡ خِفۡتُمۡ شِقَاقَ بَيۡنِهِمَا
فَٱبۡعَثُواْ حَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهِۦ وَحَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهَآ} [النساء: ٣٥] إلى آخر الآية، فنشدتكم بالله، هل تعلمون حكم الرجال في
إصلاح ذات بينهم وفي حقن دمائهم أفضل، أم حكمهم في أرنب وبضع امرأة، فأيهم ترون
أفضل؟ قالوا: بل هذه، قلت: خرجت من هذه؟ قالو: نعم.
قلت:
وأما قولكم قاتل ولم يسب ولم يغنم، فتسبون أمكم عائشة رضي الله تعالى عنها، فوالله
لئن قلتم ليست بأمنا لقد خرجتم من الإسلام، ووالله لئن قلتم لنسبينها ونستحل منها
ما نستحل من غيرها لقد خرجتم من الإسلام، فأنتم بين ضلالتين، لأن الله عز وجل قال:
{وَأَزۡوَٰجُهُۥٓ
أُمَّهَٰتُهُمۡۗ} [الأحزاب: ٦]، أخرجت
من هذه؟ قالوا: نعم.
قلت:
وأما قولكم محا عن نفسه أمير المؤمنين فأنا آتيكم بمن ترضون، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم الحديبية صالح المشركين أبا
سفيان بن حرب وسهيل
بن عمرو، فقال لعلي رضي الله عنه: «اكتب لهم كتابًا» فكتب لهم علي: هذا ما اصطلح عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال المشركون: والله ما نعلم أنك رسول الله، لو نعلم أنك
رسول لله ما قاتلناك، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «اللهم إنك تعلم أني
رسول الله، امح يا علي، اكتب هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله»،
فوالله لرسول الله خير من علي، وقد محا نفسه، قال فرجع منهم ألفان وخرج سائرهم فقتلوا".