Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الوحي

الكاتب

أ.د./ جودة محمد أبو اليزيد المهدي

الوحي

الإيمان بالوحي الإلهي هو أساس الاعتقاد بالقرآن الكريم ورسالة النبي صلى الله عليه وسلم، حيث يعد الوحي وسيلة اتصال الله تعالى مع أنبيائه، ويتجلى هذا في أشكال متعددة من الوحي، والتي تبرز أهميته في فهم النصوص القرآنية وتفسيرها.

تعريف الوحي وأهميته

الإيمان بالوحي الإلهي ضرورة حتمية للإيمان بالقرآن وبالرسالة؛ لأن الوحي هو وسيلة إنزال القرآن على قلب النبي صلى الله عليه وسلم كما صرح بذلك في قوله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ قُرۡءَانًا عَرَبِيّٗا لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلۡقُرَىٰ وَمَنۡ حَوۡلَهَا} [الشورى: ٧]، ومن ثَمَّ كانت قضية الوحي بأبعادها المختلفة لها عظيم الأهمية في مجال البحث القرآني مما يستلزم إلقاء الضوء عليها وإزالة اللبس المكتنف لها.

ويُعَرَّف الوحي لغة: بأنه الإعلام في خفاء، وأصله كما قال الراغب: الإشارة السريعة.

ومجمع القول في معناه اللغوي: أنه الإعلام الخفي السريع الخاص بمن يوجه إليه بحيث يخفى على غيره [محمد رشيد رضا: الوحي المحمدي ص٧ ط الزهراء للإعلام العربي ٠٨ ٤ ١هـ- ٩٨٨ ١م]، ويتفرع عن هذا المدلول اللغوي عدة معان للوحي: كالإشارة والكتاب والرسالة والأمر والتفهيم. [د/ جودة محمد أبو اليزيد المهدي: فتح الجليل في علوم التنزيل: ص١ ٩ ١ - ٩٢ ١، ط/ دار الفاتح للتراث الإسلامي].

أما الوحي بمعناه الشرعي: فهو إعلام الله تعالى لنبي من أنبيائه بحكم شرعي ونحوه بطريقة خفية غير معتادة للبشر [محمد رشيد رضا: الوحي المحمدي ص ٨ ط/ الزهراء ٠٨ ٤ ١هـ، وعبد العظيم الزرقاني: مناهل العرفان ٥٦/١ ط/ الحلبي].

وللوحي إطلاقات عديدة ورد به في القرآن الكريم مفرعة عن المدلول اللغوي الأصلي لمادة "الوحي" و"الإيحاء":

فمن ذلك: إطلاق الوحي بمعنى الإلهام الفطري للإنسان، كما في قوله تعالى: {وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ أُمِّ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَرۡضِعِيهِۖ} [القصص: ٧]، وقوله تعالى: {وَإِذۡ أَوۡحَيۡتُ إِلَى ٱلۡحَوَارِيِّـۧنَ أَنۡ ءَامِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي} [المائدة: ١١١].

ومن ذلك: إطلاق الوحي بمعنى الإلهام الغريزي للحيوان، كما في قوله تعالى: {وَأَوۡحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحۡلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتٗا} [النحل: ٦٨].

ومن ذلك: إطلاق الوحي مرادًا به الإشارة السريعة على سبيل الرمز والإيماء، كما في قوله تعالى في حق نبي الله زكريا عليه السلام: {فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ مِنَ ٱلۡمِحۡرَابِ فَأَوۡحَىٰٓ إِلَيۡهِمۡ أَن سَبِّحُواْ بُكۡرَةٗ وَعَشِيّٗا} [مريم: ١١].

ومن ذلك: إطلاق الوحي بمعنى وسوسة الشيطان وتزيينه الشر للإنسان؛ كما في قوله تعالى: {وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِهِمۡ ْلِيُجَٰدِلُوكُمۡۖ وَإِنۡ أَطَعۡتُمُوهُمۡ إِنَّكُمۡ لَمُشۡرِكُونَ} [الأنعام: ١٢١]، وبنفس المعنى يأتي التعبير بالوحي لدلالة وسوسة شياطين الجن إلى شياطين الإنس أو بعض الجن إلى بعض، أو بعض الإنس إلى بعض، كما في قوله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا شَيَٰطِينَ ٱلۡإِنسِ وَٱلۡجِنِّ يُوحِي بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ زُخۡرُفَ ٱلۡقَوۡلِ غُرُورٗاۚ} [الأنعام: ١١٢، انظر الأنعام: (أنوار التنزيل) ٢٧٤/١ ط/ الحلبي ١٣٥٨ هـ -١٩٣٩م].

وكذلك ورد الوحي في التنزيل بمعنى الإلهام أو الرؤيا المنامية، كما في قوله تعالى: {إِذۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰٓ * أَنِ ٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلۡيَمِّ فَلۡيُلۡقِهِ ٱلۡيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ} [طه: ٣٨-٣٩] [انظر (أنوار التتبيل) للبيضاوي ٣٩/٢ ط/ الحلبي ١٣٥٨ هـ - ١٩٣٩ م].

كما جاء إطلاق الوحي في التنزيل بمعنى الأمر والتعليم، كما في قوله تعالى: {فَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِ أَنِ ٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡيُنِنَا وَوَحۡيِنَا} [المؤمنون: ٢٧] [انظر (أنوار التتبيل) للبيضاوي ٨٣/٢ ط/ الحلبي ١٣٥٨هـ].

وجاء إطلاق الوحي مرادًا به إلقاء الله إلى الملائكة من أمره، وإجراء له مجرى القول، وذلك في قوله تعالى: {إِذۡ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمۡ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ} [الأنفال: ١٢] [انظر (أنوار التنزيل) للبيضاوي ٣٢٣/١ ط/ الحلبي ١٣٥٨ هـ].

ولقد جاء إطلاق الوحي بمعناه الشرعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى غيره من الأنبياء في آيات عديدة، كما في قوله تعالى: {إِنَّآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ كَمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ نُوحٖ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَٰرُونَ وَسُلَيۡمَٰنَۚ وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا} [النساء: ١٦٣]،  كما جاء إطلاق الوحي إلى جميع الرسل السابقين في قوله عز شأنه: {وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ} [الأنبياء: ٢٥] 

ونتوقف عند وحي الله تعالى إلى الملائكة لنتعرف حقيقته:

فقد جاء وحي الله إلى الملائكة في قوله تعالى: {إِذۡ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمۡ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ} [الأنفال: ١٢].

 كما صرح القرآن العزيز بأنه تعالى يوحي إلى ملك الوحي ما يوحيه الملك إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك في قوله سبحانه: {فَأَوۡحَىٰٓ إِلَىٰ عَبۡدِهِۦ مَآ أَوۡحَىٰ} [النجم: ١٠] [وانظر (أنوار التتبيل) للبيضاوي٣٤٠/١]، أي: أوحى الله تعالى إلى عبده جبريل عليه السلام ما أوحاه جبريل إلى نبينا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. [انظر (أنوار التنزيل) للبيضاوي ٣٤٠/١ ط/ الحلبي، والوحي المحمدي لمحمد رشيد رض ص ٧ ط/ الزهراء]

ولأن وحي الله تعالى إلى ملائكته من الأمور الغيبية التي لا نعلم كيفيتها إلا بالتوقيف والنقل عن صحيح السنة ومقبولها، فإننا نعمد إلى ما روي من السنة الصحيحة في هذا الصدد: فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "إِذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالْوَحْيِ سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ شَيْئًا، فَإِذَا فَزِعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ وَسَكَنَ الصَّوْتُ عَرَفُوا أَنَّهُ الْحَقُّ، وَنَادَوْا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: الْحَقُّ" [رواه البخاري]، ولا مرية في أن أهل السماوات هم الملائكة، كما جاء عن أبي معاوية رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا تكلَّمَ اللهُ بالوحيِ سمع أهلُ السماءِ صلصلةً كجرِّ السلسلةِ على الصفاء فيصعقونَ، فلا يزالونَ كذلكَ حتى يأتيَهمْ جبريلُ، فإذا جاءَ جبرائيلُ فُزِّعَ عن قلوبِهمْ قال: ويقولون: يا جبرائيلُ: ماذا قال ربُّكمْ؟ قال: فيقول: الحقَّ، قال فينادونَ: الحقَّ الحقَّ» [رواه أبو داود].

هذا مع الأخذ في الاعتبار أن الملائكة ذواتهم نورانية علوية، ويعتريهم من أثر الوحي هذا الصعق، كما يعتري السماء ذاتها تلك الصلصلة، ولا عجب، فإنه تجلي الحق تعالى بصفة الكلام القديم، وأين للمحدثات بالصمود لسطوتها!! إنهم من فزعهم يحسبون أن الساعة قد حان مرساها، فعن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعًا: «إِذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالْوَحْيِ سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاءِ صَلْصَلَةً كَصَلْصَلَةِ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفْوَانِ، فَيَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْ أَمْرِ السَّمَاءِ، فَيَفْزَعُونَ» [رواه ابن خزيمة].

أبعاد الوحي وأنواعه

أنواع الوحي ومراتبه:

فنجد الأصل في معرفة ذلك قرآنيًا: قوله تعالى شأنه: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحۡيًا أَوۡ مِن وَرَآيِٕ حِجَابٍ أَوۡ يُرۡسِلَ رَسُولٗا فَيُوحِيَ بِإِذۡنِهِۦ مَا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ عَلِيٌّ حَكِيمٞ} [الشورى: ٥١]، فقد استنبط أساطين المفسرين منها جملة أنواع للوحي الإلهي إلى من اصطفاهم الله تعالى من البشر:

النوع الأول: ما كان الوحي فيه إلقاء في القلب منامًا، وهو ما يعرف بوحي الرؤيا الصادقة، كرؤيا خليل الرحمن عليه السلام التي قصها القرآن في قوله تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعۡيَ قَالَ يَٰبُنَيَّ إِنِّيٓ أَرَىٰ فِي ٱلۡمَنَامِ أَنِّيٓ أَذۡبَحُكَ فَٱنظُرۡ مَاذَا تَرَىٰۚ قَالَ يَٰٓأَبَتِ ٱفۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُۖ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰبِرِينَ } [الصافات: ١٠٢]، وكرؤيا النبي صلى الله عليه وسلم أنه يدخل المسجد الحرام؛ حيث قال تعالى: {لَّقَدۡ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءۡيَا بِٱلۡحَقِّۖ لَتَدۡخُلُنَّ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ} [الفتح: ٢٧].

