الكرسي، والعرش من الغيبيات، التي ورد ذكرها في نصوص الوحيين الشريفين بوصف يليق بعظمته – سبحانه وتعالى – تناولها العلماء والمفسرون والمتكلمون بالبحث في معناها، وهذا بين التفسير الظاهري والتأويل العقلي.
الكرسي، والعرش من الغيبيات، التي ورد ذكرها في نصوص الوحيين الشريفين بوصف يليق بعظمته – سبحانه وتعالى – تناولها العلماء والمفسرون والمتكلمون بالبحث في معناها، وهذا بين التفسير الظاهري والتأويل العقلي.
سنتناول هذين اللفظين الكرسي والعرش وبخاصة فيما يتعلق بالله - عز وجل - وذلك بذكر النصوص - من قرآن وسنة - التي جاء فيها ذكر الكرسي والعرش، ثم نتناول معانيهما في اللغة، وفي الاصطلاح عند الفقهاء والمحدثين والمتكلمين والمفسرين حسب مناهجهم المختلفة.
أولًا: الكرسي: ورد لفظ الكرسي فيما يتعلق بالله - - عز وجل - - في القرآن الكريم في قوله تعالى: {ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُۚ لَا تَأۡخُذُهُۥ سِنَةٞ وَلَا نَوۡمٞۚ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ مَن ذَا ٱلَّذِي يَشۡفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيۡءٖ مِّنۡ عِلۡمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَۚ وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفۡظُهُمَاۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ} [البقرة: ٢٥٥]
أحاديث الكرسي في السنة: كما تذكر كتب السنة النبوية أن لفظ الكرسي ورد في أحاديث عديدة ثابتة ومرفوعة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن هذه الأحاديث:
١-عن أنس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «اتخَذ في الجنةِ واديًا مِن مِسكٍ أبيضَ، فإذا كان يومُ القيامةِ هبَط مِن علِّيِّينَ على كرسِيِّه - تبارَك وتعالى - ثم حفَّ الكرسي بمنابرَ مِن ذهبٍ مكللةٍ بالجوهَرِ» [حسن لذاته أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٤٧٧، رقم ٥٥١٧)، والطبراني في الأوسط (٢/٨٤) وأبو يعلى (٧/٢٢٨) رقم (٤٢٢٨)، قال المنذري (٤/٣١١) رواه ابن أبي الدنيا، والطبراني في الأوسط بإسنادين أحدهما جيد قوي، وأبو يحيى مختصرًا، ورواته رواة الصحيح].
٢ -عن عمر - رضي الله عنه - أن امرأة أتت النبي – صلى الله عليه وسلم - فقالت: «ادْعُ اللهَ أن يُدخِلَني الجنَّةَ، قال: فعَظَّمَ الرَّبَّ وقال: إنَّ عَرْشَه فَوقَ سَبعِ سَمواتٍ»، وفي لفظ «إنَّ كرسيَّهُ وسعَ السَّمواتِ والأرضَ ...» [حسن لذاته أخرجه البزار (١/٤٥٧) رقم ٣٢٥)، وأبو الشيخ في العظمة (٢/٥٤٨) والضياء (١/٢٦٣ رقم ١٥١)، وقال إسناده حسن].
٣-وعن ابن عباس - رضي الله عنه - عن النبي – صلى الله عليه وسلم - في قوله تعالى: {وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ} [البقرة: ٢٥٥] قال: «مَوضِعُ القَدَمَينِ، ولا يُقدَرُ قَدْرُ عَرْشِه» [حديث حسن لذاته أخرجه الدارقطني في الحفات (١/٣٠ رقم ٣٦)].
٤-وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «آتي يومَ القيامَةِ بابَ الجنةِ، فيُفْتَحُ لي، فأَرى رَبِّي، وهو على كُرْسِيِّهِ، فيَتَجَلّى، فأخِرُّ ساجدًا» [أخرجه عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب النقض على بشر المريسي العنيد (ص٠ ٣ رقم ١٩)].
جاء لفظ الكرسي في اللغة وهو يحمل معاني عديدة، فالكرسي واحد الكراسي بالجمع وهو اسم لما يُقْعَد عليه، ففي مختار الصحاح للرازي: (الكرسي بالضم واحد الكراسي) [أبو بكر الرازي: مختار الصحاح ص٥٦٧ والجوهري: الصحاح ج٣ ص٩٧٠]، وفي مفردات غريب القرآن للأصفهاني: (الكرسي في تعارف العامة اسم لما يقعد عليه: {وَأَلۡقَيۡنَا عَلَىٰ كُرۡسِيِّهِۦ جَسَدٗا ثُمَّ أَنَابَ} [ص: ٣٤]، وهو في الأصل منسوب إلى الكرس أي المتلبد أي المجتمع ومنه الكراسة للمتكرس من الأوراق، وكرست البناء فتكرس، وكل مجتمع من الشيء كرسي [الأصفهاني مفردات غريب القرآن ج١ ص٤٥]، وقال الفخر الرازي: (والكرسي هو هذا الشيء المعروف لتركب خشباته بعضها فوق بعض) [الفخر الرازي: التفسير الكبيرج٧ ص١٢].
