يعد فهم المحكمات والمتشابهات في القرآن الكريم أمرًا أساسيًا لتحقيق استنباط صحيح للأحكام الشرعية والتفسير الدقيق، ويعتمد تحقيق ذلك على منهج علمي دقيق يوازن بين النصوص الواضحة والمتشابهة لضمان الفهم المتكامل للنص القرآني.
يعد فهم المحكمات والمتشابهات في القرآن الكريم أمرًا أساسيًا لتحقيق استنباط صحيح للأحكام الشرعية والتفسير الدقيق، ويعتمد تحقيق ذلك على منهج علمي دقيق يوازن بين النصوص الواضحة والمتشابهة لضمان الفهم المتكامل للنص القرآني.
أولاً: في اللغة: ولهذه الكلمة معنى في اللغة - كما بينا - في الاصطلاح، ونبين المعنى اللغوي بشيء من الإيضاح.
"المحكم": اسم مفعول من "أحكم" والثلاثي منها "حكم" يقوم على معنيين أساسيين: المنع والضبط، وكلاهما لازم للآخر.. قال ابن فارس: الحاء والكاف والميم تدل على المنع. [أبو الحسن أحمد بن فارس بن زكريا، معجم مقاييس اللغة العربية ص ٢٧٧، دار الفكر، بيروت، بدون تاريخ].
والمعنى في الأصل يدور على طروء حال تقيِّد وتحصر وتمنع أمرًا عامًا مطلقًا ماديًا.
وقد يكون معنويًا.. والمنع الذي أشار إليه ابن فارس على أنه الدلالة الأصل في الكلمة، لكي يتحقق على الوجه فإنه يتطلب أمورًا أشارت إليها المعاجم منها: الضبط والإتقان والخبرة والعدل والبيان [انظر: أساس البلاغة، لسان العرب، المعجم الوسيط، مجمع البحرين، وغيرها مادة: حكم]، وهي كلها معان متقاربة ومتلازمة لكي يتم المعنى الأصل، ولولا هذه الأمور لمنع ما يجوز إطلاقه، وأطلق ما ينبغي منعه.
ثانياً في الاصطلاح: بدهي ثمة علاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي، وأن هذه العلاقة قد تقوى وقد تضعف تبعًا لمادة الكلمة وطرق الاستعمال، بل وطوائف المستعملين واضعي المصطلح.
والعلاقة هنا قوية بين المعنيين، سوى أنها في المعنى الاصطلاحي تنحو منحى الإحكام والضبط والإتقان والبيان.. من ذلك قوله سبحانه وتعالى في وصف القرآن العظيم: {الٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡحَكِيمِ} [يونس:١]، فاتحة السورة، وكل هذه المعاني تندرج تحت المعنى والضبط.
وأما لفظة "محكم" في اصطلاح الشرع الشريف، ولدى علماء العقيدة ففيها مباحث نوجزها فيما يلي:
الأول: قد دل القرآن المجيد بآياته الشريفة على أنه جميعه محكم، ودل – كذلك - على أنه جميعه متشابه، ودل – كذلك - على أن بعضه محكم، وبعضه متشابه. [الإمام محمد الرازي ابن ضياء الدين عمر المعروف بالفخر الرزي، تفسير الفخر الرازي، دار الفكر بدون تاريخ. مجلد ٤ج٧ ص١٨٢].
١- أما المعنى الأول: فقد أضأنا كلامنا بآيتين كريمتين، تقول الأولى: {الٓرۚ كِتَٰبٌ أُحۡكِمَتۡ ءَايَٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتۡ مِن لَّدُنۡ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود:١] فاتحة سورة هود -عليه السلام.
وتقول الثانية: {الٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡحَكِيمِ} [يونس:١]، فاتحة سورة يونس -عليه السلام.
والمراد بكونه جميعه محكمًا؛ فصاحة الألفاظ، وصحة المعاني، والبلاغة التي وصلت حدَّ الإعجاز.
