نشأ علم البلاغة لإثبات إعجاز القرآن الكريم وتطوير أدوات الإقناع والتأثير، وتعددت تعريفاته وتفرعت إلى علوم المعاني والبيان والبديع. هذا، ويُعد علم البلاغة منظومة متكاملة لتحسين التعبير وحُسن الأداء.
نشأ علم البلاغة لإثبات إعجاز القرآن الكريم وتطوير أدوات الإقناع والتأثير، وتعددت تعريفاته وتفرعت إلى علوم المعاني والبيان والبديع. هذا، ويُعد علم البلاغة منظومة متكاملة لتحسين التعبير وحُسن الأداء.
تتراوح بواعث نشوء هذا العلم تاريخيًّا بين العمل على إثبات الإعجاز البلاغي للقرآن الكريم، ورغبة المشتغلين بالدعوة ومواجهة خصوم الإسلام في تحسين قدرتهم على الجدل والمناظرة، ثم البحث في الخصائص المميزة للنصوص الأدبية على نحو عام.
وقد حظي مصطلح البلاغة بعدد من التعريفات ورد كثير منها في كتاب البيان والتبيين للجاحظ.
بعض هذه التعريفات اتجه إلى وضوح معنى العبارة وسرعة وصوله إلى ذهن المتلقي، بينما جعل ابن المقفع البلاغة في القدرة على مواجهة كل موقف بما يناسبه من قول أو سكوت بعض هذه التعريفات اتجه إلى اللغة الخاصة الملائمة لطبيعة كل موقف ومناسبته، بينما اتجه حديث عمرو بن عبيد الزعيم المعتزلي توفي ١٤٤هـ إلى كل من الوظيفة والأداة.
أما الوظيفة فهي: الإقناع تقرير حجة الله في عقول المكلفين... وتزيين المعاني في قلوب المريدين... رغبة في سرعة استجابتهم ونفي الشواغل عن قلوبهم، وأما الأداة فهي اللغة الخاصة الألفاظ المستحسنة في الآذان، المقبولة عند الأذهان.
أما العنبري الشاعر المتكلم توفي ٢٢٠هـ فقد اتجه في حديثه عن البلاغة إلى أكثر من وظيفة، منها الإفهام كل من أفهمك حاجته فهو بليغ ثم القدرة على إيضاح الغامض وتحسين القبيح إظهار ما غمض من الحق وتصوير الباطل في صورة الحق.
وفي القرن الثالث استعمل المصطلح عنوانًا لرسالة قارن فيها المبرد توفي ٢٨٥هـ بين بلاغة الشعر من جهة، وبلاغة الكلام المنثور والسجع من جهة ثانية، والمصطلح هنا شديد الارتباط بخصائص العبارة الأدبية وبنيتها النوعية من المنظوم والمنثور.
أما في القرن الرابع فقد جمع أبو هلال العسكري توفي ٣٩٥هـ بين كلمتي البلاغة والفصاحة في مصطلح واحد فيما يبدو هو علم البلاغة ومعرفة الفصاحة وأدرج تحته كل مباحث كتابه الصناعتين هذه التي عمم أكثرها على المنظوم والمنثور، خاصة فن الرسائل، كما تحدث عن وظائف الدرس البلاغي جاعلاً في مقدمتها معرفة إعجاز القرآن الكريم معرفة دراية، ثم مساعدة الأديب عند ممارسة إنشاء الكلام، وعند نقد كلام الغير، وعند الاختيار من كلام الغير اختيارًا يقوم على المعرفة والخبرة بالرديء والجيد من الكلام.
لم يكن مصطلح البلاغة وحده الذي يدل على صفات خاصة في العبارة، فقد ترك لنا القرنان الثاني والثالث الهجريان مجموعة من المصطلحات التي واصلت بعد ذلك وجودها في مجال الدرس البلاغي وساعدت على تحديد مجاله، من هذه المصطلحات: البيان، البديع، المعاني، ثم الفصاحة.
بعض هذه المصطلحات حظي بتعريف على نحو أولي، وبعضها بقي معناه رهنًا بالظواهر أو الأساليب التي جرى إطلاقه عليها،
أما البيان فقد سلكه الجاحظ توفي ٢٥٥هـ، في عنوان كتابه الشهير البيان والتبيين ثم أفضى في الحديث عنه وعن وسائله من اللفظ والخط والعقد طريقة في الحساب بغير اللفظ والخط عرفت عند غير العرب بـحساب الأصابع وما سماه النصبة.
