الدين مبدأ الخليقة، عرف الإنسان على الكون، ووجهه إلى كشف أسراره لاستغلاله وتعميره، كما وضع له أطر العلاقات الاجتماعية في شتى صورها حتى يستطيع بنو جنسه أن يتعايشوا فيما بينهم.
الدين مبدأ الخليقة، عرف الإنسان على الكون، ووجهه إلى كشف أسراره لاستغلاله وتعميره، كما وضع له أطر العلاقات الاجتماعية في شتى صورها حتى يستطيع بنو جنسه أن يتعايشوا فيما بينهم.
إن الدين والتَديَّن عند الإنسان قديم قدم الحياة، ولو تصفحنا تاريخ البشرية منذ أقدم عصوره وحتى الآن لرأيناه حافلًا بشتى المعتقدات، ومختلف المذاهب الدينية، فالدين حاجة من حاجات النفس البشرية، والإنسان مشوق بفطرته إلى اعتناق عقيدة يدين بها، ويسير على هديها، وإن كانت فكرة بشرية.
وقديمًا نجد من الناس من عَبَدَ الحيوان وألَّهَه، ومنهم من عَبَد النار والشمس، ومنهم من أنكر فكرة الآلهة، وأنكر الأديان وآمن بأفكار بشرية، ومنهم من اهتدى بعقله وفطرته إلى الحقيقة في تدينه، وآمن بالإله، وآمن برسالة حقة أنزلها هذا الإله على من اختارهم من رسله في فترات متعاقبة من الزمان.
وجاءت الأديان السماوية جميعها لإصلاح المجتمع، وتوجيه الإنسان نحو معرفة ذاته وربه وعالمه، وما كان للإنسان أن يعيش في هذه الحياة، ويتطور فيها وينتج هذا التراث الثقافي والحضاري الذي ما زال يتطور لولا الدين.
فالدين مبدأ الخليقة، عرف الإنسان على الكون، ووجهه إلى كشف أسراره لاستغلاله وتعميره، كما وضع له أطر العلاقات الاجتماعية في شتى صورها حتى يستطيع بنو جنسه أن يتعايشوا فيما بينهم، فوجود الدين من مستلزمات الإنسان، فلا يُعقل وجود إنسان في كونة ولا يوجد دين يرشده للحياة في هذا الكون، فوجود الدين ضرورة إنسانية.
أولًا: مفهوم الدين:
سنعرض – هنا - لمفهوم الدين من جانبين:
الأول: من المعنى اللغوي.
والثاني: من المعنى الاصطلاحي.
أ -المعنى اللغوي: (الدِّين) بالكسر والسكون في اللغة يطلق على العادة والسيرة والحساب والقهر، ومعانٍ أخرى كثيرة متنوعة، فيطلق على معان، منها: التعبد، يقال: دان بالإسلام دينًا؛ أي تعبد به، وتديَّن به، ومنها: الطاعة والخضوع، يقال: دنت لله تعالى؛ أي أطعته وخضعت له [المصباح المنير: مادة (دين)، ومختار الصحاح: مادة (دين). والمعجم الوسيط، ج١، ص ٣١٧، مادة (دين)].
وقد أوردت معاجم اللغة العربية أن (الدَّيان) اسم من أسماء الله - عز وجل - ومعناه: الحكم والقاضي، وهو فعَّال من (دان الناس)؛ أي قهرهم على الطاعة، ويقال: دنتهم فدانوا؛ أي قهرهم فأطاعوا.
وقد وردت لكلمة (الدين) في القرآن الكريم عدة معان في أكثر من تسعين آية، منها ما يدين به الشخص من الإسلام وغيره من الطاعة والخضوع والجزاء والمكافأة والحساب والسلطان والأحكام المشروعة.
ونلاحظ أن فقهاء اللغة من العرب قد ذكروا في معنى (دين) معاني مضطربة، أساسها كلمات ثلاث قائمة بذاتها:
١- كلمة آرامية عبرية مستعارة معناها (الحساب).
