Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

العلمانية

الكاتب

أ. د / محمد عمارة

العلمانيّة

العلمانية نزعة فلسفية فكرية سياسية واجتماعية، ترى العالم مكتفيًا بذاته، تدبره الأسباب الذاتية المودعة فيه؛ نشأت- بأوروبا- في سياق النهضة الحديثة، قامت على تحرير الدنيا من سلطان الدين، ولتنزع كل قداسة عن كل شئون الدنيا، ولتعزل السماء عن الأرض، فقد جعلت العالم مكتفيًا بذاته، كما واجهت العلمانية الكهنوت الكنسي الذي قدس الدنيا وثبتها، ساعدت الملابسات التي نشأت فيها العلمانية على هزيمة الكنيسة وتراجع اللاهوت النصراني أمام النزعة العلمانية. ظلت العلمانية خصوصية غربية حتى القرن التاسع عشر، حتى دخلت بلاد الإسلام مع دخول الاستعمار الغربي الحديث. 

مفهوم العلمانية

العلمانية: مصطلح تُرجم بمصر والمشرق العربي للكلمة الإنجليزية (SECUL ARISM) بمعنى: الدنيوي والواقعي، والعالمي.. ذلك؛ لأن العلمانية هي نزعة فلسفية وفكرية وسياسية واجتماعية ترى العالم مكتفيًا بذاته، تدبره الأسباب الذاتية المودعة فيه.

 فالعالم والواقع والدنيا هي مرجعية التدبير للاجتماع الإنساني والدولة والحياة، ومن ثَمَّ فإن الاجتماع والحياة والدولة ليست في حاجة إلى مدبر من خارج هذا العالم ومن وراء هذه الطبيعة.. والإنسان مكتف بذاته، يدبر شئونه ويبدع قيمَه ونظمه بواسطة العقل والتجربة، وليس في حاجة إلى شريعة سماوية تحكم هذا التدبير.

 فالعلمانية -لذلك- تضبط بفتح العين؛ لأنها نسبة إلى العالم وهناك في المغرب العربي من يترجمها بالدنيوية.

نشأة العلمانية

ولقد نشأت العلمانية- بأوروبا- في سياق النهضة الحديثة. وكانت من أبرز معالم فلسفة التنوير الوضعي الغربي، التي جابه بها فلاسفة عصر الأنوار- في القرنين السابع عشر والثامن عشر- سلطة الكنيسة الكاثوليكية بعد أن تجاوزت هذه الكنيسة الحدود التي رسمتها لها النصرانية، وهي خلاص الروح، ومملكة السماء، وترك ما لقيصر لقيصر، والاقتصار على ما لله.. لقد تجاوزت الكنيسة حدود رسالتها واختصاصاتها، فبعد عصور من سيادة نظرية: (السيفينTHEORY OF THE TWO SOWRDS) أي: السيف الروحي، أو السلطة الدينية للكنيسة- و السيف الزمني، أي: السلطة المدنية للدولة جمعت الكنيسة السلطتين معًا، فضمت ما لقيصر إلى ما للكنيسة واللاهوت في ظل نظرية «السيف الواحد»  THEORY OF ONE SWORD وتحت حكم «الباباوات الأباطرة» أضفت الكنيسة قداسة الدين وثباته على المتغيرات الدنيوية والاجتماعية- أفكارًا وعلومًا ونظمًا- فرفضت وحرمت وجرمت كل ما لا وجود له في الأناجيل، وبذلك دخلت أوربا عصورها المظلمة، الأمر الذي استنفر ردَّ الفعل العلماني، الذي حرر الدنيا من كل علاقة لها بالدين. ففي مواجهة الكهنوت الكنسي الذي قدس الدنيا وثبتها، وجعل اللاهوت النصراني المرجع الوحيد للسياسة جاء رد الفعل العلماني لينزع كل قداسة عن كل شئون الدنيا، وليحرر العالم من سلطان الدين، وليعزل السماء عن الأرض، جاعلًا العالم مكتفيا بذاته، والاجتماع والدولة والنظم والفلسفات محكومة بالعقل والتجربة، دونما تدخل من الدين.

