Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

مدخل عام حول جذور العقيدة الإسلامية

الكاتب

أ. د / محمود حمدي زقزوق

مدخل عام حول جذور العقيدة الإسلامية

تمثل العقيدة الدينية نزعة فطرية متأصلة في الكيان الإنساني تلبي نداء الروح والعقل، وتستجيب لحاجة الإنسان العميقة للارتباط بالخالق وفهم غاية الوجود، حيث تتكامل الجوانب المادية والروحية لبناء شخصية متوازنة تدرك حقيقة الدين.

تمهيد

يعد الحديث في بداية هذه الموسوعة عن جذور العقيدة الدينية -في نظرنا- بمثابة تمهيد ضروري للحديث عن العقيدة الإسلامية، ومن هنا رأينا -ونرجو أن نكون محقين في ذلك -أن نخصص هذا المدخل للحديث- بإيجاز شديد- عن جذور العقيدة الدينية في النفس الإنسانية المتطلعة دومًا إلى الارتقاء نحو عالم الروح الذي يرتفع بها فوق عالم الماديات، ويجعلها تسبح في عالم اللامتناهي في حب وسعادة، ودون حواجز تعوق انطلاقها أو تعطل حركتها.

ويشتمل حديثنا عن جذور العقيدة الدينية على النقاط التالية:

 ١- الطبيعة الإنسانية والنزعة الدينية، 

٢- أصالة النزعة الدينية، 

٣- الإيمان ضرورة حياتية، 

٤- مفهوم الدين، 

٥- وحدة الدين. 

وفيما يلي إطلالة سريعة على هذه النقاط.

الطبيعة الإنسانية والنزعة الدينية

إن من المعلوم أن الطبيعة الإنسانية تشتمل على عنصرين أساسيين: عنصر مادي، وعنصر روحي، فقد أخبرنا القرآن الكريم في حديثه عن قصة الخلق أن الله قد خلق الإنسان من طين، وأنه عندما اكتملت تسويته وتم صنعه من هذه المادة الطينية التي تشتمل على كل العناصر الأساسية للمادة، أضاف الحق - تبارك وتعالى - إلى ذلك عنصرًا آخر جوهريًّا، وقد تمثل ذلك في العنصر الروحي الذي به اكتمل خلق الإنسان، والذي به صار الإنسان إنسانًا، وأصبح جديرًا بأن يطلب الله من الملائكة أن يسجدوا له تمجيدًا لصنع الله وتكريمًا للإنسان، وفي ذلك يقول القرآن الكريم: ﴿فَإِذَا سَوَّیۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِیهِ مِن رُّوحِی فَقَعُوا۟ لَهُۥ سَٰجِدِینَ﴾ [الحجر: ٢٩]، ونلاحظ في هذه الآية حقيقة هامة لا يجوز أن تغيب عن الأذهان وهي: أن الله - سبحانه وتعالى - قد أضاف هذا العنصر الروحي إلى ذاته، فقد نفخ الله في الإنسان من روحه هو – سبحانه - وهذا تكريم ما بعده تكريم، وخصوصية للإنسان لم ينلها أحد غيره من الخلق، فبقية المخلوقات تشترك مع الإنسان في العنصر المادي، ولا يمتاز الإنسان عنها فيه شيئًا أكثر من جمال الصورة وكمال الصنعة، ولكن الامتياز الوحيد الأهم من ذلك كله، هو في هذا الجانب الروحي الرباني الذي به أصبح الإنسان خليفة الله في أرضه، وقد أساء إبليس فهم طبيعة الإنسان، ونظر فقط إلى الجانب المادي فيه، واستكبر أن يسجد لآدم قائلًا -كما يخبرنا القرآن الكريم: ﴿قَالَ ءَأَسۡجُدُ لِمَنۡ خَلَقۡتَ طِینࣰا﴾ [الإسراء: ٦١]، وفي سورة الحجر أيضًا: ﴿قَالَ لَمۡ أَكُن لِّأَسۡجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقۡتَهُۥ مِن صَلۡصَٰلࣲ مِّنۡ حَمَإࣲ مَّسۡنُونࣲ﴾ [الحجر: ٣٣]،

