ولقد تميز تياران في إطار فلاسفة العلمانية
الأوربية:
أولا: تيار مادي ملحد، طمح إلى تحرير
الحياة- كل الحياة- من الإيمان الديني.. وكانت الماركسية أبرز إفرازات هذا التيار.
ثانيا: تيار مؤمن بوجود خالق للكون
والإنسان، لكنه يقف بنطاق عمل هذا الخالق عند مجرد الخلق فيحرر الدولة والسياسة
والاجتماع من سلطان الدين، مع بقاء الإيمان الديني علاقة خاصة وفردية بين الإنسان
وبين الله..
ومن فلاسفة هذا التيار: «هوبر (١٥٨٨-١٦٧٩ م)، ولوك
(١٦٣٢-١٧١٦م)، وليبيز (١٦٤٦-١٧١٦م)، وليسينج (١٧٩٢- ١٨٧١م)،ورسو
(١٧١٢- ١٧٧٨م).
ولقد ظلت العلمانية خصوصية غربية حتى
القرن التاسع عشر، عندما جاءت إلى بلادنا الإسلامية في ركاب النفوذ الأجنبي
والاستعمار الغربي الحديث.. وإذا كانت مصر بحكم موقعها قد مثلت طليعة الأقاليم
الشرقية في التأثر بالفكر الأوروبي ومنه العلمانية فلقد كان وفود العلمانية إليها
نموذجًا لتسللها من أوربا إلى بلاد الشرق الإسلامي في ركاب النفوذ الأجنبي
والاستعمار الحديث.
فبعد تحطيم النظام الحمائي للصناعة والتجارة
الذي أقامه محمد على باشا في مصر، زاد نفوذ التجار
الأجانب، ونشأت على عهد الخديوي سعيد، في سنة (
١٢٧٢ هـ ١٨٥٥ م) أول محكمة تجارية مختلطة بين المصريين والأجانب «مجلس تجار» تسلل
إليها القانون الوضعي الفرنسي.
ومع تزايد أعداد الجاليات الأجنبية ونفوذها
وخاصة بعد عقد اتفاقية حفر قناة السويس نشأت المحاكم القنصلية لتقضى في المنازعات
الناشئة بين المصريين وبين الأجانب، وقضاتها أجانب ولغاتها أجنبية، وقانونها وضعي
علماني.
ولما زادت فوضى القضاء القنصلي تم إنشاء المحاكم
المختلطة بقضاة أجانب ولغة فرنسية وشريعة نابليون.
ولقد استعان الغرب الاستعماري بنفر من
أبناء الأقلية المارونية الذين تربوا في مدارس الإرساليات التنصيرية بلبنان في الدعوة
إلى نموذجه الحضاري العلماني، فكان فرح أنطون ١٨٧٤م-
١٩٢٢م أول دعاة العلمانية في بلادنا.. ثم تخلق للعلمانية تيار فكرى بلغ ذروته في كتاب
الشيخ على عبدالرازق (١٨٨٧-٩٦٦ ١م) عن (الإسلام
وأصول الحكم) الذي صدر سنة ٩٢٥ ١م مصورًا الإسلام كالنصرانية دينًا لا دولة، ورسالة
لا حكمًا، يدع ما لقيصر لقيصر وما لله لله.