النوع الثاني: ما كان الوحي فيه إلقاءً في القلب يقظة، بالإلهام الذي يقذفه الله تعالى في قلب مصطفاه، على وجه من العلم الضروري الذي لا يستطيع له دفعًا ولا يجد فيه شكًا ولا إشكالًا، ومن هذا النوع: ما جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إِنَّ الرُّوحَ الْأَمِينَ قَدْ نَفَثَ فِي رَوْعِيَ أَنَّهُ لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا فَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ» [رواه البيهقي].

النوع الثالث: ما كان الإيحاء فيه يقظة من غير طريق الإلهام، وذلك كإيحاء الزبور لنبي الله داود عليه السلام، فقد روي عن مجاهد رضي الله عنه أن الزبور أوحي إليه في صدره إلقاءً في اليقظة وليس بإلهام، والفرق في ذلك: أن الإلهام لا يستدعي صورة كلام نفسي حتمًا فقد وقد، وأما اللفظي: فلا، وأما إيحاء الزبور فإنه يستدعي [انظر (روح المعاني) للإمام الألوسي ٥٤/٢٥ ط/ المنيرية، و (مفاتيح الغيب) للفخر الرازي ٢٧ /١٨٧ ط/ دار الفكر ١٤٠١ه - ١٩٨١م].

النوع الرابع: ما كان الوحي فيه بالتكليم مشافهة ومكافحة عيانًا بغير حجاب ولا واسطة، كما وقع لنبينا صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج، فقد استشهد الأئمة من المفسرين لرؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه عند تفسير قوله تعالى: {وَلَقَدۡ رَءَاهُ نَزۡلَةً أُخۡرَىٰ} [النجم: ١٣] بما في حديث أنس رضي الله عنه "ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى فأوحى إليه فيما أوحى خمسين صلاة ....." [رواه البخاري]، ومناط هذا الاستدلال: هو إرجاع الضمائر في {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ * فَكَانَ قَابَ قَوۡسَيۡنِ أَوۡ أَدۡنَىٰ * فَأَوۡحَىٰٓ إِلَىٰ عَبۡدِهِۦ مَآ أَوۡحَىٰ} [النجم: ٨-١٠]، وكذا، الضمير المنصوب في {وَلَقَدۡ رَءَاهُ} لله تعالى، ومن ثم يتقرر ثبوت الوحي المباشر مع الرؤية عيانًا وهو من أرفع أنواع الوحي.

النوع الخامس: ما كان الوحي فيه من وراء حجاب، بغير واسطة ولكن لا بالمشافهة، بأن يسمع كلامًا من الله من غير رؤية السامع من يكلمه، كما سمع سيدنا موسى عليه السلام من الشجرة، ومن الفضاء في جبل الطور، قال تعالى: { فَلَمَّآ أَتَىٰهَا نُودِيَ مِن شَٰطِيِٕ ٱلۡوَادِ ٱلۡأَيۡمَنِ فِي ٱلۡبُقۡعَةِ ٱلۡمُبَٰرَكَةِ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ أَن يَٰمُوسَىٰٓ إِنِّيٓ أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ } [القصص: ٣٠]، وليس المراد بالحجاب في قوله تعالى { أَوۡ مِن وَرَآيِٕ حِجَابٍ} [الشورى: ٥١]: حجاب الله تعالى عن عبده حسًا، إذا لا حجاب بينه وبين خلقه حسًا، وإنما المراد: المنع من رؤية الذات الأقدس بلا واسطة [انظر (البحر المديد في تفسير القرآن المجيد) لابن عجيبة الحسني ٣٣٠/٥، ط/الهيئة المصرية العامة للكتاب ٤٢١ ١هـ -٠ ٢٠٠م].

النوع السادس: هو ما كان الوحي فيه بواسطة ملك يرسله الله تعالى إلى مصطفاه من البشر، وهذا النوع هو المعروف بالوحي الجلي وهو المذكور في قوله تعالى: {أَوۡ يُرۡسِلَ رَسُولٗا فَيُوحِيَ بِإِذۡنِهِۦ مَا يَشَآءُۚ} [الشورى: ٥١].

هذا: ووجه انحصار هذه الأنواع الستة في الأقسام الثلاثة المذكورة في الآية الكريمة -التي صدرنا بها هذا المبحث- أن القسم الأول المستنبط من قوله سبحانه: {إِلَّا وَحۡيًا} ينتظم الأنواع الأربعة الأولى وهي: الوحي المنامي، والإلهامي بالنفث في الروع، والإلقائي في الصدر بصورة الكلام النفسي، والتكليم مشافهة مع الرؤية.

القسم الثاني: المذكور في قوله تعالى: {أَوۡ مِن وَرَآيِٕ حِجَابٍ} يختص بالنوع الخامس.

وكذلك القسم الثالث المأخوذ من قوله تعالى: {أَوۡ يُرۡسِلَ رَسُولٗا} يختص بالنوع السادس الأخير.

تلك هي الأنواع الرئيسية للوحي، على أن الإمام الحليمي قد ذكر أن الوحي كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم على ستة وأربعين نوعًا، فذكرها، وغالبها من صفات حامل الوحي، ومجموعها يدخل فيما ذكر [انظر (فتح الباري) لابن حجر ١٦/١ ط/ الهيئة المصرية].

وبناء على ما تقدم، فإن مراتب الوحي يمكن أن تصنف باعتبارين:

فباعتبار المشافهة والتلقي من المصدر دون حجاب أو واسطة يكون ترتيب الأقسام في الآية الكريمة أولوية، حيث ذكر:

أولًا: الكلام بلا واسطة بل مشافهة، ويندرج تحته أولويًا: النوع الرابع، في تصنيفنا الآنف، ثم النوع الثالث، ثم النوع الثاني، ثم الأول، ثم ذكر ما كان بغير واسطة ولكن لا بالمشافهة، بل من وراء الغيب، وهو النوع الخامس، ثم ذكر ثالثًا: الكلام بواسطة الإرسال.

 وأما بالاعتبار الثاني، وهو باعتبار الجلاء والخفاء، فإن النوع السادس ههنا وهو المصطلح على تسميته بـ (الوحي الجلي) له الصدارة، إذ هو أشهر الأنواع وأكثرها، ولذلك كان وحي القرآن الكريم جله -على المعتمد الراجح- من هذ النوع، ووجه تفضيله: أنه مخصوص بالأنبياء عليهم السلام وليس لأنه أشرف من وحي المشافهة، ثم يليه الوحي في اليقظة بدون حجاب سواء كان إيحاء مع استدعاء صورة الكلام النفسي، أم إلهامًا بالنفث في الروع، ثم الإلقاء المنامي في القلب، الذي أخرج فيه الشيخان عن النبي صلى الله عليه وسلم: «رُؤْيا الأنْبِياءِ وحْيٌ» [متفق عليه]، ثم التكليم من وراء حجاب.

صور ووسائل تلقي الوحي

أما صور الوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكيفياته: فنجد العلماء قد ذكروا له تسع صور تجسد كيفياته وصفاته:

الصورة الأولى: أن يأتي ملك الوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم في مثل صلصلة الجرس، فعن السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها أن الحارث بن هشام رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحْيانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، وهو أشَدُّهُ عَلَيَّ، فيُفْصَمُ عَنِّي وقدْ وعَيْتُ عنْه ما قالَ..» [رواه البخاري] فلقد شبه النبي صلى الله عليه وسلم صوت الملك لدى مجيئه بالوحي بصوت صلصلة الجرس، والصلصلة في الأصل: صوت وقوع الحديد بعضه على بعض، ثم أطلق على كل صوت له طنين، وقيل: هو صوت متدارك لا يدرك في أول وهلة، ولا يتبينه أول ما يسمعه حتى يفهمه بعد، والجرس -بفتح الراء- مشتق من الجرس -بسكون الراء-، وهو الحس، ويطلق على ناقوس صغير أو سطل في داخله قطعة نحاس يعلق منكوسًا على البعير، فإذا تحرك تحركت النحاسة فأصابت السطل فحدثت الصلصلة [انظر (فتح الباري) لابن حجر ٥/١ ١-١٦ ط/ الهيئة المصرية].

وقال بعض العلماء: إن الصلصلة صوت خفق أجنحة الملك، والحكمة في تقدمه للوحي أن يقرع سمعه صلى الله عليه وسلم الوحي فلا يبقى مكان لغيره، ولما كان الجرس لا يحصل صلصلة إلا متداركة، وقع التشبيه به دون غيره من الآلات، فإن الكلام العظيم له مقدمات تأذن بتعظيمه للاهتمام به، وإنما كان شديدًا عليه ليستجمع قلبه فيكون أوعى لما سمع [نفس المصدر السابق]، وعن سيدنا عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: هل تحس بالوحي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم أسمعُ صلصلةً ثم أسكتُ عندَ ذلك فما من مرةٍ يُوحى إليَّ إلا ظننتُ أن نفسِيَ تُقبضُ»[رواه أحمد]، وهذا الحديث يفسر قوله صلى الله عليه وسلم في حديث البخاري المتقدم عن هذه الكيفية للوحي: «وهو أشَدُّهُ عَلَيَّ»!!، ومع هذه الحالة المذكورة يكون النفث من الملك في روع النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم، إذ يقول الحافظ ابن حجر: "وأما النفث في الروع فيحتمل أن يرجع إلى إحدى الحالتين -أي الصلصلة والتمثل رجلًا- فإذا أتاه الملك في مثل صلصلة الجرس نفث حينئذ في روعه" [انظر (فتح الباري) لابن حجر ١ /٨٥، ١٧ ط/ الهيئة المصرية]، وظاهر ذلك خفاء ذات الملك لدى الصلصلة.

وأما الصورة الثانية للوحي: فهي أن يأتي الملك للنبي صلى الله عليه وسلم في صورة رجل، فيكلمه بالوحي، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في تتمة حديث البخاري الذي أوردنا صدره في بيان الصورة الأولى: «وأَحْيانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ المَلَكُ رَجُلًا فيُكَلِّمُنِي فأعِي ما يقول»، ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقًا، وقد زاد أبو عوانة في صحيحه: «وهو أهونه علي» [رواه أبو عوانة].

وفي توضيح تمثل الملك للنبي صلى الله عليه وسلم في صورة رجل، قال إمام الحرمين: "معناه: أن الله أفنى الزائد من خلقه، أو أزاله عنه ثم يرد إليه بعد" وقال شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني: "إن ما ذكره إمام الحرمين لا ينحصر الحال فيه، بل يجوز أن يكون الآتي هو جبريل بشكله الأصلي، إلا أنه انضم فصار على قدر هيئة الرجل، وإذا ترك: عاد إلى هيئته".

