كثيرا ما تتردد كلمة "استسلام" على الألسن ويكثر ذكرها في أوقات الحروب، وعندما تضع أوزارها؛ ولكنها تكون أقل ظهورا في أوقات السلم، عندما ينصرف الناس لتدبير شؤون معاشهم، يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله.
ولكن كلمة استسلام كما يفهمها المسلمون، هي في الواقع أكثر ظهورا في أيام السلم منها في أوقات الحرب؛ لأنها ترتبط ارتباطا وثيقا بدينهم وإسلامهم.
لذلك نتكلم عن الاستسلام من وجهة النظر الاسلامية، ربطًا بكلمة إسلام والمقصود منها.
إن الإسلام مصدر أسلم، وهو يأتي بمعنى خضع واستسلم، وبمعنى أدى، يقال أسلمت الشيء إلى فلان إذا أديته إليه، وبمعنى دخل في السلم بمعنى الصلح والسلامة.
ويأتي بمعنى التحرر الخالص من الشيء، ومنه قوله تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ} [الزمر:٢٩] أي: خالصا له لا يشاركه فيه من يشاكسه.
وتسمية دين الحق إسلاما يناسب كل معنى من معاني الكلمة في اللغة وأظهرها آخرها. ويؤيد ذلك الآية: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [النساء:١٢٥]، وقد وصف إبراهيم بالإسلام في عدة سور، ووصف غيره من النبيين بذلك، وبذلك نعلم أن المسلم الحقيقي هو حكم القرآن من كان خالصا من شوائب الشرك بالرحمن مخلصا في أعماله مع الايمان.
وهذا هو المراد بقوله: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران:٨٥]
ذلك أن الله تعالى شرع الدين لأمرين أصليين:
- أحدهما: تصفية الأرواح وتخليص العقول من شوائب الاعتقاد بالسلطة الغيبية للمخلوقات، وقدرتها على التصرف في الكائنات، لتسلم من الخضوع والعبودية لمن هم من أمثالها، ولما هو دونها في استعدادها وكمالها.
- وثانيهما: إصلاح القلوب بحسن القصد في جميع الأعمال، وإخلاص النية لله وللناس، ومتى حمل هذان الأمران انطلقت الفطرة من قيودها العائقة لها عن بلوغ كمالها في أفرادها وجمعياتها، وهذان الأمران هما روح المراد من كلمة الاسلام.
وأما أعمال العبادات، فإنما شرعت لتربية هذا الروح الأمرى في الروح الخلقي، ولذلك شرط فيها النية والاخلاص، ومتى تربى سهل على صاحبه القيام بسائر التكاليف الأدبية والمدنية التي يصل بها إلى المدنية الفاضلة وتحقيق أمنية الحكماء.