وقد ربط بين البيان والإيضاح والكشف عن المعاني، وقال: إن البيان هو كل ما كشف لك قناع المعنى، وهتك الحجاب دون الضمير. استخدم ابن وهب الكاتب القرن الرابع الهجري مصطلح وجوه البيان ضمن عنوان كتابه الذي تابع فيه الجاحظ وعارضه في نفس الوقت - وهو كتاب البرهان في وجوه البيان ليدل به على كل ما يصور الفكرة ويقنع بها ويبرهن عليها، واستمر الأمر على ذلك - أي جعل البيان علمًا على الدرس الذي يبحث في مدى دقة العبارة في أداء المعنى المراد، ومدى ملاءمة هذا المعنى للمناسبة التي ألقى فيها والموضوع الذي يتحدث فيه - عند ضياء الدين ابن الأثير توفي ٦٢٧هـ ، في كتابه المثل السائر وكذلك عند القاضي التنوخي القرن السابع الهجري في كتابه الأفصح القريب في علم البيان.
أما مصطلح البديع فنسب الجاحظ إطلاقه على بعض الصور البيانية إلى الرواة، وفي النصف الثاني من القرن الثالث أطلق المصطلح عنوانًا لكتاب ألفه الشاعر العباسي عبد الله بن المعتز توفي ٢٩٦هـ، وقد جمع فيه عددًا من الفنون أطلق على بعضها اسم البديع وعلى بعضها الآخر اسم محاسن الكلام والشعر، وشمل النوعان فنونًا وزعت بعد ذلك على علوم البلاغة الثلاثة. كالاستعارة التي دخلت إلى البيان، والجناس والطباق اللذين دخلا إلى البديع، والالتفات الذي سلك في مباحث المعاني.
مصطلح البديع هو الآخر حظي بالاستمرار والشيوع واتساع المفهوم سواء في المؤلفات البلاغية كالصناعتين للعسكري، أو بعض المؤلفات التي تصدت لبلاغة القرآن الكريم مثل إعجاز القرآن للباقلاني توفي ٤٠٣هـ، ثم عند مؤلفي البديعيات في القرون المتأخرة وهي القصائد التي جعلت موضوعها مدح النبي صلى الله عليه وسلم، وجعلت غايتها إحصاء ألوان البديع وسلكها والتمثيل لها من خلال أبيات القصيدة، على نحو ما هو معروف عند صفي الدين الحلي وابن حجة الحموي وغيرهما.
أما المعاني - هكذا بصيغة الجمع -، فقد استعمل اللفظ مضافًا إلى لفظ القرآن فقيل معاني القرآن وجاء التركيب عنوانًا لعدد غير قليل من الكتب التي عاش أصحابها في القرن الثاني مثل يونس بن حبيب توفي ١٨٣هـ وأبي محمد اليزيدي توفي ٢٠٢هـ أو أدركوا القرن الثالث كالأخفش الأوسط توفي ٢١١هـ وأبي عبيد القاسم بن سلام توفي ٢٢٣هـ أو عاشوا في القرن الثالث كالمبرد توفي ٢٨٥هـ وثعلب توفي ٢٩١هـ وابن كيسان توفي ٢٩٩هـ أو أدركوا القرن الرابع كالزجاج توفي ٣١١هـ والنحاس توفي ٣٣٨هـ وغيرهم، كما أضيفت الكلمة المعاني إلى كلمة الشعر فتكون مصطلح معاني الشعر الذي حمله - كعنوان - عدد كبير من الكتب. وقد غلب على كتب معاني القرآن بالذات النظر في تراكيب العبارة القرآنية ومحاولة استشفاف الدلالات الإضافية التي تحملها صور التراكيب.
لقد ظفر مصطلح المعاني منفردًا بطفرة من تحديد المدلول على يد المبرد - على الأرجح - في حوار بينه وبين الفيلسوف الكندي توفي ٢٥٢هـ بين فيه المبرد أن الصور التركيبية المتنوعة - حتى تلك التي تتكون من نفس المفردات - تحمل معاني متنوعة. ثم استمر التطور عند أبي سعيد السيرافي توفي ٣٦٨هـ الذي تحدث في تعدد معاني حرف الواو تبعًا للسياقات التي يرد فيها، ثم أطلق مصطلح معاني النحو مما شكل مقدمة قوية لعبد القاهر الجرجاني توفي ٤٧١هـ الذي جعل من معاني النحو هدفًا يسعى إليه الأديب من وراء تركيب عبارته على صورة دون أخرى.