وغفل عن أن الله قد نفخ فيه من روحه -سبحانه، فالأمر إذن لم يكن -كما فعل إبليس- أمر مقارنة بين الطين الذي خلق منه الإنسان، والنار التي خلق منها إبليس، وأفضلية النار على الطين، وإنما الأمر يتعلق بالدرجة الأولى بهذا الجانب الروحي السامي المتصل مباشرة بالله؛ لأنه روح من روح الله -سبحانه، ويشتمل هذا الجانب الروحي على كل القوى المعنوية في الإنسان من عقل، وروح، وقلب، ويعبر حجة الإسلام (الغزالي) عن هذا الجانب الروحي بقوله: إنه ذلك الحس السادس الذي يعبر عنه بالعقل، أو بالنور، أو بالقلب، أو ما شئت من العبارات [إحياء علوم الدين للغزالي ج ٤ صـ ٢٨٩، طبع مصطفى البابي الحلبي – ١٩٣٩م]، ويمكن تقسيم هذا الجانب الروحي إلى قسمين: أحدهما: يتصل بالعقل ومجاله، وثانيهما: يتصل بعالم الروح والوجدان.

ولا يجوز بأي حال إغفال أي من هذه الجوانب الأساسية في طبيعة الإنسان أو تجاهلها أو تغليب بعضها على بعض بطريقة تخل بالتوازن بينها، فالجسم، والعقل، والروح تعد عناصر جوهرية لا بد من مراعاتها جميعًا إذا أريد فهم الإنسان فهمًا سليمًا، وإذا أريد تربيته وتقويمه حتى يصير صاحب شخصية سوية متوازنة، وهذا التوازن من شأنه أن يؤدي إلى إقامة مصالح الدين والدنيا معًا، ومن هنا كان اهتمام الشريعة الإسلامية بالتأكيد على المقاصد الضرورية التي قصدت إليها وهي: حفظ النفس، والعقل، والدين، والنسل، والمال [راجع كتابنا: مقاصد الشريعة الإسلامية وضرورات التجديد- من منشورات المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ٢٠٠٩م]، وهي كلها أمور تتعلق بتلك الجوانب الأساسية في الطبيعة الإنسانية، فالجسم - الذي يمثل الجانب المادي في الإنسان - له حاجاته التي ينبغي تلبيتها من مأكل، ومشرب، وملبس، ومأوى وغير ذلك مما يشبع هذا الجانب المادي في حدود متطلبات هذا الجسم وفي إطار ما رسمه الشرع، والحيوان - الذي يشترك مع الإنسان في هذا الجانب المادي - يتطلع أيضًا إلى إشباع هذا الجانب، وذلك حق مشروع للإنسان، والحيوان على حد سواء، وإذا كان هذا هو الشأن في أمر الجانب المادي فإن الجانب الروحي في الإنسان له أيضًا متطلباته وله حاجاته التي لا بد من إشباعها، والعمل على تلبيتها، فالعقل يتطلع إلى العلم والمعرفة والفهم والإدراك، وهذا حقه، وتلك وظيفته التي خُلِق من أجلها، ومن هنا فإن أي محاولة لتعطيل العقل عن أداء وظيفته تعد نكسة في فطرة الإنسان ترده إلى مستوى الحيوان الأعجم، وتعد تعطيلًا لحكمة الله - سبحانه - من خلق العقل، تمامًا مثلما يعطل الإنسان حاسة من الحواس عن أداء وظيفتها التي خُلِقَت من أجلها، ومن هنا وصف الحق - تبارك وتعالى - هؤلاء الذين يفعلون ذلك بأنهم غير جديرين باستحقاق وصف الإنسان، فهم لا يزيدون عن الحيوان الأعجم، بل هم أحط منه درجة وأدنى منزلة، وفي