إن من المعلوم أن الطبيعة الإنسانية تشتمل على عنصرين أساسيين: عنصر مادي، وعنصر روحي، فقد أخبرنا القرآن الكريم في حديثه عن قصة الخلق أن الله قد خلق الإنسان من طين، وأنه عندما اكتملت تسويته وتم صنعه من هذه المادة الطينية التي تشتمل على كل العناصر الأساسية للمادة، أضاف الحق - تبارك وتعالى - إلى ذلك عنصرًا آخر جوهريًّا، وقد تمثل ذلك في العنصر الروحي الذي به اكتمل خلق الإنسان، والذي به صار الإنسان إنسانًا، وأصبح جديرًا بأن يطلب الله من الملائكة أن يسجدوا له تمجيدًا لصنع الله وتكريمًا للإنسان، وفي ذلك يقول القرآن الكريم: ﴿فَإِذَا سَوَّیۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِیهِ مِن رُّوحِی فَقَعُوا۟ لَهُۥ سَٰجِدِینَ﴾ [الحجر: ٢٩]،
ونلاحظ في هذه الآية حقيقة هامة لا يجوز أن تغيب عن الأذهان وهي: أن الله - سبحانه وتعالى - قد أضاف هذا العنصر الروحي إلى ذاته، فقد نفخ الله في الإنسان من روحه هو – سبحانه - وهذا تكريم ما بعده تكريم، وخصوصية للإنسان لم ينلها أحد غيره من الخلق، فبقية المخلوقات تشترك مع الإنسان في العنصر المادي، ولا يمتاز الإنسان عنها فيه شيئًا أكثر من جمال الصورة وكمال الصنعة، ولكن الامتياز الوحيد الأهم من ذلك كله، هو في هذا الجانب الروحي الرباني الذي به أصبح الإنسان خليفة الله في أرضه، وقد أساء إبليس فهم طبيعة الإنسان، ونظر فقط إلى الجانب المادي فيه، واستكبر أن يسجد لآدم قائلًا -كما يخبرنا القرآن الكريم: ﴿قَالَ ءَأَسۡجُدُ لِمَنۡ خَلَقۡتَ طِینࣰا﴾ [الإسراء: ٦١]،
وفي سورة الحجر أيضًا: ﴿قَالَ لَمۡ أَكُن لِّأَسۡجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقۡتَهُۥ مِن صَلۡصَٰلࣲ مِّنۡ حَمَإࣲ مَّسۡنُونࣲ﴾ [الحجر: ٣٣]،
وغفل عن أن الله قد نفخ فيه من روحه -سبحانه، فالأمر إذن لم يكن -كما فعل إبليس- أمر مقارنة بين الطين الذي خلق منه الإنسان، والنار التي خلق منها إبليس، وأفضلية النار على الطين، وإنما الأمر يتعلق بالدرجة الأولى بهذا الجانب الروحي السامي المتصل مباشرة بالله؛ لأنه روح من روح الله -سبحانه، ويشتمل هذا الجانب الروحي على كل القوى المعنوية في الإنسان من عقل، وروح، وقلب، ويعبر حجة الإسلام (الغزالي) عن هذا الجانب الروحي بقوله: إنه ذلك الحس السادس الذي يعبر عنه بالعقل، أو بالنور، أو بالقلب، أو ما شئت من العبارات [إحياء علوم الدين للغزالي ج ٤ صـ ٢٨٩، طبع مصطفى البابي الحلبي – ١٩٣٩م]، ويمكن تقسيم هذا الجانب الروحي إلى قسمين: أحدهما: يتصل بالعقل ومجاله، وثانيهما: يتصل بعالم الروح والوجدان.