٢ - كلمة عربية خالصة معناها (عادة) أو (استعمال) تمت مع الكلمة الأولى إلى أصل واحد، وهي مشتقة من الكلمة الفارسية (دينا)، وقد عارض المستشرق (فولرز) الرأي القائل بوجود كلمة عربية خالصة هي (دين)، وبين أن الكلمة الفارسية كانت مستعملة بالفعل في اللغة العربية أيام الجاهلية، وأن هذه الكلمة الفارسية دخلت على العربية قبل الإسلام، ومنها اشتق اللفظ في العربية. [دائرة المعارف الإسلامية، كتبها مجموعة من المستشرقين، النسخة العربية، مادة (دين) بقلم ماكدونالد، ترجمه خورشيد، ص٩]
٣- اتجاه مثَّله كثير من العرب، وفي مقدمتهم (السيوطي ت ٩١١هـ) الذي ردَّ على كل من ادعى أن كلمة (دين) ليست من الكلمات العربية الأصيلة، بقوله: "كلمة دين من الكلمات القائمة في لغتي العرب والفرس على لفظ واحد للتعبير عن معان عدة، فليست إحداهما بأولى بهذه الألفاظ ومعانيها من الأخرى حتى يقال: إنها أخذت أو مأخوذة منها، والدين من الألفاظ الواردة في القرآن الكريم، وليس في كتاب الله شيء بغير لغة العرب". [عبد الرحمن السيوطي: المزهر في علوم اللغة وأنواعها، شرحه وضبطه: محمد أحمد جاد المولى وآخرون، دار إحياء الكتب العربية - القاهرة، ط٣، ج١، ح١٦٦ - ١٦٨]
والرأي هو ما ذهب إليه السيوطي، فالدين لفظة عربية أصيلة، وهي من الألفاظ التي تكرر ورودها في القرآن الكريم بمعان مختلفة، وصلت إلى حوالي (٤٧) معنى، والله – سبحانه - قد وصف كتابه بأنه نزل بلسان عربي مبين، والدين من الألفاظ العربية التي وافقت في اللفظ والمعنى غيرها من اللغات [فاطمة بنت علي سعيد أخشوين: الحياة الدينية، الرياض، ١٤٢٣ش/٢٠٠٢م، ص٦٦].
أما من ذهب إلى أن الكلمة غير عربية فقد أرجع هذا إلى الاضطراب الذي وقع فيه بعض مفسري القرآن عندما تعرضوا لتفسير آية {مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ} [الفاتحة: ٤]، فوضعوا لهذه الكلمة عدة معان، منها (الحساب) أو (الجزاء)، ولكنهم حاروا حيرة شديدة في التماس ما يؤدي إليه هذا اللفظ من معنى في آيات أخرى.
وإذا رجعنا إلى المعاجم اللغوية سنجد أن مصطلح (الدين) اسم عام يطلق في اللغة العربية على كل ما يتعبد الله به، كما يُطلق على معان، منها: الملك والسلطان والقهر والطاعة والقضاء والعادة والمذهب والشريعة والملة.
وقد ذكر ابن منظور (ت ٧٧١هـ) في كتابه (لسان العرب) أن الدين مفرد جمعه أديان. يقال: دان بكذا، وديانته، وتدين به، فهو دين ومتدين، ودانه دينًا؛ أي أذله واستعبده، والدين: السلطان، والدين: الورع، والدين: الطاعة. [ابن منظور: لسان العرب، مادة (دين)، إعداد: يوسف خياط، ونديم مرعشلي، دار صادر، بيروت،١٤١٢هـ/١٩٩٢م، ج٣، ص١٦٩ - ١٧٠]
أما القاموس المحيط فقد ذكر الدين بمعنى الجزاء والإسلام والعادة والعبادة والطاعة والذل والداء والحساب والقهر والغلبة والاستعلاء والسلطان والملك والحكم والسيرة والتدبير والتوحيد، واسم لجميع ما يتعبد الله – عزًّوجلَّ – به. [الفيروز آبادي: القاموس المحيط، مادة (دين)]
وهكذا فإن كلمة (دين) تأتي بمعان متعددة، والمعاجم اللغوية لا تضع أيدينا على المعنى اللغوي المراد بمفهوم الدين، وإنما تكشف لنا عن المعاني المختلفة لهذه الكلمة.