ذلك يقول القرآن الكريم: ﴿لَهُمۡ قُلُوبࣱ لَّا یَفۡقَهُونَ بِهَا وَلَهُمۡ أَعۡیُنࣱ لَّا یُبۡصِرُونَ بِهَا وَلَهُمۡ ءَاذَانࣱ لَّا یَسۡمَعُونَ بِهَاۤۚ أُو۟لَٰۤئِكَ كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّۚ﴾ [الأعراف: ١٧٩]، ومن هذا المنطلق يعتبر الإسلام عدم استخدام العقل خطيئة من الخطايا وذنبًا من الذنوب، يقول الله – تعالى - حكاية عن الكفار يوم القيامة: ﴿وَقَالُوا۟ لَوۡ كُنَّا نَسۡمَعُ أَوۡ نَعۡقِلُ مَا كُنَّا فِیۤ أَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِیرِ ۝١٠ فَٱعۡتَرَفُوا۟ بِذَنۢبِهِمۡ فَسُحۡقࣰا لِّأَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِیرِ﴾ [الملك: ١٠، ١١]، ولهذا كانت دعوة القرآن الكريم للإنسان لاستخدام ملكاته الفكرية دعوة صريحة لا تقبل التأويل، وفي ضوء تعاليم القرآن يعد التفكير -الذي هو وظيفة العقل الإنساني - واجبًا مقررًا وفريضة دينية، وتتسع دائرة هذا التفكير لتشمل السماوات والأرض وما بينهما، وفي ذلك يقول القرآن الكريم: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِی ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِی ٱلۡأَرۡضِ جَمِیعࣰا مِّنۡهُۚ إِنَّ فِی ذَٰلِكَ لَءَایَٰتࣲ لِّقَوۡمࣲ یَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ١٣]؛ وإذا كانت ممارسة الوظائف العقلية تعد واجبًا دينيًّا فإنها من ناحية أخرى تُعَدُّ مسئولية حتمية لا يجوز للإنسان التخلي عنها، وسيحاسب على مدى حسن أو إساءة استخدامه لها مثلما يسأل عن استخدامه لباقي وسائل الإدراك الحسية، وفي ذلك يقول القرآن الكريم: ﴿وَلَا تَقۡفُ مَا لَیۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُو۟لَٰۤئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡءُولࣰا﴾ [الإسراء: ٣٦]، والعقل -كما يقول أبو حامد الغزالي- أنموذج من نور الله، وقبس من نور الحق -سبحانه، أو كما يقول الجاحظ هو: وكيل الله عند الإنسان [راجع بحثنا حول دور الإسلام في تطور الفكر الفلسفي صـ٧- مكتبة وهبة بالقاهرة]، ومن هنا كانت أول كلمة من الوحي الإلهي على محمد ﷺ وهي اقرأ تتجه إلى مخاطبة هذا العقل، وقد تكرر ذكرها مرتين في الآيات الخمس الأولى من الوحي، كما وردت في هذه الآيات أيضًا: كلمة القلم وكلمة العلم، وهذا تأكيد على أهمية القراءة والتدوين بالقلم في سبيل الوصول إلى العلم وحفظه من الضياع، وذلك من المهام الأساسية للعقل الإنساني، وبجانب هذين العنصرين الأساسيين في الإنسان: الجسم، والعقل، يوجد هناك - كما سبق أن أشرنا - عنصر ثالث لا يقل أهمية عنهما ولا يكتمل البناء الإنساني السليم إلا به وهو الروح، وما تتطلع إليه من الارتقاء في مدارج السمو الروحي الذي يعلو على ماديات الحياة ومتعها الزائلة.

