خصائص القرآن
المجيد: اتفق العلماء والعقلاء جميعًا قديمًا وحديثًا على أن القرآن
العظيم هو آية الله العظمى لخاتم النبيين محمد - صلى الله عليه وسلم -، بل هو آية
الله العظمى لجميع النبيين والمرسلين من لدن آدم - عليه السلام - حتى خاتمهم محمد - صلى الله عليه وسلم - باعتبار أن القرآن
المجيد مصدق لما بين يديه من الكتب السابقة كلها.
ومن المُسَلَّم به أن الله سبحانه قد اختص القرآن
العظيم بخصائص ليس بإمكاننا أن نلمَّ بتلك الخصائص والميزات التي فَضَّل الله
تعالى بها كتابه الكريم وميزه، لكن بقدر الإمكان ووسع الطاقة سنحاول الإشارة إلى
أهمها، إشارات موحية وإن لم تكن كافية، فمن ذلك:
أولًا: أن الله سبحانه جعله الكتاب
الخاتم المصدِّق لجميع ما تقدمه من كتب على حالها التي أنزلها الله تعالى عليها
قبل أن تُحرَّف أو تُبدَّل.
ثانيًا: أن الله سبحانه ضمنه الدين كاملًا،
والرسالة الخاتمة التامة العامة الكاملة، يقول الله عز وجل: {ٱلۡيَوۡمَ
يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِۚ
ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ
لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ} [المائدة:٣].
وكانت
الرسالات السابقة رسالات خاصة بالأقوام الذين أُنزلت عليهم، ومن ثَمَّ كانت رسالات
خاصة زمانًا ومكانًا وأقوامًا، وكانت كل رسالة تُكمِّل السابقة، ومن ثَمَّ نسخ
الرسالات التي جاءت بها تلك الكتب، وورثها الكتاب الكريم الذي اشتمل على الرسالة
الخاتمة، والتي كانت هي دين الله الإسلام في صورته الكاملة الشاملة، والتامة العامة.
ثالثًا: ولأن القرآن
المجيد هو خاتم الكتب، وحامل الرسالة الخاتمة، ومتضمن الدين كاملًا، ولأن حفظه
يعني حفظ الرسالة وحفظ الدين، فقد تكفل الله - سبحانه - بحفظه من التحريف
والتبديل، فضلًا عن الفقد والضياع، وفي ذلك يقول الله - عز وجل -: {إِنَّا
نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ} [الحجر:٩].
فكان ذلك من
أعظم ميزات وخصائص القرآن المجيد التي لم يقدِّرها الله - تبارك وتعالى -
لغيره من الكتب السابقة.
١- أن الكتب السابقة كانت تنزل على أقوام
بأعيانهم، كان كل كتاب ينزل على قوم نبي أرسل إليهم، من ثَمَّ كانت تلك الكتب بما
تحويه من شرائع كتبًا خاصة، أقوامًا، وزمانًا ومكانًا، لذلك لم يكن ثمة حاجة إلى
حفظ هذه الكتب بما تحويه من شرائع خاصة، جاءت بها رسالات خاصة، كل لاحقه منها نسخت
السابقة، حتى جاء الكتاب الخاتم بالرسالة الخاتمة فنسخ جميع ما سبق.
٢- أن الله سبحانه وتعالى لم يحفظ الكتب السابقة
من الضياع أو التحريف، حتى لا يصير بين أيدي الخلق أكثر من كتاب إلهي يشغلهم، أو
يشتغلون به حفظًا له، وعملًا به، واجتهادًا في فهم من أحكام وتشريعات، وقصص ومواعظ
وأوامر ونواه إلا ذلك الكتاب الخاتم - القرآن المجيد.
رابعًا: أن الله
تعالى قد جعله المعجزة الخالدة الباقية لخاتم الرسل محمد - صلى الله عليه وسلم -، وإذا كان
لكل نبي جاء من قِبَلِ الله سبحانه معجزته أو معجزاته، وكانت معجزاتهم منها ما هو حسي
وما هو معنوي عقلي، ونعني بذلك الكتب التي أنزلها الله تعالى عليهم، فهي كلام
الله، المحتوي على معانيه، وإنما تدرك المعاني بالعقل وليس بالحس، لذلك قلنا عنها
معجزات معنوية عقلية.
