Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

القرآن العظيم

الكاتب

أ.د/ محمود مزروعة

القرآن العظيم

القرآن العظيم هو كتاب الله الخالد، أنزله على نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ ليكون هدى ونورًا للعالمين، تَمَيّز بإعجازه في البلاغة والتشريع، وظل محفوظًا من التحريف منذ نزوله وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فهو كتاب الله الخالد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

ما هو القرآن مع بيان خصائصه

القرآن العظيم هو الكتاب الكريم وهو: كلام الله تعالى، المنزل على رسوله محمد باللسان العربي الواضح، المنقول بالتواتر، المتعبد بتلاوته، المتحدىَ بأقصر سورة منه، المجموع بين دفتي المصحف، المفتتح بسورة الفاتحة، والمختتم بسورة الناس، فهذا التعريف كما هو واضح، مبني على قيود، كل قيد يمثل خصيصة.

من خصائص القرآن العظيم، ويخرج ما عداه كما يتضح فيما يلي:

  1. كلام الله - تعالى-، قيد يخرج كلام غير الله - سبحانه وتعالى- ويخرج به الأحاديث النبوية والقدسية كما سنبينه.
  2. المنزل على رسوله محمد – صلى الله عليه وسلم -، - قيد يخرج كلام الله تعالى المنزل على الرسل السابقين - صلوات الله عليهم -.
  3. باللسان العربي، قيد يخرج كلام الله تعالى المنزل بغير اللغة العربية كالتوراة والإنجيل، فإنهما بلغة قومهما.
  4. المنقول بالتواتر، قيد يخرج ما لم يتواتر من القراءات التي يسميها العلماء قراءة شاذة.
  5. المتعبد بتلاوته، قيد يخرج به القراءات الشاذة فإنها لا يتعبد بتلاوتها، ولا تجزئ قراءتها، بل إن قراءتها تفسد الصلاة.
  6. المجموع بين دفتي المصحف، هذا قيد عادي يقع على الغالب والأصل، فإن الغالب والأصل أن القرآن مجموع بين دفتي المصحف الشريف.
  7. وآخر قيد فيه أنه مفتتح بفاتحة الكتاب، مختتم بسورة الناس، وهذا وصف للواقع من المصحف الإمام الذي وضعه الصحابة في عهد ذي النورين عثمان - رضي الله عنه -.

الفرق بين القرآن والحديث القدسي، وبيان قول إن اللفظ والمعنى من عند الله

الفرق بين القرآن المجيد والأحاديث القدسية: المتفق عليه أن الأحاديث النبوية والأحاديث القدسية كلاهما وحي من عند الله - عز وجل - أوحى الله تعالى بها إلى رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وفيهما يقول الله - تبارك وتعالى - عن رسوله - صلى الله عليه وسلم -: {‌وَمَا ‌يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ* إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ} [النجم:٣/٤].

أما الحديث النبوي: فالإجماع منعقد على أن المعنى من عند الله تعالى، وأما اللفظ فمن عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا خلاف في ذلك بين المسلمين، ولأن الحديث النبوي وحي من عند الله على قلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقد دأب العلماء على القول: الوحيان الشريفان تعبيرًا عن القرآن والسنة.

وأما الحديث القدسي: فقد ذهب الجمهور إلى أن معناه من عند الله تعالى، ولفظه من عند الرسول - صلى الله عليه وسلم - مثل الحديث النبوي، لكن يفرق بينهما بأن الأحاديث القدسية يسندها الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الذات العلية، إلى الله - عز وجل - فيقول: يقول الله - عز وجل -، أو قال الله - عز وجل -.

ومحل هذه الأحاديث كتب السنة، ومثل ذلك الحديث القدسي الذي روي عنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «قال اللهُ تباركَ وتَعالى: أنا الرَّحمنُ، خَلَقْتُ الرَّحِمَ، وشَقَقْتُ لها مِنِ اسمِي، فمَن وصَلَها وصَلْتُه، ومَن قطَعَها قطَعْتُه» [رواه الحاكم].

وخلاف ما ذهب إليه الجمهور، ذهب بعض العلماء إلى أن الحديث القدسي نزل بلفظه ومعناه من عند الله - عز وجل -، وإذا كان الحديث القدسي نزل لفظًا ومعنى من عند الله، فما الفرق بينه وبين القرآن المجيد على هذا الرأي؟

يذهب هؤلاء إلى أن الحديث القدسي يفترق عن القرآن في الأمور الآتية:

  1.  أن القرآن معجز تحدى الله تعالى به الإنس والجن، والأحاديث القدسية ليست معجزة ولا متحدىَ بها.
  2.  أن القرآن تعبد الله الناس بتلاوته في الصلاة وغيرها، وليس كذلك الأحاديث القدسية.
  3.  أن القرآن متواتر كله، والأحاديث القدسية ليست كذلك، فمنها المتواتر، ومنها غير المتواتر.
  4.  أن القرآن لا تصح الصلاة إلا بقراءة شيء منه، والأحاديث القدسية لا يقرأ بها في الصلاة، بل تفسد الصلاة بها.
  5.  القرآن العظيم لا تصح نسبته إلا إلى الله - عز وجل -، أما الأحاديث القدسية فتصح نسبتها عند روايتها إلى الله - عز وجل -، كما تصح أن تسند روايتها إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم -، لكن في كلا الحالتين يُسْنَد القول فيها إلى الله - تبارك وتعالى -، فيقال: قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عن ربه - تبارك وتعالى -، وقد يقال: قال الله - عز وجل - فيما يرويه عنه رسوله - صلى الله عليه وسلم -.

نزول القرآن وتدوينه

نزول القرآن وتدوينه: أنزل الله سبحانه وتعالى القرآن الكريم مرتين:

الأولى: أنزله جملة واحدة من مستقرِّه في أم الكتاب، وهو اللوح المحفوظ إلى مكانه من السماء الدنيا، ويُسمى مكانه من السماء الدنيا بيت العزة، فالقرآن المجيد كان مستقرًا عند الله – عزو جل -، محفوظًا في اللوح المحفوظ، كما قال الله سبحانه عنه: { بَلۡ ‌هُوَ ‌قُرۡءَانٞ مَّجِيدٞ * في لَوۡحٖ مَّحۡفُوظِۭ} [البروج٢١/٢٢]، وهذا النزول تَمَّ جملة واحدة، وقد نزل القرآن المجيد من مكانه في أم الكتاب اللوح المحفوظ كاملًا في ليلة القدر، يقول الله - عز وجل - عن مكان القرآن عنده سبحانه في أم الكتاب: {إِنَّا ‌جَعَلۡنَٰهُ ‌قُرۡءَٰنًا ‌عَرَبِيّٗا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ * وَإِنَّهُۥ فيٓ أُمِّ ٱلۡكِتَٰبِ لَدَيۡنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} [لزخرف ٤،٣]، ففي الآيتين السابقتين ذكر الله سبحانه القرآن {في لَوۡحٖ مَّحۡفُوظِۭ} [البروج:٢٢]، وفي هاتين الآيتين ذكر - عز وجل - أن القرآن في أم الكتاب، فاللوح المحفوظ وأم الكتاب شيء واحد بالنسبة لوجود القرآن عند الله – سبحانه -، ثم يقول - تبارك وتعالى - عن إنزال القرآن في ليلة القدر، وهي الليلة المباركة: {إِنَّآ ‌أَنزَلۡنَٰهُ ‌في ‌لَيۡلَةٖ مُّبَٰرَكَةٍۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ} [الدخان آية٣]، ويقول – عز وجل - في إنزال القرآن في ليلة القدر: {إِنَّآ ‌أَنزَلۡنَٰهُ ‌في ‌لَيۡلَةِ ٱلۡقَدۡرِ} [القدر:١].

فليلة القدر هي الليلة المباركة، وقد نزل القرآن المجيد فيها جملة واحدة من أم الكتاب، وهو اللوح المحفوظ، ومكانه فوق السماوات حيث لا يعلمه إلا الله – سبحانه - إلى مكانه في السماء الدنيا.

 قال قتادة معبرًا عن رأي جمهور العلماء: أنزل القرآن كله في ليلة القدر من أم الكتاب، وهو اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من سماء الدنيا، ثم أنزله الله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - في الليالي والأيام في ثلاث وعشرين سنة.

الثانية: أما المرة الثانية التي أُنزل فيه القرآن المجيد، فكان نزوله من سماء الدنيا، من بيت العزة وحيًا على قلب الرسول - صلى الله عليه وسلم - منجمًا ومُجَزءًا حسب المناسبات والوقائع والأحداث على مدى يقرب من ثلاث وعشرين سنة إلا قليلًا.

الحكمة من نزول القرآن منجمًا

الحكمة من نزول القرآن المجيد منجمًا: لقد شغب أعداء الله وأعداء رسوله وأعداء الإسلام على إنزال القرآن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منجمًا أو مُجَزءًا حسب الوقائع والأحداث.

