يتناول المقال مفهوم (المتشابه) في اللغة والاصطلاح، ويشرح أصله اللغوي ومعناه في النصوص الدينية الإسلامية، مع بيان أنواع المتشابهات في القرآن الكريم ودلالاتها المختلفة، كما يستعرض التفسيرات الشرعية المتعلقة بالمتشابه وأثره في الفهم والتدبر.
يتناول المقال مفهوم (المتشابه) في اللغة والاصطلاح، ويشرح أصله اللغوي ومعناه في النصوص الدينية الإسلامية، مع بيان أنواع المتشابهات في القرآن الكريم ودلالاتها المختلفة، كما يستعرض التفسيرات الشرعية المتعلقة بالمتشابه وأثره في الفهم والتدبر.
المتشابه أولًا: في اللغة: أصله من الثلاثي شبه وهو المثل، قال ابن فارس: "الشين والباء والهاء أصل واحد يدل على تشابه الشيء وتشاكله لونًا ووصفًا، يقال شبه، وشبه، وشبيه.. والمشبهات من الأمور: المشكلات، واشتبه الأمران إذا أشكل". [أبو الحسن أحمد بن فارس بن زكريا، المقاييس في اللغة، ص: ٥٤٨ دار الفكر بدون تاريخ].
والأصل في ذلك، أن كل شيء في الوجود له ذاتيته، ولواحق ذاتيته من الصفة والبيئة واللون، وبهذين - الذاتية ولواحقها - تتفاضل الأشياء وتتفاصل، لكن هذا الأصل يطرأ عليه الشبه أو التشابه فيضعفه، لكنه لا يبطله، فتتشابه الأشياء وتتماثل، لكن يظل التفاضل بينها قائمًا مهما بلغ الشبه قوة، فهذا هو أصل التشابه وحقيقته.
والشبه هو المثل، والتشابه التماثل، والشبيه المثيل، وأشبه الرجل أباه، وتشابه الشيئان تماثلًا. واشتبهت الأمور وتشابهت: التبست وأشكلت حتى كادت الفروق بينها أن تتلاش لشدة تماثلها.
والأمور المتشبهات: المشكلات، وفي التنزيل: {مُشۡتَبِهٗا وَغَيۡرَ مُتَشَٰبِهٍۗ} [الأنعام: ٩٩]
أي متماثلًا وغير متماثل، وقيل: متماثلًا في النظر، وغير متماثلٍ في الطعم، كقوله تعالى: {وَأُتُواْ بِهِۦ مُتَشَٰبِهٗاۖ} [البقرة: ٢٥].
ثانيًا: في الاصطلاح: وردت كلمة: متشابه في الشرع الشريف - قرآنا وسنة - بمعان عدة، لعلنا نستطيع حصرها فيما يلي:
ا - التماثل المادي: فالمتشابه هو: المتماثل المادي، وذلك كقوله تعالى: {مُشۡتَبِهٗا وَغَيۡرَ مُتَشَٰبِهٍۗ} [الأنعام: ٩٩] أي من المتماثلين.
والمراد هنا: الأشكال والطعوم، والوصف ينسحب على جميع ما ذكر في الآية من نباتات كثيرة مجملة وأربع {وَأُتُواْ بِهِۦ مُتَشَٰبِهٗاۖ} [البقرة: ٢٥] مفصله.
ومنه قوله تعالى - عن أصحاب الجنة حين يرون فاكهتها: {وَأُتُواْ بِهِۦ مُتَشَٰبِهٗاۖ} [البقرة: ٢٥] قال المفسرون: متشابها في اللون ومختلفًا في الطعم.
التماثل المعنوي: فالمتشابه هنا متماثل في المعني ومن ذلك قوله عز وجل في وصف القرآن الحكيم: {كِتَٰبٗا مُّتَشَٰبِهٗا} [الزمر: ٢٣] أي يشبه بعضه بعضًا في الفصاحة والبلاغة والإعجاز، ويصدق بعضه بعضًا فلا يختلف ولا يتناقض، ومن ذلك قوله تعالى عن الكافرين: {تَشَٰبَهَتۡ قُلُوبُهُمۡۗ} [البقرة: ١١٨] أي أشبه بعضها بعضًا في الكفر والفسق [فخر الدين الطريحي مجمع البحرين مج: ٦ص: ٣٤٩ -٣٥٠. دار مكتبة اللآلئ - بيروت - ط ١٤٠٥هـ/١٩٨٥م].
