السمعيات هي العقائد التي لا يُدركها العقل وحده، بل يُثبتها الوحي كالآخرة والحساب، وقد اختلف العلماء بين من يُقدّم العقل عند التعارض، ومن يرى أن النقل لا يتعارض أصلًا مع العقل الصريح.
السمعيات هي العقائد التي لا يُدركها العقل وحده، بل يُثبتها الوحي كالآخرة والحساب، وقد اختلف العلماء بين من يُقدّم العقل عند التعارض، ومن يرى أن النقل لا يتعارض أصلًا مع العقل الصريح.
المعنى اللغوي: السمع حسُّ الأذن، وفي التنزيل: {أَوۡ أَلۡقَى ٱلسَّمۡعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق: ٣٧] أي: استمع، وإلقاء السمع كناية عن الاستماع؛ لأن من لا يسمع، فكأنه حفظ سمعه وأمسكه، فإذا أرسله حصل الاستماع، وفيه أيضًا قوله تعالى: {إِن تُسۡمِعُ إِلَّا مَن يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا} [النمل: ٨١] أي ما تسمع إلا من يؤمن بها، وأراد بالإسماع هنا القبول والعمل بما يسمع، لأنه إذا لم يقبل ولم يعمل فهو بمنزلة من لا يسمع. [الزبيدي: تاج العروس مادة [سمع]، وقد عرف الإيجي السمعيات ٧٥٦هـ [الإيجي: المواقف بشرح الجرجاني ج٥/٨].
بقوله: هي الأمور التي يتوقف عليها السمع كالنبوة، أو تتوقف هي على السمع كالمعاد وأسباب السعادة والشقاوة من الإيمان والطاعة والكفر والمعصية؟
كذلك فسرها ابن الهمام ٨٦١هــ بقوله: أي ما يتوقف على السمع من الاعتقادات التي لا يستقل العقل بإثباتها كالحشر والنشر وعذاب القبر ونعيمه ونحو ذلك [المسايرة مع شرحها المسمى المسامرة " ص ٢٨٦ -٨٧ ٢ بتحقيقنا].
غير أن ابن الهمام خصها بالأمور الاعتقادية التي تتوقف على السمع، أوما طريق المعرفة بها هو السمع وحده.
ويقرر البغدادي (٤٢٨ هـ) حين يتناول الأحكام الشرعية من وجوب وحظر وإباحة بأن الطريق إلى هذه الأحكام هو ورود الخبر، والأمر من الله تعالى فيه بالخطاب أو على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلـم - المعجزة على صدقه [البغدادي: أصول الدين ص ٢٠٣، وانظر ص ٤ ٢ وما بعدها]، وهذا هو المراد بالسمعيات.
ويذكر الغزالي تعريف القاضي أبي بكر الباقلاني للنص حيث يقول: قال القاضي: يجوز التمسك به في كل معقول ينحط إثباته عن إثبات الكلام للباري، فإنه مستند السمعيات كما في مسألة الرؤية وخلق الأفعال، ولكن ليعتقد أن الدليل لا ينحصر [المنخول ص ١٦٧-١٦٨ تحقيق هيتو].
ويبين لنا الجويني المراد بالسمعيات بمزيد من الإيضاح حين يقسم أصول العقيدة إلى ما يسود فيها الدليل العقلي ولا مجال لدليل آخر فيها، وإلى ما يسود فيها الدليل السمعي وينفرد بالدلالة عليها، وما يشترك فيه الدليل السمعي والدليل العقلي.
أما القسم الأول من الأصول التي تسود فيها الدلالة العقلية ولا مجال للأدلة السمعية فيها فمنه حدوث العالم ووجوب المحدث وهذا ما ترتكز عليه العقيدة الدينية وكذلك قدرته وعلمه وإرادته وكونه حيًا إلى غير ذلك من أصول تتقدم على العلم بكلام الله تعالى وكونه كلامًا صدقًا فأما ما لا يدرك إلا عقلًا فكل قاعدة في الدين تتقدم على العلم بكلام الله تعالى ووجوب اتصافه بكونه صدقًا [الجويني: الإرشاد، [باب القول في السمعيات] ص ٣٥٨].