والكرس القلائد كما في القاموس المحيط (الكرس بالكسر واحد أكراس القلايد) [الفيروز آبادي: القاموس المحيط ص٧٣٥]، (والكرس أصل الشيء يقال هو قديم الكرس وكل شيء أصله: قال الحجاج يمدح الوليد بن عبد الملك:
أنت أبا العباس أولى نفس*** بمعدن الملك القديم الكرس
[الجوهري الصحاح ج٣ مد ٩٧٠]
وقد يقال الكرسي على العلم، فقد قال ابن الأعرابي: (كرس الرجل إذا ازدحم علمه على قلبه، والكراسة من الكتب سميت بذلك لتكرسها) [مفردات غريب القرآن ج١ ص٤٥٦]، ومن هنا قال الكميت:
حتى كأن عراض الدار أردية *** من التجاويز أو كراس أسفار
[الصحاح ج ٣ ص ٩٧٠]
وأيضًا: (الكرس الجماعة من الناس، وقيل الجماعة من أي شيء) [مفردات غريب القرآن ج١ ص ٤٥٦]، من هنا رأينا صدر الدين الشيرازي يقول: (الكرسي في اللغة كل أصل يعتمد عليه وكل شيء تراكب، فقد تكارس من الكِرس بالكسر وهو تراكب الشيء بعضه على بعض وتلبد جزء منه على جزء... ومنه الكرسي الموضوع لهذه الهيئة المعروفة المصنوع لما يجلس عليه لتركب خشباته وقطعه، ويقال للعلماء كراسي كما يقال لهم أوتاد الأرض، لأن عليهم الاعتماد، وبهم القوام في الدين والدنيا) [صدر الدين الشيرازي: تفسير القرآن الكريم ج٥ ص ١٣٨ -١٣٩].
حدث خلاف بين مفكري المسلمين حول المقصود بالكرسي في قوله تعالى: {وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ} [البقرة: ٢٥٥]، تبعًا لاختلاف المناهج في هذا اللفظ وسائر متشابهات القرآن والحديث، وهناك أقوال وآراء أربعة في بيان المقصود بالكرسي منسوبًا إلى الله - عز وجل - ونذكرها على الوجه التالي:
الرأي الأول: وهو على منهج أهل اللغة، وأكثر الفقهاء وأرباب الحديث والحنابلة والكرامية، وهو إبقاء الألفاظ على مدلولها الظاهر ومفهومها الأول، وقد حمل أصحاب هذا الرأي الكرسي هنا على الظاهر من معناه وأنه الشيء المعروف للعامة، وسمي به لتراكم بعض أجزائه على بعض، ومن ثم قالوا: إنه جسم عظيم يسع السماوات والأرض من جهة الظرفية والإحاطة المقدارية، ثم القائلون بهذا المعنى اختلفوا: فمنهم من ذهب إلى أن الكرسي هو العرش، لأن السرير قد يوصف بأنه عرش وبأنه كرسي؛ لكون كل واحد منهما يصح التمكن عليه، كما استدلوا بأن السرير قد يوصف بأنه عرش لقوله تعالى: {وَلَهَا عَرۡشٌ عَظِيمٞ} [النمل: ٢٣]، وقد يوصف بأنه كرسي لقوله تعالى: {وَلَقَدۡ فَتَنَّا سُلَيۡمَٰنَ وَأَلۡقَيۡنَا عَلَىٰ كُرۡسِيِّهِۦ جَسَدٗا ثُمَّ أَنَابَ} [ص: ٣٤]، ومنهم من قال: الكرسي غير العرش، ثم اختلفوا: فمنهم من قال: الكرسي دون العرش وفوق السماء السابعة، وقال آخرون دونه تحت الأرض وهو منقول عن السدي [نفس المرجع ج٧ ص١٢، وصدر الدين الشيرازي: تفسير القرآن الكريم ج٥ ص ١٤١]، ومنهم من قال: إن السماوات والأرض جميعًا على الكرسي، والكرسي تحت الأرض كالعرش فوق السماء [صدر الدين الشيرازي: تفسير القرآن الكريم ج٥ ص١٤٢].
ويستدل أصحاب هذا الرأي على أن الكرسي جسم عظيم بأحاديث منها ما روى عن سعيد بن جبير عن عبد الله ابن عباس – رضي الله عنهما - قال: سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قول الله - عزوجل: {وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ } [البقرة: ٢٥٥] قال: كرسيه موضع قدميه، والعرش لا يقدر قدره إلا الله - عزوجل - وعن أبي ذر الغفاري - رضي الله عنه - أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الكرسي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «والَّذي نفسي بيدِهِ، ما السَّماواتُ السَّبعُ والأرَضينُ السَّبعُ عندَ الكرسي إلا كحَلقَةٍ مُلقاةٍ في أرضِ فلاةٍ، وإنَّ فضلَ العرش على الكرسي كفَضلِ الفلاةِ على تِلكَ الحَلقَةِ» [ابن كثير: تفسيرج١ ص٣١٠].
ومن الذين قالوا إن الكرسي جسم عظيم بعض علماء الهيئة الفلكية، حيث قالوا: إن الكرسي هو الفلك الثامن، وهو فلك الثوابت الذي فوق الفلك التاسع، وهو الفلك الأثير، ويقال له الأطلس [ابن كثير: تفسير القرآن ح١ ص٣١٠]، فعند هؤلاء (الكرسي هو الفلك الثامن والعرش هو مجموع الثمانية، يتعلق به نفس تحركه بالحركة السريعة اليومية، وبه قال العلامة الطوسي) [صدر الدين الشيرازي تفسير القرآن ج٥ ص٤٣]، الفخر الرازي بعد أن يورد الآراء المختلفة في أن الكرسي – هنا - جسم عظيم يرتضى هذا الرأي، ويقول: (واعلموا أن لفظ الكرسي ورد في آية وجاء في الأخبار الصحيحة أنه جسم عظيم تحت العرش وفوق السماء السابعة، ولا امتناع في القول به، فوجب القول باتباعه) [الفخر الرازي: تفسر ج٧ ص ١٢]، ولكنه لا يرتضى قول هؤلاء الذين يقعون في التشبيه والتجسيم حيث يقولون: إن الكرسي موضع قدمي الله - عز وجل - فيقول: (أما ما روى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس – رضي الله عنهما - أنه قال: موضع القدمين، ومن البعيد أن يقول ابن عباس هو موضع قدمي الله تعالى وتقدس عن الجوارح والأعضاء، وقد ذكرنا الدلائل على نفي الجسمية في مواضع كثيرة فوجب رد هذه الرواية، أو حملها على أن المراد بأن الكرسي موضع قدمي الروح الأعظم أو ملك عظيم عند الله تعالى) [الفخر الرازي: تفسر ج٧ ص١٣].