وقد أرجع الدكتور (محمد عبد الله دراز) معنى كلمة (دين) إلى ثلاثة معان تكاد تكون متلازمة، ورأى أنها تتضمن ثلاثة أفعال بالتناوب، ذلك أن كلمة (دين) تؤخذ تارة من فعل معتل بنفسه (دانه يدينه)، وتارة من فعل معتل باللام (دان له) وتارة من فعل متعد بالباء (دان به)، وباختلاف الاشتقاق تختلف الصورة المعنوية التي تعطيها الصيغة. [د. محمد عبد الله دراز: الدين. بحوث ممهدة لدراسة في تاريخ الأديان، ص ٣٠]
وجملة القول في هذه المعاني اللغوية أن كلمة (الدين) عند العرب تشير إلى علاقة بين طرفين يعظم أحدهما الآخر: فإذا وصف بها الطرف الأول كانت خضوعًا وانقيادًا.
وإذا وصف بها الطرف الثاني كانت أمرًا وسلطانًا.
- وإذا وصف بها الرباط الجامع بين الطرفين كانت هي العبادة، والدستور المنظم لتلك العلاقة، وكانت هي الدين.
ب - المعنى الاصطلاحي:
إذا كان فقهاء اللغة قد اختلفوا حول معنى لفظ الدين، فإن علماء العقيدة، بل البشر بوجه عام، قد اختلفوا - أيضًا - حول هذا المعنى، واضطربوا اضطرابًا بينًا، وذهبوا مذاهب شتى كلها تعبر عن نظرتهم ومذهبهم الفكري أو العقدي الذي ينتمون إليه، كما أنها تعكس طبيعة الدين الذي يتحدثون عنه، واختلفت بحسب نظرة الإنسان والمستويات التي ينطلق منها في تحديد فهمه للدين، وبالتالي في تحديد المعنى الاصطلاحي المتعلق به، وتكفي مراجعة أي كتاب ينقل الحدود الاصطلاحية لمعنى الدين ليعكس لنا طبيعة الاضطراب والاختلاف الواقع على هذا المستوى.
وفي الإسلام استند علم العقيدة في تعريف الدين وماهيته على سياقات النصوص (القرآن والحديث) وبعض التحاليل للوظائف التي يؤديها، إما على مستوى البعد النفسي أو الاجتماعي أو السياسي إلى آخره، ووضع عدة تعريفات اصطلاحية لمعنى الدين.
فقد عرَّف أبو البقاء الكفوي ٥٩٨ (ت١٠٩٤هـ) (الدين) بأنه وضع إلهي سائق لذوي العقول - باختيارهم المحمود - إلى الخير بالذات قلبيًّا، وقالبيًّا. [أبو البقاء الكفوي: الكليات، معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، تحقيق: د. عدنان درويش، محمد المعري، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط٢، ١٤١٣ش/ ١٩٩٣م، ص٤٤٣] بالترجمة عن هذا الإيمان بالقول أو بالعمل.
ويرى التهانوي أن الدين وضع إلهي سائق لذوي العقول باختيارهم إياه إلى الصلاح في الحال والفلاح في المآل. [التهانوي: كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، تحقيق: د. علي دحروج، تقديم: د. رفيق العجم، مكتبة لبنان ناشرون - بيروت، ١٩٩٦م، ج١، ص ٨١٤]
ويذهب الجرجاني إلى أن الدين وضع إلهي يدعو أصحاب العقول إلى قبول ما هو عند الرسول - صلي الله وعليه وسلم. [الجرجاني: التعريفات، مطبعة الحلبي، القاهرة، ١٣٥٧هـ/١٩٣٨م، ص٢٩٤]
هذا عن القدماء الذين وضعوا تعريفًا لمعنى الدين من الناحية الاصطلاحية، ولكننا نجد - أيضًا - من العلماء المحدثين من وضع تعريفًا للدين، في مقدمة هؤلاء الشيخ الإمام محمد عبده الذي وصف (الدين) بأنه وضع إلهي يحسن الله - تعالى - به إلى البشر على لسان واحد منهم، لا كسب له فيه، ولا صنع، ولا يصل إليه بتلق ولا بتعلم [الشيخ محمد عبده: تفسير المنار، ج٢، ص ١٦٩].
أما الدكتور محمد عبد الله دراز فيعرف (الدين) بأنه وضع إلهي يرشد إلى الحق في الاعتقادات، وإلى الخير في السلوك والمعاملات.
