وفى آية واحدة أشار القرآن الكريم إلى ثلاث
مقامات للوحى [تفسير ابن كثير تفسير الآية ١ ٥ من
سورة الشورى] في
قوله عز وجل: {وَمَا
كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحۡيًا أَوۡ مِن وَرَآيِٕ
حِجَابٍ أَوۡ يُرۡسِلَ رَسُولٗا فَيُوحِيَ بِإِذۡنِهِۦ مَا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ
عَلِيٌّ حَكِيمٞ} [الشورى: ٥١].
الأول: {وَحۡيًا} أي: إلقاء المعنى في القلب، ومعناه
أن الله تبارك وتعالى يقذف في روع النبي -صلى الله عليه وسلم- شيئًا لا يماري فيه
أنه من الله - عز وجل -، كما جاء في صحيح ابن حبان عن ابن مسعود، عن رسول الله - صلى
الله عليه وسلم -، أنه قال: «إنَّ رُوحَ القُدُسِ نفث في رُوعِي أنَّ نَفْسًا
لن تموتَ حتى تستكملَ رزقَها فاتقوا اللهَ وأَجْمِلُوا في الطلبِ».
الثاني: {مِن
وَرَآيِٕ حِجَابٍ} أي: بالتكليم، كما كلم الله موسى عليه
الصلاة والسلام فلما سأل الرؤية بعد التكليم حجب عنها، لكنه سمع النداء من وراء
الشجرة: {فَلَمَّآ أَتَىٰهَا نُودِيَ مِن
شَٰطِيِٕ ٱلۡوَادِ ٱلۡأَيۡمَنِ فِي ٱلۡبُقۡعَةِ ٱلۡمُبَٰرَكَةِ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ
أَن يَٰمُوسَىٰٓ إِنِّيٓ أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ} [القصص: ٣٠].
الثالث:
نزول أمين الوحي جبريل على نبينا وعلى الأنبياء من قبله صلوات الله وسلامه عليهم
أجمعين.
فقد روى البخاري عن عائشة رضى الله عنها، أن الحارث بن هشام رضي الله عنه
سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله: كيف يأتيك الوحي؟ فقال: «أحْيانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ،
وهو أشَدُّهُ عَلَيَّ، فيُفْصَمُ عَنِّي وقدْ وعَيْتُ عنْه ما قالَ، وأَحْيانًا
يَتَمَثَّلُ لِيَ المَلَكُ رَجُلًا فيُكَلِّمُنِي فأعِي ما يقولُ».
قالت عائشة رضي الله عنها: «وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ
الْبَرْدِ، فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا».
وإنما كانت حالة الصلصلة أشد؛ لأنها
انسلاخ من البشرية واتصال بالروحانية، وكانت الثانية أخف؛ لأنها انتقال ملك الوحي
من الروحانية إلى البشرية بسهولة ويسر، بإذن من الله تعالى.