الرأي الثاني: وثاني هذه الآراء هو لأصحاب المنهج العقلي الذين ينزهون الله تعالى عن الجسمية ولوازمها من الإمكان والحدوث والحاجة إلى الغير؛ لأن الله تعالى هو الغني عن كل ما سواه، وأما غيره فهو محتاج إليه، ومنهج هؤلاء هو تأويل هذا اللفظ (الكرسي) وغيره (على وجه يطابق قوانينهم النظرية ومقدماتهم العقلية حفاظًا على تقديسه تعالى، وتنزيهه عن صفات الإمكان ونقائص الأكوان) [صدر الدين الشيرازي تفسير ج٥ ص ١٣٩]، من الاجتماع أو الافتراق أو الحركة والسكون؛ لأنها تستلزم الإمكان والحدوث وهما محالان في حق الله عزوجل إذ هو واجب الوجود لذاته.
ويقول بهذا الرأي أكثر الفرق الكلامية وبخاصة المعتزلة، والأشاعرة، والماتريدية، ومن سار على طريقتهم، ومن ثم فهم يقولون: (إن المراد من الكرسي السلطان والقدرة والملك، ثم تارة يقولون الإلهية لا تحصل إلا بالقدرة والخلق والإيجاد، والعرب يسمون أصل كل شيء الكرسي، وتارة يسمى الملك بالكرسي؛ لأن الْمَلِكَ يجلس على الكرسي فيسمى الملك باسم مكان الملك) [الفخر الرازي: تفسيرج٧ ص١٣]، (وربما كنى بالكرسي عن الملك، ويقال كرسي ويراد منطقة نفوذه ومتسع قدرته) [الطبطبائي: الميزان في تفسير القرآن ج٢ ص٣٥٣، والزمخشري: الكشاف ج١ ص١٥٤]، وهذا هو معتمد كثير من علماء التفسير وهو أن المراد من الكرسي هنا السلطان والقدرة، فيكون معنى قوله تعالى: {وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ} [البقرة: ٢٥٥] أحاطت قدرته السماوات والأرض [صدر الدين الشيرازي : تفسير القرآن الكريم ج٥ ص٣٥٣]، ومما يدعم هذا التأويل - عند هؤلاء - أن الجمل السابقة على هذه الجملة {وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ} [البقرة: ٢٥٥] أعني قوله تعالى: {لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ} [البقرة: ٢٥٥] تفيد أن المراد من الكرسي إحاطة مقام السلطنة الإلهية بكل شيء فيتعين للكرسي من المعنى أنه المقام الرباني (الذي يقوم به كل ما في السماوات والأرض من حيث أنها مملوكة مدبرة.... ويتعين للسعة في المعنى أنها حفظ كل شيء مما في السماوات والأرض بذاته وآثاره ولذلك ذيله بقوله: {وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفۡظُهُمَاۚ} [البقرة: ٢٥٥]، [الطبطبائي: الميزان في تفسير القرآن ج٢ ص٣٥٣].
الرأي الثالث: ومن المتكلمين من أول الكرسي في هذه الآية بالعلم، ونجد هذا التأويل عند بعض المعتزلة ومن سار على طريقتهم أو وافقهم حيث نجد الزمخشري في الكشاف يقول: في تفسير قوله تعالى: {وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ} (وسع علمه)، وسمَّى العلم كرسيًا تسمية بمكانه الذي هو كرسي العالم [الزمخشري: الكشاف ج ١ ص١٥٤]، وكذلك فعل القاضي عبد الجبار في كتابه تنزيه القرآن عن المطاعن [القاضي عبد الجبار: تنزيه القرآن عن المطاعن ص٥١].
وقد حكى الرازي هذا التأويل، فقال: (القول الثالث أن الكرسي هو العلم، لأن العلم موضع العالم وهو الكرسي فسميت صفة الشيء باسم مكان ذلك الشيء على سبيل المجاز، لأن العلم هو الأمر المعتمد عليه، والكرسي هو الذي يعتمد عليه، ومنه يقال للعلماء كراسي؛ لأنهم الذين يعتمد عليهم كما يقال لم أوتاد الأرض) [الفخر الرازي: تفسيرج٧ ص ١٣].
ومن المفسرين من نسب هذا التأويل، لابن عباس ومجاهد، حيث قال: إن المراد من الكرسي العلم، فمعنى الآية: {وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ} [البقرة: ٢٥٥]، وسع علمه السماوات والأرض عند ابن عباس ومجاهد [صدر الدين الشيرازي: تفسير القرآن الكريم ج٥ ص١٤٩].
وقد أنكر ابن قتيبة هذا التأويل الاعتزالي، فقال: (وجاءوا على ذلك بشاهد لا يعرف وهو قول الشاعر:
ولا يكرسيء علم الله مخلوق
كأنه عندهم ولا يعلم علم الله مخلوق، والكرسي غير مهموز ويكرسئ مهموزًا، يستوحشون أن يجعلوا لله كرسيًا أو سريرًا، ويجعلون العرش شيئًا آخر) [ابن قتيبة: تأويل مختلف الحديث ص٦٧ والاختلاف في اللفظ ص٢٤٠ ضمن مجموعة].