ثم قال الحافظ ابن حجر معقبًا: "والحق أن تمثيل الملك رجلًا ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلًا، بل معناه: أنه ظهر بتلك الصورة تأنيسًا لمن يخاطبه" والظاهر أيضًا: أن القدر الزائد لا يزول ولا يفنى، بل يخفى على الرائي فقط، والله أعلم [انظر (فتح الباري) لابن حجر ١ /٨٥، ١٧ ط/ الهيئة المصرية]، ونستحضر هنا: أن النفث في الروع يحتمل أن يكون مع هذه الحالة أيضًا كما تقدم.

الصورة الثالثة: هي المقابلة للثانية وهي أن ينخلع النبي صلى الله عليه وسلم عن صورته البشرية، ويدخل في الصورة الملكية بتمكين الله تعالى له ذلك، ويتلقى الوحي من الملك، وهذه -كما ذكر العلماء- أصعب الحالتين [انظر (الإتقان) للإمام السيوطي بتحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم ١٢٥/١، ط/ المشهد الحسيني]

ثم الصورة الرابعة: أن يوحي رب العزة إلى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام بلا واسطة، كما جاء عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أتاني اللَّيلةَ ربِّي تبارَكَ وتعالى في أحسَنِ صورةٍ، فقال: يا محمَّدُ هل تَدري فيم يختَصمُ الملأُ الأعلى» الحديث [رواه الترمذي].

مما يجب التنبيه إليه هنا أن الحق تعالى منزه عن الصورة الحسية، فإذ رئي سبحانه على وصف يتعالى عنه كان لتلك الرؤيا ضرب من التأويل، كما نقل الحافظ ابن حجر عن الواسطي: أن من رأى ربه على صورة شيخ كان إشارة إلى وقار الرأي، وغير ذلك [انظر (فتح الباري) لابن حجر العسقلاني ٣٣٦/١٢، ط/ الهيئة المصرية].

الصورة الخامسة: أن يأتي ملك الوحي جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فيوحي إليه بما أمره الله تعالى به، وقد عد بعض العلماء من هذا القبيل سورة (الكوثر)، بيد أن التحقيق أنها نزلت في اليقظة [انظر (الإتقان) للحافظ السيوطي بتحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم ١٢٩/١، ط/ المشهد الحسيني]، كما سيأتي في تناول الوحي القرآني في محله.

والصورة السادسة: أن يأتي الملك جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقظة على صورته الأصلية تمامًا بلا تمثل ولا تغير بانضمام ونحوه، فيراه بستمائة جناح ينتشر منها اللؤلؤ والياقوت، ويوحي إليه على تلك الهيئة الملكية الأصلية كما نقله الإمام العيني عن السهيلي في بيان صورة الوحي من (عمدة القاري) [انظر (عمدة القاري شرح صحيح البخاري) للإمام بدر الدين العيني ١ /٤٤]، ويؤيده ما جاء عن السيدة عائشة رضي الله عنها مرفوعًا: «لَمْ أَرَهُ -يَعْنِي جِبْرِيلَ- عَلَى الصُّورَةِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا إِلَّا مَرَّتَيْنِ..» [رواه مسلم]، وفي رواية الترمذي عن السيدة عائشة: «لمْ يَرَ مُحَمَّدٌ جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ إِلَّا مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَمَرَّةً فِي أَجِيَاد»، كما نقل الحافظ ابن حجر عن سيرة (سليمان التيمي): "أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم في حراء، وأقرأه: {ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ[العلق: ١] ثم انصرف، فبقي مترددًا، فأتاه من أمامه في صورته فرأى أمرًا عظيمًا"!! [انظر (فتح الباري) لابن حجر ١٩/١، ط/الهيئة المصرية]

ثم الصورة السابعة: هي وحي الملك إسرافيل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقد جاء عن الشعبي: «أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم نزلت عليه النبوةُ وهو ابنُ أربعينَ سنةً، فقرن بنبوته إسرافيلُ عليه السلامُ ثلاثَ سنين، فكان يُعَلِّمُهُ الكلمةَ والشيءَ، ولم ينزل القرآنُ، فلما مضت ثلاثُ سنينَ قرن بنبوته جبريلُ، فنزل القرآنُ على لسانِه عشرينَ سنةً...» [انظر (عمدة القاري شرح البخاري) للإمام العيني ٤٤/١، ط/الحلبي، وانظر (الإتقان) للإمام السيوطي ١٢٩/١]، وقد نقل الإمام السيوطي -عقب هذه الرواية- قول ابن عساكر: والحكمة في توكيل إسرافيل: أنه الموكل بالصور الذي فيه هلاك الخلق وقيام الساعة، ونبوته صلى الله عليه وسلم مؤذنة بقرب الساعة وانقطاع الوحي [انظر (عمدة القاري شرح البخاري) للإمام العيني ٤٤/١، ط/الحلبي، وانظر (الإتقان) للإمام السيوطي ١٢٩/١]

والصورة الثامنة: أن يكلم الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم في اليقظة كفاحًا بلا واسطة ويسمعه كلامه، كما حدث في ليلة الإسراء والمعراج حيث أوحي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم خواتيم سورة البقرة، وقد استدل الإمام السيوطي لذلك بما جاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى... إِلَى أَنْ قَالَ: "فَأُعْطِيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثَلاثًا: أُعْطِيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَأُعْطِيَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَغُفِرَ لِمَن لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ مِنْ أُمَّتِهِ شَيْئًا "الْمُقَمَّحَاتِ" أَيْ: الْكَبَائِرُ الَّتِي تَقْحَمُ أَهْلَهَا فِي النَّار" [رواه مسلم].

ثم الصورة التاسعة: هي النفث في الروع، بأن ينفث في روع النبي صلى الله عليه وسلم الكلام نفثًا، أي ينفخ في قلبه الوحي كما قال صلى الله عليه وسلم: «إنَّ رُوحَ القُدُسِ نفث في رُوعِي ....»، وقد مر بتخريجه متفرعًا عن النوع الثاني من أنواع الوحي وهو الإلقاء الإلهامي في اليقظة.

 ومن ثم: كانت الكيفيات والصور الوصفية أخص من الأنواع لا مطابقة لها، وقد عده الإمام السيوطي في كيفيات الوحي، وكذا الحافظ في (الفتح) عده في فنون الوحي الذي يأتي بحامل، وذكرا أنه يحتمل أن يرجع إلى إحدى الحالتين (أي الصلصلة وتمثل الملك رجلًا)، ولا يخفى أن التعبير بالاحتمال ونحوه لا يحصل النفث فيهما، بل يحتمل أن يكون في حالة ثالثة مغايرة للحالتين، وقد صرح الحافظ ابن حجر بأن للوحي حالات مغايرة لها، وهي: إما من صفة الوحي، كمجيئه كدوي النحل، والنفث في الروع، والإلهام، والرؤيا الصالحة، والتكليم ليلة الإسراء بلا واسطة، وإما من صفة حامل الوحي كمجيئه في صورته التي خلقه الله عليها له ستمائة جناح، ورؤيته على كرسي بين السماء والأرض، وقد سد الأفق [انظر (فتح الباري) لابن حجر ا/١٥، ط/ الهيئة المصرية].

خصائص الوحي القرآني

الوحي القرآني: أما عن (الوحي القرآني) بخصوصه، فإن له خصائص في نوعيته وكيفية تلقيه والحالة التي تنزل بها على النبي صلى الله عليه وسلم:

 فالخصيصة الأولى: أن جميع القرآن قد تلقاه النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة، ولم يكن شيء منه في المنام -على وجه الاستقلال- على القول الراجح والمعتمد لدى أساطين علماء التنزيل، ولئن ذهب قوم إلى أن بعض الوحي القرآني كان مناميًا احتجاجًا بما رواه مسلم عن سيدنا أنس رضي الله عنه أنه قال: «بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ أَظْهُرِنَا، إِذْ أَغْفَى إِغْفَافَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُبْتَسِمًا، فَقُلْنَا: مَا أَضْحَكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: أُنزِلَ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ، فَقَرَأَ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" {إِنَّآ أَعۡطَيۡنَٰكَ ٱلۡكَوۡثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنۡحَرۡ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلۡأَبۡتَرُ} [الكوثر: ١-٣]»، فإن هذا مردود عليه بما نقله الإمام السيوطي [انظر (الإتقان) للإمام السيوطي بتحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم ١ /٦٥-٦٦، ١٢٩، ط/ المشهد الحسيني]، عن الإمام الرافعي في "أماليه" إذ قال: فهم فاهمون من الحديث أن السورة نزلت في تلك الإغفاءة، وقالوا: من الوحي ما كان يأتيه في النوم؛ لأن رؤيا الأنبياء وحي.

 قال: وهذا (أي أن رؤيا الأنبياء وحي) صحيح، لكن الأشبه أن يقال: إن القرآن كله نزل في اليقظة، وكأنه خطر له في النوم سورة الكوثر المنزلة في اليقظة، أو عرض عليه الكوثر الذي نزلت فيه السورة، فقرأها عليهم وفسرها لهم، ثم قال: وورد في بعض الروايات أنه أغمي عليه، وقد يحمل ذلك على الحالة التي كانت تعتريه عند نزول الوحي، ويقال لها برحاء الوحي. انتهى.

(ثم عقب الإمام السيوطي بقوله): قلت: الذي قاله الرافعي في غاية الاتجاه، وهو الذي كنت أميل إليه قبل الوقوف عليه، والتأويل الأخير أصح من الأول؛ لأن قوله: " أنزل علي آنفًا " يدفع كونها نزلت قبل ذلك؛ بل نقول: نزلت تلك الحالة، وليس الإغفاءة إغفاءة نوم، بل الحالة التي كانت تعتريه عند الوحي، فقد ذكر العلماء أنه كان يؤخذ عن الدنيا [انظر (الإتقان) للإمام السيوطي بتحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم ١ /٦٥-٦٦، ١٢٩، ط/ المشهد الحسيني]، وكذلك قال الإمام السيوطي عند ذكر الوحي المنامي: " وليس في القرآن من هذا النوع شيء فيما أعلم" [انظر (الإتقان) للإمام السيوطي بتحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم ١ /٦٥-٦٦، ١٢٩، ط/ المشهد الحسيني]، ومن ثم: يترجح أن القرآن الكريم قد نزل كله على النبي صلى الله عليه وسلم في حالة اليقظة ولم يكن شيء من الوحي القرآني منامًا.