ولا يجوز بأي حال إغفال أي من هذه الجوانب الأساسية في طبيعة الإنسان أو تجاهلها أو تغليب بعضها على بعض بطريقة تخل بالتوازن بينها، فالجسم، والعقل، والروح تعد عناصر جوهرية لا بد من مراعاتها جميعًا إذا أريد فهم الإنسان فهمًا سليمًا، وإذا أريد تربيته وتقويمه حتى يصير صاحب شخصية سوية متوازنة، وهذا التوازن من شأنه أن يؤدي إلى إقامة مصالح الدين والدنيا معًا، ومن هنا كان اهتمام الشريعة الإسلامية بالتأكيد على المقاصد الضرورية التي قصدت إليها وهي: حفظ النفس، والعقل، والدين، والنسل، والمال [راجع كتابنا: مقاصد الشريعة الإسلامية وضرورات التجديد- من منشورات المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ٢٠٠٩م]، وهي كلها أمور تتعلق بتلك الجوانب الأساسية في الطبيعة الإنسانية، فالجسم - الذي يمثل الجانب المادي في الإنسان - له حاجاته التي ينبغي تلبيتها من مأكل، ومشرب، وملبس، ومأوى وغير ذلك مما يشبع هذا الجانب المادي في حدود متطلبات هذا الجسم وفي إطار ما رسمه الشرع، والحيوان - الذي يشترك مع الإنسان في هذا الجانب المادي - يتطلع أيضًا إلى إشباع هذا الجانب، وذلك حق مشروع للإنسان، والحيوان على حد سواء، وإذا كان هذا هو الشأن في أمر الجانب المادي فإن الجانب الروحي في الإنسان له أيضًا متطلباته وله حاجاته التي لا بد من إشباعها، والعمل على تلبيتها، فالعقل يتطلع إلى العلم والمعرفة والفهم والإدراك، وهذا حقه، وتلك وظيفته التي خُلِق من أجلها، ومن هنا فإن أي محاولة لتعطيل العقل عن أداء وظيفته تعد نكسة في فطرة الإنسان ترده إلى مستوى الحيوان الأعجم، وتعد تعطيلًا لحكمة الله - سبحانه - من خلق العقل، تمامًا مثلما يعطل الإنسان حاسة من الحواس عن أداء وظيفتها التي خُلِقَت من أجلها، ومن هنا وصف الحق - تبارك وتعالى - هؤلاء الذين يفعلون ذلك بأنهم غير جديرين باستحقاق وصف الإنسان، فهم لا يزيدون عن الحيوان الأعجم، بل هم أحط منه درجة وأدنى منزلة، وفي ذلك يقول القرآن الكريم:
﴿لَهُمۡ قُلُوبࣱ لَّا یَفۡقَهُونَ بِهَا وَلَهُمۡ أَعۡیُنࣱ لَّا یُبۡصِرُونَ بِهَا وَلَهُمۡ ءَاذَانࣱ لَّا یَسۡمَعُونَ بِهَاۤۚ أُو۟لَٰۤئِكَ كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّۚ﴾ [الأعراف:
١٧٩]،
ومن هذا المنطلق يعتبر الإسلام عدم استخدام العقل خطيئة من الخطايا وذنبًا من الذنوب، يقول الله – تعالى - حكاية عن الكفار يوم القيامة:
﴿وَقَالُوا۟ لَوۡ كُنَّا نَسۡمَعُ أَوۡ نَعۡقِلُ مَا كُنَّا فِیۤ أَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِیرِ ١٠ فَٱعۡتَرَفُوا۟ بِذَنۢبِهِمۡ فَسُحۡقࣰا لِّأَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِیرِ﴾ [الملك: ١٠، ١١]،