وهذا القسم فيما يرى الجويني وغيره من الأشاعرة هو كل ما لم يثبت تثبت الأدلة الشرعية؛ لأن الأدلة الشرعية متوقفة على ثبوت مشرع عالم قادر مريد متكلم، فلو توقفت معرفة الله وكونه عالمًا قادرًا مريدًا متكلمًا على النص الشرعي لأدى ذلك إلى الدور وهو محال، يقول: "إن السمعيات تستند إلى كلام الله تعالى، وما يسبق ثبوته في الترتيب ثبوت الكلام وجوبًا فيستحيل أن يكون مدركه السمع [نفسه].
أما القسم الثاني: و هو ما لا يدرك إلا بالسمع وحده فهي الأصول التي لا يتوقف على ثبوتها ثبوت الشرع، ولا يمكن للعقل منفردًا إدراكها، وذلك نحو القضاء بوقوع ما يجوز العقل وقوعه، فالحكم بوقوع هذا الجائز فيما غاب عنا لا يتقرر إلا بسمع، وذلك، كالعلم بوقوع المعاد والحشر والميزان والصراط وأخذ الكتاب باليمين أو بالشمال ونحو ذلك من أمور الغيب، فإن هذه الأمور ممكنة أي: يجوزها العقل وجودًا أو عدمًا، ولكنه يتوقف في الحكم بتخصيص أحدها بالوقوع، فالحكم بالوقوع أو عدمه وترجيح أحد الطرفين على الآخر طريق المعرفة به هو السمع وحده.
ومن الأمور التي تندرج تحت هذا القسم أيضًا عند الجويني جملة أحكام التكليف وقضاياه من التقبيح والتحسين والإيجاب والحظر والندب والإباحة، فذلك كله طريقه السمع يقول الجويني وأما ما لا يدرك إلا سمعًا فهو القضاء بوقوع ما يجوز في العقل وقوعه، ولا يجب أن يتقرر الحكم بثبوت الجائز ثبوته فيما غاب عنا إلا بسمع، ويتصل بهذا القسم عندنا جملة أحكام التكليف وقضاياها من التقبيح والتحسين والإيجاب والحظر والندب والاباحة [السابق ص ٣٥٨].
أما القسم الثالث: يشمل الأصول التي تشترك فيها الأدلة العقلية مع الأدلة الشرعية، وهي التي لا يتوقف ثبوت الشرع على ثبوتها، ويمكن إدراكها بالعقل، وذلك كرؤية المؤمنين لله تعالى في الآخرة، وانفراده تعالى بخلق العالم، يقول الجويني: "وأما ما يجوز إدراكه عقلًا وسمعًا، فهو الذي تدل عليه شواهد العقول، ويتصور ثبوت العلم بكلام الله تعالى متقدمًا عليه، فهذا القسم يتوصل إلى دركه بالسمع والعقل، ونظير هذا القسم إثبات جواز الرؤية وأما كون الرؤية ووقوعها فطريق ثبوتها الوعد الصدق والقول الحق". [السابق ص ٣٥٩].
ومن هذا القسم أيضًا: المعاد، فإن جواز إعادة المعدوم مما يشترك فيه الدليل السمعي والدليل العقلي معًا.
أما الحكم بإعادة المعدوم في الاخرة فذلك مما تسود فيه الأدلة السمعية والعقل يقر بإمكانها، يقول الجويني: مقصود هذا الباب يحصره فصلان: أحدهما: في إثبات جواز الإعادة، والثاني: في وقوعها. فأما جواز الإعادة فالعقل يدل عليه، ويدل عليه السمع أيضًا، فأما وقوعها فمستدرك بالأدلة السمعية [السابق ص ٣٧١-٣٧٣].