٣ - التماثل والتخالط والتداخل في المعنى بحيث يحتاج الأمر إلى دقة فهم وقوة تدبر.
وذلك قوله - عز وجل - عن القرآن المجيد {مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ} [آل عمران: ٧].
فالمتشابهات هنا هن المتماثلات التي يؤول أمرها عند بعض أتباع الفرق إلى أن تصير شبهات وإنما سُميت الشبهة شبهة؛ لأن الباطل فيها يشبه الحق فيلتبس الأمر، سواء كان الإيهام في النص نفسه، أو في ضحالة الفكر وضعف التدبر عند المتلقي.
وقد اختلف في المراد بالمتشابهات من آي القرآن المجيد، على آراء كثيرة تتداخل فيما بينها حتى ينحصر الأمر في قولين، أو ثلاثة على ما يلي:
ومن ذلك - أيضًا - قول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الصحيح: «الْحَلَالُ بَيِّنٌ، وَٱلْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ، فَمَنِ ٱتَّقَى ٱلشُّبُهَاتِ فَقَدِ ٱسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنۡ حَامَ حَوْلَ ٱلْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى ٱللَّهِ مَحَارِمُهُ» [متفق عليه].
وفي رواية: «مَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ، وَقَعَ فِي الْحَرَامِ» وفي الحديث دليل على أن الأخذ بالمتشابه أو الولوغ في الشبهات حرام قطعًا، والوقوع في الحرام حرام يقينًا، فكذا حكم ما يؤدي إليه.
ومن فقه الحديث الذي معنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد ذكر أقسامًا ثلاثة بالنسبة للحلال والحرام: الأول: أمور هي حلال، وكونها حلالًا أمرُ بين واضح لا شبهة في حلها ولا اختلاف.
وعلامتها أن يختلف الناس فيها بين قائل بحلها، وقائل بحرمتها، والاعتبار هنا باختلاف العلماء، أو من هم موسومون بأنهم علماء من حيث إن الأمة تتبعهم وتدين بآرائهم.
ومن المُسلَّم أن القسم الثالث إنما وُجِد بعد رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ حيث لا يتصور أن يكون ثمة أمر يختلف في حله، أو حرمته ورسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ بين ظهراني أمته والوحي يسفر بين السماء والأرض ينزل بأحكام الله، وهذا القسم الثالث قام عليه خلاف بين علماء الأمة في أمور كثيرة يصعب حصرها، وفي عصرنا اشتد الخلاف بين العلماء في أمور مشتبهات يقول البعض بحلها ، ويقول آخرون بحرمتها ، وعامة الناس يتراوحون بين هؤلاء وأولئك، وأظهر مثال على ذلك: فوائد البنوك على الأموال في صورها المختلفة حيث اختلف الناس في كونها حلالًا، أو حرامًا واختلافهم جاء تبعًا لاختلاف العلماء في ذلك.
وقد قسم الرسول ـ صلي الله عليه وسلم ـ الناس بالنسبة لهذه الأمور المشتبهات إلى قسمين أو فريقين:
الأول: فريق لا يعلم تلك المشتبهات، أي لا يعلم حكمها من الحِل والحرمة، وهي بالنسبة إليه مشتبهات لا سبيل إلى معرفة حكمها بيقين فهؤلاء يجب عليهم أن يتقوا هذه الشبهات أو المشتبهات، ويدعوها ويبتعدوا عنها، وهي - حينئذ - ستكون قد أضحت منتمية إلى الشق الثاني، وهي المحرمات، لكنها ليست من يقين القسم، بل مما أُلحق بهذا القسم تورعًا واحتسابًا؛ لأنهم حين تركوها أو اتقوها لم يتقوها لحرمتها، بل لكونها من المتشابهات التي تترك - حين تترك - خوفًا، من الوقوع في الحرام، وحرصًا على حدود الله أو حمى الله تعالى ، كما ورد به النص الشريف.