٢- وأما المعنى الثاني: - كونه جمعيه متشابهًا - فقد قال - عز وجل -: {ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحۡسَنَ ٱلۡحَدِيثِ كِتَٰبٗا مُّتَشَٰبِهٗا مَّثَانِيَ تَقۡشَعِرُّ مِنۡهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمۡ وَقُلُوبُهُمۡ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهۡدِي بِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٍ} [الزمر٢٣]، والمراد بكونه متشابهًا هنا؛ أن يشبه بعضه بعضًا في الحسن والبلاغة والفصاحة والإعجاز، وأنه يصدق بعضه بعضًا، فلا يضرب بعضه بعضًا، وهذا ما أشار إليه قوله تعالى: {وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا} [النساء بعض آية:٨٢].
٣- وأما المعنى الثالث: فتدل عليه الآية التي وردت في مطالع سورة آل عمران والتي يقول الله تعالى فيها: {هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ} [آل عمران: ٧].
ففي هذه الآية الدليل الواضح على أن من القرآن الكريم آيات محكمات، هن أم الكتاب وآيات متشابهات.
الثاني: المراد بالمحكم من أي القرآن العظيم، قد اختلف فيه بين العلماء على أقوال، وقد يعجب القارئ حين يرى عناية السلف - رضوان الله عليهم - بنقل الآراء الكثيرة، وعنايتهم بإفراد كل منها، هذا رغم أنها جميعًا ترد إلى قولين وربما ثلاثة آراء.
لكن قد يفسر هذا ما اتسم به السلف - رحمهم الله تعالى - من أمانة وحرص على أداء ما أخذوه عن الآخر كما هو.
وفيما يلي توضيح لأهم ما ورد في المحكم عند العلماء:
١ - أن المحكم هو ما علم المراد بظاهره دون حاجة إلى قرينة تبين ذلك المراد وذلك لوضوحه. [أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي: التبيان في تفسير القرآن مج٢: ص:٣٩٤].
٢ - المحكم ما لا يشتبه معناه، والمتشابه ما اشتبه معناه.. وفي مثله: المحكم ما لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا، وعكسه المتشابه الذي يحتمل أكثر من وجه.. ومثله: المحكم ما يتعين تأويله، والمتشابه عكس ذلك، وهذه الأمور الثلاثة قد تذكر منفردة على أنها أوجه، بينما هي عندنا وجه واحد. [لترى صحة قولنا؛ انظر في ذلك المرجع السابق، وتفسير الفخر الرازي -مرجع سابق، تفسير الدر المنثور-مرجع سابق، ومن كتب اللغة - مجمع البحرين ج ٦ ص ٤٣ -٤٨، وأساس البلاغة ص١٧٥ وغيرها].
٣ – ما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن المحكم هو الناسخ لغيره، والمتشابه هو المنسوخ. [أبو جعفر الطوسي - التبيان مج٢ص٤ ٩ ٣. مرجع سابق. تفسير الفخر الرزي. ج٧ص ١٨٣-١٨٤ -مرجع سابق]
٤ - ما يروى عن بعض العلماء أن المحكم ما كان دليله واضحًا لائحًا، وعكسه المتشابه الذي يحتاج في معرفته إلى تأمل وتدبر. [الفخر الرازي: مرجع سابق ج ٧ ص ١٨٤].
الثالث: معنى كون المحكمات من الآيات {هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ} إن الله سبحانه - أحكم من أن ينزل على الناس كلامًا لا يفهمون معناه أو لا يفقهون المراد منه، أو ينزل كلامًا سهلًا مبذولًا يفهمه كل أحد لمجرد النظرة العَجْلَى، فيستوي - من ثم - العالم بالجاهل، والمتدَبرَّ بالمُدبَّر، أو يقتل في الأمة ملكة التفكير، وقدرة الاستنباط، وقوة التدبر والمقارنة والقصد إلى الجد والاجتهاد وبذل الطاقة في معرفة مراد الله سبحانه ومن ثم تكثير الثواب وإعظام المكانة.. لذلك فقد أنزل الله تعالى كتابه فيه آيات محكمات واضحات، فيها ما كلف الله – تعالى - به عباده من أمور الدين والدنيا، وكذلك أنزل آيات متشابهات، يجتهد العلماء في فهمها وتدبرها، والبحث عن مراد الله عز وجل منها..