وارتضى كثير من المتكلمين ممن تعرضوا لبحث السمعيات بالأدلة السمعية في هذه الأصول من حيث إنها لا يتوقف ثبوت السمع عليها ولم يكن هناك ما يسمى بالدور حين الاستدلال بهذه الأدلة، كما لا يترتب عليها إلزامات من قبل المعارضين لاستخدام هذه الأدلة، ونفس هذا التقسيم نجده لدى المعتزلة حيث يقسمون، أمور العقيدة باعتبار نوعية الدلالة السائدة فيها وإلى ما طريق المعرفة به الأدلة السمعية، وإلى ما يشترك السمع والعقل في الدلالة عليها.
أ - أما الأصول التي لا مجال فيها إلا للعقل فهي التوحيد والعدل وما اندرج تحتهما من أصول يكون الجهل بها مقتضيًا للجهل بالله تعالى وكونه عدلًا حكيمًا، وهذا ما عليه جميع المعتزلة. [القاضي عبد الجبار: المغني ج١٧/٩٣ وما بعدها، ج٤ [الرؤية] /١٧٥٤١٧٣، شرح الأصول الخمسة ص٨٨، متشابه القرآن ج ١/ ٢، الرسى: مجموعة رسائل العدل والتوحيد ج١ /٩٦].
ويدلل المعتزلة لمذهبهم هذا بأن الخبر لا يعلم كونه صدقًا أو كذبًا من خلال صيغته وذاته، بل يعلم ذلك من خلال المخبر به، والحال كذلك فيما يتعلق بالأمر والنهى فلكي يمكن الاستدلال بالسمع - من حيث كونه خبرًا - على ما يدل عليه، لا بد من معرفة أن فاعله صادق في أخباره، وأنه لا يجري المعجزة على أيدي الكذابين، وذلك متوقف على معرفة كونه تعالى عدلًا حكيمًا لا يختار فعل القبيح، وذلك لا يتأتى إلا بمعرفة الله تعالى وما يختص به في ذاته، وأنه تعالى صادق في أخباره، وأنه لا يجري المعجزة على أيدي الكذابين، وعندئذ يمكن الاستدلال بالقرآن على ما يدل عليه [متشابهة القرآن ص ٣٠،٣١].
وعلى هذا فإننا لو استدللنا على الله تعالى بالقرآن الذي يتوقف إثباته وكونه دلالة على معرفة الله تعالى، لتوقف كل منهما على الآخر، وهذا هو الدور الباطل، لأن ذلك يوجب أن يدل كل واحد منهما على ما عليه، وأن يكون دليلًا على نفسه [نفسه ص٣١].
وكذلك فإننا لو استدللنا بالأدلة السمعية على ما لولا العلم به، لما علمت كونها دلالة، لصار الفرع دليلًا على أصله، وذلك يتناقض، لأن من حق الدلالة أن تكون كالأصل لما تدل عليه فإذا كان المدلول أصلًا للدلالة فإنه يؤدي إلى أن كل واحد منهما أصل لصاحبه، وعلى هذا فلا يصح الاستدلال بالأدلة السمعية على التوحيد والعدل ومقدماتهما، لأن الدلالة السمعية لا تعلم إلا بعد العلم بالتوحيد والعدل ومقدماتهما، فصار كالوجه في كونها دلالة. [المغني ج١٦ [إعجاز القرآن] ص ٣٥٤، ج١٧ [الشرعيات] ص٩٣].
وينطبق هذا -أيضًا- على السنة، فإن العلم بحجيتها تابع للعلم بأنه - عز وجل - لا يفعل القبيح، وأن خطابه حجة، فمن لم يعلم ذلك من حاله تعالى، وحال خطابه، لم يمكنه أن يحتج بقول النبي -صلى الله عليه وسلـم- [متشابه القرآن ص ٣٣، شرح الأصول الخمسة ص ٨٩ في الاستدلال على معرفه الله بتوحيده وعدله].