وعلى الرغم من حرص كثير من علماء العقيدة على تقديم تعريفات لمعنى كلمة (الدين) إلا أن هناك من يرى صعوبة تقديم تعريف محدد، بل رأى أن هناك استحالة من وضع معنى محدد للكلمة يكون تعريفًا جامعًا مانعًا يأتي على رأس هؤلاء الشيخ مصطفى عبد الرازق الذي قال: "هذا الخلاف بينهم - أي بين العلماء - على وضع تعريف يعبر عن حقيقته - الدين - يدل على أن العلم لم يكشف الحجب عن الدين وأسراره" [الشيخ مصطفى عبد الرازق: الدين والوحي والإسلام، ط القاهرة، ص ٢١].
ويذهب الأستاذ عبد الكريم الخطيب إلى أن الدين صلة شخصية روحية بين الإنسان والإله، بين العبد والرب، وهي عاطفة إنسانية فردية، وصلة شخصية، ومن المستحيل وضع مدلول لفظي يصف هذه العلاقة؛ لأن الدين مكابدة شخصية [عبد الكريم الخطيب: الله ذاتًا وموضوعًا، ط القاهرة ص ٦٠٣] ولكن الدين، وإن كان صلة روحية بين الإنسان والله، فهو إلى جانب ذلك حقيقة خارجية يمكن وصفها وتعريفها، وسبق لعلماء العقيدة أن وضعوا له تعريفات تناولت تحديد المعنى أو موضوعاته أو أقسامه أو فروعه إلى غيرها من مسائل تناولوها في تعريفهم للدين.
يذهب أصحاب (نجدة) من الخوارج إلى أن الدين أمران: أحدهما: معرفة الله، ومعرفة رسله - عليهم السلام - وتحريم دماء المسلمين وأموالهم، وتحريم الغصب والإقرار بما جاء من عند الله جملة، فهذا واجب، وما سوى ذلك فالناس معذورون بجهالته حتى تقوم عليهم الحجة في جميع الحلال.
الثاني: العلم يُبنى على الدين، فصار هو التوحيد، والعلم هو الديانة؛ يعني الشرائع، وهو بعد التوحيد، ثم الدين عقد على الصواب، والديانة سيرة على الصواب.
ومن هنا فقد قسمت فرقة النجدات معنى الدين إلى قسمين:
أحدهما: معرفة الله – تعالى - ومعرفة رسله - عليهم الصلاة والسلام - وتحريم دماء المسلمين - يعنون موافقتهم - والإقرار بما جاء من عند الله جملة، فهذا أوجب على الجميع، والجهل به لا يعذر فيه.
والثاني: ما سوى ذلك، فالناس معذورون فيه إلى أن تقوم عليهم الحجة في الحلال والحرام [د. سميح دغيم: موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي، مكتبة لبنان ناشرون، بيروت، ١٩٩٨، ج١، مادة دين، ص٩٦هـ].
أما فرقة الإباضية - من الخوارج - فتضع تعريفًا لكلمة (الدين)، ومنهم (الوارجلاني) الذي يعرفه قائلًا: (الدين) اسم يشتمل ما دانت به كل فرقة من صاحبها مما اعتقدوه دينًا يُدان لله تعا لي به، وقطعوا فيه عذر من خالفهم، سواء كان ذلك حقًا وباطلًا أو عمدًا أو خطأ، فيجوز استعمال لفظ ندين بمعنى: يضرب لا بمعنى نتدين، ونعتقد في المسائل المختلف فيها.
وحفاظًا على مقصد وحدة الأمة ينبغي عدم قطع عذر المخالف في فروع أركان الإيمان الستة [معجم مصطلحات الإباضية، نشرة وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، سلطنة عمان، ١٤٢٩هـ/٢٠٠٨م، ص٣٩٦].
ويعرف الشيخ السالمي - من الإباضية – (الدين) بأنه ما شرعه الله - تعالى - على لسان نبيه من الأحكام، وسُمّي دينًا؛ لأننا ندين له وننقاد؛ لهذا فإن الدين المرتضى عند الله هو الإسلام بخلاف غيره لقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَيَقۡتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡقِسۡطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [آل عمران: ١٩-٢٠]، وقوله تعالى: {وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ} [آل عمران: ٨٥-٨٦] [معجم مصطلحات الإباضية، نشرة وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، سلطنة عمان، ١٤٢٩هـ/٢٠٠٨م، ص٣٩٧].
ونلاحظ في تعريف الإباضية أنهم خلطوا بين معنى الدين والملة، وهذا ما وافقه عليهم آخرون، فيذهب المعتزلة إلى أن الإيمان والإسلام دين سواء في حين يرى بعض الإمامية من الشيعة أن الإسلام غير الإيمان، وإن اشتركت في كونها للمدح بمعنى واحد.
