يكمن الخطر في تشكيك بعض المنتسبين للإسلام في
السنة المشرفة، بل يزاد الأمر خطورة حينما تجد من هم بني جلدتنا، ويتكلمون لغتنا، ويحملون
مؤهلات عليا، وشهادات مرموقة، لكنهم يتنصلون من بعضها، ويحاربونها بدعوى التقدم
والعصرانية، وفي الرد عليهم رد على غيرهم من الطاعنين أو المغرضين أو الشاكين.
وهم
يقسمون السنة إلى تشريعية وغير تشريعية، فيقول أحدهم:
ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ودُوِّن
في كتب الحديث من أقواله وأفعاله وتقريراته على أقسام:
أحدها: ما سبيله سبيل الحاجة البشرية كالأكل والشرب،
والنوم، والمساواة في البيع والشراء.
ثانيها: ما سبيله سبيل التجارب والعادة الشخصية
والاجتماعية، كالذي ورد في شئون الزراعة، والطب، وطول اللباس وقصره.
ثالثها: ما سبيله التدبير الإنساني أخذًا من الظروف
الخاصة، كتوزيع الجيوش على المواقع الحربية،
وكل ما نقل من هذه الأنواع الثلاثة ليس شرعًا،
يتعلق بطلب الفعل والترك، وإنما هو من الشئون البشرية التي ليس مسلك الرسول فيها
تشريعًا ولا مصدر تشريع. [الإسلام
عقيدة وشريعة، للشيخ محمود شلتوت، ص ٥٠٨ وما بعدها].
ثم يقول: ومن هنا نجد أن كثيرًا مما نقل عنه صُوِّر
بأنه شرع أو دين أو سنة أو مندوب، وهو لم يكن في الحقيقة صادرًا على وجه التشريع
أصلًا. [المصدر السابق
نفسه].
فهذا القول ينفي التشريع بأحكامه الأربعة
(الوجوب، والندب، والحرمة، والكراهة) عن جميع أقواله وأفعاله وتقريراته صلى
الله عليه وسلم الواردة في هذه الأمور الثلاثة، ولو تتبعنا ما ورد في الأكل
والشرب كمثال لوجدنا منه ما هو واجب، وما هو محرم، وما هو مندوب، وما هو مكروه،
فأحاديث: صيد الكلب، وحل السمك، والجراد الميت، وتحريم كل ذي ناب من السباع، وكل
ذي مخلب من الطير، تحرم أشياء، وتبيح أشياء فكيف لا يكون الرسول -صلى الله عليه
وآله وسلم- فيها مُشرِّعًا؟ والله تعالى يقول عنه: {يَأۡمُرُهُم
بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَىٰهُمۡ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ
وَيُحَرِّمُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡخَبَٰٓئِثَ} [الأعراف:
١٥٧].
ويقول
الاخر: فما دام الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان يجتهد، وما دام هذا الاجتهاد قد
شمل الكثير من أنواع المعاملات، أفلا يجوز لمن يأتي بعده أن يدلى في الموضوع
باجتهاده أيضًا؟ هادف إلى تحقيق المصلحة، ولو أدى اجتهاده إلى غير ما قرره الرسول -صلى الله عليه وسلم- باجتهاد. [السنة
والتشريع للدكتور/ عبد المنعم النمر ص ٤٧].
وهذه الشبهات من أخطر ما يُوجَّه إلى السنة من
تحطيم، فشبهتهم أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بشر من الناس.
وهذا حق؛ لكن بشريته لم تلغ رسالته في وقت من
الأوقات فهو بشر رسول – صلى الله عليه وسلم- في جميع أقواله وأفعاله وأحواله، إنَّ جعله
رسولا في قول دون قول، وفي فعل دون فعل: يلغي الأمر بالاقتداء به– صلى الله عليه وسلم-
، وينفي مراقبة الله له في وقت من الأوقات، وفي قول من الأقوال، وفي فعل من
الأفعال، كيف تفلت بعض أفعال محمد صلى الله عليه وسلم من مراقبة الله، وكل
مؤمن وغير مؤمن مراقب محاسب على ما يفعل، وهو يزيد عن البشر بالوحى والرؤية في
المنام وفي الإلهام، وبجبريل عليه السلام، ومأمور بالاقتداء به – صلى الله عليه
وسلم- في أفعاله والعمل بأقواله.
لقد
حوسب وعوتب -صلى الله عليه وسلم- على أنه امتنع عن طعام يحبه إرضاء لأزواجه، فنزل
فيه قرآن يتلى: {يَٰٓأَيُّهَا
ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَۖ تَبۡتَغِي مَرۡضَاتَ
أَزۡوَٰجِكَۚ} [التحريم:
١]
ولقد حوسب وعوتب -صلى الله عليه وسلم- على
عوارض انفعالاته، وتجهم وجهه في ملاقاة أعمى لا يراه، ولا يتأثر بعبوسه، فنزل فيه
قرآن يتلى: {عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ
*
أَن جَآءَهُ ٱلۡأَعۡمَىٰ} [عبس:
١-٢]
بل لقد عوتب وحوسب – صلى الله عليه وسلم- على
خلجات قلبه، ودواخل نفسه، فنزل فيه قرآن يتلى: {وَإِذۡ
تَقُولُ لِلَّذِيٓ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَأَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِ أَمۡسِكۡ
عَلَيۡكَ زَوۡجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ وَتُخۡفِي فِي نَفۡسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبۡدِيهِ
وَتَخۡشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَىٰهُۖ} [الأحزاب:
٣٧]
أليست كل هذه الأفعال قد صدرت بصفته البشرية؟
لكنها خضعت لرقابة الوحي، وتوجيه الوحي، ولكل فعل من أفعال المكلفين حكم عند الله،
لأنّه إمّا أن يكون مرضيًا عنه من الله تعالى، وإمّا أن يكون غير مرضي عنه،
ويستحيل أن يفعل محمد -صلى الله عليه وسلم- فعلًا لا يرضى عنه الله، وينزل
جبريل المرة بعد المرة فلا يعدله، ولا يوجهه، فنزول جبريل بعد صدور حكم له أو فعل،
وعدم اعتراضه عليه؛ إقرار وتقرير من الله تعالى، وهو شرع لا يسند إلى محمد -صلى
الله عليه وسلم- ولكنه يسند إلى الله تعالى.