أما ما تنفرد فيه الأدلة السمعية فهي الأحكام التي ترد في بقية الأصول، ولا مجال للعقل فيها، كمقادير الثواب والعقاب في الآخرة، وكذلك عذاب القبر وما يتعلق به، والمرور على الصراط وغيرها مما طريقه السمع وحده، أما ما يشترك فيه السمع والعقل معًا فالرؤية، وأصل الوعيد، وإن كانت هذه الأمور ثابتة بالشرع، فإن العقل يقر بجوازها. [نفسه، المغني ج١٦ الشرعيات].
ونجد مثل هذا التقسيم لدى أبي الحسين البصري، حيث يقول تحت عنوان باب فيما يعلم بأدلة العقل وما يعلم بأدلة الشرع اعلم أن الأشياء المعلومة بالدليل إما أن يصح أن تعلم بالعقل فقط، وإما بالشرع فقط، وإما بالشرع وبالعقل.
وأما المعلومة بالعقل فقط، فكل ما كان في العقل دليل عليه، وكان العلم بصحة الشرع موقوفًا على العلم به، كالمعرفة بالله وبصفاته، وأنه غني لا يفعل القبيح، فأما ما يصح بالشرع وبالعقل، فهو كل ما كان في العقل دليل عليه، ولم تكن المعرفة بصحة الشرع موقوفة على المعرفة به، فأما ما يعلم بالشرع وحده (وهو ما أطلق عليه السمعيات) فهو: ما في السمع دليل عليه، دون العقل، كالمصالح والمفاسد الشرعية، وما له تعلق بهما، أما المصالح والمفاسد الشرعية، فهي الأفعال التي تعبدنا بفعلها أو تركها بالشريعة، نحو كون الصلاة واجبة، وشرب الخمر حرامًا، وغير ذلك.... وأما ما له تعلق بالمصالح والمفاسد الشرعية، فهي طرق الأحكام الشرعية، كالأدلة والأمارات، وأسباب هذه الأحكام، وعللها وشروطها، أما الأدلة فكون الإجماع حجة، وأما الأمارات فكون القياس وخبر الواحد حجتين على قول من قال لا نعلم ذلك بالعقل، وأما الأسباب فكون زوال الشمس سببا للصلاة، وأما العلل فالكيل الذي هو علة الربا [المعتمد في أصول الفقه٢- ٣٢٧/٣٢٨].
وبالجملة: فإن المعتزلة يرون أنه لا يجوز أن يستدل بالدليل السمعي على معرفة الله بتوحيده وعدله؛ لأن العقل أصل للسمع والاستدلال بالفرع على الأصل لا يجوز وبهذا يتخلص موقف المعتزلة من الدليل النقلي، وقد شاكهم في تقسيمهم الثلاثي لأمور العقيدة، وموقفهم المماثل من الدليل النقلي عدد من الأشاعرة وانتقد ابن تيمية هذا التقسيم الثلاثي وبين أن أصول الدين أما إن تكون مسائل - يجب اعتقادها، ويجب أن تذكر قولًا، أو تعمل عملًا، كمسائل التوحيد والصفات، والقدر، والنبوة، والمعاد، أو دلائل هذه المسائل.
أما القسم الأول: فكل ما يحتاج الناس إلى معرفته واعتقاده والتصديق به من هذه المسائل فقد بينه الله ورسوله بيانًا شافيًا قاطعًا للعذر ... وهو من أعظم ما أقام الله به الحجة على عباده فيه بالرسل الذين بينوه وبلغوه.
أما القسم الثاني: وهو دلائل هذه المسائل الأصولية - فإنه وإن كان يظن طوائف من المتكلمين أو المتفلسفة أن الشرع إنما يدل بطريق الخبر الصادق فدلالته موقوفة على العلم بصدق المخبر، ويجعلون ما يبنى عليه صدق المخبر معقولات محضة، فقد غلطوا في ذلك غلطًا عظيمًا [درء تعارض العقل والنقل ج ٧/١ ٢-٨ ٢].
