Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الاستسلام

الكاتب

أ. عبد العظيم منصور

الاستسلام

الاستسلام فضيلة من أسمى الفضائل بل أسمى الفضائل جميعها إذا فهم على أنه الخضوع والانقياد والتزام طاعة الله ودينه ظاهرا وباطنا، إذ يضع الاستسلام بهذا المعنى الإنسان في مقام العبودية المحضة لله، وهو أشرف مقام يمكن أن يقف فيه الإنسان؛ لأنه إذا استسلم وخضع لله، فلن يستسلم، ولن يخضع لغيره تعالى في عالم الغيب أو عالم الشهادة. 

الاستسلام من وجهة النظر الاسلامية

كثيرا ما تتردد كلمة "استسلام" على الألسن ويكثر ذكرها في أوقات الحروب، وعندما تضع أوزارها؛ ولكنها تكون أقل ظهورا في أوقات السلم، عندما ينصرف الناس لتدبير شؤون معاشهم، يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله. 

ولكن كلمة استسلام كما يفهمها المسلمون، هي في الواقع أكثر ظهورا في أيام السلم منها في أوقات الحرب؛ لأنها ترتبط ارتباطا وثيقا بدينهم وإسلامهم. لذلك نتكلم عن الاستسلام من وجهة النظر الاسلامية، ربطًا بكلمة إسلام والمقصود منها. 

إن الإسلام مصدر أسلم، وهو يأتي بمعنى خضع واستسلم، وبمعنى أدى، يقال أسلمت الشيء إلى فلان إذا أديته إليه، وبمعنى دخل في السلم بمعنى الصلح والسلامة. 

ويأتي بمعنى التحرر الخالص من الشيء، ومنه قوله تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ} [الزمر:٢٩] أي: خالصا له لا يشاركه فيه من يشاكسه. 

وتسمية دين الحق إسلاما يناسب كل معنى من معاني الكلمة في اللغة وأظهرها آخرها. ويؤيد ذلك الآية: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [النساء:١٢٥]، وقد وصف إبراهيم بالإسلام في عدة سور، ووصف غيره من النبيين بذلك، وبذلك نعلم أن المسلم الحقيقي هو حكم القرآن من كان خالصا من شوائب الشرك بالرحمن مخلصا في أعماله مع الايمان

وهذا هو المراد بقوله: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران:٨٥] ذلك أن الله تعالى شرع الدين لأمرين أصليين:

  • أحدهما: تصفية الأرواح وتخليص العقول من شوائب الاعتقاد بالسلطة الغيبية للمخلوقات، وقدرتها على التصرف في الكائنات، لتسلم من الخضوع والعبودية لمن هم من أمثالها، ولما هو دونها في استعدادها وكمالها. 
  • وثانيهما: إصلاح القلوب بحسن القصد في جميع الأعمال، وإخلاص النية لله وللناس، ومتى حمل هذان الأمران انطلقت الفطرة من قيودها العائقة لها عن بلوغ كمالها في أفرادها وجمعياتها، وهذان الأمران هما روح المراد من كلمة الاسلام. 

وأما أعمال العبادات، فإنما شرعت لتربية هذا الروح الأمرى في الروح الخلقي، ولذلك شرط فيها النية والاخلاص، ومتى تربى سهل على صاحبه القيام بسائر التكاليف الأدبية والمدنية التي يصل بها إلى المدنية الفاضلة وتحقيق أمنية الحكماء.

الاستسلام أسمى الفضائل

وعلى ذلك يكون الاستسلام فضيلة من أسمى الفضائل بل أسمى الفضائل جميعها، إذا فهم على أنه الخضوع والانقياد والتزام طاعة الله ودينه ظاهرا وباطنا، إذ يضع الاستسلام بهذا المعنى الإنسان في مقام العبودية المحضة لله، وهو أشرف مقام يمكن أن يقف فيه الانسان، لأنه إذا استسلم وخضع لله، فلن يستسلم ولن يخضع لغيره تعالى في عالم الغيب أو عالم الشهادة.