فإذا كان العقل يفهم ويدرك ويتدبر ويميز بين الأمور، ويوازن بين الأضداد، ويتأمل فيما يدركه ويقلبه على جميع وجوهه، ويحكم عليه فإنه لا يجوز أن يقتصر مجال عمله على فهم وإدراك ما يتعلق بماديات الحياة وما يتصل بها من علوم وفنون؛ لأنه لو فعل ذلك، ولم يرد أن يرتقي بالإنسان إلى ما يسمو على ماديات الحياة، فإن هذا يعني أنه قد وقف بالإنسان في منتصف الطريق فعالم الماديات - على الرغم من أهميته - ليس هو كل شيء، فهناك فوق ذلك عالم الروح المتصل بالله الذي نفخ في الإنسان من روحه، والعقل في تأملاته وعلومه وفنونه وسائر أعماله مدفوع بفطرته إلى التطلع إلى ما فوق عالم المادة، ومن هنا فإن الوقوف بالإنسان عند عالم المادة يُعَدُّ قُصورًا في فهم طبيعة الإنسان وتكوينه، وهذا الفهم القاصر والخاطئ قد يؤدي بالإنسان إلى إنكار عالم الروح كلية، أو على الأقل إهماله وعدم الاكتراث به، وهنا يظهر الإلحاد في شتى صوره وأشكاله، إن العلم الإنساني مهما بلغت منجزاته المادية، ومهما اتسعت رقعة المعارف التي يضيفها إلى حصيلة البشرية من العلوم فإنه من ناحية أخرى يبين للإنسان قصور طاقاته، فكلما اتسعت دائرة الاكتشافات العلمية، كلما اتسعت دائرة المجهولات أمام الإنسان، لتزيد من طموحات الإنسان لاكتشاف المزيد، وصدق الله العظيم القائل: ﴿وَمَاۤ أُوتِیتُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِ إِلَّا قَلِیلࣰا﴾ [الإسراء: ٨٥]، وهذا من شأنه أن يحد من غرور الإنسان ويخفف من غلوائه وإعجابه بنفسه ويجعله يلتفت إلى ما وراء هذا الكون المادي، إلى خالق الكون - سبحانه، وقد بينت لنا آية كريمة ذلك في قوله -تعالى: ﴿سَنُرِیهِمۡ ءَایَٰتِنَا فِی ٱلۡءَافَاقِ وَفِیۤ أَنفُسِهِمۡ حَتَّىٰ یَتَبَیَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّۗ﴾ [فصلت: ٥٣]، 

وقد أدرك المفكرون الكبار على مدى التاريخ هذا الجانب المهم، وانتهى بهم الأمر إلى إدراك أن الله هو الحق، فتاريخ الفلسفة - على سبيل المثال - يبين لنا أن الفلاسفة الأوائل قد بدأوا تأملاتهم بالسؤال عن أصل هذا الكون المادي وممَّ يتكون، وقد أسلمهم ذلك إلى البحث في طبيعة النفس الإنسانية وعمَّا إذا كانت تختلف في طبيعتها عن الكون المادي، وانتهى بهم التأمل إلى إدراك مبدأ الألوهية.

