وقال عبد الله بن مسعود: ما آمن مؤمن أفضل من إيمان بغيب ثم قرأ: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ }. وفي التنزيل: {وَمَا
كُنَّا غَائِبِينَ } [الأعراف٧] وقوله: {الَّذِينَ
يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ } [الأنبياء ٤٩]
فهو سبحانه وتعالى غائب عن الأبصار، غير مرئي في هذه الدار، غير غائب
بالنظر والاستدلال، فهم يؤمنون بأن لهم ربا قادرا يجازي على الأعمال، فهم يخشونه
في سرائرهم وخلواتهم التي يغيبون فيها عن الناس، لعلمهم باطلاعه عليهم، وعلى هذا
تتفق الآراء ولا تتعارض، والحمد لله، وقيل: بالغيب أي: بضمائرهم وقلوبهم بخلاف
المنافقين، وهذا قول حسن.
قال الشاعر:
وبالغيب آمنا، وقد كان قومنا يصلون للأوثان قبل محمد.
ومن الإيمان بالغيب الإيمان بالملائكة، الذين لا يعلم حقيقتهم إلا الله،
فالملائكة ليسوا كالبشر، بل هم عالم آخر قائم بنفسه ومستقل بذاته، ولهم القدرة على
أن يتمثلوا بصورة بشرية وغيره. والإيمان بالملائكة من البر ومن دلائل الصدق
والتقوى، وهذا العالم الغيبي لا يدرك بالحس ولا بالعقل، وسبيل معرفته هو الوحي؛
لأنه غيب من الغيوب. [العقائد
الإسلامية، للشيخ سيد سابق - ص ١٣ ١ - دار الكتب الحديثة].
والله سبحانه هو الذي يعلم الغيب وحده، قال تعالى: {فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا
إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ} [يونس .٢]؛ وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها «قالت:
من زعم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله
الفرية» والله تعالى يقول: «قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ» [النمل ٦٥].
وقال تعالى: {وَعِنْدَهُ
مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ
وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي
ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [الأنعام
٥٩]، فالله تعالى عنده علم الغيب،
وبيده الطرق الموصلة إليه، لا يملكها إلا هو، فمن شاء اطلعه عليها أطلعه، ومن شاء
حجبه، ولا يكون ذلك إلا من إفاضته على رسله بدليل قوله تعالى: {وَمَا كَانَ
اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ
رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ} [آل
عمران ١٧٩]
وقوله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى
غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ
بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} [الجن ٢٦، ٢٧].
ذكر القرطبي: أنه لم تمدح
سبحانه بعلم الغيب واستأثر به دون خلقه كما فيه دليل على أنه لا يعلم الغيب أحد
سواه، ثم استثنى من ارتضاه من الرسل فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم،
وجعله معجزة لهم ودلالة صادقة على نبوتهم.
فالله سبحانه وتعالى جعل حرسا
حول هذا الرسول الذي أطلعه على بعض الغيب المتعلق برسالته، وهذا الحرس من الملائكة
والشهب لحفظ هذا الغيب من تلاعب الشياطين. وفي قصة سليمان يبين القرآن أن الجن لو
كانوا يعلمون الغيب ما استمروا في عملهم سخرة لسليمان عليه السلام؛ قال تعالى: {فَلَمَّا قَضَيْنَا
عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ
تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا
يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} [سبأ:
١٤] - السابق. ص ١٢]