 ولقد ساعدت الملابسات التي نشأت فيها العلمانية على هزيمة الكنيسة وتراجع اللاهوت النصراني أمام النزعة العلمانية.

 وكان التخلف الأوربي شاهدًا على فشل الحكم الكنسي الكهنوتي وكانت هذه الملابسات الواقعية والمواريث الدينية والفلسفية- في أوروبا- عونًا لانتصار العلمانية على الكنيسة وسلطانها.

تيارات فلاسفة العلمانية الأوربية

 ولقد تميز تياران في إطار فلاسفة العلمانية الأوربية:

 أولا: تيار مادي ملحد، طمح إلى تحرير الحياة- كل الحياة- من الإيمان الديني.. وكانت الماركسية أبرز إفرازات هذا التيار.

 ثانيا: تيار مؤمن بوجود خالق للكون والإنسان، لكنه يقف بنطاق عمل هذا الخالق عند مجرد الخلق فيحرر الدولة والسياسة والاجتماع من سلطان الدين، مع بقاء الإيمان الديني علاقة خاصة وفردية بين الإنسان وبين الله..

 ومن فلاسفة هذا التيار: «هوبر (١٥٨٨-١٦٧٩ م)، ولوك (١٦٣٢-١٧١٦م)، وليبيز (١٦٤٦-١٧١٦م)، وليسينج (١٧٩٢- ١٨٧١م)،ورسو (١٧١٢- ١٧٧٨م).

ولقد ظلت العلمانية خصوصية غربية حتى القرن التاسع عشر، عندما جاءت إلى بلادنا الإسلامية في ركاب النفوذ الأجنبي والاستعمار الغربي الحديث.. وإذا كانت مصر بحكم موقعها قد مثلت طليعة الأقاليم الشرقية في التأثر بالفكر الأوروبي ومنه العلمانية فلقد كان وفود العلمانية إليها نموذجًا لتسللها من أوربا إلى بلاد الشرق الإسلامي في ركاب النفوذ الأجنبي والاستعمار الحديث.

 فبعد تحطيم النظام الحمائي للصناعة والتجارة الذي أقامه محمد على باشا في مصر، زاد نفوذ التجار الأجانب، ونشأت على عهد الخديوي سعيد، في سنة ( ١٢٧٢ هـ ١٨٥٥ م) أول محكمة تجارية مختلطة بين المصريين والأجانب «مجلس تجار» تسلل إليها القانون الوضعي الفرنسي.

 ومع تزايد أعداد الجاليات الأجنبية ونفوذها وخاصة بعد عقد اتفاقية حفر قناة السويس نشأت المحاكم القنصلية لتقضى في المنازعات الناشئة بين المصريين وبين الأجانب، وقضاتها أجانب ولغاتها أجنبية، وقانونها وضعي علماني.

 ولما زادت فوضى القضاء القنصلي تم إنشاء المحاكم المختلطة بقضاة أجانب ولغة فرنسية وشريعة نابليون. 

ولقد استعان الغرب الاستعماري بنفر من أبناء الأقلية المارونية الذين تربوا في مدارس الإرساليات التنصيرية بلبنان في الدعوة إلى نموذجه الحضاري العلماني، فكان فرح أنطون ١٨٧٤م- ١٩٢٢م أول دعاة العلمانية في بلادنا.. ثم تخلق للعلمانية تيار فكرى بلغ ذروته في كتاب الشيخ على عبدالرازق (١٨٨٧-٩٦٦ ١م) عن (الإسلام وأصول الحكم) الذي صدر سنة ٩٢٥ ١م مصورًا الإسلام كالنصرانية دينًا لا دولة، ورسالة لا حكمًا، يدع ما لقيصر لقيصر وما لله لله.