الاستسلام بمعنى الخضوع

أما الاستسلام بمعنى الخضوع لمن يوصفون بالولاية والقداسة، ويدلون بالزعامة والرياسة حيث منهم من يستعبد الناس استعبادا روحانيا، ومنهم من يستعبدهم استعبادا سياسيا، فليس من الإسلام في شيء؛ لأن الإسلام بهذا المعنى ظلم للنفس، وابتعاد عن مقام العبودية، وإخلال بالتبعية الأدبية التي يجعلها الإنسان والمعبر عنها بالأمانة في لغة القرآن، فمن يستسلم للظلم، ولا يحاول رده ودفعه ما وسعته الحيلة، فقد ظلم نفسه؛ لأن الساكت عن الظلم والمسلم له شريك فيه، ويرفض الإسلام رفضا حاسما كل اعتذار مصدره الضعف، فيقول تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء:٩٧]. لذا كان من بين أوصاف المؤمنين، دفع الظلم والانتصار للحق في قوله تعإلى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} [الشورى:٣٩]. 

والاستسلام إلى الظالمين سبب من أسباب دخول النار لقوله تعإلى: «وَلَا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ» [هود:١١٣]. 

والاستسلام والتبعية من الإنسان لمن هو من جنسه ظلم للنفس مصير صاحبه إلى النار. ولقد عرض القرآن الكريم المشاهد الفذة لتلك التبعية البغيضة، نذكر بعضا منها في قوله تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} [البقرة:١٦٦-١٦٧]. 

{وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ* رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا} [الأحزاب:٦٧-٦٨]. {وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ *قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ} [غافر:٤٧-٤٨].

استسلام مرفوض منبوذ

والاستسلام لأهواء النفس وأغراضها وشهواتها وتطلعاتها شأنه شأن الاستسلام والانقياد للرجال يرفضه الإسلام، ويرفضه رفضا حاسما صرفا للوجهة إلى الله، حتى تكون العبودية خالصة لله، ومتى حديث ذلك، امتلك الانسان زمام نفسه، وجماع ما يمكن أن يقال عن امتلاكها أن الإنسان سيستطيع برفضه الاستسلام لغير الله أن يرحل من المخلوقات إلى الخالق ومن الأكوان إلى المكون دون أن تقف هذه أو تلك في طريقه إلى الله. {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} [النجم:٤٢]. وهذا هو مقام العبودية الحقة لله. 

فالاستسلام على هذا النحو تحقيق للعزة والكرامة في نفس الإنسان: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون:٨]. 

ويخلص مما سبقت الإشارة إليه أن الاستسلام كفضيلة عالية هو الخضوع لله والتوجه إليه، والتذلل بين يديه، والانقياد تحت حكمه وعمارة القلب بذكره، حتى يكون العبد بقلبه وجوارحه حاضرا مع الله، ومراقبا له غير غافل عنه، وأن يكون ساعيًا في مرضاته وما يقرب إليه حسب طاقته وقدرته. وأن يؤمن إيمانا قاطعا بأنه لا معطي لما منع، ولا مانع لما أعطى، ولا معز لمن أذل، ولا مذل لمن أعز، ولا قابض لما بسط، ولا باسط لما قبض، كل قوي غيره ضعيف، وكل عزيز غيره ذليل، وكل عالم غيره متعلّم، فإذا استشعر الإنسان ذلك فهو مستسلم خليق بأن ينال مرتبة العبودية لله، وهو أشرف مقام يمكن أن يقف فيه الإنسان من أجل الفلاح الإنساني في الدنيا، ومن أجل النعيم المقيم في الآخرة.

الخلاصة

الاستسلامُ في الإسلامِ هو الخضوعُ التامُّ للهِ وحدهُ ظاهرًا وباطنًا، وهو أسمى الفضائلِ التي تُحرّرُ الإنسانَ من الخضوعِ لغيرِهِ، بينما يُرفضُ الاستسلامُ للظلمِ أو لأهواءِ النفسِ لكونِهِ يُنافي العزةَ والكرامةَ الإنسانيةَ.

موضوعات ذات صلة

الإسلام بمعناه الشامل يعني الاستسلام والانقياد للخالق جلّ وعلا.

الإسلام والإيمان مفهومان متكاملان يختلف معناهما حسب السياق.

يدعو القرآن الكريم إلى إعمال الفكر والنظر في آيات الله الكونية.

موضوعات مختارة