 وقد ذكر القرآن الكريم طرفًا من اعتراضاتهم هذه، وشغبهم على ما ظنُّوه ثغرة في دين الله قال تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ عَلَيۡهِ ٱلۡقُرۡءَانُ ‌جُمۡلَةٗ ‌وَٰحِدَةٗۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَۖ وَرَتَّلۡنَٰهُ تَرۡتِيلٗا *وَلَا يَأۡتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ وَأَحۡسَنَ تَفۡسِيرًا} [القرفان ٢٢،٢٣ ]، ولكن الله تعالى بعد أن ذكر اعتراضهم، رد على ذلك الاعتراض بذكر الحكمة من نزول القرآن منجمًا، من ذلك:

١- أن إنزال القرآن على هيئة التنجيم والتجزئ في أوقات متتابعة من شأنه أن يقوِّى قلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويثبت فؤاده، ويعمِّق إيمانه ، فلو أن القرآن نزل دفعة واحدة لانبهر الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وعَظُمَ وقعه في نفسه، وقوَّى فؤاده وثبته، ولكن تضعف هذه القوة شيئًا فشيئًا، ويقل الانبهار والتأثر بالقرآن إذا كان دفعة قوية في البداية، ثم تطاول الأمد، يفقد القرآن بريقه، من هنا كان من رحمة الله تعالى وحكمته أن ينزل القرآن منجمًا على فترات متقاربة، فيظل أثره، والانبهار بجلاله وعظمته والتأثر بوقعه في نفوس المسلمين، ويظل كذلك غضًا طريًا، يتجدد دائمًا وقعه على قلوب المؤمنين، فينسيهم ويخفف عنهم، ويعطيهم القوة والمتعة في مواجهة جهالات المشركين.

 ٢- ينزل القرآن المجيد بالأحكام الشرعية حسب الوقائع والأحداث، وذلك أشد وقعًا، وأعظم تأثيرًا، فكلما جَدَّ حدث يحتاج إلى حكم، نزل من القرآن ما يجيب على هذه التساؤلات، ويعطي الحكم الشرعي في هذا الحدث، ومثال ذلك: تلك المرأة التي ذهبت تشتكي إلى الله ظهار زوجها منها، وتجادل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أمرها، فكان أن نزل القرآن يجيب عن حكم ظهار زوجها منها، ثم عن حكم الظهار بعامة، حيث نزل على رسول الله قوله تعالى: {‌قَدۡ ‌سَمِعَ ‌ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّتِي تُجَٰدِلُكَ في زَوۡجِهَا وَتَشۡتَكِيٓ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسۡمَعُ تَحَاوُرَكُمَآۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٌ} [لمجادلة:١]، إلى آخر الآيات، وهذا معنى قول الله تعالى : {إِلَّا جِئۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ وَأَحۡسَنَ تَفۡسِيرًا} [الفرقان:٣٣].

 ٣- تسهيل حفظه، وتيسير كتابته، وإغراء المؤمنين بكتابته وحفظه، وبخاصة وقد كان العرب من أقوى الناس حافظة وأعجزهم عن الكتابة، فلو نزل دفعة واحدة لاشتدت صعوبته على الحفظ، واستحالت كتابته بهذه القدرة.

 ٤- تخويف المشركين وإرهابهم وفضح نواياهم ومخططاتهم، فيكفوا أيديهم، ويحذروا من مكائدهم، حيث كان المشركون يصنعون أو يعدون المكيدة، فينزل القرآن يفضحهم ويكشف مخططاتهم، لذلك خافوا ورهبوا، وقد قال الله تعالى لنبيه مبينًا ذلك:{يَحۡذَرُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيۡهِمۡ سُورَةٞ تُنَبِّئُهُم بِمَا في قُلُوبِهِمۡۚ قُلِ ٱسۡتَهۡزِءُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ مُخۡرِجٞ مَّا تَحۡذَرُونَ } [التوبة :٦٤]، هذه من أهم ما نعرف من حكمة الله تعالى في إنزاله القرآن العظيم منجمًا، ولعل ثمة حِكَمًا لا نعلمها الله يعلمها، ولقد كان جبريل - عليه السلام -ينزل بالآية أو الآيات، وحين يبدأ في قراءتها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسارع في تحريك لسانه الشريف بالقراءة خلف جبريل - عليه السلام - حرصًا منه على حفظ ما يوحَى إليه، وخوفًا أن يفوته شيء منه، وظل ذلك شأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى نهاه الله تعالى عن القراءة خلف جبريل مباشرة كلمة كلمة ، وأمره أن ينتظر حتى ينتهي جبريل من جميع ما نزل به، وطمأنه ربه أنه سوف يثبت حفظ ما ينزل من القرآن ويجمعه في قلبه، ويبين له معانيه، قال تعالى: {فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡحَقُّۗ وَلَا تَعۡجَلۡ بِٱلۡقُرۡءَانِ مِن قَبۡلِ أَن يُقۡضَىٰٓ إِلَيۡكَ وَحۡيُهُۥۖ وَقُل رَّبِّ زِدۡنِي عِلۡمٗا} [طه: ١١]، وقال تعالى للرسول - صلى الله عليه وسلم - يَعِدُهُ بحفظ ما ينزله عليه، ويبين له معناه : {لَا تُحَرِّكۡ بِهِۦ لِسَانَكَ لِتَعۡجَلَ بِهِۦٓ إِنَّ عَلَيۡنَا جَمۡعَهُۥ وَقُرۡءَانَهُۥ فَإِذَا قَرَأۡنَٰهُ فَٱتَّبِعۡ قُرۡءَانَهُۥ ثُمَّ إِنَّ عَلَيۡنَا بَيَانَهُۥ} [القيامة١٦-١٩]، وقد كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك إذا نزل عليه جبريل - عليه السلام -: بشيء من القرآن ينتظر حتى ينتهي جبريل من قراءة ما نزل به ثم يقرأه على جبريل، ثم يعيد قراءته على أصحابه ويطلب منهم حفظه، ثم يدعو - صلى الله عليه وسلم - بعض كتبة الوحي ويأمرهم بكتابة ما نزل، ثم يبين لهم أين يضعون هذه الآيات من القرآن الذى نزل قبل ذلك، ولم يكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يضع الآيات القرآنية التي تنزل في أمكنتها من القرآن اجتهادًا منه، بل كان يضعها حيث يبين له جبريل مكانها، وبذلك لم يكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يرتب آي القرآن العظيم حسب تاريخ نزوله، بل حسب ما يبين الوحي الشريف على لسان جبريل      - عليه السلام -: لذلك كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حينما ينزل الوحي بآية أو آيات يأمر الصحابة بحفظها، ثم يأمر كتبة الوحي بأن يضعوها حيث أمر الوحي، فيقول - عليه الصلاة والسلام - ضعوها في السورة التي يذكر فيها كذا من آية كذا وآية كذا.

وقد كان كُتَّاب الوحي من خيرة أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورضي الله عنهم، منهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاوية بن أبي سفيان، وكان كثير من الصحابة يكتب لنفسه، فكان ما يُكتب بأمر رسول الله يُجمع في بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وما يكتبه بعض الصحابة لأنفسهم يحفظونه عندهم، وظل الأمر على ذلك حتى تَمَّ نزول القرآن العظيم.

وكان جبريل ينزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ليالي رمضان من كل عام فيراجعه القرآن، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعرض على جبريل ما نزل من القرآن حتى وقته، وكان هذا العمل يسمى "العرضة" وكيفية العرضة: أن يقرأ جبريل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم – ما نزل من القرآن حتى وقت العرضة، حتى إذا انتهى بدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ على جبريل - عليه السلام - نفس القدر من القرآن الذي أُنْزِلَ عليه حتى ذلك الحين.

 وبذلك تتم العرضة، ولقد ظل ذلك دأب رسول الله - صلى الله عليه وسلم – وجبريل - عليه السلام - يعرضان القرآن كل منهما على صاحبه مرة في كل عام، ويتم ذلك في رمضان، حتى كان آخر رمضان توفي بعده رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، في رمضان هذا عرض جبريل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القرآن، ثم عرض رسول الله على جبريل القرآن مرتين اثنتين، لا مرة واحدة.

 وقد كان الذي نزل حتى ذلك الحين من القرآن يكاد يكون القرآن كاملًا، وقد استشعر كثير من الصحابة من ذلك الصنيع أن أجل رسول الله قد اقترب، وأن رمضان هذا ربما كان الأخير في حياته الشريفة - صلى الله عليه وسلم -.

جمع القرآن العظيم، وكتابة المصحف الإمام

جمع القرآن العظيم، وكتابة المصحف الإمام: لعله من الأوفق أن نسجل هذا الموضوع في فقرات متتالية متناسقة يسلم بعضها إلى بعض؛ لإيضاح المعلومة وتيسيرًا للاستيعاب.

١- عرفنا أن القرآن المجيد نزل منجمًا مجزءًا حسب الوقائع والأحداث، على ما اقتضت حكمة الله سبحانه ومشيئته، وأنه نزل بهذا النسق في قريب من ثلاثة وعشرين عامًا، هي عمر البعثة النبوية الشريفة.

 ٢- إلى جانب ما ذكرنا من حفظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القرآن، وأمره كتبته بكتابته أولًا بأول، وحفظه مكتوبًا عنده - صلى الله عليه وسلم -، وترغيب الرسول أصحابه بحفظ القرآن، كان كثير من الصحابة يكتبون لأنفسهم ما ينزل من القرآن في مدونات خاصة بهم، فيما عرف بعد ذلك بمصطلح مصاحف الصحابة، وذلك مثل مصحف عبد الله بن مسعود.

 ٣- يتضح من ذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم ينتقل إلى الجوار الكريم، حتى كان القرآن محفوظًا في الصدور والقلوب، مرتب السور والآيات، كما كان محفوظًا كذلك في السطور، أي كان مكتوبًا في الصحف والمدونات، وأهم من كل ذلك أن القرآن كان محفوظًا في صدور المسلمين الذين قدر عدد الذين كانوا يحفظونه كاملًا بما ينيف على الألف، هذا غير الذين كانوا يحفظون أجزاءً منه تقل أو تكثر.