مواجهة التسلل العلماني

وفي مواجهة هذا التسلل العلماني إلى بلادنا كانت مقاومة العلماء لعلمانية القانون والنهضة.. والإسلام دين ودولة وجامع بين ما لقيصر وما لله.. ولأن نطاق عمل الذات الإلهية- في التصور الإسلامي- لا يقف عند مجرد الخلق، وإنما هو سبحانه وتعالى خالق ومدبر للعالم والاجتماع بواسطة الشرائع والرسالات: {أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ} [الأعراف: ٥٤]  {قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُۥۖ} [الأنعام: ١٦٢-١٦٣]. فكان رفاعة الطهطاوي (٨٠١ ١-١٨٧٣ م) أول من انتقد تسلل القانون التجاري لنابليون إلى المجلس التجاري في المواني التجارية، ودعا إلى تقنين فقه المعاملات الإسلامية الوافي بتنظيم المنافع العمومية؛ لأن بحر الشريعة الغراء لم يغادر من أمهات المسائل صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها وأحياها.

 ونهض القانوني البارز محمد قدري باشا (١٨٢١- ١٨٨/١ م) وهو من تلامذة الطهطاوي بتقصي فقه المعاملات للمذهب الحنفي، ليقدم صياغة شرعية للقانون.

 ولقد عبر الإمام محمد عبده (١٨٤٩-١٩٠٥م) عن ضرورة إسلامية النهضة؛ لأن الإسلام على عكس النصرانية منهاج شامل فهو: كمال للشخص، وألفة في البيت، ونظام للملك، وسبيل الدين لمريد الإصلاح في المسلمين سبيل لا مندوحة عنها».

 ومنذ ذلك التاريخ ظل التدافع سجالًا، في واقعنا الفكري والقانوني والسياسي بين دعاة العلمنة وبين دعاة إسلامية هذ المشروع الحضاري، وعندما أعادت مصر صياغة قانونها المدني، الذي وضعه الدكتور عبدالرزاق السنهوري باشا (١٨٩٥-١٩٧١م) والذي طبق عقب إلغاء الامتيازات الأجنبية سنة ١٩٤٨م، زادت في هذا القانون مرجعية الشرعية الإسلامية عنها في سابقه الذي وضع سنة ١٨٨٣م.

ولما وضعت مصر دستورها الجديد سنة١٩٧١م نصت مادته الثانية على أن مبادئ الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للقوانين وفي التعديل الذي تم الاستفتاء عليه، لهذه المادة سنة ١٩٨٠م غدت الشريعة هي المصدر الرئيسي للقوانين.

مراجع الاستزادة:

١- الأعمال الكاملة لرفاعة الطهطاوي دراسة وتحقيق د محمد عمارة ط بيروت سنه ١٩٧٣ م

 ٢- الأعمان الكاملة للإمام محمد عبده دراسة وتحقيق د محمد عمارة ط دار لشروق. القاهرة ١٩٩٣م.

 ٣- تقويم النيل. لأمين سامى باشا.ط القاهرة ٦ ٣ ٩ ١ م

٤- عصر إسماعيل: عبد الرحمن الرافعي طبعة القاهرة ١٩٤٨م ٥- العلمانية بين الغرب والإسلام د محمد عمارة، ط دار الوفاء القاهرة ١٩٩٦م ٩٩٣؛لموسوعة الإسلامية العامة م ٦٣

الخلاصة

العلمانية هي نزعة فكرية ترى العالم مكتفيًا بذاته، وقد نشأت في أوروبا لتحرير الدنيا من سلطان الدين ومواجهة الكهنوت الكنسي. انتقلت العلمانية إلى العالم الإسلامي مع الاستعمار الغربي، مما أثار مقاومة من علماء الإسلام الذين أكدوا على شمولية الشريعة. وقد تجلى ذلك في الدساتير الحديثة، مثل الدستور المصري الذي نص على أن مبادئ الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للقوانين.

موضوعات ذات صلة

البعث هو إحياء الله الموتى، وإخراجهم من قبورهم

الرسالة خطاب تكليفي من الله تعالى للرسول والنبي لدعوة الناس إلى الدين الحق

الفطرة تدل على معنيين رئيسيين هما: الجبلّة التي ولد عليها الإنسان

موضوعات مختارة