والحق أن الأشاعرة لم يقولوا: إن الدليل النقلي لا يفيد اليقين على إطلاقه، بل قالوا: إنه لا يفيد اليقين إلا بقرائن سواء كانت مشاهدة أو متواتر، ووضعوا قانونًا ينص على تقديم العقل على النقل عند التعارض، واقترنت صياغة هذا القانون باسم الإمام الفخر الرازي، فهو أول من استخدم.. فيما لدينا من مصادر عدم المعارض العقلي لكي يفيد الدليل النقلي اليقين، وتابع الرازي (٦٠٦هـ) في موقفه هذا الآمدي (٦٣١هـ)، حيث يقول تحت عنوان الفصل السابع: فيما ظن أنه من الأدلة المفيدة لليقين وليس منها الاستدلال بما يتوقف كونه دليلًا على معرفة مدلوله، وذلك كالاستدلال بكلام الله تعالى، على صدق رسوله، ووجود الباري تعالى ونحوه، وهو دور ممتنع، حيث إنا لا نعرف المذكور من كلامه، إلا بعد معرفة وجوده، وصدق رسوله على معرفة كلامه؛ كان دورًا، فهذه الطريق غير يقينية، وإن كانت مفيدة للظن [درء تعارض العقل والنقل ج١/٢٧-٢٨]، وكذلك الإيجي في مواقفه، ثم تلميذه سعد الدين التفتازاني في مقاصده.
ويجب علينا أولًا أن نتبين المراد بالدليل النقلي أو الدليل السمعي؛ لأنه المتبادر إلى الذهن ويرى الرازي أن الدليل النقلي لا يفيد اليقين إلا عند تيقن أمور عشرة: عصمة رواة مفردات أن الدليل السمعي، هو القرآن والسنة ليس غير، وهذا خطأ، يقول الآمدي: الدليل السمعي - في العرف- هو الدليل اللفظي المسموع، وفي عرف الفقهاء هو الدليل الشرعي، وهو عندهم منقسم إلى: الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة، والقياس والاستدلال.
وذلك لأن الدليل الشرعي: إما أن يكون وروده وظهوره من جهة النبي - صلى الله عليه وسلـم -، أو من جهة غيره.
فإن كان الأول: فإما أن يكون من قبيل المتلو أو غيره، فإن كان من قبيل المتلو: فهو الكتاب، وإن كان من قبيل غير المتلو: فهو السنة، ويدخل فيه أقوال النبي - صلى الله عليه وسلـم - وأفعاله وأقاريره.
وإن كان الثاني: فإما أن يشترط فيه عصمة من صدر عنه، أو لا يشترط.
فإن كان الأول: فهو الإجماع، وإن كان الثاني فإما أن تكون صورته ونظمه يحمل على معلوم مجمع عليه من الأمة، أو منصوص عليه من الشارع، أو لا يكون كذلك فإن كان الأول: فهو القياس، وإن كان الثاني: فهو الاستدلال.
وأما في عرف المتكلمين فإنهم إذا أطلقوا الدليل السمعي: فلا يريدون به غير الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة [الآمدي، أبكار الأفكار ٤/ ٣١٩-٠ ٣٢، وانظر: الإحكام في أصول الأحكام ج١ /٨وما بعدها].
تلك الألفاظ، وإعرابها وتصريفها، وعدم الاشتراك والمجاز، والنقل، والتخصيص بالأشخاص والأزمنة، وعدم الإضمار، والتأخير والتقديم، والنسخ، وعدم المعارض العقلي الذي لوكان لرجح عليه؛ إذ ترجيح النقل على العقل، يقتضي القدح في العقل، المستلزم للقدح في النقل لافتقاره إليه، وإذا كان المنتج ظنيًّا فما بالك بالنتيجة.
ويتبع هذا الكلام بقوله: النقليات بأسرها مستندة إلى صدق الرسول -صلى الله عليه وسلـم- على العلم به، لا يمكن إثباته بالنقل، وإلا لزم الدور.