 ٤- لما تولى أبو بكر- رضي الله عنه - وحدثت وقعة اليمامة [وقعة اليمامة بين المسلمين ومسيلمة الكذاب، ذلك أن مسيلمة ادعى النبوة، وتابعه على دعوته قريب من مائة ألف، فأرسل إليه الصديق خالد بن الوليد ومعه قريب من ثلاثة عشر ألف، وحين التقى الجيشان انكشف جيش المسلمين لوجود عدد كبير من الأعراب فيه، فقال القراء من الصحابة: يا خالد خلصنا من الأعراب، فتميزوا وانفردوا، فكانوا قريبًا من ثلاثة آلاف، ثم حمل القراء على مسيلمة وجيشة حملة صادقة، وتنادوا: يا أصحاب سورة البقرة، فلم يزالوا كذلك حتى فتح الله عليهم، وولىَ جيش مسيلمة، فاتبعهم المسلمون ووضعوا سيوفهم في أقفيتهم قتلًا وأسرًا، وقتل الله الكذاب مسيلمة، وتفرق شمل أصحابه، وقد رجع كثير منهم بعد ذلك إلى الإسلام، ولكن استشهد من القراء في هذه الواقعة قريب من خمسمائة، "انظر فضائل القرآن لابن كثير - رحمة الله-]، واستشهد فيها من القرَّاء حفظة القرآن قريب من خمسمائة دخل عمر بن الخطاب على أبي بكر - رضي الله عنه - فقال له: يا أمير المؤمنين إن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتهافتون على القتال تهافت الفراش على النار وإني أخشى أن يقتلوا في مواطن الجهاد وهم حملة القرآن، فيضيع القرآن ويُنسى، فلو جمعته في مصحف واحد لكان خيرًا، فتردد أبو بكر - رضي الله عنه - في أول الأمر، وقال: كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتراجعا في ذلك حتى شرح الله صدر أبي بكر لهذا العمل، فأرسل إلى زيد بن ثابت - رضي الله عنه - فقال له: إنك شاب عاقل لا نتّهمك كنت تكتب القرآن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد حضرت العرضة الأخيرة فتتبع القرآن واجمعه، ثم ضم إليه أبو بكر الحفظة المشهود لهم بالحفظ والإتقان والدين، فيهم علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وأبي بن كعب، وأمرهم بمعاونة زيد في جمع القرآن فعكفوا على جمع القرآن، وأحضروا جميع ما كتب بإملاء النبي، وأخذوا يقابلون بين ما يقرؤونه حفظًا وما يجدونه مكتوبًا إلى أن أتموا كتابة القرآن على الترتيب والضبط الذين كان على عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وبعد أن تَمَّ الجمع وضعت هذه الصحف مرتبة عند أبي بكر - رضي الله عنه - فلما توفي الصديق وضعت عند عمر بن الخطاب ولما توفي عمر بن الخطاب وتولى الخلافة ذو النورين عثمان جَدَّ من الأمور في عهده ما اقتضى جمع هذه الصحف في مصحف واحد، وكتابة نسخ كثيرة منه وإرسالها إلى الأمصار الإسلامية الموجودة في ذلك الوقت.. ذلك أن المسلمين اجتمعوا في عهد عثمان لفتح أرمينية وأذربيجان، وكان فيهم أهل العراق يقرؤون بقراءة عبد الله بن مسعود، وأبي موسى الأشعري، وأهل الشام يقرؤون بقراءة أبي بن كعب، وكان بين القراءتين خلاف في بعض الأحرف التي أنزل عليها القرآن، ومن المعلوم أن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فتنازع المسلمون حول القراءات واختلفوا، ورأى حذيفة بن اليمان هذا فذهب إلى المدينة، وذهب من فوره إلى الخليفة عثمان - رضي الله عنه، فقال له: أدرك الأمة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى، فقال عثمان : في ماذا ؟ قال حذيفة: في كتاب الله، وقص عليه الخبر، فجمع عثمان الصحابة وشاورهم في الأمر، فقالوا له: ماذا ترى ؟ قال: أرى أن يجمع الناس على مصحف واحد، وأن تحرق الصحف التي تخالف ذلك، فوافقه الصحابة على ذلك، فأرسل عثمان إلى السيدة حفصة أم المؤمنين: أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في مصاحف نوزعها على الأمصار الإسلامية ثم نعيدها إليك، فأرسلت أم المؤمنين بالصحف إلى عثمان، فجمع أربعة من الصحابة وعَهِدَ إليهم بنسخها في مصاحف، والأربعة هم: زيد بن ثابت الذي كان على رأس الذين جمعوا القرآن في عهد أبي بكر وهو من الأنصار، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام -وهؤلاء الثلاثة قرشيون-، وقال عثمان للقرشيين الثلاثة: إذ اختلفتم أنتم وزيد في شيء فاكتبوه بلغة قريش، فإنه إنما نزل بلسانهم، فلم يختلفوا في شيء إلا في كلمة التابوت، فقال زيد: تكتب بالماء، وقال الثلاثة: تكتب بالتاء فعرضوا الأمر على عثمان، فقال: اكتبوها بالتاء، فكتبت كذلك.

 ولما انتهوا من الكتابة رد عثمان الصحف التي كتبوا منها إلى أم المؤمنين السيدة حفصة، وأمر عثمان بنسخ عدة مصاحف، وأرسل إلى كل مصر مصحفًا.

 أرسل إلى مكة مصحفًا، وأرسل إلى الكوفة كذلك، وإلى البصرة، وإلى دمشق، وإلى المدينة، وأبقى لنفسه مصحفًا، وأرسل مع كل مصحف قارئًا يرشد الناس إلى وجوه قراءته، وألزم الناس بالقراءة بما يوافق هذه المصاحف، وأمر بإحراق ما عداها من مصاحف.

 والمصاحف التي أمر عثمان - رضي الله عنه - بإحراقها لم تكن مصاحف مكتملة، لا من حيث جمع القرآن كله، ولا من حيث توالي السور وترتيبها على الهيئة التوقيفية، وذلك أن بعض الصحابة - رضوان الله عليهم - كان إذا سمع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آيات من القرآن كتبها واحتفظ بها عنده، ثم قد يعرض له ما يمنعه عن متابعة ما ينزل من القرآن، كأن يخرج في سرية، أو يخرج في تجارة، فإذا عاد من غيبته يبدأ في كتابة ما ينزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحفظه.

 وقد يدرك ما نزل في غيابه حفظًا أو كتابة أو يدرك بعضه، وقد يكتب ما فاته جميعه أو بعضه، من هنا كانت صحف الصحابة - رضوان الله عليهم - يقع فيها نقص بعض السور أو الآيات، كما قد يقع فيها تقديم وتأخير ومخالفة للترتيب التوقيفي الذى بينه لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان من الصحابة من يكتب بعض ما فهمه من تفسير للآية، فيختلط الأمر، وذلك كما ورد في مصحف عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - في قول الله تعالى: {وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٞ يَأۡخُذُ كُلَّ سَفينَةٍ غَصۡبٗا} [الكهف: ٧٩]، فقد كتبها ابن مسعود في مصحفه: {وكان من ورآءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبًا}، هكذا كانت مصاحف الصحابة - رضوان الله عليهم -، وكانت تختلف تلك المصاحف من حيث ما جمع فيها من القرآن، فمنه ما أوشك على جمع القرآن كله مثل مصحف ابن مسعود، ومنهم ما كان فيه بضع سور أو آيات، لذلك كان من الحكمة بعد أن جُمع القرآن كله من مصحف رسول الله الذي جمعه أبو بكر أن تُحرَق المصاحف الأخرى.

 وقد كان جمع القرآن في عهد الخليفة أبي بكر توفيقًا من الله تبارك وتعالى، حفظ الله به كتابه من التغيير والاختلاف، فقد جمعت سوره مرتبة كترتيب القرآن الذي استقر عليه الأمر قبل وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد اجتمع في ذلك الجمع المكتوب في السطور مع المحفوظ في الصدور.

 وبذلك اتصل السند الكتابي بالصحف التي كتبت بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بمقارنتها بالسند المتواتر المتلقَىَ من الحفاظ.

 فكان ذلك الجمع متوترًا كتابة وحفظًا، ثم جاء جمع القرآن وكتابته في مصحف واحد متفق عليه، في أعلى ما يُتصور من إحكام وإتقان في عهد ذي النورين عثمان - رضي الله عنه -، وبذلك اجتمعت الأمة على مصحف واحد متفق عليه، ومُجْمَع عليه من الصحابة، فهذان جمعان للمصحف الشريف.

الأول: في عهد أبي بكر - رضي الله عنه -، والثاني: في عهد عثمان - رضي الله عنه - وكل جمع هدف إلى غايته غير التي هدف إليها الآخر، وكلاهما مكمل للآخر، الأول أسس، والثاني كمَّل وتمم على ما يلي:

الجمع الأول: كان الهدف منه حفظ القرآن أن يضيع منه شيء، أو أن يرتب على غير الترتيب التوقيفي الذي وقف رسول الله أصحابه عليه، وقد تَمَّ بفضل الله جمعه من الصحف التي كانت تُكتب بين يدي رسول الله، ومن صدور الحفاظ.