وهذا هو نفس الترتيب الذي ورد في الآية الكريمة المشار إليها، فالإنسان عندما يفتح عينيه يرى أمامه هذا الكون الكبير وما يشتمل عليه من أرض، وسماء، وبحار، وأنهار، وبشر، وحيوان، ونبات إلخ، ثم يرجع بعد ذلك إلى نفسه - التي تمثل الكون الصغير- يتأمل فيها وفي طاقاتها وقدراتها، ويخرج من هذا التأمل بنتيجة تبين له مدى محدوديته وقدراته كإنسان، وهذه النتيجة بدورها تؤدي به في النهاية إلى إدراك الذات المطلقة التي تمنح الإنسان تلك القدرات والمواهب، أي: تصل به إلى الإيمان، وهكذا نجد أن العقل الواعي الفاهم المدرك لا يقف عند الأسباب الثانوية المبعثرة التي تصادفه في الطبيعة، بل يتابع السير إلى ما وراءها، وعندما يمعن النظر في سلسلة الأسباب كيف تتصل حلقاتها فإنه لا يجد بُدًّا من الارتماء في أحضان العناية الإلهية والتسليم بوجود الله الذي بيده مقاليد كل شيء [راجع كتابنا: دراسات في الفلسفة الحديثة صـ ٣٩- دار الفكر العربي ١٩٩٣م]، وهذا يوضح لنا - كما يقول المرحوم الدكتور دراز- أن النظرة الروحية أو الدينية لا تُولد في النفس إلا حينما يتسع أُفُقُها، فتتجاوز الكون بظاهره وباطنه إلى ما وراءه، فهي أوسع النظرات مجالًا وأبعدها مطلبًا [راجع: الدين للدكتور محمد عبد الله دراز صـ ٨٣- طبعة الأزهر الشريف ٢٠٠٨م]، وقد أكد أساطين العلماء في عصرنا الحاضر من كافة التخصصات العلمية في مجالات الطب، والذرَّة، والكيمياء، وعلم الحياة، وطبقات الأرض، وعلوم البحار، وغيرها من علوم - أكدوا جميعًا أن كل ما انتهى إليه بحثهم أدَّى بهم إلى الاهتداء إلى أن هذا الكون لا يُتصور أن يكون قد نشأ عن طريق الصدفة العمياء [لقد عبر هؤلاء العلماء عن ذلك في كتاب ترجم إلى العربية تحت عنوان: الله يتجلى في عصر العلم]؛ لأنه كون يشتمل على خطة محكمة ونظام متقن، وهذه الخطة المحكمة لا بد أن يكون قد وضعها كائن مطلق قوي قادر عالم حكيم، أليس هذا هو ما يقول به قانون السببية البسيط الذي يُعد من البديهيات؟

أصالة النزعة الدينية في النفس البشرية

ومما تقدم يتضح لنا أن النزعة الدينية أصيلة في نفس الإنسان، وأن الإيمان أمر فطري لا يجحده إلا مكابر، وهذه الفطرة الربانية التي جُبلت على الإيمان بالله عبرت عنها آية الميثاق في القرآن الكريم، حيث يقول الله -تعالى: ﴿وَإِذۡ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِیۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ ذُرِّیَّتَهُمۡ وَأَشۡهَدَهُمۡ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وقد سئل أعرابي بسيط كيف عرفت الله؟ فقال: البعرة تدل على البعير، وأثر السير يدل على المسير، وهذه سماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، أفلا تدل على اللطيف الخبير؟ [راجع: المواقف للإيجى ج ١ صـ ١٥١- دار الجيل بيروت ١٩٩٧م] إن كل شيء في الوجود يشير إلى خالق الوجود، وقد عبر عن ذلك الشاعر العربي القديم أبو العتاهية بقوله:

فيا عجبًا كيف يُعصى الإله     أم كيف يجحده الجاحد

 وفي كل شيء له آية        تدل على أنه الواحد

 [المستطرف في كل فن مستظرف ج ١ صـ ٤- دار الكتب العلمية بيروت ١٩٨٦م].