أما الذي لا يكون كذلك، فكل ما كان خبرًا بوقوع ما لا يجب عقلًا وقوعه، كان الطريق إليه النقل ليس إلا، وهو إما العام كالعادِيَّات، أو الخاص كالكتاب والسنة، والخارج عن القسمين يمكن إثباته في الجملة بالعقل والنقل معًا [محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين ص ١ ٣-٢ ٣ ط أولى].
يقول الرازي: فكل ما يتوقف العلم بصدق الرسول على العلم به، لا يمكن إثباته بالنقل، وإلا لزم الدور [نفسه ص ٣٢] فمقصود الرازي هنا أن الدليل النقلي لا يفيد اليقين، بمفرده في هذا القسم، وهذا ما نجده - أيضًا - عند إمام الحرمين قبله. [انظر الإرشاد، باب القول في السمعيات ص ٣٥٨-.٣٦٠].
ويؤيد ما نراه قول الإمام الرازي بعد ذلك "أمَّا الذي لا يكون كذلك، فكل ما كان خبرًا بوقوع ما لا يجب عقلًا وقوعه، فكان الطريق إليه النقل ليس إلا... والخارج عن القسمين يمكن إثباته في الجملة بالعقل والنقل معًا [المحصل ص ٢ ٣ ط، أولى].
وبالوقوف عند العبارة الأخيرة للرازي مكن إثباته - في الجملة - بالعقل والنقل معًا نرى أنه لو كان الرازي يقول بظنية الدليل النقلي بإطلاق، لما كان هناك ضرورة للنقل في الاستدلال عنده، يتأيد ذلك في استدلال الرازي على أن الله تعالى منزه عن الجسمية والحيز والجهة بتسع عشرة حجة سمعية، كما أنه بالوقوف عند كلام الرازي في تعارض العقل والنقل نجد الرازي قد حصر هذا التعارض في المتشابهات ليس إلا بنص كلامه في أساس التقديس اعلم أن الدلائل القطعية العقلية قامت على ثبوت شيء، ثم وجدنا أدلة نقلية يشعر ظاهرها بخلاف ذلك فهناك لا يخلو الحال من أحد أمور أربعة ... إلى أن يقول: ولما بطلت الأقسام الأربعة لم يبق إلا أن يقطع بمقتضى الدلائل العقلية القاطعة بأن هذه الدلائل النقلية إمَّا أن يقال: إنها غير صحيحة، أو يقال إنها صحيحة إلا أن المراد منها غير ظواهرها ٠٠٠ وإن لم يجز التأويل فوضنا العلم بها إلى الله تعالى، فهذا هو القانون الكلي المرجوع إليه في تجميع المتشابهات وبالله التوفيق [أساس التقديس ص ١٧٢ - ١٧٣ ط، مصطفى الحلبي القاهرة ١٣٥٤/١٩٣٥].
وكذلك فعل الإيجي الأشعري حيث نقل كلام الرازي بصدد إفادة الأدلة النقلية لليقين منزوعًا من سياقه حيث قال: "الدلائل النقلية هل تفيد اليقين؟ قيل: لا. لتوقفه على العلم بالوضع والإرادة إلى أن يقول ناقلًا عن الرازي في "نهاية العقول: لكن عدم المعارض العقلي غير يقيني، إذ الغاية عدم الوجدان، ولا يفيد القطع بعدم الوجود، فقد تحقق أن دلالتها تتوقف على أمور ظنية فتكون ظنية ". [المواقف وشرحه ج٢ /٥٥]
فكان يجب - فيما نرى - على الإيجي أن يذكر أن قول الرازي بعدم إفادة الدليل النقلي اليقين مع وجود المعارض العقلي، والتعارض العقلي لا يكون - كما أكد الرازي - إلا في جميع المتشابهات سواء في القرآن أو في السنة.