الفريق الثاني: فريق يعلم تلك الأمور المشتبهات عن طريق تدبره وتفكره، وتفقهه في الدين، ثم في اجتهاده بناء على فهمه وفقهه، ومن قبل ذلك ومن بعده توفيق الله - سبحانه - فهذه الأمور التي هي مشتبهات عند البعض هي ليست مشتبهات عند هذا الفريق من الناس، ويستوي في ذلك أن يكون اجتهادهم أو فهمهم لهذه المشتبهات صوابًا أو خطأ؛ لأن المعتبر هنا أنهم فهموا وأيقنوا أنهم على علم بهذه المشتبهات.
فهؤلاء ليسوا من المدعوين إلى اتقائها، أو المأمورين بذلك حيث إنها بالنسبة إليهم - كما ذكرنا - ليست مشتبهات، وإن كانت كذلك بالنسبة إلى غيرهم.
ولذلك جاء النص النبوي الشريف يقول: «... لاَ يَعْلَمُهُنَّ كَثِيْرٌ مِنَ النَّاسِ» أي إن البعض لا يعلمها، والبعض يعلمها فالذين يجهلونها كثير من الناس، لكن هناك من يعلمها وهم المقابلون لهم، حيث لم يقل الحديث الشريف (لا يعلمهن الناس).
وإذا كان مما استقر أن الله - سبحانه - يحاسب الناس على ما عملوه وأدركوا حكمه، ثم كان عملهم بمقتضى علمهم، فإن على من علم، أن يعمل بما علم، إن أيقن، ومن لم يعلم ترك هذه الأمور واتقاها تورعًا واحتسابًا، مع مراعاة أن علم البعض بها والتزامه بما علم لا يخرج هذه الأمور عن كونها - في الحكم الشرعي -متشابهات أو مشتبهات فإن علم البعض بها لا يخرجها عن دائرة الواقع الذي وصفت به، وهو اختلاف الناس في حكمها، ذلك الاختلاف الذي جعلها متشابهات، يرى البعض حلها ، ويري البعض حرمتها، ويتوقف فيها عامة الناس وهذا ضابط المتشابهات أو المشتبهات.
وعندما نستقرئ القرآن الكريم نجد فيه آيات تصفه بأنه كله محكم، كما نجده فيه آيات تصفه بأنه كله متشابه، وجاء فيه نوع ثالث نجد فيه بأنه يصف الكثرة بأنه محكم و قليله متشابه ففي القرآن جاء قوله تعالى في وصف الكتاب العزيز: {كِتَٰبٌ أُحۡكِمَتۡ ءَايَٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتۡ مِن لَّدُنۡ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود: ١] وجاء في وصفه أيضًا قال تعالى: {ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحۡسَنَ ٱلۡحَدِيثِ كِتَٰبٗا مُّتَشَٰبِهٗا مَّثَانِيَ تَقۡشَعِرُّ مِنۡهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ} [الزمر: ٢٣] ففي الآية الأولي وصف الكتاب كله بأنه {كِتَٰبٌ أُحۡكِمَتۡ} وفي الثانية وصف الكتاب كله بأنه :{أَحۡسَنَ ٱلۡحَدِيثِ كِتَٰبٗا مُّتَشَٰبِهٗا} ثم هناك آية ثالثة تصفه بأنه: {مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ} [آل عمران:٧] أي أن البعض منه متشابهات؛ ولهذا كان نوع التشابه الذي وصف به الكتاب كله في الآية الثانية لا بد أن يكون مختلفًا عن نوع التشابه الذي وصف به بعض آياته في الآية الثالثة.