 والحقيقة التي أجمع عليها مؤرخو الأديان على اختلاف مشاربهم أنه ليست هناك جماعة إنسانية، ولا أمة كبيرة ظهرت في هذا الوجود، وعاشت ثم مضت دون أن تفكر في مبدأ الإنسان ومصيره، وفى تعليل ظواهر الكون وأحداثه، فالغريزة الدينية مشتركة بين كل الأجناس البشرية حتى أشدها همجية وأقربها إلى الحيوانية، وإن الاهتمام بالمعنى الإلهي وبما فوق الطبيعة هو إحدى النزعات العالمية الخالدة للإنسانية [الدين للدكتور دراز صـ ٧٩]، وتاريخ البشرية حافل بالكثير من الآثار والنصوص التي تبين لنا أن الناس في كل زمان ومكان قد شغلتهم المسائل المصيرية حول الحياة والموت وما بعد الموت، وما شاكل ذلك من مسائل تعبر عن نزوع الإنسان وتطلعاته لحل ألغاز الوجود، وقد كانت الإجابات عن تلك المسائل المصيرية تصدر عن الديانات التي اعتنقها الإنسان في شتى العصور، ومن هنا كان قول برجسون: لقد وجدت، وتوجد جماعات إنسانية من غير علوم، وفنون، وفلسفات، ولكن لم توجد قط جماعة بغير ديانة [المرجع السابق صـ ٨٠]، وهكذا نرى أن حاجات الإنسان ومتطلباته تنحصر في حاجات الحس، وحاجات العقل، وحاجات الروح، أو كما عبر عن ذلك أحد علمائنا الأجلاء بقوله [هو المرحوم الدكتور محمد عبد الله دراز في المرجع السابق صـ ٨٣]: حاجة الحس، فحاجة العقل القانع، فحاجة العقل المتسامي، وكل ذلك يؤكد لنا أن النزعة الدينية أصيلة في نفس الإنسان، وليست شيئًا مفروضًا عليه من خارجه، وأنها متوائمة تمامًا مع الطبيعة الإنسانية، وأن جحودها وإنكارها يعد شذوذًا في الطبيعة الإنسانية وخروجًا عليها وقصورًا في فهمها.

الإيمان كضرورة حياتية

وإذا كان الإيمان يعد أمرًا فطريًا ونزعة أصيلة في نفس الإنسان فإنه من ناحية أخرى يُعَدُّ ضرورة حياتية لا تستقيم حياة الإنسان بدونها، ومن هنا نرى في عالمنا المعاصر مقدار ما يشعر به الإنسان في العصر الحديث من تمزق نفسي بسبب الفراغ الروحي الذي يعانيه، الأمر الذي يجعله كالمعلق بين السماء والأرض، ليس لديه أساس راسخ يركن إليه ولا إيمان يملأ جوانب نفسه بالسكينة والطمأنينة، ونظرًا لأن الإنسان لا يستطيع أن يستغني عن الإيمان، فإننا نجد المُلحِدِين الذين لا يؤمنون بالله يبحثون لأنفسهم عن شيء آخر يؤمنون به يكون بديلًا عن الإيمان بالله، فيتحول الإيمان بالله لديهم إلى الإيمان بالعلم أو بالإنسان أو بالمادة... إلخ، ولكنه في كل هذه الحالات إيمان مقطوع الجذور، لأنه إيمان بالفرع دون الأصل، وبالعرض دون الجوهر، وبالتالي لا يمكن أن يُشبِع مطالب النفس الإنسانية المفطورة على الإيمان بالله. وصدق الله العظيم القائل: ﴿هُوَ ٱلَّذِیۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِینَةَ فِی قُلُوبِ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ﴾ [الفتح: ٤]، فالمؤمنون وحدهم هم الذين تمتلئ نفوسهم بالسكينة والطمأنينة، وتحظى بالأمل والثقة، فالإيمان يرتبط بالأمل ارتباطًا وثيقًا لا يمكن أن ينفصم، ومن هنا نجد أن المؤمن لا يمكن أن ييأس أو يتسرب القلق إلى نفسه - كما يشير إلى ذلك القرآن الكريم: ﴿إِنَّهُۥ لَا یَا۟یۡءَسُ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]، والأمل هو الذي يجعل الإنسان يحب الحياة ويعمل من أجل خيره وخير الناس، إيمانًا منه بأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا وثقةً في عدل الله ورحمته، ويمتد هذا الأمل مع الإنسان المؤمن إلى ما شاء الله طالما كان فيه نفس يتردد، ولذلك وجدنا النبي ﷺ يحث المؤمنين على أن يفعلوا الخير حتى ولو قامت الساعة ما دام الإنسان في وضع يستطيع فيه أن يقدم شيئًا، ويعبر عن ذلك حديث رسول الله - عليه الصلاة والسلام - حين يقول: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ ‌ فسيلةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا» [راجع مسند أحمد بن حنبل ج ٣ صـ ١٩١ (طبعة اسطنبول للكتب الستة مجلد ٢٢)]. ويعد الأمل -الذي هو نتيجة طبيعية للإيمان- نعمة كبرى ورحمة من عند الله لعباده فلولا الأمل ما أرضعت أم ولدًا ولا غرس غارس شجرًا [من حديث للنبي ﷺ رواه الخطيب البغدادي في التاريخ (راجع فيض القدير ٢/ ٥٥٩)].