والخصيصة الثانية: أن القرآن الكريم كله من قبيل ما اصطلح عليه علماء التنزيل بـ (الوحي الجلي)، فكما أنه لم يقع شيء من الوحي القرآني منامًا كذلك لم يكن شيء منه من قبيل الإلقاء الإلهامي الذي يقذف في القلب، مع أنه يكون على وجه من العلم الضروري الذي لا يداخله الشك أو الاشتباه، ولكن الحق تعالى جعله من قبيل التكليم الظاهر؛ للمبالغة في توثيقه على أكمل وجه وأوضحه [انظر (مناهل العرفان) للزرقاني ١ /٥٧، ط/ الحلبي].

ولسنا -من هذا المنطلق- مع قول من زعم أن الوحي القرآني لم يكن شيء منه من قبيل التكليم الشفاهي من الحق تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم كفاحًا من غير حجاب ولا واسطة ملك، فقد ذكر الإمام السيوطي أن الآيتين من آخر سورة البقرة نزلتا ليلة المعراج، كما عد من هذا النوع أيضًا: بعض سورة (الضحى)، و{أَلَمۡ نَشۡرَحۡ لَكَ صَدۡرَكَ} [الشرح: ١]، واستدل بحديث ابن مسعود رضي الله عنه الذي أوردناه في الصورة الثامنة للوحي، وبما أخرجه ابن أبي حاتم من حديث عدي بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «سَأَلْتُ رَبِّي مَسْأَلَةً، وَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ سَأَلْتُ، قُلتُ: أَيُّ رَبِّ، اتَّخَذْتَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَكَلَّمْتَ مُوسَى تَكْلِيمًا؟ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَلَمْ أَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَيْتُ؟ وَضَالًّا فَهَدَيْتُ؟ وَعَائِلًا فَأَغْنَيْتُ؟ وَشَرَحْتُ لَكَ صَدْرَكَ، وَحَطَطْتُ عَنكَ وِزْرَكَ، وَرَفَعْتُ لَكَ ذِكْرَكَ، فَلَا أَذْكُرُ إِلَّا ذَكَرْتُ مَعِي؟» [انظر الإتقان للأمام السيوطي بتحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم ٦٧/١، ١٢٩]، كما نقل عن الهذلي أنه قال في (الكامل): نزلت {ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ} [البقرة: ٢٨٥] إلى آخرها " بقاب قوسين"!! [انظر الإتقان للأمام السيوطي بتحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم ٦٧/١، ١٢٩]، وقد قدمنا أن هذا النوع هو أشرف أنواع الوحي، فلا غرو أن يكون للوحي القرآني منه حظ معلوم؛ بيد أن فريقًا من العلماء قد قرر -بعد التسليم بهذا الوحي القرآني الشفاهي لما مر من الأدلة- أنه يجوز أن يكون جبريل عليه السلام قد نزل بهذه الآيات التي أوحى بها مشافهة مرة أخرى على سبيل التأكيد والتقرير، فتكون مما تكرر نزوله، ومن ثم تتقرر.

الخصيصة الثالثة للوحي القرآني: وهي أن الله تعالى قد وكل به جميعه أمين الوحي جبريل عليه السلام خاصة دون ملك سواه، لقوله تعالى شأنه: {نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلۡأَمِينُ * عَلَىٰ قَلۡبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيّٖ مُّبِينٖ} [الشعراء: ١٩٣-١٩٥]، فالروح الأمين هو سيدنا جبريل عليه السلام بإجماع المفسرين، وقد سماه الله تعالى روحًا لأنه جسم لطيف روحاني خلق من الروح، أو لأنه روح كله لا كالناس الذين في أبدانهم روح، أو لأنه لمجيئه بالوحي والدين بمثابة الروح الذي تثبت معه الحياة [مفاتيح الغيب ١٦٦/٢٤، و (روح البيان) ٣٠٦/٦ وتفسير الشوكاني ٣ /١٩٤]، وقد نُعت بالأمين: لأنه الحفيظ المؤتمن على وحي الله، ومبلغه لأنبيائه، كذلك سماه الله تعالى (روح القدس) في قوله تعالى: {قُلۡ نَزَّلَهُۥ رُوحُ ٱلۡقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلۡحَقِّ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} [النحل: ١٠٢]، وذلك لأنه الروح المطهرة من أدناس البشرية، فالقدس: هو الطهر والنقاء، والإضافة فيه من إضافة الموصوف إلى الصفة.

 وقد نقل عن النحاس أن القدس: هو الله تعالى، والمعنى: أن جبريل روح الله تعالى -والإضافة للملكية- لأنه كان بتكوين الله تعالى له من غير ولادة [انظر (تفسير الشوكاني) ١٩٤/٣]، وفي كل هاتيك المعاني كان لجبريل مزيد اختصاص بها من بين سائر الملائكة، إذ هو منهم كالرسول صلى الله عليه وسلم  من أفراد أمته، ولذلك اختاره الله سبحانه لأشرف المهام، فوكله بالكتب والوحي إلى الأنبياء، وبالنصر عند الحروب، وبالمهلكات إذا أراد أن يهلك قوما، وقد أخرج ابن أبي حاتم عن عطاء: "أول ما يحاسب جبريل؛ لأنه كان أمين الله على رسله" [انظر (الإتقان) للإمام السيوطي بتحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم ١٣٠/١].

 وإذا ما تساءلنا عن كيفية تلقي الأمين جبريل عليه السلام - وحي القرآن من الله تعالى، وهل تلقاه مباشرة أو بواسطة؟ فإننا نجد للعلماء أقوالا أربعة في هذا الصدد:

 أولها: أن جبريل عليه السلام قد تلقف التنزيل من الله تعالى تلقفًا روحانيًا، قال بذلك العلامة الطيبي، والقطب الرازي في حواشيه على (الكشاف)، حيث قال: " والمراد بإنزال الكتب على الرسل أن يتلقفها الملك من الله تعالى تلقفًا روحانيًا...." [نفس المصدر ١٢٥١-١٢٦ و (مناهل العرفان) للزرقاني ٤٠١، ط/ الحلبي].

وثانيها: أن جبريل عليه السلام قد أخذ القرآن من اللوح المحفوظ ونزل به على النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا هو المعنى الثاني لإنزال الكتب على الرسل، حيث قال الطيبي: " لعل نزول القرآن على الملك: أن يتلقفه تلقفًا روحانيًا أو يحفظه من اللوح المحفوظ فينزل به على النبي صلى الله عليه وسلم فيلقيه إليه) [نفس المصدر ١٢٥١-١٢٦ و (مناهل العرفان) للزرقاني ٤٠١، ط/ الحلبي].

وثالثها: ما نقل عن الماوردي من أن الحفظة نجَّمت القرآن على جبريل في عشرين ليلة، وأن جبريل نجَّمه على النبي صلى الله عليه وسلم في عشرين سنة [انظر (مناهل العرفان) للزرقاني ٤٠/١-٤١].

ورابعها: أن جبريل عليه السلام قد أخذ القرآن عن الله تعالى سماعًا، فقد قال البيهقي في معنى قوله تعالى: {إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةِ ٱلۡقَدۡرِ} [القدر: ١] (يريد والله اعلم: إنا أسمعنا الملك، وأفهمناه إياه، وأنزلناه بما سمع ٠٠٠) [انظر الإتقان للإمام السيوطي ١٢٦/١].

وقد رجح الحافظ السيوطي هذا القول الأخير بقوله: (ويؤيد أن جبريل تلقفه سماعًا من الله تعالى: ما أخرجه الطبراني من حديث النواس بن سمعان مرفوعًا «إذا تَكَلَّمَ اللهُ بالوحي أخذتِ السماءُ رَجْفَةً شديدةً من خَوْفِ اللهِ، فإذ سَمِعَ بذلك أهلُ السماءِ صَعِقُوا وَخَرُّوا سُجَّدًا، فيكونُ أَوَّلُهُمْ يَرْفَعُ رأسَهُ جِبْرِيلُ، فيكلمهُ اللهُ من وحيهِ بما أراد، فينتهي به على الملائكةِ، فكلما مرَّ بسماءٍ سَأَلَهُ أهلُها: ماذا قالَ رَبُّنا؟ قالَ: الحقُّ، فينتهي به حيثُ أمرَ» [نفس المصدر ١٢٥/١ - ١٢٧]، ولا شك أن هذا القول أحرى بالقبول، لقوة دليله من جهة، ولاقتضائه عدم الوساطة بين الله تعالى وبين جبريل في التلقي من جهة أخرى، والتحرز به من دعوى إنزال معناه دون لفظه بما تفضي إليه من موهمات من جهة ثالثة، فلقد رصد الإمام السيوطي لعلماء التنزيل في بيان ما نزل به جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم من الوحي القرآني ثلاثة أقوال؛ نثبتها بمزيد تبيان وتحليل على النحو التالي:

القول الأول: أنه نزل بلفظ القرآن ومعناه، حيث إنه من المرجح أن جبريل قد تلقف القرآن سماعًا من الله تعالى، وتكليمًا نفسيًا بالصفة القديمة مع إلهامه بالألفاظ الدالة على المعاني القائمة بذاته تعالى، كم هو محصل تقريري الأصفهاني في مقدمة تفسيره، والقطب الرازي، أو أن جبريل عليه السلام قد حفظ القرآن، بلفظه ومعناه من اللوح المحفوظ، الذي أوجد الله تعالى فيه الكلمات والحروف الدالة على معنى القرآن القائم بذات الله تبارك وتعالى، فنزل به لفظًا ومعنى على النبي صلى الله عليه وسلم [نفس المصدر ١٢٥/١ - ١٢٧].

 والقول الثاني: أن جبريل عليه السلام قد ألقي إليه المعنى فقط، وأنه عبّر عنها بهذه الألفاظ بلغة العرب، وأن أهل السماء يَقْرَؤُونَهُ بالعربية، ثم إنه نزل به كذلك على النبي صلوات الله وسلامه عليه، ولم يثبت لأصحاب هذا الزعم الفاسد دليل عليه!!