ولأن المجتهد على خطر الخطأ، والخطأ هنا في العدوة القصوى من الخطر، فلقد نصب الله - تبارك تعالى - الآيات المحكمات دليلًا ومقياسًا ومرجعًا، يرجع إليه العلماء في الآيات المتشابهات، ويقيسونها بها، ويدركون مراد الله – تعالى - منها بِرَجْعها إلى المحكمات.. لا جرم كانت الآيات المحكمات هن أم الكتاب التي يُستولد منها المراد بالمتشابهات، كما تلد الأمهات المتماثلين بنين وبنات.. من ثم كانت الآيات المحكمات أمهات للمتشابهات.
على أن ثمة معنى آخر لكون المحكمات أم الكتاب، وهو معنى لائح واضح، ويقوم على أن الآيات المحكمات قد اشتملت على كل ما ورد الكتاب العزيز من أجله، ففيه الأحكام والتشريعات من عقائد وعبادات وأخلاق وآداب، فليس من شيء تَعَّبد الله به خلقه قد جاء في المتشابهات، لكن كل ذلك جاءت به الآيات المحكمات، من أجل ذلك كانت "هن أم الكتاب" وهذا الوجه يعني أنه لا بأس أن يظل المتشابه على حاله، لكن يجب الإيمان به، فإن علمنا مراد الله – تعالى - منه كان فضلًا منه، وإن لم نعلم آمنا به دون تأويل مؤد إلى الفتنة والزيغ، وقد أخرج ابن جرير والحاكم وصححه، وأبو نصر السجزي في الإبانة عن ابن مسعود كما أخرجه ابن أبى حاتم عن ابن مسعود موقوفًا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كان الكِتابُ الأوَّلُ ينزِلُ مِن بابٍ واحدٍ وعلى حرفٍ واحدٍ، ونزَل القُرآنُ مِن سبعةِ أبوابٍ، على سبعةِ أحرُفٍ: زاجِرٍ وآمِرٍ وحلالٍ وحرامٍ ومُحكَمٍ ومُتشابِهٍ وأمثالٍ فأحِلُّوا حلالَه وحرِّموا حرامَه وافعَلوا ما أُمِرْتُم به وانتَهُوا عمّا نُهِيتم عنه واعتَبِروا بأمثالِه واعمَلوا بمُحكَمِه وآمِنوا بمُتشابِهِه وقولوا: {ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ }» [آل عمران: ٧].
المحكمات في القرآن هي الآيات الواضحة البيّنة التي تحمل معنى واحدًا لا يحتمل الالتباس، وهي الأساس الذي يجب أن يُرجع إليه عند مواجهة الآيات المتشابهة.
المحكمات تُعدّ "أم الكتاب" لما لها من مكانة في فهم القرآن وتشريع الأحكام، أما المتشابهات فهي التي تحتاج إلى تدبر وتأويل، ويجب التعامل معها بحذر وفق منهج يعتمد على ربطها بالمحكمات وإعمال العلم، بهذا تتضح عظمة القرآن وبلاغته التي تجمع بين الثبات والمرونة، ويُمحص بها إيمان الراسخين في العلم ويُبتلى بها المتبعون بلا تدبر.
كلام الله المعجز المنزل على سيدنا محمد ﷺ، هو هداية شاملة للبشرية ومعجزة خالدة تثبت صدق الرسالة.
القرآن غالبًا ما يعرض الأحكام في صورة كليّات.
هو من إضافة المصدر إلى القرآن: أن جميع من عدا الله من الإنس والجن قد أعجزهم القرآن عن الإتيان بمثله.