مفهوم الدين في المنظور الإسلامي

وإذا كان الإيمان يُعَدُّ فطرة أصيلة في نفس الإنسان وضرورة حياتية يُغذِّيها الأمل، فإن معنى ذلك أن الإنسان متدين بطبعه، ومن هنا فإن من عرَّف الإنسان بقوله: الإنسان حيوان (كائن) متدين لم يكن مجانبًا للصواب، فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي ينزع بطبعه إلى التدين عن وعي وإدراك، والتدين مرتبط بدين، والدين قد يكون حقًا وقد يكون باطلًا، ولهذا يقول القرآن الكريم على لسان سيدنا محمد ﷺ في نقاشه مع المكّيين الوثنيين: ﴿لَكُمۡ دِینُكُمۡ وَلِیَ دِینِ﴾ [الكافرون: ٦]، فوصف معتقدهم الباطل بأنه دين؛ ولكن القرآن من ناحية أخرى عندما يطلق لفظ الدين معرَّفًا فإنه يقصد به الدين الحق وذلك كما جاء في قوله - تعالى -: ﴿إِنَّ ٱلدِّینَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ﴾ [آل عمران: ١٩] [والإسلام هنا يُفهم بمعنيين أولهما: معنى عام، ويعني إسلام وجهه لله - تعالى، وبهذا المعنى فكل أنبياء الله مسلمون، ويؤكد القرآن الكريم ذلك في العديد من الآيات، وثانيهما معنى خاص: ويعني الدين الذي جاء به محمد ﷺ في القرن السابع الميلادي عن طريق الوحي الإلهي المثبت في القرآن الكريم]. وكما جاء أيضًا فيما وصى الله به العديد من أنبيائه بقوله: ﴿أَنۡ أَقِیمُوا۟ ٱلدِّینَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا۟ فِیهِۚ﴾ [الشورى: ١٣]. وهناك العديد من التعريفات لمفهوم الدين لن ندخل هنا في تفاصيلها ولكننا نكتفي فقط بذكر واحد منها أشار إليه (التهانوي) في كتابه كشاف اصطلاحات الفنون حيث يقول: الدين وَضْعٌ إلهي سائق لذوي العقول باختيارهم إلى الصلاح في الدنيا والفلاح في الآخرة، ويطلق على ملة كل نبي، وقد يختص بالإسلام والدين يضاف إلى الله لصدوره عنه، وإلى النبي لظهوره منه وإلى الأمة لتدينهم به وانقيادهم له. [الإسلام وحاجة الإنسانية إليه - للدكتور محمد يوسف موسى، ص ١٥، مكتبة الفلاح بالكويت١٩٨٠م. راجع أيضًا: الدين للدكتور دراز صـ ٣٠].