الرأي الرابع: وينكر فخر الدين الرازي هذا الرأي ويقرر أنه هو (ما اختاره القفال وهو أن المقصود من هذا الكلام تصوير عظمة الله وكبريائه) [الفخر الرازي: تفسر ج٧ ص١٣، والقفال من المفسرين الذين كانت له ميول اعتزاليه في أول الأمر]، والقفال من المفسرين الذين كان لهم ميول اعتزالية في أول أمره وهو نفس الرأي الذي قال به القاضي البيضاوي في تفسير آية الكرسي حيث قال: هذا تصوير لعظمته وتمثيل مجرد ولا كرسي في الحقيقة ولا قاعد) [البيضاوي: تفسير ج١ ص،٥٥٨]، ونجد هذا الرأي عند الزمخشري في الكشاف حيث يقول: (إن كرسيه لم يضق عن السماوات والأرض لبسطته وسعته، وما هو إلا تصوير لعظمته، وتخييل فقط ولا كرسي ثمة ولا قعود ولا قاعد كقوله تعالى: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦ وَٱلۡأَرۡضُ جَمِيعٗا قَبۡضَتُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطۡوِيَّٰتُۢ بِيَمِينِهِۦۚ} [الزمر: ٦٧]، من غير تصور قبضة ويمين، وإنما هو تخييل لعظمة شأنه وتمثيل حسي، ألا ترى إلى قوله: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦٓ} [الأنعام: ٩١] [الزمخشري: الكشاف ج١ ص ١٥٣ - ١٥٤]، ونجد أن تقريرًا واسعًا لهذا الرأي عند الفخر الرازي في تفسيره الكبير حيث يقول: (إنه تعالى خاطب الخلق في تعريف ذاته وصفاته بما اعتادوه في ملوكهم وعظمائهم، من ذلك أنه جعل الكعبة بيتًا يطوف الناس به، كما يطوفون ببيوت ملوكهم، وأمر الناس بزيارته، كما يزور الناس بيوت ملوكهم، فعلى هذا القياس أثبت لنفسه عرشًا فقال: {ٱلرَّحۡمَٰنُ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ} [طه: ٥]، ثم أثبت لنفسه كرسيًا فقال: {وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ} [البقرة: ٢٥٥] [الفخر الرازي: تفسيرج٧ ص١٣]، وقد هوجم هذا الرأي هجومًا واسعًا وشديدًا من بعض المفسرين، كما جاء في كتاب الانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال، للإمام ناصر الدين أحمد بن المنير السكندري المالكي، حيث وصف قول الزمخشري إن ذلك تخييل لعظمة الله بأنه (سوء أدب في الإطلاق، وبعد في الإضرار فإن التخيل إنما يستعمل في الأباطيل، وما ليست له حقيقة صدق، فإن يكن معنى ما قاله صحيحًا، فقد أخطأ في التعبير عنه بعبارة موهمة لا مدخل لما في الأدب الشرعي) [أحمد بن المنير: الانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال بذيل الكتاب الكشاف، للزمخشري ج١ ص ١٥٢].
وأود أن أبين - هنا - أن هذا التأويل عند الزمخشري لما جاء في قوله تعالى: {وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ} [البقرة: ٢٥٥]، لا يختلف عن تأويل الكرسي بالعلم حيث هو قائم على أصل لغوي فكلاهما تأويل مجازي وإن كان تأويل الزمخشري قائمًا على أصل عقلي.
وحتى يتضح الأمر جليًا فإننا نتساءل ما المراد بالقياس في عبارة الفخر الرازي، وما المقصود بالتمثيل والتخييل في كلام الزمخشري؟ والجواب: أن المراد بالقياس - هنا- ليس هو القياس الفقهي القائم على مجرد التشابه بين المقيس والمقيس عليه، ومنه قياس الغائب على الشاهد المستخدم في علم الكلام فيما يتعلق بالصفات الإلهية، وإنما هو قياس المساواة القائم على المساواة في النسب كما نقول: العقل بالنسبة للروح كالبصر بالنسبة للجسد، والملاحظ أن تأويلات المعتزلة للآيات الموهمة بظواهرها للتشبيه يمكن صياغتها في شكل قياس للمساواة هكذا: القدرة والنعمة لله تعالى كاليد للإنسان، والوجود لله تعالى كالوجه للإنسان، والملك والسيطرة لله تعالى كالجلوس على العرش للملك، وكذلك الأمر في الكرسي في نسبته لله تعالى يدل على عظمة الله تعالى وكبريائه وعلمه الشامل لكل الموجودات، وهذه كلها دلالات التزامية مجازية، وهي قائمة على تأويلات مجازية لها أصل في اللغة، أو يمكن أن يدركها العقل كما في آية الكرسي توصلًا إلى تنزيه الله تعالى عن المشابهة - لمخلوقاته تطبيقًا لقوله تعالى: {لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ} [الشورى: ١١]، ويؤيد هذا ما أورده الغزالي على لسان الفلاسفة المسلمين بشأن البعث الجسماني من القول بأن (ما ورد في الشرع أمثال ضربت على حد أفهام الخلق، كما أن الوارد من آيات التشبيه وأخباره أمثال على حد فهم الخلق) [الغزالي: تهافت الفلاسفة ص ٢٨٩].
وإذن فقد جاء هذا التأويل لآية الكرسي - حسب هذا الرأي الرابع - على أساس متفق عليه بين جمهور المتكلمين معتزلة وأشاعرة ومن سار على طريقتهم، بجواز التأويل المجازي إذا دعت الضرورة إليه، وهذا هو ما رآه الزمخشري وهو معتزلي، والقاضي البيضاوي، وهو سني، وقال به القفال وهو من المفسرين الذين كانت لهم ميول اعتزالية، وأما فخر الدين الرازي الذي ذكر هذه الآراء كلها، فقد قبل الرأي الأول القائل بأن الكرسي في قوله تعالى: {وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ} [البقرة: ٢٥٥]، هو جسم عظيم وانه لا امتناع في القول به فوجب القول باتباعه.