والتشابه أنواع:
أولًا: التشابه العام: وهو ضد الاختلاف، وهو الذي وصف به القرآن كله بأنه: {كِتَٰبٗا مُّتَشَٰبِهٗا} [الزمر: ٢٣] فهذا النوع من التشابه يعم القرآن كله، وهو وصف للقرآن بأنه متفق غير مختلق، يصدق بعضه بعضًا، وهو عكس المتضاد المختلف المذكور في قوله تعالى: {وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا} [النساء: ٨٢] وهذا التشابه العام يوافق الإحكام الذي وصف به القرآن كله بأنه {كِتَٰبٌ أُحۡكِمَتۡ ءَايَٰتُهُۥ}.
الثاني : التشابه الخاص ببعض الآيات: وهو الذي وصفت به آياته لا بعينها في قوله تعالى: {وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ} [آل عمران: ٧] في مقابلة وصف بعض آياته بأنهن قال تعالى: {مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ} [آل عمران: ٧] وينبغي أن يكون نوع التشابه هنا غيره في النوع الأول؛ لأن الله تعالى قد ذم متبعي المتشابه في النوع الثاني حيث قال بعد ذلك : {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦۖ} [آل عمران: ٧] فحيث قد ذم متبعي المتشابه هنا دل ذلك على أن المعني المقصود هنا غيره هناك، وإلا لكان معنى التشابه في الموضعين واحدا، فيكون كل متبع للمتشابه مذمومًا، ووصف آيات القرآن كلها بأنها {أَحۡسَنَ ٱلۡحَدِيثِ كِتَٰبٗا مُّتَشَٰبِهٗا} [الزمر: ٢٣] يمنع ذلك، وإلا لكان كل متبع للقرآن مذمومًا .
الثالث: التشابه الإضافي: وهو اشتباه الأمر على بعض الناس، كقول بني إسرائيل: {إِنَّ ٱلۡبَقَرَ تَشَٰبَهَ عَلَيۡنَا} [البقرة: ٧٠] وكقول النبي صلي الله عليه وسلم: «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُتَشَابِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ...» فدل ذلك على أن التشابه قد يكون بالإضافة إلى بعض الناس دون بعض.
ولقد قسم الراغب الأصفهاني المتشابه في كتاب الله إلى ثلاثة أنواع [الإتقان للسيوطي ٥/٢ط الحلبي سنة ١٩٥١ م.]؛ وذلك لأن الاشتباه إما أن يكون من جهة اللفظ فقط، أو من جهة المعني فقط، أو من جهة اللفظ والمعني معا.
فالأول: ما يرجع التشابه فيه إلى الألفاظ مفردة سواء كان ذلك لغرابة في استعمال اللفظ نحو الأب في قوله تعالى {وَفَٰكِهَةٗ وَأَبّٗا} [عبس: ٣١] ونحو يزفون في قوله تعالى: {فَأَقۡبَلُوٓاْ إليۡه يَزِفُّونَ} [الصافات: ٩٤] أو من جهة الاشتراك اللفظي نحو اليد، العين.
الثاني: ما يرجع التشابه فيه إلى جملة الكلام المركب، وذلك ثلاثة أنواع:
أما النوع الثاني من أنواع التشابه: فهو التشابه من جهة المعنى، وهو ضربان
النوع الثالث: وهو التشابه من جهة اللفظ والمعنى، ويرجع ذلك إلى تركيب بعض وجوه اللفظ مع بعض وجوه المعنى.
مثل غرابة اللفظ مع دقة المعنى، فينتج لنا عدة أقسام مشتركة بين اللفظ والمعنى؛ لأن أقسام التشابه اللفظي ثلاثة، والمعنوي اثنان، فمضروب التشابه اللفظي في التشابه المعنوي ينتج لنا عدة أقسام للتشابه.. والأصفهاني في تقسيمه السابق كان معنيًا بالتقسيمات اللفظية بحسب نظرته إلى الكلمة فقط وما يمكن أن تكون فيه متشابهة من استعمالات لغوية، وعلى هذا النمط كان يسير العسقلاني والأنصاري في شرحهما لصحيح البخاري [انظر شرح صحيح البخاري ٣٢٥/٨ للعسقلاني بدون تاريخ].