 الجمع الثاني: أما الجمع الثاني، فكان الهدف منه الحفاظ على القراءة التي كان يقرأ بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القرآن في العرضة الأخيرة، وقد كانت بوادر الخلاف بين القراءة والخطأ منها، حتى أدراك الأمة عثمان - رضي الله عنه - فجمعهم على مصحف واحد ليقرؤوا القرآن كما قرأه رسول الله ليقرؤو القرآن في العرضة الأخيرة.

خصائص القرآن المجيد

خصائص القرآن المجيد: اتفق العلماء والعقلاء جميعًا قديمًا وحديثًا على أن القرآن العظيم هو آية الله العظمى لخاتم النبيين محمد - صلى الله عليه وسلم -، بل هو آية الله العظمى لجميع النبيين والمرسلين من لدن آدم - عليه السلام - حتى خاتمهم محمد - صلى الله عليه وسلم - باعتبار أن القرآن المجيد مصدق لما بين يديه من الكتب السابقة كلها.

 ومن المُسَلَّم به أن الله سبحانه قد اختص القرآن العظيم بخصائص ليس بإمكاننا أن نلمَّ بتلك الخصائص والميزات التي فَضَّل الله تعالى بها كتابه الكريم وميزه، لكن بقدر الإمكان ووسع الطاقة سنحاول الإشارة إلى أهمها، إشارات موحية وإن لم تكن كافية، فمن ذلك:

 أولًا: أن الله سبحانه جعله الكتاب الخاتم المصدِّق لجميع ما تقدمه من كتب على حالها التي أنزلها الله تعالى عليها قبل أن تُحرَّف أو تُبدَّل.

 ثانيًا: أن الله سبحانه ضمنه الدين كاملًا، والرسالة الخاتمة التامة العامة الكاملة، يقول الله عز وجل: {ٱلۡيَوۡمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِۚ ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ} [المائدة:٣].

وكانت الرسالات السابقة رسالات خاصة بالأقوام الذين أُنزلت عليهم، ومن ثَمَّ كانت رسالات خاصة زمانًا ومكانًا وأقوامًا، وكانت كل رسالة تُكمِّل السابقة، ومن ثَمَّ نسخ الرسالات التي جاءت بها تلك الكتب، وورثها الكتاب الكريم الذي اشتمل على الرسالة الخاتمة، والتي كانت هي دين الله الإسلام في صورته الكاملة الشاملة، والتامة العامة.

ثالثًا: ولأن القرآن المجيد هو خاتم الكتب، وحامل الرسالة الخاتمة، ومتضمن الدين كاملًا، ولأن حفظه يعني حفظ الرسالة وحفظ الدين، فقد تكفل الله - سبحانه - بحفظه من التحريف والتبديل، فضلًا عن الفقد والضياع، وفي ذلك يقول الله - عز وجل -: {إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ} [الحجر:٩].

فكان ذلك من أعظم ميزات وخصائص القرآن المجيد التي لم يقدِّرها الله - تبارك وتعالى - لغيره من الكتب السابقة.

 ١- أن الكتب السابقة كانت تنزل على أقوام بأعيانهم، كان كل كتاب ينزل على قوم نبي أرسل إليهم، من ثَمَّ كانت تلك الكتب بما تحويه من شرائع كتبًا خاصة، أقوامًا، وزمانًا ومكانًا، لذلك لم يكن ثمة حاجة إلى حفظ هذه الكتب بما تحويه من شرائع خاصة، جاءت بها رسالات خاصة، كل لاحقه منها نسخت السابقة، حتى جاء الكتاب الخاتم بالرسالة الخاتمة فنسخ جميع ما سبق.

 ٢- أن الله سبحانه وتعالى لم يحفظ الكتب السابقة من الضياع أو التحريف، حتى لا يصير بين أيدي الخلق أكثر من كتاب إلهي يشغلهم، أو يشتغلون به حفظًا له، وعملًا به، واجتهادًا في فهم من أحكام وتشريعات، وقصص ومواعظ وأوامر ونواه إلا ذلك الكتاب الخاتم - القرآن المجيد.

 رابعًا: أن الله تعالى قد جعله المعجزة الخالدة الباقية لخاتم الرسل محمد - صلى الله عليه وسلم -، وإذا كان لكل نبي جاء من قِبَلِ الله سبحانه معجزته أو معجزاته، وكانت معجزاتهم منها ما هو حسي وما هو معنوي عقلي، ونعني بذلك الكتب التي أنزلها الله تعالى عليهم، فهي كلام الله، المحتوي على معانيه، وإنما تدرك المعاني بالعقل وليس بالحس، لذلك قلنا عنها معجزات معنوية عقلية.

 نقول: إذا كان ذلك حال معجزات الأنبياء السابقين، فنحن لم نرها ولم نعلم عنها إلا من خلال القرآن العظيم، فهو الذي نقل إلينا أخبارها، وكان ثبتًا صادقًا وافيًا، ذكر أهم معجزات الأنبياء السابقين، أجمل بعضها، وفصل بعضها، لكن يظل هو معجزة المعجزات؛ لأنه معجزة رسول الله الخاتم - صلوات الله عليه -، وكذلك هو الثبت اليقيني، والمخبر الصادق عن معجزات الأنبياء السابقين.

 خامسًا: أن القرآن العظيم هو المعجزة التي ما يزال التحدي بها قائمًا، وسيظل قائمًا ما بقيت الدنيا، وما بقي فيها إنس وجن.

 فالمعجزات السابقات للأنبياء السابقين قد ذهبت وذهب التحدي بها وبقي القرآن وحده، ومن أخص خصائصه دوام التحدي به حتى قيام الساعة.

 سادسًا: أن القرآن العظيم معجزات في معجزة، فإن كل معجزة لنبي قد يكون لها وجه معجز، مثل قلب عصا موسى - عليه السلام - حية، لها وجه واحد، ومثل: نطق الضب لرسول الله، فإنها معجزة لها وجهان: نطق الضب، وشهادته بالرسالة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أما القرآن المجيد فأوجه إعجازه كثيرة ومتعددة، وكل وجه من أوجه إعجازه هو معجزة في ذاتها فذة، فهو - كما قلنا - معجزات في معجزة، وسنوفّي هذه المعجزات حقها بقدر الطاقة بعد الانتهاء من الكلام على خصائص القرآن المجيد.

 سابعًا: أن القرآن الكريم كلام الله سبحانه قديم غير مخلوق، فهو كلام الله تعالى، وكلام الله سبحانه قديم غير حادث، وهو مثبت في كتاب مكنون، في لوح محفوظ، يقول سبحانه {بَلۡ هُوَ قُرۡءَانٞ مَّجِيدٞ * في لَوۡحٖ مَّحۡفُوظِۭ} [البروج ٢١/٢٢ ]، والقرآن لا بداية له ولا نهاية له، ولا يتناهى يقول الله - عز وجل -: {قُل لَّوۡ كَانَ ٱلۡبَحۡرُ مِدَادٗا لِّكَلِمَٰتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلۡبَحۡرُ قَبۡلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَٰتُ رَبِّي وَلَوۡ جِئۡنَا بِمِثۡلِهِۦ مَدَدٗا}   [الكهف: ١٠٩]، وقال - عز وجل -: {وَلَوۡ أَنَّمَا في ٱلۡأَرۡضِ مِن شَجَرَةٍ أَقۡلَٰمٞ وَٱلۡبَحۡرُ يَمُدُّهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦ سَبۡعَةُ أَبۡحُرٖ مَّا نَفِدَتۡ كَلِمَٰتُ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} [لقمان٣٧]، وينبغي أن يكون ذلك الوصف، أو هذه الخصيصة ثابتة لكل كتب أنزلها على رسله وأنبيائه، وليست خصيصة للقرآن المجيد وحده، فإن الكتب التي أنزلت على الأنبياء والرسل مثل الزبور الذى أنزل على داوود - عليه السلام - : وهو نبي بالإجماع ، والتوراة التي أنزلت على موسى - عليه السلام - وهو نبي بالإجماع، وهو رسول، بل هو من أولي العزم من الرسل - عليهم السلام، هذان الكتابان وغيرهما هما من كلام الله تعالى، وكلام الله قديم غير مخلوق، وهو مذهب أهل السنة والجماعة وهذا على خلاف ما كان يدين به المعتزلة ويدعون إليه، ويأخذون الناس به، ويقرّونهم عليه، وقد أتى على الأمة حين من الدهر كان بعض الخلفاء يمتحنون الناس بهذه العقيدة، ويجبرون الناس على القول بأن القرآن مخلوق، وليس هنا مجال ذكرها.