والقول الثالث: أن جبريل قد نزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالمعاني خاصة، وأنه صلى الله عليه وسلم علم تلك المعاني وعبر عنه بلغة العرب!!، وقد استدل الذاهبون إلى هذا الرأي المتهافت بظاهر قوله تعالى: {نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلۡأَمِينُ * عَلَىٰ قَلۡبِكَ} [الشعراء: ١٩٣-١٩٤]، حيث إن تخصيص النزول بالقلب -على أن المراد به العضو المخصوص- موجه بأن المعاني الروحية تنزل على الروح ثم تنتقل به إلى القلب، لما بينهما من التعلق، ثم تتصعد منه إلى الدماغ، فينتقش بها لوح المتخيلة، بيد أن هذا خلاف القول الصحيح عند المفسرين والمحدثين، الذين وجهوا لتخصيص القلب بالنزول: بأنه المدرك والمكلف دون سائر الجسد، وهو المخاطب في الحقيقة لأنه موضع التمييز.

وقد يقال: إنه لما كان له صلى الله عليه وسلم جهتان: جهة ملكية يستفيض بها، وجهة بشرية يفيض بها، جعل الإنزال على روحه صلى الله عليه وسلم المعبر عنها بالقلب، حيث قال الراغب: إنها أحد إطلاقاته؛ لأنها المتصفة بالصفات الملكية التي يفيض بها من الروح الأمين، وقد أشار إلى ذلك تعبير القرآن بـ (على قلبك) دون (عليك).

 وكذلك وجه تخصيص الإنزال بالقلب، بأنه إشارة إلى كمال تعلقه صلى الله عليه وسلم وفهمه ذلك المنزل، حيث لم تعتبر واسطة في وصوله إلى القلب الذي هو محل العقل كما يقتضيه ظاهر كثير من الآيات والأحاديث [انظر (مفاتيح الغيب) للفخر الرازي ١٦٤ -٦٧ ط/ دار الفكر ببيروت، وروح المعاني للألوسي ١٢٠/١٩-١٢١، ط/المنيرية].

ومن ثم يترجح القول الحق: وهو أن القرآن الكريم نزل كله بلفظه ومعناه من عند الله تعالى ولا مدخل لجبريل ولا لغيره في ألفاظه، فالله سبحانه هو الذي أبرز ألفاظ القرآن وكلماته مرتبة على وفق ترتيب كلماته النفسية لأجل التفهيم والتفهم كما نبرز نحن كلامنا اللفظي -ولله المثل الأعلى- على وفق كلامنا النفسي لأجل التفهيم والتفهم، ولا ينسب الكلام بحال إلا إلى من رتبه في نفسه أولا دون من اقتصر على حكايته وقراءته، وإننا لنؤازر العلامة الزرقاني في حكمه على زعم أن ألفاظ القرآن من عند جبريل أو النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "وعقيدتي أنه مدسوس على المسلمين في كتبهم وإلا فكيف يكون القرآن حينئذ معجزًا واللفظ لمحمد أو لجبريل؟ ثم كيف تصح نسبته إلى الله واللفظ ليس لله؟ مع أن الله يقول: {حَتَّىٰ يَسۡمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ} [التوبة: ٦، وانظر (مناهل العرفان) للزرقاني ٤٢/١، ط/ الحلبي]

وللإمام الجويني تقرير في قضية الوحي القرآني يؤكد فيه صدوره عن الله لفظًا ومعنى؛ يقول فيه: "كلام الله المنزل قسمان: قسم قال لجبريل: قل للنبي الذي أنت مرسل إليه: إن الله يقول: افعل كذا وكذا .... ففهم جبريل ما قاله ربه ثم نزل على ذلك النبي، وقال له ما قاله ربه، ولم تكن العبارة تلك كما يقول الملك لمن يثق به: قل لفلان: يقول لك الملك: اجتهد في الخدمة، واجمع جندك للقتال، فإن قال الرسول: يقول الملك: لا تتهاون في خدمتي، ولا تترك الجند تتفرق، وحثهم على المقاتلة لا ينسب إلى كذب ولا تقصير في أداء الرسالة، وقسم آخر: قال الله لجبريل: اقرأ على النبي هذا الكتاب، فنزل جبريل بكلمة من الله من غير تغيير، كما يكتب الملك كتابًا ويسلمه إلى أمين ويقول: اقرأه على فلان، فهو لا يغير منه كلمة ولا حرفًا" [انظر(الإتقان) للإمام السيوطي ١٢٧/١- ١٢٨ ٠ط/ المنيرية].

وقد عقب على ذلك الإمام الحجة السيوطي شارحًا وموضحًا وموجهًا ومُد للًا فقال: "قلت: القرآن هو القسم الثاني، والقسم الأول: هو السنة كما ورد أن جبريل كان ينزل بالسنة كما ينزل بالقرآن، ومن هنا جاز رواية السنة بالمعنى لأن جبريل أداه بالمعنى ولم تجز بالقراءة (أي في القرآن) بالمعنى، لأن جبريل أداه باللفظ، ولم يبح له إيحاءه بالمعنى، والسر في ذلك: أن المقصود منه التعبد بلفظه والإعجاز به، فلا يقدر أحد أن يأتوا بلفظ يقوم مقامه، وإن تحت كل حرف منه معاني لا يحاط بها كثرة، فلا يقدر أحد أن يأتوا بدله بما يشتمل عليه، والتخفيف على الأمة حيث جعل المنزل إليهم على قسمين، قسم يروونه بلفظ الموحى به، وقسم يروونه بالمعنى، ولو جعل كله مما يروى باللفظ لشق، أو بالمعنى لم يؤمن التبديل والتحريف" فتأمل [انظر(الإتقان) للإمام السيوطي ١٢٧/١- ١٢٨ ٠ط/ المنيرية].

ولست أرى ما ارتآه العلامة الزرقاني في نقده لكلام الإمام الجويني المتقدم من أنه لا يوجد أمامنا دليل على أن جبريل كان يتصرف في الألفاظ الموحاة إليه في غير القرآن، كيف وقد قال الإمام السيوطي عقب تعقيبه السابق مباشرة: "وقد رأيت عن السلف ما يعضد كلام الجويني، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عقيل عن الزهري، أنه سئل عن الوحي فقال: " الوَحْيُ مَا يُوحِي اللَّهُ إِلَى نَبِيٍّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، فَيُثَبِّتُهُ فِي قَلْبِهِ، فَيَتَكَلَّمُ بِهِ وَيَكْتُبُهُ، وَهُوَ كَلاَمُ اللَّهِ، وَمِنْهُ مَا لَا يَتَكَلَّمُ بِهِ وَلَا يَكْتُبُهُ لِأَحَدٍ وَلَا يَأْمُرُ بِكِتَابَتِهِ، وَلَكِنَّهُ يُحَدِّثُ بِهِ النَّاسَ حَدِيثًا، وَيُبَيِّنُ لَهُمْ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُ أَنْ يُبَيِّنَهُ لِلنَّاسِ وَيُبَلِّغَهُمْ إِيَّاهُ" [انظر(الإتقان) للإمام السيوطي ١٢٧/١- ١٢٨ ٠ط/ المنيرية].

ومن ثم نقف على حقيقة الوحي القرآني ونستيقن نزوله بلفظه ومعناه وبما حفل به من العظمة وقوة التأثير وجلال التنزيل، وتبارك منزله جل وعلا إذ يقول: {لَوۡ أَنزَلۡنَا هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ عَلَىٰ جَبَلٖ لَّرَأَيۡتَهُۥ خَٰشِعٗا مُّتَصَدِّعٗا مِّنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۚ} [الحشر: ٢١] قال بعض المفسرين في تفسيرها: "لو كانت الجبال مقام الإنسان في الخطاب (أي القرآني) لتدكدكت الجبال وتزررت، وانفلقت الصخور الصم، وانهدمت الشامخات العاليات في سطوات أنواره ووجوم سنا أقداره"!! [انظر (البحر المديد) للإمام ابن عجيبة ١١٩/٦، ط/ الهيئة العامة للكتاب].

ولعلنا نتصور حالة العالم قبل الوحي الشرعي ومدى احتياجه إليه، ولا سيما في بداية النصف الثاني من القرن السادس الميلادي حيث كان العالم مترديًا في حضيض الظلمة والضياع، واستبدت به أسباب الفساد من كل جانب، وعصفت به رياح الشرك والكفران، فتداعى بناؤه العقدي والخلقي، وسادته جاهلية عمياء، وصار يترقب الهدم الذي يعقبه البناء، إذ عمه الفساد في كل الأرجاء، كما قال تعالى: {ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِي ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعۡضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ} [الروم: ٤١]  لقد فسر الإمام قتادة رضي الله عنه الفساد في الآية الكريمة: بالضلالة والظلم [انظر (أعظم المرسلين صلى الله عليه وسلم من المولد إلى المبعث) للدكتور جودة محمد أبو اليزيد المهدي ج ا ص ٤٣، ط/ دار غريب للطباعة والنشر بالقاهرة سنة ٩٩٧ ١م]، وهذا تفسير محكم، لأن الضلالة تعني فساد القوة النظرية، لفقدان نور الوحي الإلهي، والظلم يعني فساد القوة العملية والجانب السلوكي، لفقدان استرشادهما بالإشعاع المعرفي اليقيني الذي يضيء القوة النظرية؛ فصلاح القوتين إذن متوقف على الوحي الذي هو هدى الله لعباده، ومن ثم، كان العالم قبل البعثة المحمدية متعطشًا مستشرفًا للوحي الذي يتوقف عليه رشده وصلاحه، أو بالأحرى: روحه ونوره، كما ينبئ عنه قوله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ رُوحٗا مِّنۡ أَمۡرِنَاۚ مَا كُنتَ تَدۡرِي مَا ٱلۡكِتَٰبُ وَلَا ٱلۡإِيمَٰنُ وَلَٰكِن جَعَلۡنَٰهُ نُورٗا نَّهۡدِي بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنۡ عِبَادِنَاۚ وَإِنَّكَ لَتَهۡدِيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} [الشورى: ٥٢]، فالتعبير عن الوحي القرآني -في الآية الكريمة- بالروح يشير إلى أن العالم قبل هذا الوحي كان جثة هامدة بلا روح، وكذا التعبير عن هذا الوحي بأنه نور يشير إلى الظلمة الحالكة التي كان يرزح العالم فيها في الجاهلية، ثم يشير قوله تعالى: {نَّهۡدِي بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنۡ عِبَادِنَاۚ } من الضلال الذي كان سائدًا قبل الوحي المحمدي في شتى الجوانب العقدية والسلوكية، وتتجسد حالة العالم قبل الوحي إليه جليًا في افتقاد مصدر الهداية فيما لا سبيل للعقل الوصول إليه من الجانب الغيبي في أمور العقيدة، وأعلاها معرفة الله تعالى وصفاته القدسية وما يجب له وما يستحيل عليه وما يجوز في حقه تعالى.