أما (ابن جرير الطبري) فقد حكى جملة من أقوال السلف في المحكم والمتشابه من خلال تفسيره للآية الكريمة {ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ} [آل عمران: ٧] فعن ابن عباس: أن المحكمات ناسخه وحلاله وحرامه، وحدوده وفرائضه وما يؤمن به ويعمل به، والمتشابهات: منسوخه ومقدمه ومؤخره وأمثاله وأقسامه، وما يؤمن به ولا يعمل به.
ويحكى مثل هذا عن ابن مسعود، وعن قتادة، وعن الربيع، والضحاك وعن مجاهد: أن المتشابه ما أشبه بعضه في المعاني وإن اختلفت ألفاظه.
وقال آخرون: المحكم من آي القرآن ما عرف العلماء تأويله وفهموا معناه وتفسيره.. والمتشابه ما لم يكن لأحد إلى علم تأويله سبيل، مما استأثر الله بعلمه دون خلقه نحو أخبار القيامة ووقت خروج عيسى ابن مريم [تفسير الطبري/١٧٠ "٢٠٢ ط دار المعارف].
وعن قتادة والربيع والسدي: المحكم هو الناسخ الذي يعمل به، والمتشابه هو المنسوخ الذي يؤمن به ولا يعمل به [تفسير سورة الإخلاص، ط المنبرية ١٩٥٢م]
وينبغي الإشارة هنا على أن هناك اتجاهًا يهدف إلى تحديد المتشابه بأنه آيات بعينها وكذا المحكم، فالسيوطي قد أورد في كتابه: (الإتقان في علم القران) [الإتقان ٢/٢ -٤ ط الحلبي ١٩٥١م]
ما يزيد على العشرين قولًا في المتشابه وكلها تميل إلى جعل المتشابه أو المحكم آيات بعينها فمن هذه الأقوال: ا - المحكم: هو آيات الفرائض والوعد والوعيد.
والمتشابه: آيات القصص والأمثال.
روى ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
٢- أخرج ابن أبي حاتم عن الربيع أن المحكم هو أوامر القرآن الزاجرة.
٣- وعن ابن عباس أيضًا: أنه قرأ: {مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ} فقال من هاهنا {قُلۡ تَعَالَوۡاْ أَتۡلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمۡ عَلَيۡكُمۡۖ} [الأنعام: ١٥١] إلى ثلاث آيات بعدها {وَقَضَيٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ} [الإسراء: ٢٣] إلى ثلاث آيات بعدها، أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس من وجه آخر.
٤ - وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان: أن المتشابه فواتح السور التي بدئت بحروف المعجم مثل: ألم، طسم، كهيعص.. ونلمح من خلال الأقوال التي أوردها السيوطي والتي تميل إلى تحديد معنى كل من النوعين أن بينها شبه اتفاق على معنى المحكم، بمعنى أنه إذا ذكر قول في تحديد هذه الآية بأنها محكمة لا نجد هذه الآية بعينها متشابهة عند الآخر، ونجد مثل ذلك في تحديد المتشابهة.
فمن قال بأن آيات القصص من المتشابه أو أوائل السور لا نجد غيره يذكر أنها محكمة وإن نجد قول بعضهم يعاضد قول بعض فلا نجده يعارضه أو ينفيه.
وقد فسر الإمام أحمد هذه الآيات بما أزال الاشتباه عنها بحيث أصبحت معلومة له ولغيره فلم تكن متشابهة في حقه ولا في حق من وقف على معناها، وهي متشابهة عند من يحتج بها من المعتزلة والأشاعرة، وعليه أن يردها هو إلى ما يعرفه من المحكم [تفسير سورة الاخلاص ص ١٦٦].
ولقد ورد في بعض الكتب التي تحكي مذهب السلف: أن آيات الصفات من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله وذلك لدقة المعنى المقصود منها وخفائه، وقد ذكر ذلك صاحب المنار الشيخ محمد رشيد رضا بعد أن حكى لنا عشرة أقوال في المحكم والمتشابه ثم يحكي أن المتشابه آيات الصفات خاصة ومثلها أحاديث الصفات [تفسير المنار ١٦٥/٣].