مع أن الإيجي نفسه يقول بعدما أورد كلام الرازي: والحق إنها - أي الدلائل النقلية - تفيد اليقين بقرائن، وهذه القرائن إما مشاهدة أو متواترة تدل على انتقاء الاحتمالات المذكورة، وهى: أن يكون اللفظ المنقول قد وضع بمعنى هو نفس المعنى الموضوع له الآن، وأن يكون هذا المعنى هو المعنى المراد وليس غيره، وألا يكون هناك معارض عقلي، واستدل على ذلك بقوله : إن الألفاظ المشهورة المتداولة في زمن الرسول -صلى الله عليه وسلـم- فيما بين جميع أهل اللغة هو المراد منها الآن، والتشكيك فيه سفسطة، فإذا انضم إلى مثل هذه الألفاظ قرائن مشاهدة أو منقولة تواترًا تحقق العلم والإرادة وانتفت الاحتمالات أولًا يكون هناك معارض عقلي إذا تعين صدق القائل، وكان مرادًا له [نفسه].
وتابع السعد التفتازاني شيخه الإيجي، حيث يقول: ولا خفاء في إفادة النقل الظن، وأما إفادته اليقين فيتوقف على العلم بالوضع والإرادة وذلك بعصمة رواة العربية ... والمعارض العقلي، إذ لا بد معه من تأويل النقل؛ لأنه فرع العقل، فتكذيبه تكذيبه، نعم قد ينضم إليه قرائن تنفي الاحتمال فيفيد القطع بالمطلوب، وينفي المعارض في العقليات مثل: {قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: ١] "ولا إله إلا الله".
الهدف الرئيسي مما ساقه الرازي وتبعه من جاءوا بعده كالآمدي، والإيجي، والتفتازانى، وغيرهم في هذه المسألة هو تبرير تأويل النقل عند وجود المعارض العقلي، والمعارض العقلي - كما أكده الرازي ويوافقه كثير من المحققين - لا يكون إلا في المتشابهات.
لكن اللجوء إلى التأويل وتبرير الأخذ به عند التعارض لم يرتضه كثير من مفكري الإسلام قدامى ومحدثين، حيث يرى هؤلاء إجراء المتشابهات على ظواهرها مع التنزيه الكامل لله {لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٌ} [الشورى: ١١]، ولا حاجة إلى التأويل؛ لأنه ليس هناك تعارض بين النقل والعقل، وأن ما ظنه الرازي ومن وافقه معارضًا عقليًّا ليس في الحقيقة معارضًا عقليًّا، بل هو دليل فاسد؛ لأن نسبة هذه الظواهر إلى الله تعالى غير نسبتها إلى المخلوقين، فالنسبة إلى الذاتين [ذات الله سبحانه وذوات المخلوقين] مختلفة، وإنما يكون هناك تعارض بين العقل والنقل إذا كانت النسبتان متساويتين، وما دام الله سبحانه: {لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٌ}[الشورى: ١١]، فليس كذاته ذات ولا كصفاته صفات، ولا كأفعاله أفعال، كما أكد على ذلك كثير من علماء الإسلام في جل كتبه وفي كثير من المواضع منها وتلميذه ابن قيم الجوزية وكثير قبلهما وبعدهما.