 كما تتجسد تلك الحاجة في توقف إدراك ما وراء الطبيعة من عالم ما بعد الموت من البرزخ والبعث والحساب والجزاء على الأدلة السمعية التي تأتي بطريق الوحي.

 وكذلك الهداية التشريعية التي تنظم العلاقة مع الله تعالى بالعبادات ومع الخلق بالمعاملات، ومع النفس بتزكيتها بالأخلاق الصالحة واقتلاع الأخلاق السيئة، كل ذلك عجزت عنه عقول البشر، لأن حقائق الأشياء وسبل إصلاحها لا يحيط بها -على الحقيقة- إلا موجدها، {أَلَا يَعۡلَمُ مَنۡ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ} [الملك: ١٤] 

إن منطق العقل والتجربة يقضي بالرجوع في صيانة كل صنع وإصلاحها إلى صانعها، لتظل في وضعها الأمثل، وقد أودع الخالق جل وعلا منهج إصلاح الخليقة في دستوره العظيم (القرآن المجيد) الذي هو مصدر الهداية والكمال الأعلى، وقد صرح بذلك سبحانه في قوله تعالى: {إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَهۡدِي لِلَّتِي هِيَ أَقۡوَمُ} [الإسراء: ٩]، ولقد اتفقت كلمة ذوي العقول الصحيحة على أن العقل والعلم البشري لا يغنيان إطلاقًا عن هداية الرسل بما أوحاه الله إليهم، مهما ارتقت مدارك الحكماء والمفكرين في معارفهم العقلية، فإن حكمتهم وآراءهم وعلومهم إنما هي آراء بشرية ناقصة، وظنون لا تبلغ من عالم الغيب إلا أنه موجود مجهول [انظر: (الوحي المحمدي) لمحمد رشيد رضا ص ١٤، ط الزهراء ٠٨ ٤ ١هـ] وهي عرضة للخطأ والتخطئة والخلاف فيها على أية حال، وأحكامها نسبية، فإلام التحاكم إذن عند الاختلاف الذي هو من سنن الأحكام الاجتهادية؟    

هنا تتجسد ضرورة الوحي والبيان النبوي لحسم النزاع والخلاف، كما نطق التنزيل في قوله تعالى: {وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ} [النحل: ٦٤] 

إذًا تحصل لنا من جملة ما سبق: أن صلاح البشر بالدين مبني على الإيمان بالغيب والوقوف فيه عند خبر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولا يمكن إصلاحهم بالعلوم المادية الكسبية وحدها، فإنه يقع في دائرة اليقين أنه لا سبيل إلى إنقاذ البشرية في هذا العصر إلا بإثبات الوحي المحمدي الموحد لإنسانيتهم، المزكي لأنفسهم واتباع هديه الذي هو مناط السعادتين الدنيوية والأخروية [انظر (الوحي المحمدي) لمحمد رشيد رضا ص ٢ ١-١٧ بتصرف]، وهو المخرج الوحيد لكل ما تعانيه الإنسانية من شقاء وظلم وعناء وجموح واستبداد، وقد أوضح التنزيل منهج الهداية والنجاة بقوله تعالى: { قَدۡ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٞ وَكِتَٰبٞ مُّبِينٞ ١٥ يَهۡدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضۡوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَٰمِ وَيُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِهِۦ وَيَهۡدِيهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ } [المائدة: ١٥-١٦].

بدأ الوحي

ولعلنا نتساءل عن (بدء الوحي): متى وكيف بدأ؟

 ولقد تكفلت السنة الصحيحة في الجواب عن ذلك، فعن السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت: "أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤية إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أن بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال: { ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ * ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ} [العلق: ١-٣]، فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال: «زملوني... زملوني... فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدأ، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة، وكان أمرؤا تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله – صلى الله عليه وسلم – خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذع، ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو مخرجي هم؟ قال: نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي». [متفق عليه]

ولنا في هذا الحديث الجامع وقفات عدة:

الوقفة الأولى: عند توقيت أولية الوحي وسر نوعيته في هذا البدء: فقد روى ابن سعد بإسناده أن نزول الملك على النبي صلى الله عليه وسلم بغار حراء كان يوم الاثنين لسبع عشرة خلت من رمضان، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ابن أربعين سنة، ونقل الحافظ ابن حجر عن البيهقي أن مدة الرؤيا كانت ستة أشهر؛ وعلى هذا فابتداء النبوة بالرؤيا وقع من شهر مولده وهو ربيع الأول بعد إكماله أربعين سنة، وابتداء وحي اليقظة وقع في رمضان [انظر (عمدة القاري) للإمام العيني ٥١/١-٥٣، ط/ الحلبي. وانظر (فتح الباري) لابن حجر ١ /٢٢ط/ الهيئة المصرية].

أما عن حكمة بدء الوحي بالرؤيا الصادقة، فقد ذكر الإمام العيني أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتدأ بها لئلا يفجأه الملك، ويأتيه بصريح النبوة ولا تحتملها القوى البشرية، فبدأ بأول خصال النبوة وتباشير الكرامة من صدق الرؤيا مع سماع الصوت، وسلام الحجر والشجر عليه بالنبوة، ورؤية الضوء، ثم أكمل الله له النبوة بإرسال الملك إليه في اليقظة وكشف له عن الحقيقة كرامة له [انظر (عمدة القاري) للإمام العيني ٦٧١].

الوقفة الثانية: عند سر تحبيب الخلوة إليه صلى الله عليه وسلم في غار حراء خلال فترة الوحي المنامي وقبل ظهور الملك بالوحي الجلي، يقول العلماء: إن الخلوة فراغ القلب لما يتوجه له، ومن ثم: فهي معينة له صلى الله عليه وسلم على التفكر والتأمل إذ بها ينقطع عن مألوفات البشر ويخشع قلبه، فإن البشر لا ينتقل عن طبعه إلا بالرياضة البليغة، ثم إن الخلوة مبعث الصفاء الروحي الذي تستقبل الروح به فيوضات الأنوار الإلهية، وإنما كانت الخلوة والتعبد بجبل حراء بالذات، لأنه كان يرى منه بيت ربه وهذه الرؤية عبادة! [المصدر نفسه ٦٨/١ وفتح الباري١٨/١]

الوقفة الثالثة: عند حكمة غطه صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، فقد قيل: إنها التهيئة لتلقي الوحي القرآني، ليظهر في ذلك الشدة والاجتهاد في الأمور، وإنما تكرر ثلاثًا للمبالغة في التثبت [المصدر نفسه ٦٨/١ وفتح الباري١٨/١].

الوقفة الرابعة: للجواب عن تساؤل: من أين علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الجائي إليه هو جبريل عليه السلام؟ وبما عرف أنه حق لا باطل؟، فقد أجيب عن ذلك: بأن الحق تعالى قد أقام للنبي صلى الله عليه وسلم دليلًا يقينيًا على أن الجائي إليه ملك لا شيطان، كم أقام المعجزة دليلًا لنا على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم [المصدر نفسه ٦٨/١ وفتح الباري١٨/١]، وأقول أيضًا: إن الله تعالى أوجد في قلب النبي صلى الله عليه وسلم علمًا ضروريًا بأنه ملك الوحي جبريل، وهذا العلم مستغني عن الدليل.

الوقفة الخامسة: عند قول الملك له تكيف: {ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ} حيث استدل الجمهور على أن سورة (اقرأ) هي أول ما نزل من القرآن الكريم، وفيها دليل فقهي على وجوب استفتاح القراءة ببسم الله عند بعض العلماء كما قال السهيلي، وإن كان محل خلاف.

الوقفة السادسة: عند قول ورقة: "هذا الناموس الذي نزل الله على موسى" فإن الناموس في اللغة: هو صاحب سر الخير وهو هنا جبريل عليه السلام، وقد سمي به لخصوصه بالوحي والغيب، وإنما خصص بالناموس الذي أنزله الله على موسى عليه السلام دون غيره من الأنبياء مع أن لكل نبي ناموسًا؛ لأنه أنزل عليه كتاب التوراة الذي هو أكبر كتب الأنبياء قبل القرآن، بخلاف سائر الأنبياء فإن منهم من نزل عليه صحف، ومنهم من نُبِّئ بإخبار جبريل، عليه السلام.

الوقفة السابعة: فهي مع أول من آمن بالوحي المحمدي وبالرسول صلى الله عليه وسلم، وعايشه مع أول شعاع الإسلام!

إنها السيدة خديجة رضوان الله عليها التي شهد حديث بدء الوحي بكمالها وجزالة رأيها وقوة نفسها، وعظم فقهها؛ حيث جمعت للرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم جميع أنواع أصول المكارم وأمهاته في وصفها له وهي تُهدئ روعه، وإنه الصديق الأعظم سيدنا أبو بكر، الذي جاء في السيرة عن عمرو بن شرحبيل أنه دخل على السيدة خديجة إبان بدء الوحي القرآني فذكرت له ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم، قالت له: «يا عتيق، اذهب مع محمد إلى ورقة» -وذلك في مرة أخرى غير التي ذهبت فيه معه إلى ورقة- وإنه للحبر الجليل ورقة، الذي شهد للنبي صلى الله عليه وسلم بالوحي وبالرسالة، وقال فيه النبي صلى الله عليه وسلم فيما روته السيدة عائشة رضي الله عنها: «لا تَسُبُّوا وَرَقَةَ فَإِنَّهُ رَأَيْتُ لَهُ جَنَّةٌ أَوْ جَنَّتَانِ» [رواه الحاكم].       

فترة الوحي

ثم كانت (فترة الوحي) التي صرح بها حديث بدء الوحي في نهايته، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةً -أَيْ لَمْ يَلْبَثْ- أنْ تُوُفِّيَ، وفَتَرَ الوَحْيُ»، فما المقصود بفترة الوحي؟ وما مدتها؟ وما حكمتها؟

أما من حيث المعنى اللغوي: فالفترة مرة من الفتور، وفي مفردات الراغب: الفتور سكون بعد حدة، ولين بعد شدة، وضعف بعد قوة [انظر (المغردات) للراغب الأصفهاني ص ٣٧٣ ط/ دار المعارف].