نقول: إذا كان ذلك حال معجزات الأنبياء السابقين،
فنحن لم نرها ولم نعلم عنها إلا من خلال القرآن العظيم، فهو الذي نقل إلينا
أخبارها، وكان ثبتًا صادقًا وافيًا، ذكر أهم معجزات الأنبياء السابقين، أجمل
بعضها، وفصل بعضها، لكن يظل هو معجزة المعجزات؛ لأنه معجزة رسول الله الخاتم -
صلوات الله عليه -، وكذلك هو الثبت اليقيني، والمخبر الصادق عن معجزات الأنبياء السابقين.
خامسًا: أن القرآن
العظيم هو المعجزة التي ما يزال التحدي بها قائمًا، وسيظل قائمًا ما بقيت
الدنيا، وما بقي فيها إنس وجن.
فالمعجزات السابقات للأنبياء السابقين قد ذهبت
وذهب التحدي بها وبقي القرآن وحده، ومن أخص خصائصه دوام التحدي به حتى قيام
الساعة.
سادسًا: أن القرآن العظيم معجزات في
معجزة، فإن كل معجزة لنبي قد يكون لها وجه معجز، مثل قلب عصا موسى - عليه
السلام - حية، لها وجه واحد، ومثل: نطق الضب لرسول الله، فإنها معجزة لها
وجهان: نطق الضب، وشهادته بالرسالة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أما القرآن
المجيد فأوجه إعجازه كثيرة ومتعددة، وكل وجه من أوجه إعجازه هو معجزة في ذاتها
فذة، فهو - كما قلنا - معجزات في معجزة، وسنوفّي هذه المعجزات حقها بقدر الطاقة
بعد الانتهاء من الكلام على خصائص القرآن المجيد.
سابعًا: أن القرآن الكريم كلام
الله سبحانه قديم غير مخلوق، فهو كلام الله تعالى، وكلام الله سبحانه قديم غير
حادث، وهو مثبت في كتاب مكنون، في لوح محفوظ، يقول سبحانه {بَلۡ
هُوَ قُرۡءَانٞ مَّجِيدٞ * في لَوۡحٖ مَّحۡفُوظِۭ} [البروج
٢١/٢٢ ]، والقرآن لا
بداية له ولا نهاية له، ولا يتناهى يقول الله - عز وجل -: {قُل
لَّوۡ كَانَ ٱلۡبَحۡرُ مِدَادٗا لِّكَلِمَٰتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلۡبَحۡرُ قَبۡلَ
أَن تَنفَدَ كَلِمَٰتُ رَبِّي وَلَوۡ جِئۡنَا بِمِثۡلِهِۦ مَدَدٗا} [الكهف: ١٠٩]، وقال - عز وجل
-: {وَلَوۡ أَنَّمَا في ٱلۡأَرۡضِ مِن
شَجَرَةٍ أَقۡلَٰمٞ وَٱلۡبَحۡرُ يَمُدُّهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦ سَبۡعَةُ أَبۡحُرٖ مَّا
نَفِدَتۡ كَلِمَٰتُ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ}
[لقمان٣٧]، وينبغي أن
يكون ذلك الوصف، أو هذه الخصيصة ثابتة لكل كتب أنزلها على رسله وأنبيائه، وليست
خصيصة للقرآن المجيد وحده، فإن الكتب التي أنزلت على الأنبياء والرسل مثل
الزبور الذى أنزل على داوود - عليه السلام - : وهو نبي بالإجماع ، والتوراة
التي أنزلت على موسى - عليه السلام - وهو نبي بالإجماع، وهو رسول، بل هو من
أولي العزم من الرسل - عليهم السلام، هذان الكتابان وغيرهما هما من كلام الله
تعالى، وكلام الله قديم غير مخلوق، وهو مذهب أهل السنة والجماعة وهذا على خلاف ما
كان يدين به المعتزلة ويدعون إليه، ويأخذون الناس به، ويقرّونهم عليه، وقد أتى على
الأمة حين من الدهر كان بعض الخلفاء يمتحنون الناس بهذه العقيدة، ويجبرون الناس
على القول بأن القرآن مخلوق، وليس هنا مجال ذكرها.