ويقول الإمام الكوراني الشهرزوي [١١٠١هـ]: "قد عرف إجماع السلف على الإيمان بظواهر المتشابهات مع التنزيه بـ {لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٌ} [الشورى :١١] والاعتراف بجهل الكيف - أي بوجه نسبتها إليه تعالى المجامع للتنزيه، وإجماع القرون الثلاثة [الصحابة والتابعين وأتباع التابعين دليل واضح على الجزم بأن القائل الصادق أراد بها ظواهرها وهو عين الدليل على أن نسبتها إليه تعالى ليست كنسبتها إلى غيره من المحدثات؛ لأن بقاء التنزيه مع نسبة ظواهرها إليه تعالى - عين الدليل على أن ذاته تعالى مخالفة لذوات المحدثات، فلا يلزم من نسبتها إليه المحذور الذي يلزم من نسبتها إلى المحدثات، وهو عين الدليل على إن ثمة إمكانًا خفيًّا لم يدركه العقل بفكره، لأن الوقوع فرع الإمكان، فلم يجز أن يكون من الممتنعات، وهو عين الدليل على الجزم بعدم المعارض العقلي وعلى ما ظنوه معارضًا عقليًّا، ليس معارضًا حقيقة، بل دليل فاسد مبني على التسوية بين النسبتين - أي نسبتها إليه تعالى ونسبتها إلى المحدثات المستلزم للتسوية بين الذاتين، المستلزم للاستحالة العقلية المحقق لوجود المعارض العقلي، لكن الحق -سبحانه-، لكونه: {لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٌ} [الشورى: ١١] ذاته مخالفة لذوات المحدثات قطعًا، فليست نسبتها إليه تعالى كنسبتها إلى المحدثات، فلا يستلزم إرادة ظواهرها الاستحالة العقلية، فظهر أنه لا يلزم من تقديم الدليل النقلي الثابت صدق قائله بالدليل العقلي الصحيح على هذا الدليل الذى ظنوه معارضًا عقليًّا، إبطال الأصل بالفرع المستلزم لإبطال الفرع، بل إنما يلزم تقديم ما ثبت صدقه جزمًا بدليل عقلي صحيح على دليل عقلي ظن صحيحًا باد الرأي، وهو فاسد في نفس الأمر، وهذا التقديم - في الحقيقة - راجع إلى تقديم الأصل الصحيح على الأصل الفاسد، وهذا لا تناقض فيه ولا تنافي، وبالله التوفيق المهيمن الكافي" [الكوراني، إمداد ذوي الاستعداد لسلوك مسلك السداد (مخطوط بدار الكتب المصرية رقم ٣٠٩ كلام - باب الدلائل النقلية هل تفيد اليقين أم لا ؟].
ويرد ابن المرتضى اليماني [٨٤٠هـ] على القول بتقديم العقل دفعًا لتعارض العقل والنقل بقوله؛ فإن قبول تقديم العقل على السمع أولى عند التعارض لأن السمع علم بالعقل، فهو أ صله، وبطل العقل، بطل السمع والعقل معًا.
قلنا: قد اعترضهم في ذلك المحققون بأن العلوم يستحيل تعارضها في العقل والسمع، فتعارضها تقدير محال، فإنه لو بطل السمع أيضًا بعد أن دل العقل على صحته لبطلا معًا أيضًا، لأن العقل قد كان حكم بصحة السمع وأنه لا يبطل، فحين بطل السمع علمنا ببطلانه بطلان الأحكام العقلية، وممن ذكر ذلك ابن تيمية، وابن دقيق العيد، والزركشي في شرح جمع الجوامع. [إيثار الحق على الخلق ص ١٢٣ دار الكتب العلمية - بيروت].
السمعيات هي العقائد التي لا يثبتها العقل استقلالًا، بل تعتمد على الوحي كالبعث والحساب، وقد قُسِّمت العقائد إلى ما يُدرك بالعقل فقط، أو بالنقل فقط، أو بهما معًا، كما فعل الأشاعرة والمعتزلة، ويرى بعض المتكلمين ضرورة تقديم العقل عند التعارض مع النقل، دفعًا للدور، بينما يؤكد آخرون أن النقل الصحيح لا يتعارض مع العقل الصريح، بل يُفسر المتشابه وفق قاعدة التنزيه.
العقيدةُ هي ما يعقد عليه القلب والضمير، ويجب أن يكون الاعتقادُ الصحيح قائمًا على الجزم واليقين
لغيب هو ما استأثر الله تعالى بعلمه أو أطلَعَ عليه من شاء من رسله بوحي صادق. وكل من ادعى علمه بغير وحي فهو مفترٍ
البعث هو إحياء الله الموتى، وإخراجهم من قبورهم، وقد اتفق المحققون من الفلاسفة وجميع الملليين