 ثامنًا: إن القرآن المجيد مُنَزَّل من قبل الله تعالى على رسول الله محمد - صلى الله عليه وسلم -باللسان العربي الواضح، كما قال سبحانه في وصف اللسان الذى نزل به القرآن: {وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ أَنَّهُمۡ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٞۗ لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلۡحِدُونَ إِلَيۡهِ أَعۡجَمِيّٞ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيّٞ مُّبِينٌ} [النحل١٠٣]، {وَإِنَّهُۥ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ * نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلۡأَمِينُ * عَلَىٰ قَلۡبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ *  بِلِسَانٍ عَرَبِيّٖ مُّبِينٖ} [الشعراء: ١٩٢- ١٩٥]، فمن خصائص القرآن العظيم أنه أنزل بلسان عربي مبين، على قلب محمد - صلى الله عليه وسلم - خاتم المرسلين، وبهذه الخاصية نقرر أن القرآن العظيم لا يُترجم إلى لغة أخرى غير العربية، فهو لا يكون قرآنًا إلا بلغته العربية، وإذا تُرجم من معانيه شيء فلا تُسمى تلك الترجمة قرآنًا. [تعرف الترجمة بأنها: التعبير عن لغة بلغة أخرى، والترجمة نوعان: ترجمة حرفية، وترجمة غير حرفية، فالترجمة الحرفية هي: إبدال لفظ بلفظ آخر يرادفه في المعنى الإجمالي القريب، فالمترجم يعبر عن كل لفظ بلفظ يؤدى معناه، أما الترجمة غير الحرفية؛ فهي التعبير عن معنى الجملة المفهوم للمترجم من لغة بجملة من لغة أخرى تؤدي نفس المعنى أو قريبًا منه، فالترجمة هنا ليست للألفاظ بل للجمل، والمترجم يقيم المعنى من جملة ما بِلُغة، ثم يؤديه بجملة أخرى من لغة أخرى، والترجمة الحرفية لا تتحقق في القرآن أبدًا، فإن القرآن الكريم معجز بألفاظه، فمن المحال أن يُترجم حرفيًا .. ومثل ذلك الترجمة غير الحرفية فالترجمة بقسميها: الحرفية وغير الحرفية غير ممكنة في القرآن إطلاقًا، فإن ذلك ينافي كونه معجزًا، لكن الذى يترجم من القرآن ليس هو القرآن، لكنها معاني القرآن، فمعاني القرآن هي التي تترجم بمعنى أن يفهم المترجم تفسير آية أو معناها، ثم يعبر عن هذا المعنى بلغة أخرى، وكأنه يترجم تفسيرًا للقرآن وهذا هو المعروف الآن، والذى يخطئ الكثيرون فيقولون: "ترجمة القرآن" وما هي بترجمة للقرآن، بل ترجمة لمعاني القرآن، أو لتفسير القرآن، وهى ترجمة على قدر الطاقة، لكنها لا تصل إلى مستوى المعنى، حيث إن المعنى فرع عن الأصل، والأصل معجز، فالمعنى كذلك معجز، لكن الإعجاز المعنوي غير مراد، ولا يتعلق به غرض صحيح للشرع ومن أدلة إعجاز المعنى: ١- كثرة التفاسير القرآنية كثرة لا تكاد تحصى والنص القرآني واحد، ٢- اختلاف التفاسير بينها في تفسير كثير من الآيات والألفاظ، ٣- اختلاف التفاسير من حيث الحجم والسعة، فمنها ما يتكون من عشرات المجلدات، ومنها مجلد واحد، ٤- اختلاف مناهج المفسرين من حيث المنهج والطريق، أو من حيث المذهب والمعتقد، فهناك التفسير الصوفي، والشيعي، والمعتزلة، والسلفي، ٥- اعتماد أصحاب المذاهب المختلفة على الأدلة القرآنية رغم تعارض بل تناقض بعض هذه المذاهب، لكن الله يَسَّر القرآن للذكر، أي للفهم والتدبر لكل صادق النية صحيح الدين، وأكثر ما يتوجه إليه الإعجاز في المعنى هو آيات المتشابهات، وقد جعلها الله تعالى فيصلًا صادقًا بين صحيح العقيدة الراسخ في العلم، وبين الذين في قلوبهم زيغ].

والصواب أنها ترجمة لمعاني القرآن، ومن ثَمَّ فإن من الأخطاء المنتشرة التي تجري على الألسنة عبارة: ترجمة القرآن، أو: فلان ترجم القرآن، أو: تُرجم القرآن إلى لغات كثيرة، وهذه العبارات وأمثالها ليست إلا إساءة إلى كتاب الله الكريم بتنزيله منزلة الكلام البشري الذي يترجم إلى لغات مماثلة، وقد تكون الترجمة أبلغ من الأصل في الكلام العادي، أما القرآن فكلام الله الذي أعجز البلغاء أن يأتوا بمثل أقصر سورة منه.

تاسعًا: إن القرآن الكريم متعبد بتلاوته، سواء لذاته، أو لأنواع عبادية أخرى كالصلاة والأذكار المأثورة، فقراءة أم الكتاب الفاتحة واجبة في الصلوات، وقراءة القرآن أو آيات منه مندوب إليها في كثير من الأذكار الواردة، وبهذه الخاصة يفترق القرآن المجيد عن الأحاديث الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - سواء كانت نبوية أو قدسية.

 كما أنه بهذه الخاصة يفترق القرآن المجيد عن الكتب السابقة لو فُرض وجودها صحيحة، فإنه لا يُتعبد بشيء مما فيها إلا ما ورد عنها في القرآن الكريم، فإنه يتعبد بتلاوتها، ليس بصفته من الكتب السابقة، بل بصفته من القرآن الكريم، وذلك مثل قوله تعالى ذاكرًا بعض ما ورد في صحف إبراهيم وموسى: {أَمۡ لَمۡ يُنَبَّأۡ بِمَا في صُحُفِ مُوسَىٰ * وَإِبۡرَٰهِيمَ ٱلَّذِي وَفيٰٓ * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰ * وَأَن لَّيۡسَ لِلۡإِنسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ * وَأَنَّ سَعۡيَهُۥ سَوۡفَ يُرَىٰ* ثُمَّ يُجۡزَىٰهُ ٱلۡجَزَآءَ ٱلۡأَوۡفيٰ * وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلۡمُنتَهَىٰ} [النجم ٣٦:٤٢].

 فهذه الآيات من قوله تعالى: {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰ} إلى آخر الآيات هي من كتاب إبراهيم وموسى عليهما السلام، وذلك بإخبار الله تعالى، وقراءة هذه الآيات تعبدًا في الصلاة حق، ليس لأنها من الصحف السابقة، بل لأنها قرآن يتلى.

 عاشرًا: إن القرآن المجيد قد نُقل إلينا بطريق التواتر اللفظي، فالقرآن نقل عن الرسول - صلى الله عليه وسلم – متواترًا، والتواتر هو: رواية جماعة عن جماعة يستحيل اتفاق أفرادها على الكذب؛ وذلك لكثرة عددهم وتباين أمكنتهم، وهذا التواتر ثابت للقرآن الكريم حفظًا في الصدور، وكتابة في السطور، وفي جميع الأزمنة والعصور من وقت أن جاء به جبريل - عليه السلام - حتى عصرنا، وحتى قيام الساعة.

شروط قبول الرواية القرآنية

 وهذا التواتر يفيد القطع واليقين بصحة المنقول تواترًا لفظيًا، لذلك جعل العلماء التواتر أحد الشروط الثلاثة على القرآن المجيد، فقد اشترطوا فيما يكون قرآنا ثلاثة شروط.

 الأول: أن يكون النص منقولًا بالتواتر اللفظي على ما بينا.

 الثاني: أن يوافق اللغة العربية ولو بوجه من الوجوه الصحيحة.

 الثالث: أن يوافق رسم المصحف الشريف.

 وبهذه الخاصة تخرج القراءات الشاذة عن كونها قرآنًا، فإنها ليست متواترة، كما أنها تفقد شرطًا آخر، حيث قوله تعالى: {فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖ} [المائدة: ١٢٢]، حيث قرأها ابن مسعود - رضي الله عنه -: فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات، فهذه من القراءات التي اصطلح العلماء على تسميتها القراءات الشاذة، وهذه لا يتعبد بها لا في صلاة ولا ذكر، ولكن قد ينتفع بها العلماء في معرفة المعنى أو التفسير، هذه أهم خصائص الكتاب العزيز، وقد ترجع الخصائص الأخرى إليها عند التحقيق.

إعجاز القرآن الكريم

إعجاز القرآن الكريم: هناك آراء كثيرة في إعجاز القرآن المجيد نوجز أشهرها في ثلاثة:

الأول: يزعم البعض أن القرآن غير معجز، وأنه من كلام محمد - صلى الله عليه وسلم -، وأصحاب هذا الرأي كثيرون وتاريخهم يبدأ مع بعثة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد ذكر القرآن المجيد أوضح آرائهم، يقول سبحانه: {وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا قَالُواْ قَدۡ سَمِعۡنَا لَوۡ نَشَآءُ لَقُلۡنَا مِثۡلَ هَٰذَآ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ} [الأنفال:٣١]،وقال سبحانه: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ إِفۡكٌ ٱفۡتَرَىٰهُ وَأَعَانَهُۥ عَلَيۡهِ قَوۡمٌ ءَاخَرُونَۖ فَقَدۡ جَآءُو ظُلۡمٗا وَزُورٗا *وَقَالُوٓاْ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٱكۡتَتَبَهَا فَهِيَ تُمۡلَىٰ عَلَيۡهِ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلٗا} [الفرقان: ٤ - ٥]، وهؤلاء طعنوا في إعجاز القرآن، وأنكروا أنه كلام رب العالمين، وأنكروا نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -، بدأت مسيرتهم - كما ذكرنا - مع بعثة رسول الله تطل ثَمَّ استمرت، ولا يزالون ينعقون بدعواهم حتى آخر الدهر.

ودعواهم هذه لا وزن لها؛ لأنها ليست قائمة بذاتها، بل هي فرع عن دعواهم بطلان رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وإنكار الإسلام دينًا، فالأمر- إذن - لا شأن له، أقروا بإعجاز القرآن أم لم يقروا.

 الثاني: يزعم البعض أن القرآن العظيم ليس معجزًا في ذاته، ولكنه معجز بصرف الله تعالى همم العرب عن معارضة والإتيان بمثله مع قدرتهم على ذلك، وهذا الرأي مشهور لدى العلماء باسم: "الإعجاز بالصرفة"، أو "مذهب الصرفة في الإعجاز".