ولكن من العلماء من يقول إنها ليست من المتشابه.
وهذا بخلاف ما عليه الإمام أحمد وجمهور السلف.
والدليل على أن ذلك: ليس بمتشابه لا يعلم أحد معناه أن نقول: لاريب أن الله سَمَّى نفسه في القرآن بأسماء مثل: (الرحمن الرحيم) وغير ذلك ...
فإنا نفهم من قوله: إن الله بكل شيء عليم معنى، ونفهم من قوله إن الله على كل شيء قدير معنى ليس هو الأول، فهل هذه الأسماء دالة على الإله المعبود وعلى حق موجود أم لا؟ وهل نفهم منها دلالتها على نفس الرب ولم نفهم دلالتها على ما فيها من معان كالقدرة والعلم مثلًا.
فمن أين إذن يأتي الاشتباه ويتطرق إليها الترمذي في الكلام عن حديث الرؤية: المذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري ومالك وابن المبارك وابن عيينة ووكيع، وغيرهم أنهم قالوا: تروي هذه الأحاديث كما جاءت نؤمن بها، ولا يقال كيف، ولا نفس، ولا نتوهم [الإتقان للسيوطي ٦/٢]
إن هناك معنى معلومًا لنا، ويجب علينا الإيمان به، وإن هناك كيفًا مجهولًا عنا والسؤال عنه بدعة، والفرق واضح بين معنى الاستواء وبين كيفيته ولقد أثبت مالك وابن أبي ربيعة وأم سلمة: أن الاستواء معلوم لنا غير مجهول عنا، وأن الكيف مجهول عنا وغير معقول، وهنا اتفاق بينهم على أنهم يعلمون معنى هذه الآية، وأنهم لم يجهلوا تفسيرها ولا معناها، وإنما الذي كفوا أنفسهم عنه، وتناهوا فيما بينهم عن الخوض فيه هو البحث عن الكيف؛ لآن هذا قد استأثر الله بعلمه.
ونحن لم نطالب إلا بمعرفة معنى الآية وتدبر معناها، ولم نكلف العلم بكيفيتها ولا حقيقتها؛ لأن معرفة الكيف والحقيقة هو تأويلها الذي لا يعلمه إلا الله.
وهكذا شان جميع آيات القرآن التي تتصل بصفات الله تعالى أو تتحدث عنه، أو عن القيامة والبعث، فلم نكلف إلا معرفة معناها فقط ومعنى ما تدل عليه، أما البحث عن كيفيتها وحقيقتها فهذا هو التأويل المحجوب عنا؛ لأن ذلك من الغيوب التي استأثر الله بعلمها حيث لا يعلم تأويلها إلا الله.
مراجع الاستزادة:
كتب التفسير ومنها:
كتب السنة ومنها:
كتب أخرى منها:
المتشابه في النصوص الشرعية يشمل أبعادًا لغوية ومعنوية وشرعية، ويُفهم بعمق علمي وتقوى بعيدًا عن الهوى، ويُطلق على ما يحتمل أكثر من تأويل، وقد ورد في القرآن والسنة بأشكال متعددة كالتشابه المادي والمعنوي والاشتباه في الفهم، وهو مجال اختلاف بين العلماء، وهو ينقسم إلى تشابه عام وخاص وإضافي، وله مراتب بحسب الراغب الأصفهاني: لفظي، معنوي، ولفظي معنوي معًا، فالمحكم هو ما دلّ على معنى واحد واضح، والمتشابه ما اشتبه على البعض دون الآخرين.
يعد فهم المحكمات والمتشابهات في القرآن الكريم أمرًا أساسيًا لتحقيق استنباط صحيح للأحكام الشرعية.
القَسَم في الأسلوب القرآني يُستخدم كوسيلة للتأكيد والإقناع.
مثل القلم في الفكر الديني والتصوف الإسلامي رمزًا للقوة الإلهية.