ثانيًا: العرش: ورد ذكر العرش في القرآن الكريم في آيات عديدة سواءً فيما يتعلق بالله عزوجل أم فيما يتعلق بأحد من خلقه منها..
١ - عن أبي ذر – رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «آيتينِ أُوتيتهما مِن كنزٍ من بيتٍ تحتَ العرش ولم يؤتَهما نبيٌّ قبلي يعني الآيتينِ من آخرِ سورةِ البقرةِ» [صحيح أخرجه أحمد (٥/١٥١رقم (٢١٣٨١) قال الهيثمي (١٢/٣٦) رواه أحمد بأسانيد أحدها رجال الصحيح].
٢ -عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنَّ أرواحَ الشهداءِ في جوفِ طيرٍ خُضْرٍ، لها قناديلُ معلقةٌ تحتَ العرش، تسرحُ من الجنةِ حيث شاءتْ، ثم تأوي إلى تلك القناديلِ» [صحيح أخرجه مسلم (٣/١٥٠٢ رقم١٨٨٧) والترمذي (٥/٢٣١رقم٣٠١١) وقال حسن صحيح].
٣ -عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ، يَومَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ» [صحيح (أخرجه أحمد ومسلم وابن حبان والطبراني والحاكم والنسائي عن أنس)].
٤ -عن عمران بن حصين - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «كانَ اللَّهُ ولَمْ يَكُنْ شَيءٌ غَيْرُهُ، وكانَ عَرْشُهُ على الماءِ، وكَتَبَ في الذِّكْرِ كُلَّ شيءٍ، هُوَ كَائِنٌ وخَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ» [صحيح، أخرجه أحمد، والبخاري، ومسلم، والنسائي، وابن حبان عن أبي هريرة، والترمذي، وقال: حسن صحيح].
لقد ورد لفظ العرش في اللغة على معان منها:
١ - العرش سرير الملك، وعرش البيت سقفه، والعرش والعريش ما يستظل به، والعرش عريش الكرم وهو أيضًا من خشب والجمع عرش بضمتين كقليب وقلب ومنه قيل لبيوت مكة إنها عرش، لأنها بميدان تنصب ويظلل عليها، وفي الحديث: «تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفُلَانٌ كَافِرٌ بِالعرش».
٢ - كما يطلق العرش على الملك والسلطان والعزو منه قول زهير:
تداركتما عبسًا وقد ثل عرشها *** وزييان إذ زلت بأقدامها النعل
وقولهم: ثل عرشه على ما لم يسم فاعله أي وهي أمره وذهب عزه [صحيح، أخرجه أحمد، والبخاري، ومسلم، والدارقطني في الصفات].
٣ - كما يطلق العرش ويراد به أربعة كواكب صغار أسفل من العواء، ويقال لها عرش السماك، وعجز الأسد، والجنازة ومنه اهتز العرش لموت سعد بن معاذ، واهتزازه فرحه) [حسن لذاته أخرجه أبو د اود (٤/٢٣٢ رقم ٤٧٢٧) وابن عساكر (٤٣/٦٠) وأخرجه أيضًا ابن أبي حاتم، كما في تفسير ابن كثير (٤/ ٤١٥)، قال ابن كثير: هذا إسناد جيد رجاله كلهم ثقات، وأبو الشيخ (٣/ ٩٤٨ رقم ٤٧٦)
قال الحافظ في الفتح (٨ /٦٦٥) إسناده على شرط الصحيح].
وقد جاءت آراء المفسرين - في بيان المقصود بالعرش وعلاقة الله – عزوجل - معتمدة على ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وكتب اللغة، بالإضافة إلى اتجاهاتهم المذهبية سواء أكانت كلامية أم صوفية أم فلسفية، وهي تدور حول أن العرش إما سرير الملك، أو السلطان والعزة، أو فلك الأفلاك عند الفلاسفة، أو قلب الإنسان الكامل عند الصوفية.
ويعرف الشريف الجرجاني العرش في كتابه التعريفات على الوجه التالي: (العرش الجسم المحيط بجميع الأجسام، وسمي به لارتفاعه، أو للتشبيه بسرير الملك في تمكنه عند الحكم لنزول أحكام قضائه وقدره، لا جسم ولا صورة ثمة) [القاموس المحيط ص٧٧٠].
فالجرجاني يرى أن عرش الله - عز وجل - إما أنه جسم عظيم محيط بجميع أجسام العالم، لأن جميع ما سوى الله تعالى من الموجودات إما أجسام أو أعراض قائمة بالأجسام، أو يؤول العرش بالسلطنة والقدرة، ولا جسم ولا صورة ثمة، وهذا تأويل مجازي وسائغ في اللغة.
كما نجد تعريفًا آخر عند صاحب كتاب كشاف اصطلاحات الفنون حيث يقول: العرش بالفتح وسكون الراء المهملة في لسان أهل الشرع هو الذي سماه الحكماء فلك الأفلاك والعرش عند الصوفية قلب الإنسان الكامل كما في كشف اللغات [الجرجاني: التعريفات ص٨٠].