 وأما المقصود بفترة الوحي: فقد ذكر العلامة ابن حجر وغيره أنه ليس المراد بفترة الوحي عدم مجيء جبريل إليه؛ بل تأخر نزول القرآن فقط [انظر (فتح الباري) لابن حجر ١ /٢٢ط الهيئة المصرية]، ومن ذلك يعلم: أن فترة الوحي القرآني لا تعني إطلاقًا انقطاع اتصال النبي صلى الله عليه وسلم بربه أو بملك الوحي جبريل عليه السلام، ولذلك لما تأخر الوحي عن الرسول صلى الله عليه وسلم وفهم المشركون من ذلك أن الله ودعه وقلاه أنزل الله تعالى قوله: {وَٱلضُّحَىٰ * وَٱلَّيۡلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ} [الضحى: ١-٣]، وذلك ردًا على زعمهم الخاطئ، وثمة مرويات أخرى تعاضد ذلك في سبب النزول، منها ما أخرجه الشيخان عن جندب أنه قال: «قَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: مَا أَرَىٰ شَيْطَانَكَ إِلَّا قَدْ وَدَّعَكَ، فنزل: {وَٱلضُّحَىٰ * وَٱلَّيۡلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ} [الضحى: ١-٣] [انظر (أسباب النزول) للواحدي، بتحقيق السيد صقر ص ٤٨٩، ط /الأولى، و (مفاتيح الغيب) للفخر الرازي ٢١٠/٣٢، ط/ دار الفكر].

وأما عن مدة فترة الوحي: فقد قال الحافظ ابن حجر: " وقع في تاريخ أحمد بن حنبل عن الشعبي: أن مدة فترة الوحي كانت ثلاث سنين، وبه جزم ابن إسحاق، ثم قال: " وليس المراد بفترة الوحي المقدرة بثلاث سنين - وهي ما بين نزول {ٱقۡرَأۡ} و {يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُدَّثِّرُ} عدم مجي جبريل إليه، بل تأخر نزول القرآن فقط" [انظر (فتح الباري) لابن حجر ٢٢/١ –٢٣]، ثم نقل عن السهيلي أنه قال: " جاء في بعض الروايات المسندة أن مدة الفترة كانت سنتين ونصفا"، ثم عقب عليه بقوله: " هذا الذي اعتمده السهيلي من الاحتجاج بمرسل الشعبي لا يثبت، وقد عارضه ما جاء عن ابن عباس أن مدة الفترة المذكورة كانت أياما" [انظر (فتح الباري) لابن حجر ٢٢/١ –٢٣]، وهو يشير بهذا إلى رواية ابن سعد عن الإمام ابن عباس حيث قال: "......... مكث أيامًا بعد مجيء الوحي لا يرى جبريل" [نفس المصدر ١٢ / ٣٠٣]، ثم حسم الحافظ الأمر بقوله - عند شرح أحاديث سبب نزول سورة (والضحى):، " والحق أن الفترة المذكورة في سبب نزول سورة (والضحى) - غير الفترة المذكورة في ابتداء الوحي؛ فإن تلك دامت أيامًا، وهذه لم تكن إلا ليلتين أو ثلاثا) [نفس المصدر ٠٥٧٧/٨].

 وأما عن حكمة فترة الوحي: فقد ذكر العلماء فيها وجوهًا عدة:

فمنها: ما ذكره الحافظ ابن حجر: "أن هذه الفترة كانت من مقدمات تأسيس أمر النبوة، ليتدرج فيه وليمرن عليه، وقد شق عليه فتوره حيث لم يكن خوطب عن الله بعد: أنك رسوله ومبعوثه إلى عباده، فأشفق أن يكون ذلك أمرًا بدئ به ثم لم يرد استمراره، فحزن لذلك، حتى تدرج على احتمال أعباء النبوة والصبر على ثقل ما يرد عليه، فتح الله له من أمره بما فتح" [نفس المصدر ٣٠٣/١٢].

ومنها: ما ذكره شيخ الإسلام العيني: من أن فتور الوحي مدة إنما كان كذلك ليذهب ما كان عليه الصلاة والسلام وجده من الروع، وليحصل له التشوق إلى العود.

ومنها كذلك: دلالة قاطعة على أن هذا الوحي من عند الله تعالى وأن التنزيل القرآني مصحوب بانمحاء الإرادة الشخصية للرسول صلى الله عليه وسلم وانسلاخه من الطبيعة البشرية حتى ما بقي له صلوات الله وسلامه عليه اختيار فيما ينزل عليه أو ينقطع عنه، فقد يتتابع الوحي ويحمى حتى يكثر عليه، وقد يفتر عنه وهو أحوج ما يكون إليه، فهو وحي الله تعالى لا ريب فيه [انظر: (مباحث في علوم القرآن) للدكتور صبحي الصالح ص ٣٥-٣٦، ط/ دار العلم للملايين سنة ٩٩٦ ١م].

وإننا لنلمس -في دهشة- مدى حب النبي صلى الله عليه وسلم للوحي، وشوقه إليه في فترته، إلى ذلك الحد الذي صوره حديث السيدة عائشة إذ تقول رضي الله عنها في تتمة الحديث المار في بدء الوحي: «......... وَفَتَرَ الوَحْيُ فَتْرَةً حَتَّى حَزِنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم -فِيمَا بَلَغَنَا- حُزْنًا غَادَرَتْهُ مِنْهُ مَرَارًا حَتَّى لِيَتَرَدَّى مِنْ رُؤُوسِ شَوَاهِقِ الْجِبَالِ، فَكُلَّ مَا أَوْفَى بِذُرْوَةِ جَبَلٍ لِيُلْقِيَ مِنْهُ نَفْسَهُ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا، فَيَسْكُنُ لِذَٰلِكَ جَأْشُهُ وَتَقَرُّ نَفْسُهُ فَيَرْجِعُ، فَإِذَا طَالَتْ عَلَيْهِ فَتْرَةُ الْوَحْيِ غَدَا لِمِثْلِ ذَٰلِكَ، فَإِذَا أَوْفَى بِذُرْوَةِ جَبَلٍ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَٰلِكَ» [رواه البخاري].

 وقد يقال هنا: كيف عزم النبي صلى الله عليه وسلم على إلقاء نفسه من الجبل مع أن ذلك يوجب قتلها، والعزم عليه من الكبائر، والأنبياء جميعًا ولا سيما حضرته صلى الله عليه وسلم معصومون من جميع المعاصي قبل البعثة وبعدها؟؟، والجواب عن ذلك أن يقال: إن هذا الخبر من بلاغات الزهري كما جزم بذلك ابن حجر، وأنه لو صح لكان مجرد تصوير مجازي لشوق النبي صلى الله عليه وسلم للوحي، وحزنه العميق على تأخره.

كُتّاَب الوحي

ثم نتعرف على (كُتَّاب الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم):

فنجد من عناية الله بكتابه المجيد أن وجه الهمم ووفر الدواعي على تدوينه في السطور كم وجه عناية النبي صلى الله عليه وسلم مثله وأصحابه إلى حفظه واستظهاره في الصدور، فتحقق بالأمرين وعد الله تعالى بحفظه في قوله تعالى: {إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ} [الحجر: ٩]  فقد تضافرت الصورتان وعاضدت كل منهما الأخرى في الصحة والتوثيق، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم ينزل عليه القرآن شيئًا فشيئًا، وكان كلما نزل منه شيء بادر بتبليغه لأصحابه وحث على تعلمه وتعليمه، وكان يأمر كتاب الوحي بكتابة كل شيء ينزل من القرآن عقب نزوله مباشرة، فتمت كتابة القرآن كله في عهده صلى الله عليه وسلم، وقد استنبط علماء التنزيل ما يدل على أن الكتابة من الصفات اللازمة للقرآن في ذلك العهد من قوله تعالى: {رَسُولٞ مِّنَ ٱللَّهِ يَتۡلُواْ صُحُفٗا مُّطَهَّرَةٗ ٢ فِيهَا كُتُبٞ قَيِّمَةٞ} [البينة: ٢-٣].

كما سجلت السنة الصحيحة أمر النبي صلى الله عليه وسلم  بكتابة القرآن: عن ابن عباس عن سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنهم أنه قال: « كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِمَّا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنَ السُّورِ ذَوَاتِ الْعَدَدِ، فَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ يَدْعُو بَعْضَ مَنْ يَكْتُبُ عِندَهُ فَيَقُولُ: ضَعُوا هَذَا فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا » [رواه أحمد]

هذا: وقد تعددت أقوال العلماء في عدد كتاب الوحي لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالعلامة الدكتور محمد عبد الله دراز يذكر أن العلماء الثقات قد ذكروا أن عدد كتاب الوحي قد بلغ تسعة وعشرين كاتبًا [انظر (مدخل إلى القرآن الكريم) للدكتور محمد عبد الله دراز ص ١٣٤، ط/ دار القرآن الكريم بالكويت سنة ا ٩ ٣ ١هـ]، وقام المستشرق (بلاشير) باستطلاع كتاب الوحي في عديد من المصادر العربية والغربية ومن تلك المصادر: ما ورد في طبقات ابن سعد وما كتبه الطبري والنووي والحلبي، وكذا شفالي وبهل وكازانوفا، واستطاع أن يبلغ بكتاب الوحي إلى أربعين كاتبًا [انظر (مباحث في علوم القرآن) للدكتور صبحي الصالح ص ٦٩، ط/ دار العلم للملايين (السادسة)].

ولقد قسم العلماء وأصحاب السير كتاب الوحي إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: كتاب الوحي في العهد المكي ومن أبرزهم:

١-    الصحابي الجليل شرحبيل بن حسنة السهمي أو الكندي المتوفى سنة ١٨هـ وله سبع وستون سنة، وقد نص الحافظ الشامي في سيرته على أنه أول من كتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم [انظر (سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد) للعلامة محمد بن يوسف الصالحي الشامي ٢ ١ /٩٨ ٣].

٢-    الصحابي الجليل خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي المتوفى يوم موقعة أجنادين سنة ١٣ هـ، كما ذكره الذهبي في السير [انظر (سير أعلام النبلاء) للذهبي ٢٦٠/١]، وكان خامسًا في الإسلام وأول من كتب (بسم الله الرحمن الرحيم)، كما رواه الذهبي عن ابنته أم خالد [انظر (سير أعلام النبلاء) للذهبي ٢٦٠/١].