ثامنًا: إن القرآن المجيد مُنَزَّل
من قبل الله تعالى على رسول الله محمد - صلى الله عليه وسلم -باللسان العربي
الواضح، كما قال سبحانه في وصف اللسان الذى نزل به القرآن:
{وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ أَنَّهُمۡ يَقُولُونَ إِنَّمَا
يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٞۗ لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلۡحِدُونَ إِلَيۡهِ أَعۡجَمِيّٞ وَهَٰذَا
لِسَانٌ عَرَبِيّٞ مُّبِينٌ} [النحل١٠٣]، {وَإِنَّهُۥ
لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ *
نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلۡأَمِينُ * عَلَىٰ قَلۡبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيّٖ مُّبِينٖ} [الشعراء: ١٩٢- ١٩٥]، فمن خصائص القرآن
العظيم أنه أنزل بلسان عربي مبين، على قلب محمد - صلى الله عليه وسلم - خاتم
المرسلين، وبهذه الخاصية نقرر أن القرآن العظيم لا يُترجم إلى لغة أخرى غير
العربية، فهو لا يكون قرآنًا إلا بلغته العربية، وإذا تُرجم من معانيه شيء فلا تُسمى
تلك الترجمة قرآنًا. [تعرف
الترجمة بأنها: التعبير عن لغة بلغة أخرى، والترجمة نوعان: ترجمة حرفية، وترجمة
غير حرفية، فالترجمة الحرفية هي: إبدال لفظ بلفظ آخر يرادفه في المعنى الإجمالي
القريب، فالمترجم يعبر عن كل لفظ بلفظ يؤدى معناه، أما الترجمة غير الحرفية؛ فهي
التعبير عن معنى الجملة المفهوم للمترجم من لغة بجملة من لغة أخرى تؤدي نفس المعنى
أو قريبًا منه، فالترجمة هنا ليست للألفاظ بل للجمل، والمترجم يقيم المعنى من جملة
ما بِلُغة، ثم يؤديه بجملة أخرى من لغة أخرى، والترجمة الحرفية لا تتحقق في القرآن
أبدًا، فإن القرآن الكريم معجز بألفاظه، فمن المحال أن يُترجم حرفيًا .. ومثل ذلك
الترجمة غير الحرفية فالترجمة بقسميها: الحرفية وغير الحرفية غير ممكنة في القرآن
إطلاقًا، فإن ذلك ينافي كونه معجزًا، لكن الذى يترجم من القرآن ليس هو القرآن،
لكنها معاني القرآن، فمعاني القرآن هي التي تترجم بمعنى أن يفهم المترجم تفسير آية
أو معناها، ثم يعبر عن هذا المعنى بلغة أخرى، وكأنه يترجم تفسيرًا للقرآن وهذا هو
المعروف الآن، والذى يخطئ الكثيرون فيقولون: "ترجمة القرآن" وما هي
بترجمة للقرآن، بل ترجمة لمعاني القرآن، أو لتفسير القرآن، وهى ترجمة على قدر
الطاقة، لكنها لا تصل إلى مستوى المعنى، حيث إن المعنى فرع عن الأصل، والأصل معجز،
فالمعنى كذلك معجز، لكن الإعجاز المعنوي غير مراد، ولا يتعلق به غرض صحيح للشرع
ومن أدلة إعجاز المعنى: ١- كثرة التفاسير القرآنية كثرة لا تكاد تحصى والنص القرآني
واحد، ٢- اختلاف التفاسير بينها في تفسير كثير من الآيات والألفاظ، ٣- اختلاف
التفاسير من حيث الحجم والسعة، فمنها ما يتكون من عشرات المجلدات، ومنها مجلد واحد،
٤- اختلاف مناهج المفسرين من حيث المنهج والطريق، أو من حيث المذهب والمعتقد،
فهناك التفسير الصوفي، والشيعي، والمعتزلة، والسلفي، ٥- اعتماد أصحاب المذاهب
المختلفة على الأدلة القرآنية رغم تعارض بل تناقض بعض هذه المذاهب، لكن الله يَسَّر
القرآن للذكر، أي للفهم والتدبر لكل صادق النية صحيح الدين، وأكثر ما يتوجه إليه
الإعجاز في المعنى هو آيات المتشابهات، وقد جعلها الله تعالى فيصلًا صادقًا بين
صحيح العقيدة الراسخ في العلم، وبين الذين في قلوبهم زيغ].