وقد وجد المفسرون أن الله عزوجل قال: {ذُو ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡمَجِيدُ} [البروج: ١٥]، فقالوا: إن فيها قراءتين: المجيد بالرفع، فيكون صفة لله تعالى، والمجيد بالخفض فيكون صفة للعرش ثم قالوا: (إن مجد الله عظمته بحسب الوجود الذاتي، وكمال القدرة والحكمة والعلم، وعظمة العرش علوه في الجهة، وعظمة مقداره، وحسن صورته وتركيبه، فإنه قيل: العرش أحسن الأجسام تركيبًا وصورة) [الفخر الرازي: تفسيرج٣١ ص١٢٤]، والعرش عند هؤلاء المفسرين هو جسم عظيم لا يعرف قدره إلا الله - عز وجل، ووجد المفسرون أن الله - عز وجل - قال: {رَفِيعُ ٱلدَّرَجَٰتِ ذُو ٱلۡعَرۡشِ} [غافر: ١٥]، فقال بعض الأغمار من المشبهة: (إن المراد بالدرجات السماوات، وبقوله: {ذُو ٱلۡعَرۡشِ} [غافر: ١٥]، إنه موجود في العرش فوق سبع سموات [الفخر الرازي: تفسيرج٢٧ ص٤٤].
ويرى الفخر الرازي: أنه يجوز أن يكون المراد بالعرش السرير، ويكون جل جلاله، خلق سريرًا في سمائه في غاية العظمة والجلالة بحيث لا يعلم عظمته إلا هو ومن يطلعه عليه [نفس المرجع والصفحة].
ومن المفسرين من ذهب إلى التأويل المجازي للفظ العرش، فقد قال القفال: ذو الملك والسلطان، كما يقال: فلان على سرير ملكه، إن لم يكن على السرير، كما يقال: ثل عرش فلان إذا ذهب سلطانه [نفس المرجع والصفحة]، ويكون معنى قوله تعالى {ذُو ٱلۡعَرۡشِ}، إنه تعالى مالك العرش ومدبره وخالقه، أي مخرج له من العدم إلى الوجود، يقول الفخر الرازي: والفائدة في تخصيص العرش بالذكر هو أنه أعظم الأجسام، والمقصود بيان كمال الهيئة، ونفاذ قدرته، فكل ما كان محل التصرف والتدبير أعظم كانت دلالته على كمال القدرة أقوى [نفس المرجع والصفحة].
حملة العرش: كما وجد المفسرون أن هناك آيات في القرآن الكريم وأحاديث في السنة النبوية المطهرة تنص على أن هناك حملة للعرش وأنهم من الملائكة، فقد قال الله تعالى: {وَتَرَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ حَآفِّينَ مِنۡ حَوۡلِ ٱلۡعَرۡشِ} [الزمر: ٧٥]، وقال تعالى: {ٱلَّذِينَ يَحۡمِلُونَ ٱلۡعَرۡشَ وَمَنۡ حَوۡلَهُۥ يُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ} [غافر: ٧]، وقال تعالى: {وَيَحۡمِلُ عَرۡشَ رَبِّكَ فَوۡقَهُمۡ يَوۡمَئِذٖ ثَمَٰنِيَةٞ} [الحاقة: ١٧]، وقد حمل جمهور المفسرين الآيات على ظاهرها، لأن العرش جسم والملائكة أجسام، ولا مانع (أي لا استحالة) في حمل الأجسام للأجسام، وقد وجدنا الزمخشري، وهو من المفسرين ذوى النزعة الاعتزالية ينحو منحى أهل الظاهر هنا، ففي قوله تعالى: {وَيَحۡمِلُ عَرۡشَ رَبِّكَ فَوۡقَهُمۡ يَوۡمَئِذٖ ثَمَٰنِيَةٞ} [الحاقة: ١٧]، يقول ثمانية: أي - ثمانية منهم - أي الملائكة وعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «هم اليوم أربعة، فإذا كان يوم القيامة أيدهم الله بأربعة آخرين فيكونون ثمانية أملاك أرجلهم في تخوم الأرض السابعة، والعرش فوق رؤوسهم وهم مطرقون مسبحون»
وعن الحسن: "الله أعلم كم هم، أثمانية؟ أم ثمانية آلاف؟ وعن الضحاك: ثمانية صفوف، لا يعلم عددهم إلا الله" [الزمخشري: الكشاف ج٤ ص١٣٤].
ويرى فخر الدين الرازي أن في قوله تعالى: {وَيَحۡمِلُ عَرۡشَ رَبِّكَ}، دلالة على أن الله سبحانه وتعالى منزه عن أن يكون في العرش، كما يقول المشبهة المجسمة فيقول: "ولا شك أن حامل العرش يكون حاملًا لكل من في العرش، فحينئذٍ يكونون حافظين لإله العالم، والحافظ القادر أولى بالإلهية، والمحمول المحفوظ يكون أولى بالعبودية، فحينئذ ينقلب الإله عبدًا، والعبد إلهًا، وذلك فاسد، فدل هذا على أن إله العرش والأجسام متعال عن العرش والأجسام" [الفخر الرازي: تفسير ج ٢٧ ص٣٢].
استواء الله على العرش: وينبغي أن نتحدث - هنا - عن مسألة استواء الله عزوجل على عرشه، هذه المسألة التي شغلت مفكري المسلمين على اختلاف مذاهبهم.
وننبه هنا إلى أن الله تعالى ذكر قوله: {ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ}، في سبعة مواضع من القرآن الكريم: أحدها: في الأعراف، وثانيها: في يونس، وثالثها: في الرعد، ورابعها: في طه، وخامسها: في الفرقان، وسادسها: في السجدة، وسابعها: في الحديد.
ويقرر فخر الدين الرازي أنه ذكر "في كل موضع فوائد كثيرة، فمن ضم تلك الفوائد بعضها إلى بعض كثرت وبلغت مبلغًا كثيرًا وافيًا بإزالة شبه التشبيه عن القلب والخاطر" [نفس المرجع ج٤ ص١٣٤].