ومقتضى هذا المذهب الفاسد الذي ذهب إليه بعض المبتدعة، ومنهم النَظَّام من المعتزلة، والجاحظ وغيرهما: ومعجزة القرآن عند هؤلاء تنحصر في صرف همم العرب عن معارضة القرآن والإتيان بمثله.

وهذا يعنى أن هؤلاء يقرون أن القرآن معجزة، لكن معجزته ليست في كونه معجزًا بذاته، لكن معجزته في منع الله تعالى العرب عن الاشتغال بمعارضة القرآن والإتيان بمثله بأن صرف هممهم، وشغلهم، وثبَّط رغبتهم في الاشتغال بهذا.

رد العماء على شبهة الصرف

 وقد رد العلماء على هؤلاء ردودًا مقنعة قاطعة، وأشهر هذه الردود اثنان:

١- أن ذلك لو كان صحيحًا، لما كان هناك داع لأن يأتي الله تعالى في ذلك بأن يقال: إنهم امتنعوا عن معارضته في أدنى مرتبة من البلاغة، وأحط منزلة من الفصاحة، بحيث يكون في قدرة العامة والضعفاء في العربية أن يأتوا بمثله، وبذلك تكون معجزة الصرفة هنا أكثر وضوحًا، وأشد بيانًا.

٢ - إننا لو سلمنا أن العرب على عهد نزول القرآن كانوا مصروفين بصرف الله - تعالى - إياهم عن معارضة القرآن، فلما لم نجد في كلام أسلافهم من الشعر ومأثور الخطب، وحكيم الأقوال ما يماثل القرآن أو يقاربه، مما يمكن أن يعتبر معارضًا للقرآن، ومبطلًا لإعجازه؟ هل كان أسلافهم – أيضًا - مصروفين عن معارضة القرآن قبل نزول القرآن وتحديه العرب؟ إن عجز السابقين واللاحقين دليل قاطع، وبرهان ساطع على أن القرآن معجز، وأن إعجاز القرآن ليس بالصرفة - كما زعموا، ولكن لأن القرآن كلام الله - عز وجل - لا يستطيعه أحد من خلقه، وصدق الله العظيم الذي يقول: {قُل لَّئِنِ ٱجۡتَمَعَتِ ٱلۡإِنسُ وَٱلۡجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِمِثۡلِ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لَا يَأۡتُونَ بِمِثۡلِهِۦ وَلَوۡ كَانَ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٖ ظَهِيرٗا} [النساء: ٨٨].

وردُّ ثالث يبطل القول بالصرفة - رغم وضوح بطلانه مرة بعد مرة، ذلكم أن هناك من اشتغل بمحاولة معارضة القرآن، وقد بذل جهودًا كبيرة للإتيان بمثل القرآن، وقد كانت محاولاتهم من أقوى الأدلة على أن القرآن كلام الله حقًا، وأنه معجز حقًا وواقعًا، وأن محاولات معارضته بمثله إنما تؤخذ لحسابه، وتوضح إعجازه وعجز الخلق عن الإتيان بمثله، فمن هؤلاء الذين حاولوا معارضة القرآن، والإتيان بمثله: مسيلمة الكذاب لعنه الله، فقد حاول الإتيان بمثل القرآن.

وإن تعجب فعجب أن جميع من حاولوا معارضة القرآن قد تمثلوا طريقة القرآن في نظمه، وحاولوا أن يقتبسوا من آياته، ولكنهم جميعًا فشلوا، وكان فشلهم - كما قلنا - من أوضح الأدلة على أن القرآن كلام الله سبحانه.

 وممن حاول معارضة القرآن، وجَدَّ في ذلك واجتهد، وكان وراءه أمة المجوس، وأشياعه من أعداء الإسلام والمسلمين: ابن المقفع، وقد كان من أبلغ أهل زمانه وأفصحهم، مما جعل له الحظوة عند خلفاء العباسيين، وقد توفرت لديه دواعي المعارضة، من مقت للعرب، وضغن على الإسلام والمسلمين، وثار يجتهد هو ومن وراءه في استيفائه من الإسلام الذي قضى على مجوسيتهم، وأطفأ نارهم، لكن الله أخزاهم وفضح أمرهم بين أقوامهم.

 الثالث: وثالث الآراء في إعجاز القرآن، أن القرآن العظيم معجز بذاته وخصائصه ونظمه، إلى غير ذلك من أوجه إعجازه التي يجمعها أن القرآن كلام الله رب العالمين، فجماع إعجازه، وركائز تحديه أنه كلام الله الذي لا يستطيعه الجن والإنس، والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ذلكم أنه تنزيل من حكيم حميد.

ومما ينبغي التنبيه إليه أن الرأيين السابقين يدخلان في مجال الفكر والرأي، فالأول: هو رأي المشركين ومن جرى مجراهم، وهو رأي لا يعبر عن حقيقة اعتقادهم في الجملة، فإن الله - تعالى - قد أخبر أنهم يعتقدون صدق رسول الله، ويعتقدون - بالضرورة - أن القرآن كلام الله، لكنهم يخفون اعتقادهم،  ويظهرون رأيهم ذاك الذى يجحدون فيه الحق فاعتقادهم في جانب، ورأيهم في جانب آخر، وقد قال الله - عز وجل - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - مخبرًا عن حقيقة اعتقادهم الذى يمكن أن يخفوه حتى عن أنفسهم، لكنه لا يخفي على الله رب العالمين الذى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، يقول الله تبارك وتعالى عن المشركين: {قَدۡ نَعۡلَمُ إِنَّهُۥ لَيَحۡزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَۖ فَإِنَّهُمۡ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ} [ الأنعام :٣٣ ].

أما الرأي الثاني الذي يقول بأن القرآن معجز بالصدفة، ولكنه بذاته وآياته ومحتواه غير معجز، فذلك من جملة الآراء، ولا يرقى إلى مستوى الاعتقاد.

من هنا يتضح أن مذهب الصرفة باطل، وأن الله لم يصرف أحدًا، بل دعاهم ورغَّبهم، لكن الذي صرفهم هو عجزهم وضلالهم.

أوجه إعجاز القرآن

 أوجه إعجاز القرآن : نتكلم هنا - بقوله تعالى - عن جملة من أوجه الإعجاز في القرآن العظيم على قدرة الطاقة، إذ مما ينبغي التنبه إليه أنه ما كتب أحد تحت هذا العنوان ثم وفَّي بمضمون عنوانه ونحن من هؤلاء، فإن العنوان يوهم أن ما يكتب تحته سوف يحيط بأوجه إعجاز القرآن كلها، ويفي ببيانه جميعها، ولعمري إن ذلك فوق ما يطيقه كاتب، أو يخطر على قلب مفكر متدبر، أو يستطيعه قارئ للقرآن مذكر، هذا رغم أن القرآن الكريم يَسَّره للفهم والتدبر، يقول تعالى: {وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ} [الحجر: ١٧]، لكن الإحاطة بجميع أوجه إعجازه فوق الطاقة، وقصارى الباحث أن يحيط ببعض هذه الأوجه، على قدر طاقته وما تيسر له، ثم يذكر غيره سابقًا عليه أو لاحقًا له أوجها لم يدركها هو، وهكذا يظل القرآن جديدًا دائمًا، لا يخلق عن كثرة الرد كما ذكر سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وما يزال المتدبرون يأتون بالجديد في هذا الباب، حتى أضحى هذا المعنى في حد ذاته وجهًا من أوجه إعجاز القرآن المجيد، وسوف نشير- بحوله تعالى- إلى جملة من أوجه إعجاز القرآن متوخِّين الإيجاز وبخاصة في عجالة كهذه:

الوجه الأول: إن أول وجوه إعجاز القرآن الكريم - في نظرنا - تأثير القرآن في النفوس والأفئدة، واستيلائه على العقول والقلوب، حتى إنه ليخضع أعتى النفوس، ويُلِّين أقسى القلوب، ويستولى على أغلظ الأكباد، ويحوِّل في طرفة عين أعداءه إلى أولياء، ومَاقِتِيه إلى أحباء أصفياء، كما ضربنا لذلك مثالًا بابن الخطاب عمر- رضي الله عنه -، وكم من أمثال عمر يماثلونه في قضية إيمانه وتأثره بالقرآن، وأمثاله كثيرون في هذا الجانب وإن كانوا يقصرون عنه في الجوانب الأخرى التي اختصه الله - تعالى – بها، وقد يختلف الباحثون حول السر في هذه القوة التي بها يستولي القرآن على العقول والقلوب، والتي سلب بها النفوس من أصحابها، حتى إنهم لينكرون أنفسهم بعد قراءتهم القرآن  الكريم، ويرون تأثيره فيهم لكنا نزعم أنه ليس سرًا بهذا القدر الذى يزعمون أو يتخيلونه، ذلكم أن القرآن الكريم هو كلام رب العالمين، أنزله على النفوس والقلوب التي خلقها وفطرها رب العالمين على الهيئة التي بها يستطيع أن يؤثر فيها، ويستولي عليها، ولقد وصف الله - تعالى - القرآن بأنه (فطرة الله)، أو وصف الإسلام الذى جاء به القرآن بذلك، يقول - عز وجل - عن الإسلام الذى جاء به القرآن: {فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفٗاۚ فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ} [الروم: ٣٠]، ولعل من مفاتيح السر العجيب أن الله - تعالى - أنزل القرآن الكريم يخاطب العقول والقلوب جميعًا، ويتوجه إلى المشاعر والوجدانات جميعًا، ويُمسك بتلابيب الإنسان من جانبيه النفسي والعقلي، فيستولي عليه، ويجتذبه نحوه، ويوجهه الوجهة التي يريد، فيوقظه من غفلته، وينبهه من غفوته، ويحييه من موتته.