والصواب أنها
ترجمة لمعاني القرآن، ومن ثَمَّ فإن من الأخطاء المنتشرة التي تجري على الألسنة
عبارة: ترجمة القرآن، أو: فلان ترجم القرآن، أو: تُرجم القرآن إلى لغات كثيرة،
وهذه العبارات وأمثالها ليست إلا إساءة إلى كتاب الله الكريم بتنزيله منزلة الكلام
البشري الذي يترجم إلى لغات مماثلة، وقد تكون الترجمة أبلغ من الأصل في الكلام العادي،
أما القرآن فكلام الله الذي أعجز البلغاء أن يأتوا بمثل أقصر سورة منه.
تاسعًا: إن القرآن
الكريم متعبد بتلاوته، سواء لذاته، أو لأنواع عبادية أخرى كالصلاة والأذكار المأثورة،
فقراءة أم الكتاب الفاتحة واجبة في الصلوات، وقراءة القرآن أو آيات منه مندوب
إليها في كثير من الأذكار الواردة، وبهذه الخاصة يفترق القرآن المجيد عن
الأحاديث الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - سواء كانت
نبوية أو قدسية.
كما أنه بهذه الخاصة يفترق القرآن المجيد
عن الكتب السابقة لو فُرض وجودها صحيحة، فإنه لا يُتعبد بشيء مما فيها إلا ما ورد
عنها في القرآن الكريم، فإنه يتعبد بتلاوتها، ليس بصفته من الكتب السابقة،
بل بصفته من القرآن الكريم، وذلك مثل قوله تعالى ذاكرًا بعض ما ورد في صحف
إبراهيم وموسى: {أَمۡ لَمۡ يُنَبَّأۡ بِمَا في
صُحُفِ مُوسَىٰ * وَإِبۡرَٰهِيمَ
ٱلَّذِي وَفيٰٓ * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰ *
وَأَن لَّيۡسَ لِلۡإِنسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ *
وَأَنَّ سَعۡيَهُۥ سَوۡفَ يُرَىٰ* ثُمَّ
يُجۡزَىٰهُ ٱلۡجَزَآءَ ٱلۡأَوۡفيٰ *
وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلۡمُنتَهَىٰ} [النجم ٣٦:٤٢].
فهذه الآيات من قوله تعالى:
{أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰ} إلى آخر
الآيات هي من كتاب إبراهيم وموسى عليهما السلام، وذلك بإخبار الله
تعالى، وقراءة هذه الآيات تعبدًا في الصلاة حق، ليس لأنها من الصحف السابقة، بل
لأنها قرآن يتلى.
عاشرًا: إن القرآن المجيد قد نُقل
إلينا بطريق التواتر اللفظي، فالقرآن نقل عن الرسول - صلى الله عليه وسلم – متواترًا، والتواتر
هو: رواية جماعة عن جماعة يستحيل اتفاق أفرادها على الكذب؛ وذلك لكثرة عددهم
وتباين أمكنتهم، وهذا التواتر ثابت للقرآن الكريم حفظًا في الصدور، وكتابة
في السطور، وفي جميع الأزمنة والعصور من وقت أن جاء به جبريل - عليه السلام - حتى
عصرنا، وحتى قيام الساعة.