وقبل أن نتناول الآراء في هذه المسألة فإننا نقرر أن لفظ الاستواء جاء في اللغة على معان عديدة، فقد جاء بمعنى العلو والاستقرار، تقول: استوى على ظهر دابته، أي استقر، واستوى أي استولى وظهر، ومنه قول الشاعر:
قد استوى بشر على العراق *** من غير سيف ودم مهراق
كما جاء استوى بمعنى اعتدل، واستوى الرجل إذا بلغ أشده، أو أربعين سنة، وأيضًا استوى إلى السماء صعد أو عمد، أو قصد أو أقبل عليها [راجع الجوهري: الصحاح ج٦ ص٢٣٨٥-والفيروز آبادي القاموس المحيط ص١٦٧٣]، ولم تخرج آراء المفسرين لقوله تعالى: {ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ} [الأعراف: ٥٤]، في الغالب عن هذه المعاني التي جاءت في لغة العرب، ويمكننا أن نقول - هنا - إن المذاهب بحسب الضبط والاستقراء كانت هي: المشبهة، والمثبتة، والمؤولة، والمفوضة، وسنتناول آراء كل مذهب على الوجه التالي:
المشبهة: أثبت المشبهة الاستواء صفة لله - عز وجل - على مقتضى الحس، إلا أن بعضهم قال: إنها صفة من صفات الذات، وبعضهم قال: إنها من صفات الفعل، وبعضهم قال: الاستواء هو القعود والجلوس وهو صفة ذاتية، وبعضهم قال: إن الله تعالى على عرشه قد ملأه كذا، وأنه مماس للعرش، والكرسي موضع قدميه [ابن الجوزي: دفع شبه التشبيه ص١٩]، وقال بعض الكرامية: إن معبوده على العرش استقرارًا، وأنه بجهة فوق ذاتًا، وأنه مماس للعرش من الصفحة العليا [الشهرستاني: الملل والنحل ج١ ص٩٩].
المثبتة: الأشاعرة أثبت الأشعري والباقلاني الاستواء صفة لله تعالى لورود الخبر بها، ولكنهما نفيا الكيفية والمجاورة والمماسة [الأشعري: الإبانة ص٩- والباقلاني: الإنصاف ص ٢٥]، وقد ذكر أن الأشعري ذهب إلى أن الاستواء من صفات الفعل، وأن الله تعالى فعل في العرش فعلًا سماه استواءً، كما فعل في غيره فعلًا سماه رزقًا ونعمة أو غيرهما من أفعال الله تعالى، يقول البغدادي: فاستواؤه على العرش فعل أحدثه في العرش سماه استواءً، كما أحدث في بنيان قوم فعلًا سماه إتيانًا، ولم يكن ذلك نزولًا ولا حركة، وهذا هو قول أبى الحسن الأشعري [البغدادي: أصول الدين ص١١٢-١١٣]، ولكن إمام الحرمين الجويني قد أنكر هذا الرأي فقال: "وهذا وإن ذكره شيخنا - أي الأشعري - فلم يذكره مرتضيًا له، وفيه وجه من البعد، فإن المستوى بمعنى فاعل الاستواء في غيره بعيد في قضية اللغة" [إمام الحرمين الجويني: الشامل ص٥٥٦].
الحنابلة: وأثبت الحنابلة الاستواء إلى الله – عزوجل - إلا أن بعضهم قال: إن الاستواء صفة من صفات الذات، وبعضهم قال: إنها من صفات الفعل، وبعضهم قال: الاستواء هو الجلوس والقعود وهو صفة ذاتية، وبعضهم قال: يجب حمل الاستواء على ظاهره وهو العلو والارتفاع، ولكن ليس الظاهر اللائق بالبشر، وإنما الظاهر اللائق بجلال الله تعالى.
المؤولة: أما أصحاب التأويل فقد قالوا : باستحالة حمل الاستواء على العرش على أنه صفة من صفات الله - عز وجل - كما منعوا حمله على ظاهره بمعنى الجلوس والحلول في العرش والاستقرار فوقه، والعلو والارتفاع عليه، وأتوا بأدلة عقلية عديدة على منع حمل الاستواء على معنى من تلك المعاني؛ لأنها تقتضي الجسمية والحاجة والحدوث، وكل ذلك في حق الله - عز وجل – محال؛ لأن الله - عز وجل - واجب الوجود لذاته، وهو الغني، والعالم كله فقير محتاج إليه، ومن ذلك العرش الذي هو جسم من خلق الله تعالى، ولما لم يمكن - أي استحال - حمل الاستواء على ظاهره؛ لأنه محال على الله تعالى أن يوصف به، فقد رأى أصحاب التأويل وجوب صرف لفظ الاستواء عن ظاهره، وحمله على معنى آخر مجازى يحتمله اللفظ ويليق بجلال الله تعالى، ومن هذه المعاني ما يلى:
١ - الاستواء بمعنى الاستيلاء: وقد رأي أصحاب التأويل أنه يمكن حمل الاستواء في قوله تعالى: {ٱلرَّحۡمَٰنُ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ} [طه: ٥]، وغيرها من الآيات، على الاستيلاء والغلبة والقدرة والقهر، إذ إن هذه المعاني سائغة في اللغة نثرًا وشعرًا، فإنه يقال: استوى الملك على الإقليم إذا استولى على مقاليد الملك فيه، وقال الشاعر:
فلما علونا واستوينا عليهم*** تركناهم صرعى لنسر وكاسر
وقال الآخر:
إذا ما غزا قومًا أباح حريمهم * وأضحى على ما ملكوه قد أستوى
[انظر البغدادي أصول الدين ص١١٢- والرازي: أساس التقديس ص١٥٧].