 الوجه الثاني: بلاغة القرآن الفذة العجيبة التي حار فيها البلغاء، وعجز عن وصفها الأدباء، وأسلم لها العقلاء والأذكياء، وخضع لها الناثرون والشعراء، ولم يعرفوا لها تعليلًا، ولا إليها مدَّخلًا وسبيلًا، فأذعن لها البلغاء والفصحاء، وحصروا همهم ليس في معارضتها محاولة الإتيان بمثيل لها، بل في محاولة تفسيرها وإدراك شيء من أسرارها، فعجزوا عن ذلك.

 ولقد كان المشركون يدركون تأثير القرآن العجيب على النفوس، وأثره في القلوب والعقول، لذلك كانوا يخشون سماعه، ويتجنبون وقوعه في آذانهم؛ خشية أن يفقدوا تماسكهم حياله، فيذعنوا له، ويقعوا أسراه، لذلك كانوا يخشون فيما بينهم ألا يعرِّض أحد منهم نفسه لمثل هذه التجربة التي ستؤدي به إلى الإذعان والتسليم والإسلام، كما تواصوا أنه إذا تعرَّض أحدهم للقرآن، أو فجأة سماعه أن يسد أذنيه، أو يصيح ويُحدث من الجلبة ما يودي بصوت القارئ فلا يصل إليه، يقول الله تعالى فيما تواصوا به من ذلك: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَسۡمَعُواْ لِهَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ وَٱلۡغَوۡاْ فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَغۡلِبُونَ} [فصلت ٢٦].

وهذا الخوف منهم فسَّرته كثير من الوقائع التي ما كاد المشرك فيها أن يسمع آية أو جزء آية من كتاب الله حتى يعلن إسلامه، ويروى أن أعرابيًا سمع رجلًا يقرأ قوله تعالى: {فَٱصۡدَعۡ بِمَا تُؤۡمَرُ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ} [الحجز:٩٤]، فَخَرَّ الأعرابي ساجدًا، وقال: أسجدني فصاحته..، ورُوي أن رجلًا من المشركين سمع قول الله تعالى: {فَلَمَّا ٱسۡتَيۡـَٔسُواْ مِنۡهُ خَلَصُواْ نَجِيّٗاۖ قَالَ كَبِيرُهُمۡ أَلَمۡ تَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ أَبَاكُمۡ قَدۡ أَخَذَ عَلَيۡكُم مَّوۡثِقٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبۡلُ مَا فَرَّطتُمۡ فِي يُوسُفَۖ فَلَنۡ أَبۡرَحَ ٱلۡأَرۡضَ حَتَّىٰ يَأۡذَنَ لِيٓ أَبِيٓ أَوۡ يَحۡكُمَ ٱللَّهُ لِيۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡحَٰكِمِينَ} [يوسف: ٨٠]، فقال الرجل: أشهد أن مخلوقًا لا يقدر على مثل ذلك، ثم ألقى عناده وراء ظهره وأسلم".

الوجه الثالث: الإخبار بالمغيبات الماضية ونعني بذلك أخبار الأمم السالفة، والقرون الماضية، ومع ذكر كل أمة ذكر قصة نبيها ورسولها الذى أُرسل إليها، ثم ذكر ما جرى بينه وبين أمته من تكذيبهم إياه، وما جرى عليهم جراء ذلك التكذيب، كل ذلك ذكره القرآن العظيم على هيئة تفصيلية دقيقة، بل إن القرآن ليحكي مقالة القوم ردًا على مقالة نبيهم، ثم رد النبي عليهم، ثم ما كان منهم ردًا على النبي كل ذلك في تفصيل دقيق يعجز عن إحصاء بعضه من كان حاضرًا تلك المحاورات بين الأنبياء وأقوامهم،  فكيف بالذي لم يكن حاضرًا وإن كان في زمانهم ؟ ثم كيف بمحمد - صلى الله عليه وسلم - الذي لم يكن حاضرًا تلك المحاورات، ولم يكن في زمانها ولا قريب عهد بزمانها، ولكنه جاء آخر الزمان بعد مضي أحقاب بل دهور وعصور بينه وبين هؤلاء الذين ذكر قصصهم بتلك الدقة، وذلك التفضيل.

 والسؤال: كيف عرف محمد - صلى الله عليه وسلم - هذه الأخبار، وتلك التفصيلات؟ وهل تلقى علوم الأمم الماضية على يدي معلم؟ وهل ثقف محمد نفسه عن طريق القراءة في كتب السابقين فكتبها أو حفظها؟ إن شيئًا من ذلك لم يكن، فما كان لمحمد - صلى الله عليه وسلم - صلة بالكهان والأحبار أو رجال الدين السابقين، كذلك لم يكن يختلف إلى معلم يعلِّمه، أو قاص يقص عليه أخبار الماضيين، كذلك لم يكن محمد - صلى الله عليه وسلم - يقرأ ويكتب حتى يقال: ثقَّف نفسه، وقرأ كتب السابقين وأخبار الماضيين، فمحمد - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يعرف القراءة والكتابة، بل إن من معجزاته، إنها - بلا شك - أول وآخر مرة في التاريخ يكون فقدان العلم بالقراءة والكتابة فضيلة ومعجزة، ولقد ذكر الله - تبارك وتعالى هذه الحقيقية وأكدَّ عليها، فحين طعن الكفار في القرآن أنزل الله تعالى - على رسوله - صلى الله عليه وسلم - قوله: {قُل لَّوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوۡتُهُۥ عَلَيۡكُمۡ وَلَآ أَدۡرَىٰكُم بِهِۦۖ فَقَدۡ لَبِثۡتُ فِيكُمۡ عُمُرٗا مِّن قَبۡلِهِۦٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ * فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ} [يونس:١٦].

 والدليل الذي تحيل عليه الآية ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يحاول أن يكذب أو يخون طوال عمره الذى قضاه قبلًا مع القوم، ثم إنهم عرفوا منه طوال هذا العمر أنه لا يقرأ ولا يكتب، وأنه لم يختلف على من يقرأ ويكتب ليتعلم منه أو يأخذ عنه، لذلك ما كان ينبغي أن يرتابوا فيه أو يُكذِّبوه، قال تعالى : لرسوله - صلى الله عليه وسلم -: {وَمَا كُنتَ تَتۡلُواْ مِن قَبۡلِهِۦ مِن كِتَٰبٖ وَلَا تَخُطُّهُۥ بِيَمِينِكَۖ إِذٗا لَّٱرۡتَابَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ * بَلۡ هُوَ ءَايَٰتُۢ بَيِّنَٰتٞ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا ٱلظَّٰلِمُونَ} [العنكبوت:٤٨]، وإذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يقرأ ولا يكتب، ولا تعلم من أحد، إلا أن يكون هذا الذى جاء به إنما هو من عند الله رب العالمين.

 الوجه الرابع: وقد ورد من ذلك الشيء الكثير من مثل قوله - تعالى - يخبر عن تغلب الروم على الفرس في بضع سنين: {الٓمٓ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِيٓ أَدۡنَى ٱلۡأَرۡضِ وَهُم مِّنۢ بَعۡدِ غَلَبِهِمۡ سَيَغۡلِبُونَ * فِي بِضۡعِ سِنِينَۗ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ مِن قَبۡلُ وَمِنۢ بَعۡدُۚ وَيَوۡمَئِذٖ يَفۡرَحُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ} [الروم:١- ٤].

كانت الحرب قائمة بين الفرس المجوس والروم النصارى، وكانت قلوب المسلمين مع الروم؛ لأنهم نصارى أهل كتاب، وكان المشركون بمكة مع الفرس لأنهم وثنيون مثلهم، ولما انتصر الفرس على الروم حزن المسلمون وفرح المشركون، فأنزل الله - تعالى - تلك الآيات يبشر فيها المسلمين بأن الروم أهل الكتاب سوف ينتصر على الفرس المجوس، وقد صدق الله وعده، وانتصر الروم على الفرس في بضع سنين، ومن ذلك قول الله تعالى لرسوله وأصحابه يبشرهم بدخول المسجد الحرام: {لَّقَدۡ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءۡيَا بِٱلۡحَقِّۖ لَتَدۡخُلُنَّ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمۡ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَۖ فَعَلِمَ مَا لَمۡ تَعۡلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتۡحٗا قَرِيبًا} [الفتح:٢٧]، ولقد صدق الله وعده، فدخل المسلمون المسجد الحرام آمنين محلقين ومقصرين لا يخافون، بل كان الخائفون هم المشركون، ومن ذلك قوله تعالى عن مشاعر بعض المسلمين عند غزوة بدر: {وَإِذۡ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحۡدَى ٱلطَّآئِفَتَيۡنِ أَنَّهَا لَكُمۡ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيۡرَ ذَاتِ ٱلشَّوۡكَةِ تَكُونُ لَكُمۡ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَيَقۡطَعَ دَابِرَ ٱلۡكَٰفِرِينَ} [الأنفال: ٧].