ويعرف العلامة الطبطبائي - من الشيعة – (الدين) بقوله: (هو سلوك في الحياة الدنيا يتضمن صلاح الدنيا بما يوافق الكمال الأخروي والحياة الدائمة الحقيقية عند الله، فلا بد في الشريعة من قوانين تتعرض لحال المعاش على قدر الاحتياج). [العلامة الطبطبائي: تفسير الميزان، مؤسسة النشر الإسلامي لجماعة المدرسين. قم. إيران، ١٤٠٢هـ، ج ٢، ص ١٣]
أما الأشاعرة، ومنهم الباقلاني، فيعرفون (الدين) بأنه "ينصرف على وجوه: منها : الدين بمعنى الجزاء ، وفيه قوله تعالى: {مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ} [الفاتحة: ٤]، وقد تكون بمعنى الحكم: كقوله تعالى: {مَا كَانَ لِيَأۡخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلۡمَلِكِ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُۗ وَفَوۡقَ كُلِّ ذِي عِلۡمٍ عَلِيمٌ} [يوسف: ٧٦]؛ أي في حكمه، وقد يكون الدين بمعنى الدينونة بالمذاهب والملل، ومنه قولهم: "فلان يدين بالإسلام واليهودية"؛ أي أنه يتدين به على معنى أنه يعتقده وينطوي عليه، ويتقرب به، والدين – أيضًا - بمعنى الانقياد والاستسلام لله – عزوجل. [العلامة الطبطبائي: تفسير الميزان، مؤسسة النشر الإسلامي لجماعة المدرسين. قم. إيران، ١٤٠٢هـ، ج ٢، ص ١٦٢]
ويجمع الجرجاني بين الدين والملة والمذهب في تعريف واحد قائلًا: إن الدين والملة متحدان بالذات، ومختلفان بالاعتبار، فإن الشريعة من حيث إنها تطاع تُسمّى (دينًا)، ومن حيث إنها تجمع تسمى (ملة)، ومن حيث إنها يرجع إليها تسمى (مذهبًا)، وقيل الفرق بين الدين والملة والمذهب أن الدين منسوب إلى الله - تعالى - والملة منسوبة إلى الرسول، والمذهب منسوب إلى المجتهد.
وهكذا بعد استعراض عدد من المفاهيم اللغوية والاصطلاحية حول لفظ (الدين) وجدنا مدى الصعوبة التي وقع فيها كل من حاول تقديم تعريف محدد لمعنى الدين، فأحدهم يتجه بالمعنى إلى دلالة اللفظ، وآخرون يتجهون إلى ما يشتمل عليه من فروع، وآخرون يتجهون إلى علاقاته، وهكذا تتعدد تعريفاته تبعًا لوجهة النظر والزاوية التي ينظر منها إلى الدين، وتبعًا لاتجاه ومدرسة كل منهم، والعناصر الأساسية التي تدخلها في المفهوم. إذن ليس من اليسير وضع تعريف محدد للدين، إن تحديد مفهومه يختلف بحسب الميول الإنسانية أو النزعات الدينية، بل قد يختلف من طائفة إلى أخرى في داخل الدين الواحد.
رغم تعدد الآراء وتباين الاتجاهات يبقى الدين عنصرًا أساسيًّا في تشكيل الوعي الإنساني وبناء الحضارات، وقد ناقش العلماء مفهومه من زوايا لغوية، فلسفية، وعقائدية متباينة ما يعكس عمق تعقيده وتشعب معانيه، ويظل الاتفاق على تعريف شامل للدين أمرًا صعبًا، لتعدد مقاصده وارتباطه الوثيق بتجربة الإنسان الفردية والجماعية.
الإسلام بمعناه الشامل يعني الاستسلام والانقياد للخالق - جل وعلا-، فهو بهذا اسم للدين الذي جاء به جميع الأنبياء والمرسلين
الرباط بين الدين والأخلاق والحضارة رباط وثيق، يظهر فيه دور العقل المستنير في تحويل الفكر إلى إيمان وعمران ضمن سنن إلهية شاملة
العقيدةُ هي ما يعقد عليه القلب والضمير، ويجب أن يكون الاعتقادُ الصحيح قائمًا على الجزم واليقين، بعيدًا عن الظنّ والشكّ