أما الفصاحة فقد حفظت المؤلفات في التراجم أسماء بعض الكتب التي اتخذت من الكلمة عنوانًا لها، منها كتاب الفصاحة لأبي حاتم السجستاني توفي ٢٥٥هـ وكتاب الفصاحة لأبي حنيفة الدينوري توفي ٢٨٢هـ ولا نستطيع الحكم على مفهوم المصطلح في الكتابين، وإن كان من الممكن الاسترشاد بمعنى الكلمة في المعاجم واتجاه هذا المعنى إلى الوضوح والنقاء؛ الوضوح المستمد من جريانها على الألسنة في الاستعمال، مما يشير إلى تلاؤم أصواتها وخفتها على لسان المتكلم وأذن السامع، والنقاء الناتج عن عدم تعرض المتحدثين بها للاختلاط بأصحاب لغة أخرى من غير العرب.
لقد استغلت المدرسة البلاغية التي تنسب إلى السكاكي توفي ٦٢٦هـ، ثم الخطيب القزويني توفي ٧٣٩هـ، كل ذلك التراث من المصطلحات والمفاهيم - مع بعض الإجراءات التنظيمية - في رسم الصورة الأخيرة والأكثر شهرة لهيكل البحث البلاغي. لقد جعلت مصطلح البلاغة هو العلم الأساسي على ذلك العلم، ثم أدرجت تحته - بشكل أو آخر - المصطلحات الأخرى: المعاني والبيان والبديع.
إجراءات التنظيم تبدأ بتحديد مفهوم البلاغة في الكلام: بلاغة الكلام تتمثل بشرطين: أن يكون الكلام مطابقًا لمقتضى الحال، وأن يكون فصيحًا.
المطابقة: لغويًا تعني الملاءمة أو الموافقة أو المناسبة.
الحال: تعني كل الظروف المحيطة بصدور الكلام والتي تشكل ما نسميه بالموقف.
ومقتضى الحال: ما تتطلبه هذه الظروف من إيحاءات ومعان خاصة يجب أن تحملها صورة العبارة كمعنى التأكيد أو الاهتمام، مثلاً.
تتحقق المطابقة بين الكلام ومقتضى الحال إذا جاء الكلام بصورته التركيبية حاملاً للمعنى الذي اقتضته هذه الحال أو تلك كاشتمال الكلام على أدوات التأكيد، أو كون التركيب على صورة تفيد التأكيد، أو الاهتمام، مثلاً.
أما الفصاحة وهي الصفة الأخرى، أو الشرط الآخر الذي يجب تحقيقه في الكلام البليغ، فتدور معظم شروطها على السلامة الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية في الكلام، مما يمكن تحقيقه بدراسة علوم الأصوات والصرف والنحو ومعاني اللغة، وهي العلوم التي يعدها البلاغيون آلات للدرس البلاغي.
وهيكل البحث البلاغي في تصور هذه المدرسة يتكون من ثلاثة علوم هي:
علم المعاني: وموضوعه دراسة التراكيب العربية من حيث مطابقة معانيها النحوية لمقتضيات الأحوال، أو عدم مطابقتها. وغايته الاحتراز عن الخطأ في هذه المطابقة.
علم البيان: وموضوعه دراسة الصور البيانية من مجازات وكنايات، وغايته الاحتراز عن التعقيد المعنوي.
علم البديع: ويدرس ألوان البديع اللفظية والمعنوية، وغايته تحسين الكلام.
لقد ارتبط ظهور علم البلاغة برغبة العلماء في إثبات الإعجاز البلاغي للقرآن الكريم، وتطوير أدوات الجدل والمناظرة، ودراسة النصوص الأدبية، وقد حاز مصطلح البلاغة عددًا من التعريفات التي دارت حول وضوح العبارة، وسرعة وصول المعنى، والقدرة على التأثير والإقناع. وتفرعت عنه مفاهيم بلاغية مركزية مثل البيان، والمعاني، والبديع، والفصاحة، التي تطورت على يد أعلام كالجاحظ، وابن المعتز، وأبي هلال العسكري وغيرهم. واستقر البناء النظري للبلاغة في ثلاثة علوم: علم المعاني الذي يعنى بمطابقة الكلام لمقتضى الحال، وعلم البيان الذي يفسر الصور البلاغية، وعلم البديع الذي يهتم بتزيين الكلام وتحسينه. وتُظهر هذه الدراسة كيف تشكلت البلاغة علمًا مركزيًا في فهم النصوص وتحليل الخطاب العربي.