ويرى أصحاب هذا التأويل أن المراد بالاستيلاء - هنا - في حق الله تعالى هو القدرة التامة الخالية من المنازع والمدافع والمعارض [إمام الحرمين: الشامل ص٥٥٣]، وأما تخصيصه تعالى العرش بالذكر، مع أنه تعالى قادر على جميع الأشياء الممكنات، فلأنه سبحانه فاعل مختار، وله أن يخصص بالذكر ما يشاء، وقد خص الله العرش بالذكر في قوله تعالى: {رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ} [التوبة: ١٢٩]، وذلك لعظم العرش، وإن كان ربًا لغيره من المخلوقات، وهذا كقوله تعالى: {رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ} [الكهف: ١٤]، وإن كان ربًا لغيرهما، وإذا كان الله مستويًا على العرش وهو أعظم المخلوقات، فإنه يكون مستويًا على غيره لا محالة [انظر الشامل ص٥٥٤ – وأساس الدين ص١٥٨ – وشرح المواقف ج٨ ص ١١٠].
٢ - الاستواء بمعنى القصد إلى الشيء، كقوله تعالى: {ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖۚ} [البقرة: ٢٩]، أي قصد خلقها، ويكون معنى قوله تعالى: {ٱلرَّحۡمَٰنُ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ} [طه: ٥]، قصد إلى خلق العرش، ويكون معنى (على) في هذه المواضع بمعنى (إلى)، يقول الجويني: وذكر بعض الأئمة في تأويل الآية أن معنى الاستواء القصد والارادة، واستوى الرب على عرشه قصد إلى فطرته وخلقه وإبدائه وإرادته وتدبيره وتقديره على ما أراد، وقد سئل سفيان الثوري عن هذه الآية؟ فحمل الاستواء على هذا المحمل، واستشهد بقوله: {ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٞ} [فصلت: ١١]، يعني قصد وأراد خلقها [إمام الحرمين: الإرشاد ص٤١]
تأويل العرش: وحتى يتخلص بعض أصحاب التأويل من ظاهر آية الاستواء التي رأوا أن معناها محال في حق الله تعالى، فقد ذهبوا إلى تأويل لفظ العرش على معنى الملك وبناء عليه يكون معنى قوله تعالى: {ٱلرَّحۡمَٰنُ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ} [طه: ٥]، أن الملك ما استوى لأحد غيره، وقد استشهدوا على ذلك باللغة، فإنه يقال: ثل عرش بني فلان إذا زال ملكهم، وقال الشاعر:
إذا ما بنو مروان ثلت عروشهم ***وأودت كما أودت إياد وحمير
[القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة ص٢٣٧].
وقال متمم بن نويرة:
عروش تفانوا بعد عز وأمة ***هووا بعد ما نالوا السلامة والبقا
وأراد بالعروش ملوكًا انقرضوا، وقال سعيد بن زائدة الخزاعي في النعمان بن المنذر:
قد نال عرشًا لم ينله نائل *** جن ولا إنس ولا ديار
وأراد بالعرش الملك والسلطان، وقال النابغة:
بعد ابن جفنة وابن هاتك عرشه *** والحارثين يُؤَمِّلُون فلاحًا
[انظر البغدادي: أصول الدين ص١١٣- ١١٤ والإسفراييني: التبصير في الدين ص٩٥]
المفوضة: وأما المفوضة فهم الذين يرجعون إلى طريقة السلف الصالح - من الصحابة والتابعين - في أمر العقائد، وهي الإيمان والتسليم بدون خوض ولا بحث ولا تفتيش، وتفويض المعاني - في المتشابهات بدلالاتها - إلى رب العالمين، والقول آمنا وصدَّقنا كل من عند ربنا، وكانوا يرون أن هذه الطريقة أسلم وآمن في الوصول إلى الجنة والفوز برضا رب العالمين.
ويصور أمام الحرمين مذهب السلف في هذه النصوص التي يوهم ظاهرها التشبيه، فيقول: وذهبت أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل، وإجراء الظواهر على مواردها، وتفويض معانيها إلى الرب سبحانه.
والذي نرتضيه رأيًا وندين به عقدًا: اتباع سلف الأمة، فالأولى الإتباع وترك الابتداع، والدليل السمعي القاطع في ذلك أن إجماع الأمة حجة متبعة، وهو مستند معظم الشريعة، وقد درج صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - على ترك التعرض لمعانيها، ودرك ما فيها، وهم صفوة الإسلام والمستقلون بأعباء الشريعة، وكانوا لا يؤلون جهدهم في ضبط قواعد الملة، والتواصي بحفظها، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها... فعلى ذي الدين أن يعتقد تنزيه الرب عن صفات المحدثين، ولا يخوض في تأويل المشكلات، ويكل معناها إلى الرب تعالى [إمام الحرمين: العقيدة النظامية ص٢٣-٢٤].
خاتمة: مما سبق نستطيع أن نخلص إلى أن لفظي الكرسي والعرش وردًا في القرآن الكريم وفي السنة الصحيحة سواء فيما يتعلق بالله - عز وجل - أم فيما يتعلق بغيره، وما يهمنا هو ما يتعلق بالله - عز وجل - لما يترتب عليه من أمور عقائدية فيما يجب وما يجوز وما يستحيل في حق الله تعالى.
وقد أظهرت هذه الدراسة أن لفظي الكرسي والعرش يمكن حملهما على معناهما الظاهر؟ وأن كلا منهما جسم كبير من مخلوقات الله - عز وجل - ولا يمتنع في العقل حملهما على هذا المعنى، بيد أن من المؤولة من ذهب إلى أن في الكرسي والعرش تأويلات متعددة وخاصة فيما يتعلق بمسألة استواء الله على العرش، كما انتهى البحث إلى أن السلف من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم رأوا السلامة في التسليم وتفويض المعنى إلى رب العالمين.
مراجع للاستزادة
العرش والكرسي ورد معناهما في القرآن والسنة النبوية الشريفة، واللغة، اختلفت المذاهب في تعريفهما، فمنهم من يرى أنهما جسم، ومنهم من يؤول معناهما، ومنهم من يرى أنهما عقول صادرة عن الله تعالى.