الوجه الخامس: ذكر الحقائق العلمية، وللقرآن المجيد نهج حكيم في ذكر الحقائق التي ورد بها القرآن الحكيم في زمن لم يكن عند الناس استعداد لفهم هذه الحقائق ولا في الرؤى المنامية، ولو أن القرآن صرح لهم بأن الناس سوف يصعدون على السموات، ويتجولون بين كواكبها وأفلاكها، ويجتازون أطباق السموات وأجواز الفضاء لأعلنوا تكذيبهم للقرآن ورفضهم الإسلام، كذلك لو أخبرهم أن الإنسان سيكون بمقدوره التحكم في المطر، وإنزال القطر، واستنزاف الغيث لفعلوا في الثانية مثل الأولى، ولكان الناس معذورين في ذلك؛ لأن في تكليفهم الإيمان بما لا تطيق عقولهم، ولا تستسيغه ألبابهم، ولا تستريح إليه أفئدتهم تكليفًا لهم بما لا يطاق، لذلك نهج القرآن الحكيم سبيل التورية بما يحتمله اللفظ عند العرب، بحيث يعطى الحقيقة العلمية بعبارة تحتملها وغيرها مما يعرفه العرب، وبذلك يفهم من الجملة القرآنية ما يناسب القوم الذين يقرؤونها، والزمان الذى تُقرأ فيه، وبذلك يفهم أهل كل زمان من الجملة القرآنية ما يناسبهم، وهذا يعني في المحصلة الأخيرة أن الحقائق المتعددة، قد حملتها وضمنها جملة واحدة، وهذا وجه من أعظم أوجه الإعجاز لا يملك مقاليده إلا من بيده مقاليد كل شيء - سبحانه وتعالى -، ووجه الإعجاز هنا أن الجملة الواحدة تدل على أكثر من وجه، وكل وجه يدل على حقيقة غير التي يدل عليها الوجه الآخر، ووجه الإعجاز - كما أشرنا - أن جميع هذه الأوجه صحيحة، وأن الحقيقة مع الوجه الذي يدل عليها حق وصواب.

ومن هذا الباب أيضًا قول الله - عز وجل -: {سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَزۡوَٰجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلۡأَرۡضُ وَمِنۡ أَنفُسِهِمۡ وَمِمَّا لَا يَعۡلَمُونَ} [يس: ٣٦]، فقد أثبت العلم الحديث أن النبات أزواج ذكر وأنثى، وكذلك فيما يتصل بالذرة، فإن فيها السالب والموجب، وهما يتجاذبان ويتكاملان.

  ومن الإعجاز في الآية الكريمة إنها ذكرت الأزواج ولم تنص على الذكورة والأنوثة، وبذلك دخل في الآية الكريمة كافة أشكال الخلق المتقارب، يستوي في ذلك أن يكون المتقابلان ذكرًا وأنثى، أو موجبًا وسالبًا، أو غير ذلك من كافة أشكال الخلق ما نعرف منه وما لا نعرف، ومن ذلك قوله - سبحانه - في شأن أصحاب النار {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِنَا سَوۡفَ نُصۡلِيهِمۡ نَارٗا كُلَّمَا نَضِجَتۡ جُلُودُهُم بَدَّلۡنَٰهُمۡ جُلُودًا غَيۡرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمٗا} [النساء: ٥٦]، فالآية الكريمة عللت تبديل جلودهم التي نضجت - احترقت - بجلود غيرها، عللت ذلك بذوقهم العذاب، كأنهم بدون جلودهم لا يذوقون العذاب، وهذه الحقيقة أثبتها العلم.

الوجه السادس: خُلُوّه من التناقض والاختلاف، فالقرآن خال من التناقض والاختلاف رغم طوله، وتمدد الأغراض التي تناولها، وتعدد الأساليب التي تناول بها كل غرض من هذه الأغراض، يستوي في ذلك أن يكون إنذارًا أو تبشيرًا، أو قصصًا، أو وعظًا وتذكيرًا، أو أحكامًا وتشريعًا، وترغيبًا في الجنة ونعيمها، أو ترهيبًا من النار وجحيمها إلى تلكم الأغراض التي تناولها القرآن الحكيم، ومن أعجب ما في القرآن أنه يخلص من موضوع إلى موضوع آخر قد يشاكله أو يخالفه، وينتقل من غرض إلى غرض مختلف قد يقترب منه، أو يبتعد عنه، وأنت لا تحس بفجأة الانتقال، ولا تشعر بطفرة التغيير، ولا بهزة التحول، كأن الغرض الثاني رغم بعده عن الأول جزء منه أو بعضه، وكأن الموضوع الثاني - رغم بعده عن الأول - شيء منه أو عضوه.

وليس ذلك من القرآن في موضع دون موضع، أو سورة أو بضع سور، بل إن السورة الواحدة مهما بلغت من القصر شكلًا وكمًا، فإنك واجد فيها من تعدد المعاني والأغراض، وكثرة الأهداف والغايات ما يوضح المعنى.

الوجه السابع: ما يشمل عليه القرآن المجيد من الأحكام والتشريعات التي ضمنت السعادة للمؤمنين بها، المطبقين لها، ضمنت لم السعادة في الدنيا والنجاة في الآخرة،

الوجه الثامن: وهذا الوجه يعتمد على إحصاء حروف العربية، ومعرفة خصائصها، وعلاقتها بعضها ببعض، وهذا الوجه يعتمد - أيضًا - على أن ثمة حكمة ونظامًا دقيقًا وراء كل كلمة، بل وراء كل حرف في القرآن المجيد.

وخلاصة هذا الوجه:

  1. إن عدد الأحرف التي افتتحت بها بعض سور القرآن المجيد يبلغ عدد الأحرف العربية كلها.
  2. إن عدد الأحرف التي افتتحت بها بعض سور القرآن المجيد تبلغ: نصف عدد حروف العربية.
  3. إن الأحرف التي تبدأ بها بعض سور القرآن تشتمل على: نصف عدد حروف المهموسة.
  4. إن الأحرف التي تبدأ بها بعض سور القرآن تشتمل على: نصف عدد الأحرف المجهورة.
  5. إن هذه الأحرف تشتمل – كذلك - على: نصف أحرف الحلق.
  6. أنها تشتمل - كذلك - على: نصف الأحرف الشديدة.
  7. أنها تشتمل - كذلك - على: نصف الأحرف المطبقة، فهذه العلاقة الغريبة لا تأتي ارتجالًا، ولا تأتي عبثًا ولا لعبًا أو لهوًا، وإنما تأتى لحكمة يعلمها العليم الخبير سبحانه، وبعد، فنحن لم نف القرآن المجيد حقه بهذه السطور القليلة، والجهود الكليلة، والقدرة العليلة.

وما كان لنا ولا لغيرنا أن نفي القرآن حقه ولا أن نأتي بالكلمة الأخيرة، فرسولنا - صلى الله عليه وسلم - من أنزل القرآن عليه قال عن القرآن: «لا يخلَقُ على كثرةِ الرَّدِّ ولا تنقضي عجائبُهُ». وهذا يعني أن جميع الخلق من إنس وجن لو اجتمعوا على أن يحصوا ما حواه، ويأتوا على ما وعاه لعجزوا وما استطاعوا، لكن حسبنا أن نفرغ غاية الجهد، محتسبين عند منزله سبحانه ما بذلنا من جهد، ضارعين إليه - عز وجل - أن يتجاوز عن تقصيرنا، ويعفو عن عجزنا إنه عفو غفور.

 

    مراجع للاستزادة:

  1.  كتب التفسير.
  2.  كتب الحديث.
  3.  أدلة اليقين في الرد على مطاعن المنصرين، د. عبد الرحمن الجزائري، مطبعة الإرشاد، جـ١، ١٩٣٤م.
  4. الإتقان في علوم القرآن، جلال الدين السيوطي، دار مصطفى الحلبي، ط٣، ١٩٥١م.
  5. إيقاظ الإعلام بوجوب إتباع رسم المصحف الإمام، محمد حبيب الله الشنقيطي، دار الرائد العربي، ط٢، ١٩٨٣م.
  6. البرهان في علوم القرآن، بدر الدين الزركشي - دار المعرفة - بيروت ١٩٧٢م.
  7. تاريخ القرآن الكريم، د. محمد سالم محيسن، مؤسسة شباب الجامعة - المدينة المنورة، بدون تاريخ.
  8. اتجاهات التفسير في العصر الحديث، د. محمد الحديدي - مجمع البحوث الإسلامية، الأزهر -بدون تاريخ.

الخلاصة

القرآن الكريم هو كتاب الله المنزل على نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - بلسان عربي واضح، وهو متعبد بتلاوته، ومحفوظ بين دفتي المصحف، والحديث النبوي والقدسي كلاهما وحي، غير أن الحديث النبوي معناه من الله ولفظه من الرسول - صلى الله عليه وسلم -، نزل القرآن أولًا دفعة واحدة من اللوح المحفوظ، ثم نزل مفرقًا على قلب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتَمَّ جمعه أولًا في عهد أبي بكر ثم نُسخ في عهد عثمان - رضي الله عنهما -، من إعجازه تأثيره القوي في النفوس، وبلاغته المعجزة، وأخباره الدقيقة عن الماضي والغيب.

موضوعات ذات صلة

ظاهرة خارقة للعادات البشرية تظهر على يد الأنبياء لتصديق رسالاتهم.

يعد الوحي وسيلة اتصال الله تعالى مع أنبيائه.

القَسَم في الأسلوب القرآني يُستخدم كوسيلة للتأكيد والإقناع.

موضوعات مختارة