٣-     الصحابي الجليل أمير مصر عبد الله بن سعد أبي السرح (ت ٦٣ هـ) وهو من السابقين الأولين -كما ذكر ابن العماد في ترجمته- وقد نص الحافظ ابن حجر على أنه أول من كتب للنبي صلى الله عليه وسلم بمكة من قريش، ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام يوم الفتح وحسن إسلامه، وفتح الله على يديه شمال إفريقيا وبعض بلاد السودان [انظر (فتح أنبارى) لابن حجر ١٨/٩، ط/الهيئة المصرية، و(سبل الهدى والرشاد) للشامي ٤٠٢/١٢، ط/ المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، و(شذرات الذهب) لابن العماد ١ /٤٤، ط/ المكتب التجاري بلبنان].

٤-     الصحابي الجليل حنظلة بن الربيع بن صيفي بن رباح الأسيدي، قال صاحب (أسد الغابة) في ترجمته: "ويقال له حنظلة الأسيدي والكاتب، لأنه كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو ابن أخي أكثم بن صيفي [أنظر (أسد الغابة) لابن الأثير ٦٥/٢، ط / الشعب، و(فتح الباري) لابن حجر ١٨/٩]، وهو الذي أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل الطائف قائلا لهم: (أَتُرِيدُونَ صُلْحًا أَمْ لَا؟ فَلَمَّا تَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ائْتَمُّوا بِهَذَا وَأَشْبَاهِه!!)، ثم انتقل إلى قرقيسيا - وهي بلد على الفرات فمات بها [أنظر (أسد الغابة) لابن الأثير ٦٥/٢، ط / الشعب، و(فتح الباري) لابن حجر ١٨/٩]، وقد رُجِح قدم إسلامه بمكة بناء على تلك القرائن بالإضافة إلى كونه ليس أنصاريًا [انظر (وثاقة نقل النص القرآني من رسول الله يجلف إلى أمته) للأستاذ الدكتور محمد حسن جبل ص ١٦٢، ط/ التركي بطنطا].

والقسم الثاني: من كتب له صلى الله عليه وسلم في الجملة -على حد تعبير الحافظ ابن حجر- وترجح اشتراك كل منهم في كتابة الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم بمكة: وهم سادتنا الصحابة الأجلاء: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، والأرقم بن أبي الأرقم، وحاطب بن عمرو، وعامر بن فهيرة، وأبو سلمة بن عبد الأسد، ومعيقيب الدوسي [انظر (فتح الباري) لابن حجر ١٨/٩. ط / الهيئة المصرية] – رضي الله عنهم أجمعين.

أما القسم الثالث: فهم كتاب الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم في العهد المدني، ومن أبرزهم:

١-    سيدنا أُبي بن كعب بن قيس الأنصاري النجاري (ت سنة ٣٠ هـ) - وهو الملقب بسيد القراء، وقد نص الحافظ ابن حجر وغيره على أنه أول من كتب للنبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، ونص أيضًا على أنه كتب له قبل زيد بن ثابت [نفس المصدر، وانظر (سير أعلام النبلاء) للذهبي ٣٨٩/١] – رضي الله عنهما.

٢-    سيدنا زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد الخزرجي النجاري الأنصاري (ت ٤٥ هـ) عن ست وخمسين سنة كما حكاه الذهبي عن الواقدي [سير أعلام النبلاء ٤٤١/٢، ط/الرسالة]، وذكر أيضًا أنه لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أسلم زيد وهو ابن إحدى عشرة سنة، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتعلم خط اليهود ليقرأ له كتبهم وقال: "فإني لا آمنهم" [نفس المصدر ٤٢٨/٢ - ٤٢٩]، كما روى الطبراني بإسناد حسن إليه أنه قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا نَزَلَ الْوَحْيُ بَعَثَ إِلَيَّ فَكَبَّتُ» [نفس المصدر ٢ /٤٢٩]، كما روى البخاري بإسناده أن ابن السباق قال: "إن زيد بن ثابت قال: أرسل إلى أبو بكر رضى الله عنه قال: إنك كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبع القرآن، فتتبعت القرآن حتى وجدت آخر سورة التوبة -آيتين- مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع غيره» [انظر (فتح الباري بشرح صحيح البخاري) ٩ /١٨، ط/الهيئة المصرية]، ومن ثم كان هو الذي جمع القرآن في صحف في عهد الصديق رضوان الله عليه كما ندبه سيدنا عثمان رضي الله عنه إلى كتابة المصحف العثماني أيضًا [انظر (سير أعلام النبلاء) ٤٤١/٢].

  هذا وقد حقق الأثبات أن سيدنا عثمان ابن عفان رضي الله تعالى عنه كان من أوثق مصادر التسجيل الفوري للوحي القرآني ولاسيما في العهد المدني أيضًا، حيث قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: " كانَ عُثْمَانُ قَاعِدًا عِندَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَرَسُولُ اللَّهِ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إِلَيَّ وَجِبْرِيلُ يُوحِي إِلَيْهِ الْقُرْآنَ وَهُوَ يَقُولُ: «اَكْتُبْ يَا عُثْيمُ» "!! [انظر (وثاقة نقل النص القرآني) للأستاذ الدكتور محمد حسن جبل ص ١٦٦ والأثر فيه معزو إلى (الرياض النضرة) للمحب الطبري ج ٢ ص ٨٢ - ص ١٥٢]، ثم هنالك ثلة من الصحابة الأجلاء الذين اشتركوا في كتابة الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة المنورة، ومن أبرزهم السادة الأجلاء: أبان بن سعيد بن العاص (ت سنة ١٣ هـ)، وبريدة بن الحصيب الأسلمي، وثابت بن قيس، ومعاوية بن أبي سفيان، وخالد بن الوليد، وحذيفة بن اليمان، وحويطب بن عبد العزى، وعبد الله بن الأرقم، وعبد الله بن رواحة، وسعيد بن سعيد بن العاص، وعبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول وغيرهم رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وبعض هؤلاء وصفتهم المصادر بالكتابة للنبي صلى الله عليه وسلم دون تقييد بعهود أو رسائل، ولم يكونوا قديمي الإسلام بمكة المكرمة [المصدر السابق والعزو فيه إلى (سبل الهدى والرشاد) للصالحي ٣٨٢/١٢-٤١].

إثبات الوحي ودوام تأثيره

ونتوقف أخيرًا عند نقطة إثبات الوحي وإبطال دعوى منكريه بالاستدلال العقلي بعد أن قدمنا نصوص الإثبات نقلا من الكتاب والسنة، فنقول: قد أخبر بثبوت وقوع الوحي الصادق المعصوم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم المؤيد بالمعجزة، وكل ما أخبر بوقوعه الصادق المعصوم فهو حق ثابت، فإن المعجزة -وهي الأمر الخارق للعادة الخارج عن حدود الأسباب المعروفة يظهره الله على يد مدعي النبوة عند دعواه إياها شاهدًا على صدقه- إنما هي بمثابة قول الله تعالى: (صدق عبدي في كل ما يبلغه عني، ومن ذلك أنه يوحى إليه مني)!!، ومن ثم: نستطيع أن نقرر بوثوق: أن الوحي القرآني بإعجازه هو بنفسه دليل عقلي على مصداقيته، وذلك بما توافر له من براهين إعجازه بعد التحدي به وإعلان عجز الثقلين عن الإتيان بمثله، وصدق الله القائل في كتابه المعجز: {قُل لَّئِنِ ٱجۡتَمَعَتِ ٱلۡإِنسُ وَٱلۡجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِمِثۡلِ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لَا يَأۡتُونَ بِمِثۡلِهِۦ وَلَوۡ كَانَ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٖ ظَهِيرٗا} [الإسراء: ٨٨]، ثم لقد قدم العلماء -لإثبات الوحي بالعلم التجريبي والفكر الفلسفي- دلائل ساطعة على جوازه وإمكانه في مواجهة من ينكرون أدلة الشرع.

ومنها التنويم المغناطيسي الذي كشفه الدكتور (مسمر) في القرن الثامن عشر، واعترف به العلماء، وأثبتوا بواسطته أن للإنسان عقلًا باطنًا أرقى وأسمى من عقله المعتاد، وأنه في حالة التنويم يرى ويسمع من بعد شاسع ويقرأ من وراء حجب، ويخبر عما سيحدث مما لا يوجد في عالم الحس علامة لحدوثه.

ثم إننا في عصرنا الحديث وقد أصبح أمامنا التلفاز والراديو واللاسلكي وغير ذلك مما نشاهد ونتخاطب به عبر المسافات البعيدة، أنستبعد بعد ذلك على قدرة الله تعالى إعلام الله تعالى لخواص عباده بما شاء من وحيه؟

ثم كيف نذعن لقول كبار الفلاسفة كأفلاطون أن هناك عبقرية، وقد عرفها بأنها إلهية مولدة للإلهامات العلوية للبشر، ويقرر الفلاسفة أنها لا شأن للعقل فيها، ثم نستبعد على خلاق القوى والقدر أن يمد بوحيه الإلهي من شاء من عباده؟ [انظر (النبأ العظيم) للدكتور محمد عبد الله دراز ص ٦٧، و(مناهل العرفان) للزرقاني ١ /٦٦ – ٨٤]، وهناك الكثير والكثير من الأدلة التي بسطها العلماء للاستدلال لصحة وقوع الوحي والجواب عن الشبهات الواردة عليه في العديد من المصادر القرآنية؛ (كالنبأ العظيم) للدكتور محمد عبد الله دراز، و"الوحي المحمدي" للشيخ محمد رشيد رضا، و"مناهل العرفان" للعلامة الزرقاني وغيرها، فضلًا عن أمهات التفاسير؛ للفخر الرازي والقرطبي والألوسي وغير ذلك، والله تعالى أعلم.

الخلاصة

الوحي هو إعلام الله تعالى لنبيه بطريقة غير معتادة، ويعتبر الوسيلة الأساسية لإنزال القرآن الكريم، وتتعدد أنواع الوحي، مثل الوحي المنامي، والإلهام، والتكليم المباشر، ووحي جبريل عليه السلام، ويختلف كل منها في شكل الاتصال بين الله ورسوله، والقرآن الكريم نزل في حالة اليقظة وهو من الوحي الجلي، مما يعكس كمال بلاغة الرسالة الإلهية.

موضوعات ذات صلة

القرآن الكريم، كلام الله المعجز المنزل على سيدنا محمد ، هو هداية شاملة للبشرية ومعجزة خالدة تثبت صدق الرسالة

أسباب النزول توضح الحكمة من نزول آيات القرآن الكريم، وهي مرتبطة بالأحداث أو الأسئلة التي واجهها النبي صلى الله عليه وسلم

تتنوع أسباب نزول آيات القرآن بين عامة تخص سورًا كاملة، وخاصة تخص آيات معينة

موضوعات مختارة