ولهذا كانت دعوة القرآن الكريم للإنسان لاستخدام ملكاته الفكرية دعوة صريحة لا تقبل التأويل، وفي ضوء تعاليم القرآن يعد التفكير -الذي هو وظيفة العقل الإنساني - واجبًا مقررًا وفريضة دينية، وتتسع دائرة هذا التفكير لتشمل السماوات والأرض وما بينهما، وفي ذلك يقول القرآن الكريم: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِی ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِی ٱلۡأَرۡضِ جَمِیعࣰا مِّنۡهُۚ إِنَّ فِی ذَٰلِكَ لَءَایَٰتࣲ لِّقَوۡمࣲ یَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ١٣]؛
وإذا كانت ممارسة الوظائف العقلية تعد واجبًا دينيًّا فإنها من ناحية أخرى تُعَدُّ مسئولية حتمية لا يجوز للإنسان التخلي عنها، وسيحاسب على مدى حسن أو إساءة استخدامه لها مثلما يسأل عن استخدامه لباقي وسائل الإدراك الحسية، وفي ذلك يقول القرآن الكريم:
﴿وَلَا تَقۡفُ مَا لَیۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُو۟لَٰۤئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡءُولࣰا﴾ [الإسراء:
٣٦]، والعقل -كما يقول أبو حامد الغزالي- أنموذج من نور الله، وقبس من نور الحق -سبحانه، أو كما يقول الجاحظ هو: وكيل الله عند الإنسان [راجع بحثنا حول دور الإسلام في تطور الفكر الفلسفي صـ٧- مكتبة وهبة بالقاهرة]، ومن هنا كانت أول كلمة من الوحي الإلهي على محمد
ﷺ
وهي اقرأ تتجه إلى مخاطبة هذا العقل، وقد تكرر ذكرها مرتين في الآيات الخمس الأولى من الوحي، كما وردت في هذه الآيات أيضًا: كلمة القلم وكلمة العلم، وهذا تأكيد على أهمية القراءة والتدوين بالقلم في سبيل الوصول إلى العلم وحفظه من الضياع، وذلك من المهام الأساسية للعقل الإنساني، وبجانب هذين العنصرين الأساسيين في الإنسان: الجسم، والعقل، يوجد هناك - كما سبق أن أشرنا - عنصر ثالث لا يقل أهمية عنهما ولا يكتمل البناء الإنساني السليم إلا به وهو الروح، وما تتطلع إليه من الارتقاء في مدارج السمو الروحي الذي يعلو على ماديات الحياة ومتعها الزائلة.
فإذا كان العقل يفهم ويدرك ويتدبر ويميز بين الأمور، ويوازن بين الأضداد، ويتأمل فيما يدركه ويقلبه على جميع وجوهه، ويحكم عليه فإنه لا يجوز أن يقتصر مجال عمله على فهم وإدراك ما يتعلق بماديات الحياة وما يتصل بها من علوم وفنون؛ لأنه لو فعل ذلك، ولم يرد أن يرتقي بالإنسان إلى ما يسمو على ماديات الحياة، فإن هذا يعني أنه قد وقف بالإنسان في منتصف الطريق فعالم الماديات - على الرغم من أهميته - ليس هو كل شيء، فهناك فوق ذلك عالم الروح المتصل بالله الذي نفخ في الإنسان من روحه، والعقل في تأملاته وعلومه وفنونه وسائر أعماله مدفوع بفطرته إلى التطلع إلى ما فوق عالم المادة، ومن هنا فإن الوقوف بالإنسان عند عالم المادة يُعَدُّ قُصورًا في فهم طبيعة الإنسان وتكوينه، وهذا الفهم القاصر والخاطئ قد يؤدي بالإنسان إلى إنكار عالم الروح كلية، أو على الأقل إهماله وعدم الاكتراث به، وهنا يظهر الإلحاد في شتى صوره وأشكاله، إن العلم الإنساني مهما بلغت منجزاته المادية، ومهما اتسعت رقعة المعارف التي يضيفها إلى حصيلة البشرية من العلوم فإنه من ناحية أخرى يبين للإنسان قصور طاقاته، فكلما اتسعت دائرة الاكتشافات العلمية، كلما اتسعت دائرة المجهولات أمام الإنسان، لتزيد من طموحات الإنسان لاكتشاف المزيد، وصدق الله العظيم القائل: ﴿وَمَاۤ أُوتِیتُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِ إِلَّا قَلِیلࣰا﴾ [الإسراء:
٨٥]،
وهذا من شأنه أن يحد من غرور الإنسان ويخفف من غلوائه وإعجابه بنفسه ويجعله يلتفت إلى ما وراء هذا الكون المادي، إلى خالق الكون - سبحانه، وقد بينت لنا آية كريمة ذلك في قوله -تعالى: ﴿سَنُرِیهِمۡ ءَایَٰتِنَا فِی ٱلۡءَافَاقِ وَفِیۤ أَنفُسِهِمۡ حَتَّىٰ یَتَبَیَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّۗ﴾ [فصلت: ٥٣]،
وقد أدرك المفكرون الكبار على مدى التاريخ هذا الجانب المهم، وانتهى بهم الأمر إلى إدراك أن الله هو الحق، فتاريخ الفلسفة - على سبيل المثال - يبين لنا أن الفلاسفة الأوائل قد بدأوا تأملاتهم بالسؤال عن أصل هذا الكون المادي وممَّ يتكون، وقد أسلمهم ذلك إلى البحث في طبيعة النفس الإنسانية وعمَّا إذا كانت تختلف في طبيعتها عن الكون المادي، وانتهى بهم التأمل إلى إدراك مبدأ الألوهية.
وهذا هو نفس الترتيب الذي ورد في الآية الكريمة المشار إليها، فالإنسان عندما يفتح عينيه يرى أمامه هذا الكون الكبير وما يشتمل عليه من أرض، وسماء، وبحار، وأنهار، وبشر، وحيوان، ونبات إلخ، ثم يرجع بعد ذلك إلى نفسه - التي تمثل الكون الصغير- يتأمل فيها وفي طاقاتها وقدراتها، ويخرج من هذا التأمل بنتيجة تبين له مدى محدوديته وقدراته كإنسان، وهذه النتيجة بدورها تؤدي به في النهاية إلى إدراك الذات المطلقة التي تمنح الإنسان تلك القدرات والمواهب، أي: تصل به إلى الإيمان، وهكذا نجد أن العقل الواعي الفاهم المدرك لا يقف عند الأسباب الثانوية المبعثرة التي تصادفه في الطبيعة، بل يتابع السير إلى ما وراءها، وعندما يمعن النظر في سلسلة الأسباب كيف تتصل حلقاتها فإنه لا يجد بُدًّا من الارتماء في أحضان العناية الإلهية والتسليم بوجود الله الذي بيده مقاليد كل شيء [راجع كتابنا: دراسات في الفلسفة الحديثة صـ ٣٩- دار الفكر العربي ١٩٩٣م]، وهذا يوضح لنا - كما يقول المرحوم الدكتور دراز- أن النظرة الروحية أو الدينية لا تُولد في النفس إلا حينما يتسع أُفُقُها، فتتجاوز الكون بظاهره وباطنه إلى ما وراءه، فهي أوسع النظرات مجالًا وأبعدها مطلبًا [راجع: الدين للدكتور محمد عبد الله دراز صـ ٨٣- طبعة الأزهر الشريف ٢٠٠٨م]، وقد أكد أساطين العلماء في عصرنا الحاضر من كافة التخصصات العلمية في مجالات الطب، والذرَّة، والكيمياء، وعلم الحياة، وطبقات الأرض، وعلوم البحار، وغيرها من علوم - أكدوا جميعًا أن كل ما انتهى إليه بحثهم أدَّى بهم إلى الاهتداء إلى أن هذا الكون لا يُتصور أن يكون قد نشأ عن طريق الصدفة العمياء [لقد عبر هؤلاء العلماء عن ذلك في كتاب ترجم إلى العربية تحت عنوان: الله يتجلى في عصر العلم]؛ لأنه كون يشتمل على خطة محكمة ونظام متقن، وهذه الخطة المحكمة لا بد أن يكون قد وضعها كائن مطلق قوي قادر عالم حكيم، أليس هذا هو ما يقول به قانون السببية البسيط الذي يُعد من البديهيات؟