وحدة الدين عبر الرسالات السماوية

ومنذ أن خلق الله الإنسان وأهبطه إلى الأرض، وأعانه على السِّيَر في طريق الحياة، وهداه إلى ما يحفظ حياته من مأكل، ومشرب، ومسكن، وملبس... إلخ لم يتركه بعد ذلك دون رعاية روحية، بل تعهده - سبحانه وتعالى - بإرسال الرسل في فترات مختلفة على مدى التاريخ البشرى يُبَيِّنُون للإنسان طريق الهُدى والرشاد، وظلت رسل الله تترى تذكر البشرية إذا نسيت، وتحذرها إذا انحرفت، وتوجهها إلى الخير إذا ضلت الطريق وقد انتهى المطاف بإرسال سيدنا محمد ﷺ فكانت رسالته خاتمة الرسالات، ومكملة لدين الله الذي جاء به رسل الله من قبل، وقد جاءت هذه الرسالات جميعها تخاطب في الإنسان تلك النزعة الدينية الأصيلة، وتوقظ في أعماقه هذا الشعور الديني المتأصل في النفوس، ومن هنا فإن رسالة الأديان لم تكن تتجه إلى خَلْق الميول الدينية في النفوس، وإنما كانت توجه هذه الميول - التي هي موجودة أصلًا - الوجهة الصحيحة لتصل إلى الدين الصحيح، فالوحي الإلهي إذن جاء رحمةً من عند الله يهدي النفوس الضالة، ويساعد العقل الإنساني على الوصول إلى الحق من أقرب الطرق وأيسرها. [المرجع السابق ص ١٩]

وإذا كانت رسالات الرسل قد تعددت فليس معنى ذلك أنها كانت مختلفة في أصولها وأهدافها فالدين الذي شرعه الله للبشرية دين واحد في أصله ومضمونه وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في آيات واضحة لا تحتمل التأويل [ومن ذلك على سبيل المثال قوله ﷻ: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّینِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحࣰا وَٱلَّذِیۤ أَوۡحَیۡنَاۤ إِلَیۡكَ وَمَا وَصَّیۡنَا بِهِۦۤ إِبۡرَٰهِیمَ وَمُوسَىٰ وَعِیسَىٰۤۖ أَنۡ أَقِیمُوا۟ ٱلدِّینَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا۟ فِیهِۚ﴾ [الشورى: ١٣]] 

ومع التأكيد على وحدة الدين الإلهي في أصله ومضمونه فإن هناك اختلافًا واضحًا بين الأديان السماوية فيما يتعلق بالشرائع؛ نظرًا لأن هذه الشرائع في الأديان التي سبقت الإسلام كانت محدودة بحدود الزمان والمكان ومتغيرة بحسب الظروف والأحوال وفى ذلك يقول القرآن الكريم: ﴿لِكُلࣲّ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةࣰ وَمِنۡهَاجࣰاۚ﴾ [المائدة: ٤٨].

العقل والروح في بناء العقيدة

وقد تدرجت الرسالات السابقة على الإسلام لتكون متمشية مع عقلية الشعوب أو الأمم التي وجهت إليها، وظل الحال على ذلك دهورًا طويلة، يجيء دين في أثر دين، ورسول يأتي في أثر رسول، وكل دين له زمان موقوت وقوم مخصوصون.

وبعد: فتلك كانت إطلالة سريعة على جذور العقيدة الدينية في النفس الإنسانية، والمجال هنا بطبيعة الحال لا يتسع للحديث التفصيلي عن هذا الموضوع المترامي الأطراف والمتشعب الجوانب، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك كله.

الخلاصة

تتأصل النزعة الدينية في الفطرة البشرية كضرورة حتمية لتحقيق التوازن النفسي والروحي، فبينما يمثل الجسد الانتماء لعالم المادة تتطلع الروح والعقل نحو الإيمان بالخالق، وقد جاءت العقيدة لتوجيه هذه الفطرة توجيهًا سليمًا نحو طريق الحق، وتتويجها برسالة الإسلام التي أرست قواعد العقيدة الصافية وحفظت للإنسان كرامته ومقاصده الضرورية.

موضوعات ذات صلة

العقيدةُ هي ما يعقد عليه القلب والضمير، ويجب أن يكون الاعتقادُ الصحيح قائمًا على الجزم واليقين

يُعدُّ الدور والتسلسل من أهم المفاهيم المنطقية والفلسفية التي استُخدمت في بناء الاستدلالات العقلية، سواء في الفكر أو العقيدة،

ورد لفظ «الإيمان» ومشتقاته فى القرآن الكريم والسنة المطهرة مئات المرات

موضوعات مختارة